الرئيسية / آبائيات / القديس بوليكاريوس أسقف أزمير (سميرنا) – الأباء الرسوليون

القديس بوليكاريوس أسقف أزمير (سميرنا) – الأباء الرسوليون

القديس بوليكاريوس أسقف أزمير (سميرنا) – الأباء الرسوليون

القديس بوليكاربوس وقانونية العهد الجديد
القديس وقانونية العهد الجديد

القديس بوليكاريوس أسقف أزمير (سميرنا) – الأباء الرسوليون

كان بوليكاريوس أسقفاً لمدينة سميرنا، وترجع المكانة الرفيعة التي كان يحظى بها إلى حقيقة كونه تلميذاً للرسل، فقد ذكر إيرينيوس (Euseb. Hist. Eccles 5: 20: 5) أن بوليكاريوس قد جلس عند قدمي القديس يوحنا، بل والأكثر من ذلك أنه قد أقيم أسقفاً لسميرنا بواسطة الرسل أنفسهم (Adv. Haer. 3: 3: 4). وقد أرسل إليه القديس إغناطيوس برسالة من رسائله باعتباره أسقفاً لسميرنا. أما المناقشات التي حدثت بينه وبين البابا أنيكتوس (Anicetus) في روم ا عام 155م بخصوص عدة شؤون كنيسية خاصة بذلك الوقت، خاصة أمر تحديد ميعاد الاحتفال بعيد الفصح، فهي دليل آخر على المكانة الرفيعة التي كان بوليكاريوس يتمتع بها. غير أن الطرفين – في خضم هذا النقاش الحامي – لم يصلا في هذا الموضوع إلى حل مرض لكليهما، حيث أن بوليكاريوس قد احتكم إلى القديس يوحنا والرسل باعتبارهما السلطة التي يعتمد عليها في عادة الاحتفال الأربعشري[1] بالفصح، في حين تمسك أنيكتوس بالتقليد الذي كان أسلافه يعملون به، أي الاحتفال بالفصح يوم الأحد، وبالرغم من اختلاف البابا أنيكتوس مع بوليكاريوس، إلا أنهما افترقا بسلام[2]. وذكر إيرينيوس أيضاً (Adv. Hear. 3: 3: 4) أن ماركيون[3] الهرطوقي قابل بوليكاريوس وسأله: “هل تعرفني؟” فرد عليه قائلاً: “بالطبع أعرفك، أنت بكر الشيطان”.

استشهاد بوليكاريوس

لدينا رواية تفصيلية عن استشهاد بوليكاريوس الذي حدث بعد مدة قصيرة من رجوعه إلى روما (غالباً بتاريخ 22 فبراير عام 156م)، وذلك في رسالة مبعوثة من كنيسة سميرنا إلى الجماعة المسيحية بمدينة فيلوميلوم (Philomelum) بفيرجية الكبرى (عام 156م). وهذه الوثيقة هي أقدم رواية مفصلة باقية لدينا عن استشهاد فرد واحد، لذلك كثيراً ما تعتبر أول عمل يندرج تحت فئة “أعمال الشهداء” (Acts of the Martyers)، وذلك بالرغم من أن هذه الوثيقة – احتكاماً إلى تكوينها الأدبي – لا تندرج تحت هذه الفئة، لكنها تقع تحت فئة “الأدب الرسائلي المسيحي المبكر” (early Christian epistolography). وتحمل الرسالة توقيع رجل اسمه ماركيون، وكُتبت بعد استشهاد بوليكاريوس بوقت قصير، ولقد أضيفت لاحقاً إلى هذه الوثيقة بعض المعلومات الإضافية. ونحصل من هذه الرسالة على صورة ممتازة لشخصية بوليكاريوس النبيلة، فحينما أمره الوالي “ستاتيوس كوادراتوس” (Statius Quadratos) قائلاً: “العن ولسوف أطلقك، سُب المسيح”، جاوبه قائلاً: “لقد خدمته لستة وثمانين عاماً ولم يسئ إليّ قط: كيف أجرؤ إذن أن أجدف على ملكي الذي خلصني؟” (فصل 9: 3). كذلك، عندما أراد معذبوه أن يسمروه على العمود الخشبي الخاص بالمحرقة قاله لهم: “اتركوني كما أنا، فإن الذي يمكنني من أن أحتمل النيران سوف يمكنني أيضاً أن أبقى في المحرقة بلا حراك دون الحاجة إلى مساميركم.” (13: 2).

وهذه الرواية تعد أقدم رواية استشهاد معروفة للباحثين المعاصرين، وهي مهمة جداً لفهم مصطلح الاستشهاد فهماً صحيحاً. ولقد صادفنا من قبل تركيزاً على فكرة كون الاستشهاد اقتداء بالمسيح، هذا الاقتداء الذي يكمن في التشبه بآلامه وموته.

وعلاوة على ذلك، تعتبر هذه الوثيقة أقدم دليل على عادة تكريم الشهداء: “وبعد ذلك أخذنا بقاياه، تلك الأثمن من الحجارة الكريمة الغالية الثمن، والأرفع شأناً من الذهب، ودفناها في مكان لائق حتى يسمح الله بأسرع ما يمكن أن يجمعنا في فرح عظيم بشهادته التي هي يوم مولده”. (فصل 18: 2).

ومن المدهش أن نرى مدى الإيجابية التي تؤكد بها تلك الوثيقة على التكريم الممنوح للشهداء وتفسره: “نحن نعبده لأنه ابن الله، ونحب الشهداء لأنهم تلاميذ الرب والمقتدون به؛ إنهم يستحقون ذلك بسبب حبهم الذي لا يبارى لملكهم ومعلمهم.” (فصل 17: 3) وهنا يظهر بشكل واضح لا لبس فيه كل من الهدف الحقيقي والطابع العقائدي لتكريم الشهداء، ذلك التكريم الذي يختلف عن العبادة المقدمة للمسيح.

أما الصلاة التي قالها القديس بوليكاريوس قبل استشهاده فهي مهمة لدراسة تاريخ الصلوات المسيحية المبكرة، ليس فقط من أجل التسبحة الثالوثية مكتملة الأركان الظاهرة فيها، ولكن لأن الصلاة كلها تذكرنا بصيغ الصلوات الليتورجية: “أيها الرب الإله الكلي المقدرة، أبو ابنك المحبوب والمبارك يسوع المسيح، الذي بواسطته قبلنا معرفتك الكاملة، إله الملائكة والقوات والخليقة كلها، وكل صفوف القديسين الذين يعيشون أمام عينيك، أباركك لأنك قد حسبتني مستحقاً أن تهبني هذا اليوم وتلك الساعة، لتكون لي مع عداد شهدائك شركة كأس مسيحك، وأن أقوم إلى الحياة الأبدية بالروح والجسد، بفضل خلود الروح القدس. اقبلني أمامك اليوم في عدادهم ذبيحة ثمينة مرضية كما سبق وأعددت وأعلنت مقدماً وأكملت أيها الإله الحقيقي الذي ينطق زيفاً. لذلك أسبحك على كل شيء، أباركك وأمجدك بيسوع المسيح رئيس الكهنة الأبدي والسمائي، ابنك الحبيب الذي به لك المجد معه ومع الروح القدس الآن وكل أوان آمين.” (ACW 14).

ومن ناحية أخرى، هناك وثيقة منحولة تدعى “حياة بوليكاريوس” (Vita Polycarpi) كتبها شخص يدعى “بيونيوس” (Pionius). لكن إذا تحدثنا عن المؤلف، فيجب أن نخرج من حساباتنا بيونيوس، كاهن سميرنا الذي استشهد في حكم داكيوس، ويتسم العمل بالكامل بسمة أسطورية، ويحتمل أن يكون قد كتب سنة 400م كملحق لقصة استشهاد بوليكاريوس الأصلية الأقدم.

الرسالة إلى أهل فيلبي

يخبرنا إيرينيوس (Euseb. Hist. 5: 20: 8) أن بوليكاريوس وجه عدة رسائل للجماعات المسيحية المجاورة وللأساقفة شركائه في الخدمة. ولكن، بقيت لدينا واحدة فقط من هذه الرسائل هي الرسالة إلى أهل فيلبي. وقد وصل إلينا نص الرسالة الكامل في ترجمة لاتينية، فالمخطوطة اليونانية تقف عند الفصل (2: 1-9)، ولكن يوسابيوس قد أشار أيضاً (Euseb. Hist 3: 36: 13-15) إلى النص اليوناني الخاص بالفصول من (9 إلى 13).

وكان المسيحيون في فيلبي قد طلبوا من بوليكاريوس نسخة من رسائل إغناطيوس فأرسلها إليهم مع رسالة بخط يده يطلب فيها أن يعلموه بأخبار موثوق بها عن إغناطيوس، وبالتالي لابد أن تكون قد كتبت بعد استشهاد إغناطيوس بقليل. والرسالة عبارة عن عظة أخلاقية يمكن لنا أن نقارنها برسالة كليمندس الأولى لأهل كورنثوس. ولقد استعان بوليكاريوس بالفعل برسالة كليمندس كمرجع لرسالته، كما أننا يمكننا أن نرى فيها صورة أمينة للتعليم والنظام والمحبة المسيحية التي سادت في الكنيسة في ذلك الوقت.

وقد اقترح هاريسون (P. n. Harrison) نظرية مفادها أن الوثيقة التي ندعوها رسالة بوليكاريوس هي في الحقيقة مكونة من رسالتين وجههما بوليكاريوس لأهل فيلبي في وقتين مختلفين، ولكنهما قد كتبتا معاً في وقت مبكر على نفس البردية، وهكذا اندمجتا معاً في رسالة واحدة. وقد كانت الرسالة الأولى مكونة من الفصل الثالث عشر، وربما أيضاً من الفصل الرابع عشر، وهي عبارة عن مذكرة قصيرة أرسلها بوليكاريوس مع رسائل إغناطيوس مباشرة بعد زيارة إغناطيوس كسجين إلى سميرنا وفيلبي في طريقه إلى روما. وكان تاريخ كتابة هذه المذكرة على الأرجح في وقت مبكرة من شهر سبتمبر في العام الذي استشهد فهي إغناطيوس (حوالي 110م). أما الرسالة الثانية فتتكون من الفصول (1-12) وقد كتبها بوليكاريوس بعد 20 سنة من الرسالة الأولى، وفي ذلك الوقت كان اسم إغناطيوس قد أصبح ذكرى مباركة، وأصبحت قصة استشهاده طي التاريخ. أما الهرطوقي الرئيس الذي أدانه بوليكاريوس في جسم الرسالة فهو ماركيون. وعلى هذا الضوء، إلى جانب الأدلة الداخلية الأخرى، لا يمكننا أن نُرجع تاريخ كتابة هذه الرسالة إلى ما قبل ثلاثينات القرن الثاني الميلادي. والحقيقة أن نظرية هاريسون مقتنعة جداً وتزيل الاعتراض القوي الوحيد الموجه ضد التأريخ المبكر لرسائل إغناطيوس.

1 – التعليم العقيدي

تدافع الرسالة عن التعاليم الخريستولوجية المتعلقة بالتجسد وموت المسيح على الصليب ضد التعاليم الخاطئة، من خلال الكلمات التالي: “كل إنسان لا يعترف بأن يسوع المسيح قد جاء في الجسد هو ضد المسيح، والذي لا يعترف بشهادة الصليب هو من الشرير، والذي يشوه كلمات الرب حسب أهوائه ويقول ليس قيامة ولا دينونة هو “بكر الشيطان”. (فصل 7: 1).

2 – التنظيم الكنسي

لا يذكر بوليكاريوس اسم أي أسقف لفيلبي، ولكنه يتكلم عن الطاعة الواجبة للقسوس والشمامسة. وهكذا يمكن للمرء أن يبرر موقفه في افتراض أن المجتمع المسيحي في فيلبي كان يديره مجلس من القسوس. وتصف لنا الرسالة القس المثالي بالكلمات التالي: “يجب أن يكون القسوس شفوقين، رحومين بالكل وبالخراف الضالة التي سارت بعيداً، مفتقدين كل المرضى، غير مهملين للأرملة واليتيم والفقير، معتنين دائماً بمن هو حسن في عيني الله والناس، منزهين عن كل غضب، ومحاباة للوجوه، والأحكام الظالمة، بعيدين عن كل محبة للمال، غير مسارعين في تصديق أي اتهام ضد أي إنسان، غير قاسين في أحكامهم، عالمين أننا كلنا مديونون بسبب خطايانا”. (فصل 6: 1).

 

3 – الإحسان

إعطاء الصدقات هو أمر محبذ جداً: “عندما يكون في إمكانك أن تفعل الخير لا تتردد لأن الصدقة تنجي من الموت. ليخضع بعضكم لبعض حتى تكون تصرفاتكم بلا لوم أمام الأمم، لأن بأعمالك الطيبة سيكون لك مديح، ولن يجدف على الرب بسببك”. (فصل 10: 3).

4 – الكنيسة والدولة

موقف الكنيسة من الدولة في الرسالة جدير بالملاحظة، فالصلاة لأجل السلطات المدنية أمر موصى عليه صراحة: “صلوا أيضاً من أجل الملوك والسلطات والحكام ومن أجل الذين يضطهدونكم ويكرهونكم ومن أجل أعداد الصليب حتى يظهر ثمركم للكل حتى تكونوا كاملين فيه.” (فصل 12: 3).

[1] أي الاحتفال بالفصح في الرابع عشر من شهر نيسان بغض النظر عن كونه أي يوم من أيام الأسبوع. (المترجم).

[2] هذا الموقف يناقض ما يدعيه المؤلف عن رئاسة كنيسة روما على أي كنيسة أخرى (المترجم).

[3] أحد رواد الهرطقة الغنوسية في القرن الثاني. (المراجع).

إقرأ أيضاً: