مواضيع عاجلة

عذراء أم فتاة صغيرة؟ نبؤة أشعياء (7: 14) – أ/ أمجد بشارة

عذراء أم فتاة صغيرة؟ نبؤة أشعياء (7: 14) – أ/ أمجد بشارة

عذراء أم فتاة صغيرة؟ نبؤة أشعياء (7: 14) – أ/ أمجد بشارة

عذراء أم فتاة صغيرة؟ نبؤة أشعياء (7: 14) - أ/ أمجد بشارة
عذراء أم فتاة صغيرة؟ نبؤة أشعياء (7: 14) – أ/ أمجد بشارة

 

هناك نبوءة واضحة في إشعياء 7: 14
«ولكن يعطيكم السيد نفسه آية، ها تحبل وتلد ابناً وتدعو اسمه عمانوئيل».

هنا سؤالان محددان يبدأ بهما هذا النص. الأول هو، ما معنى كلمة (ALMAH)= (הָעַלְמָה- ألما او علْماه- عذراء) العبرية، هل تعني فقط «»؟ والسؤال الثاني هو، لمن تشير «» المذكورة في النص؟

ماذا تعني كلمة (علْماه)؟
يتحدد معنى أي كلمة من سياق النص. مثلاً كلمة (TRUNK) تعني مكان التخزين في مؤخرة السيارة. عندما نقرأ الجملة التالية (وضعت السيدة شنطتها في TRUNK السيارة)، أو نفهم أن تلك الكلمة تعني الأنف الطـويـل للفيــل عندمـا نقرأ الجملـة التالية «رفع الفيل الـ TRUNK الخاص به والتقط الفول السوداني من يد الطفل». وبشكل مشابه نحاول أن نفهم لفظة (علْماه) من سياق الجملة ككل.استخدمت تلك الكلمة في كتابات سبع مرات لتشير إلى امرأة صغيرة في السن لم تتزوج بعد (تك 24: 43، خر 2: 8، مز 68: 25، أم 30: 19، نش 1: 3، 6: 8، إش 7: 14). ويذكر إدوارد هندسون: «مع أنه أمر حقيقي أن كلمة (علْماه) ليست هي الكلمة المعتادة لتدل على «عذراء»، إلا أن استخدامها دائماً يدل على هذا المعنى». وأكثر من ذلك، فإن التفسير الكتابي لهذه الكلمة لا تعني أبداً سيدة متزوجة، لكن تعني دائماً امرأة غير متزوجة[1]، وهذا نتوصل إليه باستعراض الفقرات التي وردت فيها هذه الكلمة في الكتاب المقدس:

التكوين 24: 43
في سفر (التكوين 24) بعدما يصل عبد إبراهيم إلى ناحور يصلِّي إلى طالباً أن يلهمه العثور على المرأة المناسبة لابن إبراهيم. والآية (16) تصف رفقة بأنها «امرأة صغيرة السن»، وقد كانت حسنة المنظر جداً وعذراء (بتول)، لم يعرفها رجل «وبعد قليل يشير إليها عبد إبراهيم في الآية 43 بأنها عذراء (علْماه)».

الخروج 2: 8
كتب ريتشارد نيسن في شأن هذا النص:
الإصحاح الثاني من سفر الخروج يتكلم عن حادثة إنقاذ الطفل موسى من النهر بيد ابنة فرعون. وكانت أخت موسى (مريم) تراقب الموقف على البعد وأسرعت إلى بنت فرعون واقترحت عليها أن تجد لها أمرأة عبرانية (أم موسى) لكي ترضع الطفل «فقالت لها ابنة فرعون اذهبي، فذهبت الفتاة (علْماه) ودعت أم الطفل» (خر 2: 8).
الطريقة التي تم بها تقديم مريم في أصحاح 2: 4 توحي بأنها لم تكن أكبر من موسى بسنوات طويلة، وما يؤكده هو أنها كانت تحيا في كنف والديها في ذلك الحين.
يبدو من هذا النص أن أي عنصر خاص بالعذرية البيولوچية في كلمة (علْماه) متضمن في السن، فمريم يبدو أنها كانت في سنوات المراهقة، أي أنها مازالت عذراء[2].
وهذا ما يؤكده ألبرت مايرز أن مريم أخت موسى «كانت بلا شك عذراء» (خر 2: 8)[3].

مزمور 68: 25
في هذا النص «في الوسط فتيات (علْماه) ضاربات الدفوف»، جزء من الاحتفال الذي صاحب الملك حتى المذبح. في مجال تعليقه على ذلك النص، يذكر أن هذه الفتيات «بالتأكيد لسن عاهرات أو غير طاهرات، لكن كن عفيفات وفي خدمة ، طالما أنهن عذارى»[4].
أكثر من ذلك، فإنه طبقاً للعادات السامية، كانت الفتيات اللاتي لم يتزوجن بعد، يشاركن في احتفالات الزواج والاحتفالات الأخرى بوجه عام. لذا فإن الإنسان يفترض أن الفتيات الصغيرات اللاتي اشتركن في هذا الاحتفال كنَّ عذارى[5].

أمثال 30: 19
كاتب هذا النص يذكر أربعة أشياء تعتبر «مدهشة جداً» بالنسبة له: الطريقة التي يطير بها النسر في السماء، الطريقة التي يزحف بها الثعبان فوق الصخرة، الطريقة التي تسير بها السفينة في عرض البحر،والطريقة التي يتبعها الإنسان مع (علْماه). في الآية 20 يقارن ما بين السيدة الشريرة، والعذراء الفاضلة[6].
ويشير هندسون في مجال تفسيره لأمثال 30: 19، يقول «المقارنة التي حدثت في الفقرات التالية توضح الاختلافات ما بين البركات الطبيعية للفتاة الفاضلة بالمقارنة مع المرأة الشريرة. لذلك، فإن الصورة هنا يجب أن تفسر بأنها تشير إلى فتاة عذراء»[7].
ويفهم نيسن هذا النصّ بشكل مماثل: «ما هو مثير للإعجاب هنا هو الغزل والافتتان والمحبة بين الشاب وفتاته. وبالرغم أن النص لا يشير إلى عذرية الفتاة، إلا أنه يمكن افتراض ذلك.

نشيد الأنشاد 1: 3
في هذا الجزء من أغنية الحب الشعرية، تقول العروس وهي تصف عريسها «لرائحة أدهانك الطيبة اسمك دهن مهراق، لذلك أحبتك العذارى (علْماه)». ويشرح چاك دير هذا النص قائلاً «اسم الشخص يمثل صفاته أو سمعته. لذلك كان اقتران اسم سليمان بالدهن والعطر توضح أن صفاته كانت محببة وجاذبة لأن يُحب، لهذا السبب، قالت هي، إن العذارى أحبتك[8].
والنساء الأخريات اللاتي تجذبن للمحبوب بسبب صفاته لم يكنَّ متزوجات بل فتيات يرغبن في تواجد العريس لكن فشلن في ذلك السعي. وكلمة (علْماه) هنا تشير إلى العذرية[9].

نشيد الأنشاد 6: 8
هذا النص يشير إلى ثلاثة فئات من النساء في قصر الملك: الملكة، السريات، والفتيات (علْماه). ويكتب نيسن قائلاً، الملكات بالطبع متزوجات، والسرايا طبقاً للقانون العام مشابهات لزوجات زماننا هذا. أما (الفتيات) فمن الواضح أنهن مختلفات عن المجموعتين من الزوجات، ومماثلات للنساء غير المتزوجات. وهنَّ كنَّ في خدمة الملكة، وسوف يكون مصيرهن أن يتم اختيار بعضهن بعد ذلك كزوجات للملك. لذلك فمن الطبيعي أن يكنَّ عذارى. وتأكد وهذا من استعراض الأحداث في سفر (أستير 2). حيث جمع الملك أحشويرش عدداً كبيراً من العذارى لكي يختار منهن ملكة جديدة (أس 2: 1- 4). كانت الطهارة ضرورية للغاية لدرجة أن النسوة كن يمارسنَّ طقوساً خاصة للطهارة تمتد لسنة كاملة (أس 2: 12 و 13) قبل الدخول إلى الملك في غرفته. وعذريتهم ليست محل للتساؤل، إنه أمر مفترض.

إشعياء 7: 4
بعد قيامنا بدراسة كلمة (علْماه) في الكتب المقدسة اليهودية، يصل ديك ويلسون إلى استنتاجين مهمين «الأول، كلمة (علْماه) على حد علمنا، لم تستخدم أبداً للتعبير عن سيدة صغيرة في السن ومتزوجة، وثانياً طالما أنه من المفترض طبقـاً للقانون العام أن استخدام تلك اللفظة كـان ومـازال يعبـر عن عـذراء طاهـرة، إلى أن يثبـت أنها ليست كذلك. إذن لدينا الحق أن نفترض أن رفقة والـ (علْماه) في إشعياء 7: 14 وكل الأخريات من ذلك الصنف كن عذارى، إلى أن يثبت العكس. وتوصل الباحث جريثم ماكين في كتابه «المولد العذري للمسيح» إلى نفس تلك النتيجة «لا يوجد في السبعة حالات التي استعملت فيها كلمة (علْماه) في كتابات ما يوحي بأنها استخدمت للتعبير عن امرأة ليست عذراء. ونعترف بأن هذه اللفظة لا تعني مباشرة العذرية، كما توحي لنا كلمة (بتول)، وأنها تعني بالأكثر فتاة صغيرة وهي في سن الزواج، لكن من جهة أخرى ربما يشك الإنسان بالنسبة لاستخدام اللفظ، هل يمكن أن يكون استخدامها طبيعياً في حالة عدم العذراوية»[10].

ويشاركه في هذا الرأي ويليس بيتشر في مقالته الكلاسيكية «نبوءة الأم » بقوله «المعاجم اليهودية تقول لنا إن استخدام لفظ (علْماه) هنا، والمترجمة عذراء، ربما تشير إلى أي امرأة شابة، سواء كانت عذراء أم لا. وفيما يختص باشتقاقاتها واستخدامها العام، ربما يكون الحال هكذا، لكن الكتاب المقدس استخدم هذه الكلمة في كل حالة للإشارة إلى عذراء»[11].

وبعبارات أخرى، طالما أن كلمة (علْماه) تشمل داخلها العذرية في النصوص الأخرى التي ذُكرت فيها، لذا يفترض أن استخدامها في نص إشعياء يشمل أيضاً العذرية. سياق هذا النص يُعطي تأكيدات أخرى بأن الـ (علْماه) التي تم التنبؤ بها يجب أن تكون عذراء.

– المنظور التاريخي:
علامة الميلاد العذراوي أتت في وقت حرج في تاريخ اليهودية، وطبقاً لإشعياء 7: 1 «رصين ملك أرام صعد مع فقح بن رمليا ملك إسرائيل إلى أورشليم لمحاربتها، لكنهما فشلا في ذلك، لكن آحاز ملك يهوذا في ذلك الحين تملَّكه الذعر والخوف وطلب المساعدة العسكرية من أشور لكي يتجنب الهزيمة أمام الجيش الغازي، ويخبرنا نيسن بأن مشكلة هذا الاختيار أن أشور كانت في ذلك الحين كانت قوة غاشمة أنانية، والتحالف معها قد يعني فقدان يهوذا لاستقلالها، ولن يمر وقت طويل حتى يزاح من هيكل المقدس وتحل محله آلهة أشور».

ويستمر نيسن في قوله:
قابل إشعياء الملك آحاز ليطمئنه بأن سوف ينقذ أورشليم ويحذره من الارتباط بحلف مع أشور، كانت مهمة إشعياء ذات شقين: (أ) الملكان اللذان ينويان غزو يهوذا لم يكونا سوى «شعلتين مدخنتين»، لذا ليس هناك خوف منهما (إش 7: 3- 9). (ب) ولكي يتبين أن إشعياء ليس بالنبي الكاذب وأن لديه القوة لأن يخلِّص يهوذا، طُلب من آحاز أن يطلب آية مؤكدة- لكن آحاز رفض (إش 7: 12).

كان آحاز على علم بأنه تورط أمام إشعياء إذا قبل تلك الآية أو العلامة فإن هذا سوف يعرِّضه إلى فقدان شرفه وتحدي الرأي العام الضاغط الذي يدعو لطلب النجدة من الأشوريين، وهذا هو ما كان مصمماً علىه في كل الأحوال… لقد رفض آحاز هذه العلامة بسبب اعتبارات سياسية، وبسبب قلبه غير المصدِّق… وبعد توبيخ آحاز، استمر إشعياء في نقل الرسالة «ولكن يعطيكم (بصيغة الجمع) السيد نفسه آية: ها (علْماه) تحبل وتلد ابناً وتدعو اسمه عمانوئيل» (إش 7: 13)[12].

طبيعة هذه العلامة:
في هذا النص، تُفهم هذه العلامة بأنها يجب أن تكون فوق العادة، شيء لا يمكن أن يحققه سوى ذاته، معجزة. وكما يلاحظ مارتن في قوله «هي معجزة مؤكدة ومؤيدة لكلمة ».

ولأن آحاز رفض قبول هذه العلامة، يتكلم بنفسه عن ماهية هذه العلامة. لذا فإنه من المعقول القول بأنه عندما يأتي بعلامته هذه، فإنها سوف تكون ذات طبيعة إعجازية. ويعلق ج. الكسندر على هذا النص قائلاً: «إنه من المستبعد تماماً بعد إرسال مثل هذا العرض (من الله إلى آحاز)، أن يكون تحقيق هذه العلامة في النهاية من الأمور التي تحدث في العالم كل يوم. هذا الافتراض يتقوى ويتعزز بالوقار الذي نقل فيه إشعياء تلك النبوءة، ليس كأنما هي حدث عادي أو طبيعي، لكن كشيء مثير للدهشة عندما تلقى الرسالة في رؤية»[13].

ويقول هندرسون «من المهم أن نلاحظ أن تلك العلامة (ولكن يعطيكم)، مقدمة إلى جمع من الناس، ومن الواضح أنها ليست مقدمة لفرد واحد وهو آحاز الذي رفض العرض الأول. وفي عدد 13، يقول إشعياء «اسمعوا يا بيت داود» ومن الواضح أن صيغة الجمع التي وردت في عدد 14 مرتبطة بما سبقها في عدد 13. ولأن النص يخبرنا بأن مملكة داود في خطر من جراء الغزو القادم. لذا يمكن لنا القول بأن صيغة الجمع يقصد بها بيت داود الذي عليه تسلُّم هذه العلامة[14].

والآن إذا أصبحت سيدة ما حاملاً بالطرق الطبيعية، فهذا لا يحقق شروط العلامة المعجزية. چون كالفن المصلح الكبير يصيب الهدف في هذا الشأن عندما يقول: ما هو الأمر الغريب إذا قال النبي إن امرأة قد حملت من جراء علاقتها الجنسية برجل؟ إنه من السخف أن نعتبر تلك علامة ذات صفة إعجازية. دعنا إذن نفترض أن النصّ يدل على فتاة صغيرة سوف تصبح حاملاً بالطريقة المعتادة، كل إنسان سوف ينظر باحتقار إلى هذا النبي، بعدما قال ذلك. لذا فمن الواضح تماماً أنه يتكلم عن عذراء ستحبل وتلد، ليس بالطريق العادي الطبيعي ولكن بقوة وتأثير الروح القدس[15].

والفحص الدقيق لبعض الألفاظ المحددة في نص إشعياء 7: 14 تعزز رأي كالفن. الكلمة المكتوبة باللغة العبرية وهي (h-r-h) والتي تترجم «تحبل» في إشعياء 7: 14، ليست فعلاً أو اسم فاعل، لكن صفة أنثوية مرتبطة مع اسم فاعل وتدل على أن المنظر واضح في عين النبي. وهذا يعني أن تلك الكلمة واستخداماتها تشابه ما أبلغه الملاك لهاجر في البرية قبل عدة قرون ماضية: «ها أنت حبلى فتلدين ابناً» (تك 16: 11). وبالاختصار، يجب ترجمة نص إشعياء 7: 14 بالشكل الآتي «ها سوف تحمل وتلد ابناً».

يعلق على ذلك هندسون:
من الواضح أن اللفظة (h-r-h) تشير هنا إلى الزمن المضارع.. والنظر إلى الزمان مهم جداً في هذه الكلمة وكذلك النصّ. إذا كانت كلمة (علْماه) تعني «عذراء» وإذا كانت هذه الفتاة حامل وعلى وشك ولادة طفل، لذا فهذه الفتاة مازالت عذراء، بالرغم أنها أصبحت أم. تأمل في قدر التناقض الذي يمكن أن يحدث لو لم يشر هذا النص إلى ولادة طفل من عذراء للمرة الأولى في التاريخ -وهو يسوع . حامل! كيف يتسنى لها أن تكون حاملاً وهي مازالت عذراء؟ المعنى يدل على أن هذا الطفل سوف يكون معجزة وهو مولود بلا أب، وبالرغم من حمل الأم فإنها مازالت عذراء. الكلمة (علْماه) «عذراء» تدل على صيغة الزمن المضارع مشابهة ذلك كلمة (h-r-h). إذا كانت صيغة النص في زمن المستقبل، فليس هناك ضمان أن هذه سوف تلد ابناً (في المستقبل)، سوف تظل كما هي عذراء، وليست زوجة. لكن إذا كان هناك (عذراء) ومعها (ابن)، لا يمكن لنا أن نتهرب من استنتاج أن هذه ولادة عذرية[16].

ويستخلص نيسن من ذلك: «تعطينا العلامة في (إشعياء 7: 14) ما يفوق ما تقدمه لنا الطبيعة. إنها لم تكن عرضاً بلا معنى، لكنها علامة متوافقة مع المناسبة ومتصلة بموضوع استمرار دوام عائلة بيت داود المهددة بالانقراض بسبب الغزو الوشيك. أصعب العلامات التي يتقدم بها الله في تلك المناسبة هي استحالة بيولوچية -وهي الحمل الإعجازي لامرأة عذراء. وأصعب العلامات التي يمكن أن يعطيها الله ولها صلة باستحالة بيولوچية -الحبل المعجزي لابن من فتاة عذراء بالمعنى البيولوچي للكلمة.

– دليل إضافي خاص بالترجمة:
الكلمة المقابلة لعذراء في اللغة اليونانية هي كلمة παρθένος- بارثينوس- عذراء ، وباللغة اللاتينية «فيرجو». وإحدى الكلمات باللغة العبرية والتي تستعمل كثيراً هي «بتولاه»، وإذا كانت هذه الكلمة الأخيرة تعني عذراء أم لا، فإنها دائماً ما كانت تفهم من واقع النصّ. ويلاحظ ديك ويلسون الآتي:

في الترجمة السبعينية لنص إشعياء 7: 14 والذي ظهر قبل مولد بحوالي 200 سنة، بينما اقتباس القديس متى لنفس النصّ في مت 1: 23 كان في منتصف القرن الأول الميلادي، ترجمة البشيتا السيريانية ظهرت في القرن الثاني الميلادي، والفولجاتا اللاتينية للقديس چيروم ظهرت في سنة 400م، كل هذه المصادر تقرن كلمة (علْماه) بـ (بارثينوس) أي عذراء أو مشتقاتها الأخرى مثل (بتولاه)، (فيرجو). وقد كانت ترجمة كلمة (علْماه) باعتبارها عذراء مقبولة عند اليهود حتى زمن اقتباس متَّى للنص[17].

ويكتب هنري موريس في نفس النقطة:
«العلماء الذين ترجموا إلى اللغة اليونانية السبعينية استخدموا الكلمة اليونانية المقابلة لعذراء في ترجمة إشعياء 7: 14. وكذلك هو ما فعله متى عندما استعار هذه الآية في (مت 1: 23) عندما تمت النبوءة بالفعل بولادة يسوع المسيـح من عـذراء[18].

فمن الصواب أن نقول إن كلمة (علْماه) لا تعبر مباشرة عن أنها عذراء، لكن من الصعب بل ومن المستحيل تصوُّر السبب الذي دفع المترجمين للكتاب المقدس السبعيني إلى استخدام كلمة بارثينوس للتعبير عن (علْماه)[19]؟.

لذلك فإن هذا الدليل يوضح بما لا يدعو مجالاً للشك أن (علْماه) في نبوءة إشعياء تعبر عن فتاة عذراء صغيرة. ولا يوجد أي نوع من الفهم يمكن أن يبرر ترجمة تلك الكلمة بذلك الأسلوب سواء كان اجتماعياً أو تاريخياً.

– ما هي الـ (علْماه)؟

طالما أننا قد حددنا بأن (علْماه) ليست سوى فتاة عذراء في سن الزواج والتي تصبح حاملاً بوسائل تفوق الطبيعة، لذا يمكن لنا بكل اطمئنان أن نستنتج بأن هذه الشروط انطبقت على العذراء مريم أم يسوع . وهندسون على حق عندما كتب «ليس هناك سوى مريم التي تستطيع أن تحقق اشتراطات تلك النبوة، فالعذراء ليست هي زوجة إشعياء، وليست زوجة آحاز أو حزقيال، أو أي فتاة أخرى. إن العذراء مريم هي الوحيدة التي سُجِّلت في التاريخ والكتب المقدسة وينطبق عليها ذلك»[20].

بعض دارسي الكتاب المقدس يدَّعون عكس هذه الآراء، ويحاولون نبوءة إشعياء بأنها «كانت علامة مقدمة من الله إلى الملك آحاز توضِّح قرب غزو مملكة إسرائيل الشمالية ويهوذا الجنوبية بواسطة ملك أشور- ولأن هذه العلامة تخصُّ آحاز، لذا فإنه من المنطقي أن نستنتج بأن الميلاد سوف يكون في زمن الملك آحاز. لذلك، فإن هذا يستلزم تحقيق جزئي لنبوة إشعياء 7: 14[21].

بينما يبدو هذا الرأي معقولاً للبعض، إلا أنني أعتقد بأنه ينتهك عدداً من النقاط.

أولاً، لكي ينجح هذا الاتجاه يجب أن نعتبر أن (علْماه) لا تعني العذرية في نص إشعياء 7: 14، وإلا فإن مؤيدي هذا الرأي سوف يواجهون بأمر مستحيل: ولادتان عذراويتان حدثتا في التاريخ- واحدة أثناء حياة آحاز والأخرى الخاصة بأم يسوع. لكن توصَّلنا من قبل إلى الدليل القاطع المعارض: الأدلة توضح بكل جلاء أن (علْماه) في نبوة إشعياء تعني فتاة عذراء صغيرة في سن الزواج، وليس مجرد فتاة صغيرة، فـ (علْماه) هي بالتحديد عذراء تحبل.

ثانياً: التحقيق العاجل الذي يدعونه لا يأخذ في حسبانه بشكل جدي الأزمنة النحوية التي وردت في نص إشعياء 7: 14، والتي تصل بنا إلى اعتبار كلمة (علْماه) هي في نفس الوقت عذراء حامل.

ثالثاً، طبيعة العلامة في إشعياء 7: 14 لها خاصية تفوق الطبيعة فإن حمل امرأة بواسطة العلاقة الجنسية بين الرجل والمرأة لا تكفي لتوثيق وإثبات كلمة الله. من المطلوب حدوث معجزة، وولادة طفل من فتاة عذراء هي المعجزة.

رابعاً، من السياق الأكبر لنص النبي إشعياء في الفقرات 6- 12، نستنتج أن عمانوئيل وهو الطفل الذي وُلد من رحم عذراء، يجب أن يكون إنساناً إلهياً وليس مجرد إنسان (انظر إش 9: 6، 7، 11: 1- 16). وليس هناك غير يسوع الناصري.

وأخيراً، فإن النبوءة التي أُلقيت على مسامع الملك آحاز في (إش 7: 14)، كرئيس مؤقت على بيت داود الملكي ومن سوف يليه من نفس البيت. وجزئياً، هذه النبوة صدرت لتبين لآحاز ومن يلحقه أن بيت داود سوف يستمر ويعيش إلى الأبد. وهذا يدعِّم رأي حدوث تتميم النبوة في المدى البعيد وليس القريب. ويؤكد الباحث شارلز فيبنرج هذه النقطة بقوله:

كان آحاز ورجال بلاطه في خوف دائم من انقراض بيت داود وإحلاله بالحكم الأشوري. مع ذلك، كلما طال الزمن اللازم للوفاء بذلك الوعد لبيت داود، كلما طالت مدة بقاء هذه السلالة الملكية لترى بعينها تحقيق هذا النبوة وهذا ما عبَّر عنه الأستاذ الكسندر أفضل تعبير: «… إن التأكيد بأن سوف يولد في يهوذا، ومن العائلة الملكية، ربما تكون علامة لآحاز، بأن مملكته لن تنتهي في عهده، وأن تحقيق هذه العلامة سيكون في زمن بعيد. وكلما بعُد الوعد كلما كان تحقيقه قوياً في استمرارية يهوذا. لذا فإن هذا الاستنتاج لا مفر منه. ليس هناك أساس قوي، سواء نحوياً، أو تاريخياً، أو منطقياً للشك في المعنى الحقيقي، وهو أن الكنيسة في كل أجيالها كانت على حق في اعتبار هذا النصّ كعلامة وتنبؤ واضح للحبل المعجزي ومسقط رأس يسوع »[22].

لذلك يمكن لنا أن نتفهم عقيدة ولادة السيد المعروضة في وارتباطها بالتعليم والنبوءات التي كُتبت في اسفار .

– شهادة آباء الكنيسة الأولى:

من الأمور المهمة في تاريخ الكنيسة الأولى هو الاعتقاد في عذراوية الميلاد في شهادات الآباء الأولين. في سنة 110م، كتب أغناطيوس أسقف مدينة أنطاكية السورية في كتابه «رسالة إلى الأفسسيين 18: 2» قائلاً «لأن إلهنا يسوع المسيح كان.. حبل به في رحم مريم.. بالروح القدس». وكتب أيضاً «الآن فإن عذراوية مريم، ومن وُلد منها.. هي من الأسرار والغوامض التي يُنطق بها في كل أنحاء العالم، لقد صنع الله ذلك سراً»[23].

وأغناطيوس استمد تعليمه من يوحنا الرسول.
يقول إريكسون بأن أغناطيوس بكلامه هذا كان يعارض جماعة من الناس يدعون الدوسيتيين، هؤلاء الناس كانوا ينكرون طبيعة المسيح البشرية وأنه إجتاز فعلاً ولادة بشرية وعانى من الآلام. بالنسبة لهم كان يسوع قدوساً لكن ليس إنساناً. فتحدَّى أغناطيوس هذه الهرطقة بإصداره «ملخص الحقائق الخاصة بالمسيح». من ضمن تلك الحقائق كان «الاعتقاد بدوام عذراوية القديسة مريم كأحد الأسرار التي لا يُنطق بها».

وتبعاً لما يقوله إريكسون:
هناك عدد من الملاحظات تجعل من هذا الاعتقاد شأناً أعظم:

(1) لأن أغناطيوس كان يكتب معارضاً هذه الجماعة، فإن تعبير «مولود من امرأة (كما في غلاطية 4: 4) مفيد له أكثر من «مولود من عذراء».

(2) أن هذا الاحتجاج لم يكتبه إنسان مبتديء، لكن كتبه أسقف الكنيسة الأولى لمسيحيي الأمم.

(3) كتب هذا في حدود سنة 117م. وكما يلاحظ جريشام ماكين عندما قال: «عندما نجد إن أغناطيوس يُصدِّق على الميلاد العذراوي ليس كأمر جديد لكن كأمر بديهي، كأحد الحقائق المقبولة الخاصة بالمسيح، ومن الواضح أن الاعتقاد في الميلاد العذراوي كان سائداً قبل نهاية القرن الأول»[24].

ويكتب كليمنت روجرز «لدينا دليل آخر يوضح أن الإيمان الذي جاهر به أغناطيوس لم يكن جديداً عليه. لأننا نعلم بأن ميلاد المسيح العذراوي الذي يؤمن به المسيحيون كان يُهاجم من الآخرين. فمثلاً كان هناك سيرينيوس المعارض المعاصر للقديس يوحنا، ويقال إن يوحنا تقابل مع هذا الرجل في الحمامات العامة وصاح: «دعنا نهرب لكي لا ينطبق علينا الحمَّام بسبب تواجد سيرينيوس، عدو الحقيقة، المتواجد هنا». هذا الرجل، كما أخبرنا إيريناوس كان يُعلِّم بأن المسيح وُلد من علاقة يوسف بمريم[25].

وهناك أيضاً شهادة بعض الكُتَّاب الذين ظهروا بعد أيام الرسل، ومنهم أرستيدس الذي كتب في سنة 125م عن الميلاد العذراوي «هو ابن الله في الأعالي، والذي تصوِّر في الروح القدس، أتى إلينا من السماء، ووُلد من عذراء عبرانية وأخذ جسدا ًمنها… وهو الذي حسب الجسد وُلد من جنس العبرانيين، بقوة الله التي حلَّت على العذراء مريم»[26].

ويعطينا ق. يوستينوس الشهيد في سنة 150م دليلاً مطولاً عن الحبل المعجزي ليسوع «معلمنا يسوع المسيح، لم يولد نتيجة لتزاوج جنسي… نزلت قوة الله على العذراء وظللتها، وجعلتها وهي مازالت عذراء حاملاً… لأنه، بقوة الله حُمل به من عذراء… بإرادة الله، ولد ابنه يسوع المسيح من العذراء مريم»[27].

ويضيف ايضاً:إذا كان سيولد عن طريق اتصال جنسي مثل اي ابن بكر، فلماذا يعلن الله بإسلوب مهيب انه يعطينا علامة غير مألوفة لاي ابن بكر! اما هذه العلامة الحقيقية والبرهان الدافع هو ان بكر كل خليقة سيولد من رحم عذراء[28].

كان ترتليان من أبرز المتكلمين باللغة اللاتينية والذي أعتنق المسيحية وكان مدافعاً عنها، يخبرنا أن تلك العقيدة لم توجد فقط في أيامه (200م) بل إنه اعتقاد مسيحي كانت تأخذ به كل الكنائس. وقد اقتبس هذه العقيدة أربع مرات (مريم العذراء)[29].

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــ
* بتصرف عن كتاب: برهان جديد يتطلب قرار لجوش ماكدويل.

[1] Hindson, Isaiah’s immanal, grace journal 10, II,7

[2] Niessen, the virginity of the almah in Isaiah 7: 14, bibliotheca sacra, p. 137

[3] Myers, the use of almah in the old testament, the Lutheran quarterly 7, p. 139

[4] Niessen, ibid, p. 138

[5] ibid

[6] Hindson, ibid,7

[7] Niessen, ibid, p.140

[8] Deere, song of songs, the bible knowledge commentary; old testament, p. 1011, 1012

[9] Niessen, ibid, p.140

[10] Machen, the virgin birth of Christ, p. 288

[11] Beecher, the prophecy of virgin mother, classical evangelical essays in old testament interpretation, p. 179-80

[12] Niessen, ibid, p. 142- 43

[13] Feinberg, the virgin birth in the old testament, bibliotheca sacra, I, p. 254

[14] Hindson, ibid, 6

[15] Calvin, commentary of the book of the prophet Isaiah, vol 2, p. 245

[16] Hindson, ibid, 8

[17] Wilson, the meaning of almah in Isaiah VII. 14, Princeton theological , 310-15

[18] Morris, the bible has the answer, p. 36

[19] Witherington III, the birth of jesus, dictionary of jesus and the gospels, p. 64

[20] Ibid , p. 9

[21] Mueller, a virgin shall conceive, p. 205-6

[22] Feinberg, the virgin birth in the old testament, bibliotheca sacra, I, p.258

[23] Wells, OH, 19: 1

[24] Erickson, Christian theology, vol.2, 747-48

[25] Rogers, the cse for miracles , p. 105

[26] Aristides, apology , 32

[27] Apology 1: 21- 33; Dialogue with trypho the Jew

[28] Dialogue with trypho the Jew 84

[29] Rogers, ibid, 103

إقرأ أيضاً:

إقرأ أيضًا

هل تم نسخ العهد الجديد بدقة بالغة؟ - ترجمة: ايهاب بطرس

هل تم نسخ العهد الجديد بدقة بالغة؟ – ترجمة: ايهاب بطرس

هل تم نسخ العهد الجديد بدقة بالغة؟ – ترجمة: ايهاب بطرس هل تم نسخ العهد …