الرئيسية / الرد على محمود داود / يوميات إرهابي هارب29 “أنا والآب واحد” وألوهية المسيح له المجد

يوميات إرهابي هارب29 “أنا والآب واحد” وألوهية المسيح له المجد

29 “أنا والآب واحد” وألوهية له المجد

29 “أنا والآب واحد” وألوهية له المجد

يوميات إرهابي هارب29 "أنا والآب واحد" وألوهية المسيح له المجد
29 “أنا والآب واحد” وألوهية له المجد

 

  1. يبدأ في نقد النص من داخل النص نفسه (إبتسامة)، وهذا النقد عبارة عن أنه إكتشف حرف العطف “و” في “أنا والآب”، فيقول أن حرف العطف هذا وحده يدل على أن الآب والإبن ليسا واحد!، وللرد نقول: أن هذا النقد بهذا الشكل بهذا الأسلوب، يدعو للضحك، لماذا؟ لأن النص يقول صراحة أنهما “واحد” فمن هنا وحرفياً يكون نقد بهذا الشكل هو خاطيء، لكن الصحيح أن يقول أن الإبن والآب، واحد في أمر، ثم يبدأ بالبحث عنه، وليسا واحد في أمر آخر، وهكذا يبحث عنه، لكن مجرد الإنتقاد الذي ينقده النص في صريحه عندما قال كلمة “واحد” فهذا سخف، هذا من منطلق جدلي منطقي، أما من جانب لاهوتي، فبالفعل، الآب والإبن هما واحدفي شيء، وهما ليسا واحد في شيء آخر، وهذا ليس بأمر صعب ولا جديد على من له ولو حتى بصيص من العلم اللاهوتي، فالآب والإبن هما إثنان في الأقنوم وواحد في الجوهر، وهذا واضح جداً من النص اليوناني نفسه، حيث يقول النص:

ἐγὼ καὶ ὁ πατὴρ ἕν ἐσμεν

فكلمة ἐσμεν هي في حالة الجمع، وتعني هنا “نكون”، أو بالإنجليزية are، فنحن نؤمن ونعرف أن الآب والإبن ليسا واحد في الأقنومية بل واحد في الجوهر، فكيف يظن أننا نقول أن الآب والإبن أقنوم واحد ليكون هذا نقده؟ أو كيف يظن ان هذا الذي يظنه “نقد” ينقد وحدة الجوهر؟ حقاً إنه !، يقول بعد هذا أنه لو كان يسوع يريد أن يقول أنه هو ، فكان عليه أن يقول “أنا هو الآب”!، وليس أنا والآب واحد، وأقول له، لا، قال فعلاً بأنه هو بقوله “أنا والآب واحد” لأنه قد أوضح وبيَّنَ وحدة الجوهر بينه وبين الآب () فطالما جوهره هو نفس جوهر ، إذن فهو نفسه.

  1. بعد هذا، يكمل نقده العبقري للنص، وهذه المرة يحاول إنتقاد النص من سياق النص نفسه، وبالطبع سقط عدة سقطات سنوردها ونرد عليها، ولكن قبل أن نوردها مع الرد، ينبغي أن أشير لنقطة هامة جداً، وهي أنه كان عليه قبل الدخول لنقطة السياق هو النص نفسه، وتفاسير الآخرين عبر القرون لهذا النص، فميمو قد إختصر المسألة كلها، في النص وفي فهمه للنص، فحتى لو كان فهم صحيحاً، ألم يفهم غيره هذا النص بهذا الفهم إلا هو؟ ألا يوجد من يجاريه في قوة فهمه وحجته؟ ألم يلحظ أحد من الأوليين والآخرين ما لاحظه ؟ أين ذهبت كتب التفاسير الآن؟ لم يستشهد بأي لأي شيء في هذا النص، بل إكتفى بفهمه وكلامه الشخصي، والحقيقة كان يجب عليه أن يقوم بهذا، لأن هذا النص، يكاد يكون أكثر نص لاهوتي أجمع عليه الغالبية العظمى القصوى (إن لم يكن كل) من المفسرين والآباء بمختلف لغاتهم وإتجاهاتهم الفكرية، لذلك، فقد إعتقد في نفسه أنه إكتشف ما لم يسبقه أحد لإكتشافه، ففضل أن يخبرنا بمواهبه في التفسير، على كلٍ، لنبدأ في عرض حججه مع ردها:

أولاً: حسبما تطور عقل وحسبما فهم السياق، فإنه خرج علينا بأن والآب هما واحد في عدم قدرة أي أحد على خطف الخراف من يديهما!، وللرد نقول: من فمهِ ندينهُ، فإنه حتى لو تماشينا مع فكره، فهنا الوحدانية ستكون وحدانية في القدرة، لأن النص يقول “لا يخطفها احد من يدي …. لا يقدر احد ان يخطف من يد ابي”، فطالما أنه لا أحد يقدر أن يخطف الخراف من يد ، ولا يقدر أحد أن يخطف الخراف من يد الآب، إذن فالوحدانية هنا هي وحدانية في القدرة والقوة التي بها يحافظ كل من والآب على الخراف والتي بسببها لا يقدر احد أن يخطف من أي منهما الخراف، فهل يؤمن بأن الآب والمسيح هما واحد في القدرة؟! وبخصوص القدرة، وفي نفس البشارة، يقول [فاجاب يسوع وقال لهم الحق الحق اقول لكم لا يقدر الابن ان يعمل من نفسه شيئا الا ما ينظر الآب يعمل. لان مهما عمل ذاك فهذا يعمله الابن كذلك] (يوحنا5: 19)، فها هو النص يتحدث عن قدرة الآب والإبن على فعل أي شيء، فمهما عمل الآب، فالإبن يعمله أيضاً، فالنص يقول [لان مهما عمل ذاك فهذا يعمله الابن كذلك]، فالآب والإبن وفقاً للفكر والنص الصريح هما واحد في القدرة.

ثانياً: أخطأ ميمو خطأ أفدح وأكثر سذاجة من سابقه، حيث أنه يعرض فكرة مفادها، أن المسيحي سيستشهد بأن اليهود تناولوا حجارة ليرجموه، وقالوا له أنهم سيرجموه لأنه جدف، لأنه وهو إنسان يجعل نفسه إلها!، فيرد ميمو على إستشهاد المسيحيين بهذا الأمر، فيقول أن هذا مخالف لإعتقاد المسيحيين، فالمسيحيين لا يقولون أن هو إنسان تم تأليهه، بل إله تجسد وتأنس، وبالتالي فالمسيح لم يجعل نفسه إله، كما قال اليهود، وبالتالي كلام اليهود خاطيء ويناقض إعتقاد المسيحيين وبهذا فيكون ميمو قد ردَّ على إستشهاد المسيحيين بكلام اليهود!

وأكاد أجزم أن ميمو لن يفهم الرد على هذا الخطأ كما سأوضحه، على كلٍ فقد أخطأ ميمو خطأ مُزدوج، فالجانب الأول من خطأه، هو أنه إعتقد أننا نأخذ إعتقادنا من اليهود، وراح يقلل من قيمة اليهود ويقول أن النصارى يأخذون دينهم من إفتراءات اليهود، وأن اليهود الذين قالوا على يسوع أنه كذا وكذا وهم الذين قتلوا الأنبياء ..إلخ، وهذا خطأ بالطبع، فنحن لا نأخذ إعتقادنا من اليهود ولا من غيرهم، بل أننا نستشهد برد فعل اليهود وتعليلهم له، على ما قاله المسيح ومعناه، فهذا لأنهم هم الذين كانوا حاضرين وهم الذين كانوا يتكلمون معه وجهاً لوجه ويعرفون بأي أسلوب كان يتكلم، فلذلك إستشهدنا بهم للتدليل على صحة التفسير المسيحي، وليس لأخذ إعتقادنا منهم، لكن بشكل عام أيضاً، إن كان هناك تشابه في الإعتقاد فهذا لا نأخذه من اليهود بل من كتاب اليهود، ، أما عن الجانب الثاني من خطأه، فهو في فهمه ما هو تحديداً الذي يستشهد به المسيحيون في قول اليهود، المسيحيون يستشهدون برد فعل اليهود، وسببه، بمعنى أن المسيحيون يستشهدون بأن اليهود حاولوا رجمه، لأنه في نظرهم بقوله “أنا والآب واحد” قد جدف، فكونهم فهموا أنه يعادل نفسه بالله ويقول أنه ، فهذا هو ما نستشهد به في رد فعلهم، أما كونهم يؤمنون أنه بمعادلته نفسه بالله يكون قد جدف فهذا إيمانهم وحدهم، وهو بالطبع خاطيء، وهو لا يعنينا على الإطلاق، ولكن ما يعنينا فهمهم لكلام المسيح أنه بهذا قد ساوى نفسه بالله، وأما قولهم “فإنك وأنت إنسان تجعل نفسك إله” فهذا لا نسنشهد بإيمانهم فيه، بمعنى أننا لا نستشهد بكلامهم كتأكيد أن المسيح هو إنسان جعل نفسه إله، فهذا إيمانهم، لأنهم في نظرهم هو إنسان فقط وبهذا القول جعل نفسه ، لكن الحقيقة أنه هو وبهذا القول قد أعلن عن الحقيقة المؤكدة في كل الكتاب المقدس أنه ، فكونهم لا يؤمنون بأنه وتجسد، بل أنه إنسان ويريد تأليه نفسه، فهذا إيمانهم ولا يعنينا نحن في شي، بل ما يعنينا فقط أن كلام المسيح جعلهم يعتقدوا أن هذا الشخص الواقف أمامهم، ساوي وعادل نفسه بالله، وقال أنه والله واحد، فالمسيحيون يستشهدون بالمعنى والتأثير اللاهوتي لعبارة المسيح “أنا والآب واحد”، ويؤمنون بأنه الذي تجسد متأنساً.

ثالثاً: الخطأ التالي لميمو هو عبارة عن أنه إعتقد أن المسيح قد أنكر ما فهمه اليهود، أن المسيح يساوي نفسه بالله، لأنه الله، وها هي النصوص التي يقول ميمو أن بها هذا الإنكار الوهمي:

(يوحنا 10: 32-39) [32 اجابهم يسوع اعمالا كثيرة حسنة أريتكم من عند ابي. بسبب اي عمل منها ترجمونني 33 اجابه اليهود قائلين لسنا نرجمك لاجل عمل حسن بل لاجل تجديف فإنك وانت انسان تجعل نفسك الها 34 اجابهم يسوع أليس مكتوبا في ناموسكم انا قلت انكم آلهة 35 ان قال آلهة لاولئك الذين صارت إليهم كلمة الله ولا يمكن ان ينقض المكتوب 36 فالذي قدسه الآب وارسله الى العالم أتقولون له انك تجدف لاني قلت اني ابن الله 37 ان كنت لست اعمل اعمال ابي فلا تؤمنوا بي 38 ولكن ان كنت اعمل فان لم تؤمنوا بي فآمنوا بالاعمال لكي تعرفوا وتؤمنوا ان الآب فيّ وانا فيه39 فطلبوا ايضا ان يمسكوه فخرج من ايديهم].

وهو يرى أن المسيح بحسب هذه النصوص قد أنكر ما قالوه وتبرأ من هذا المفهوم وصححه لهم بالنفي! وربما يعتقد غيره الكثيرين بهذا النفي الوهمي، لذا، فأشرح النصوص وفي داخل الشرح سأرد على فهمهم للنصوص: بعدما قال المسيح “أنا والآب واحد”، تناول اليهود حجارة وأرادوا أن يرجموا المسيح، فسألهم المسيح وقال لهم أنه فعل لهم أفعال كثيراً حسنة من عند الآب، فبسبب أي عمل من هذه الأعمال يريدون رجمه؟، وهنا يفهم ميمو النص على أن المسيح يقول أن أعماله هي بقدرة الآب فقط وكأن المسيح مجرد رسول، ولكن هذا ليس المدلول العميق لما قصده المسيح، بل أن ما قصده المسيح هو أن يحاجي اليهود، فالآب هو الله لدى اليهود، فلا يمكن ليهودي منهم أن يجدف على الآب ويقول أن بسبب عمل من أعمال الآب نرجمك، لأن أعمال الآب كلها حسنه، فهل سيرجمون شخص بسبب أفعال إلههم؟ هذه هي الحجة التي قدمها المسيح، فردوا عليه بأنهم لا يرجمونه لأجل عمل حسن، بل لأجل تجديف، وهم لأنهم لا يؤمنون به، يروه مجرد إنسان، قد قال فيما قاله (أنا والآب واحد) أنه معادل ومساوي ليهوه إلههم، وأنه يهوه، وبالطبع، لو كان يسوع مجرد إنسان، وساوى نفسه بيهوه، فهذا في عرفهم تجديف، وقد تكلمنا عن هذا سابقاً، فعندما إتهموه بالتجديف، وضع لهم المسيح حجة منطقية أخرى، لم يفهمها ميمو ولم يشرحها حتى في محاضرته بسبب عدم فهمه لها، كانت حجة المسيح هنا أنه قال لهم: أن في ناموسكم قد دُعيَّ القضاة آلهه، فإن كان البشر القضاة قد أُطلِقَ عليهم لفظ “آلهه” لمجرد أنهم يحكمون بـ”كلمة الله” حيث صارت إليهم، فكم بالأكثر، بالذي قدسه الآب وأرسله للعالم؟ أفتقولون له أنك تجدف لأنه قال إنه “إبن الله”؟!! ومعنى هذا الكلام أنه يقول لهم، إن كانت “كــلــمـة الله” عندما صارت للقضاة، جعلتهم يسمون آلهه، فكم بالأكثر “كــلــمـة الله ” ذاته؟ أتقولون له أنه يجدف لأنه قال إنه إبن الله (كــلــمـة الله) ؟، بكلمات أخرى، وبالعامية المصرية: مجموعة من البشر سماهم الكتاب آلهه لمجرد أنهم يحكمون بكلمة الله، فما بالكم بكلمة الله نفسه؟ ألا يكون هو الله؟، وهذا ما قاله القديس أغسنطينوس حيث قال “إن كانت كلمة الله صارت لبشر، فدعيوا “آلهه” فكيف يكون “كلمة الله” إلا الله؟ …”[1]، أي أن المسيح قد إستخدم الحجة اللفظية فتكلم عن “كلمة الله” أي حكم الله الذي يقضي به القضاة، من جانب، ومن جانب آخر تكلم عن “كلمة الله” الأقنوم الثاني، إبن الله، ولهذا قال المسيح [لأني قلت إني “إبن الله”] فلو رجعنا للنص 30 لن نجد المسيح هنا قال أنه إبن الله على الإطلاق، بل سنجد هذا في النصوص التي سبقته حيث جاءت النصوص [25 … الاعمال التي انا اعملها باسم ابي هي تشهد لي…. 29 ابي الذي اعطاني اياها هو أعظم من الكل ولا يقدر أحد ان يخطف من يد ابي]، وهنا دلالة أخرى على أن المسيح يتكلم عن نفسه بأنه “إبن الله” أي “كلمة الله”، أي أن أقنوم الإبن هو أقنوم الكلمة، فها هو المسيح بنفسه يؤكد على هذا، فلا أعرف من أين يستشف ميمو أن المسيح قد أنكر أنه الله هنا!! ففي حقيقة الأمر، المسيح له كل المجد قد فسر قوله وأكده بل وأصَّلَهُ وحاجهم بالأكثر وأثبت كلامه.

يقول الأب متى المسكين في تفسيره لبشارة القديس يوحنا، [“كلمة الله”، وهو المسيح قبل التجسد، عندما أعطى رؤساء الكهنة والكتبة والفريسيين أن يحكموا بمقتضى إلهامه بحسب الحق، وهم لم يحكموا أبدا بالحق، دُعُوا آلهه وبني العلي، وهم لم يكونوا من القداسة في شيء. ولما جاء “كلمة الله” ذاته متجسداً وهو المسيح، مقدساً ومرسلاً من الآب، وقال إنه إبن الله، قالوا له أنت تجدَّف.][2].

ثم بعد هذا أكمل المسيح وقال لهم ما كان يقوله لهم سابقاً قبل أن يقول “أنا والآب واحد” وكلامه كان عن الأعمال، وهذا يدل على أنه إستكمل حواره موضحاً لهم أنه لا يجدف، لأنه أعاد ذات ما كان يقوله مرة أخرى (قارن الآية 25 بـ 37و 38)، لقد توقف ميمو في كلامه عند النص 36، بل أنه لم يشرحه، فلماذا لم يكمل ميمو ما حدث بعدها؟! ربما لأن ما بعد ذلك يؤكد مرة أخرى على أن المسيح لم ينف أنه الله بل أوضح بالأكثر أنه الله، فنجد أن ربنا يسوع المسيح قال لهم أنه إن كان لا يعمل أعمال الآب فلا تؤمنون بي! لكن، لو كنت أعمل أعماله، فلماذا لا تؤمنون بي؟ فعلى أقل تقدير لا تؤمنون بسبب كلامي هذا، بل بسبب الأعمال التي أعملها التي تشهد لي وترونها كل يوم بأعينكم!، وأضاف المسيح أن هذه الأعمال تشهد له أنه في الآب والآب فيه، فما كان رد فعل اليهود؟ هل قالوا له “حسنا، الآن فهمنا قولك “أنا والآب واحد”، نعتذر؟”، هل رجعوا عما حاولوا أن يفعلوه أولاً؟ كلا بالطبع، بل نجد أنهم طلبوا أيضاً أن يمسكوه، وتهجموا عليه بالفعل وأمسكوه، وخرج من أيديهم، ففي البداية كانوا سيرجمونه بالحجارة من بعيد، ولكن بعد حوار المسيح، تهجموا عليه لدرجة أن الكتاب يقول “فخرج من أيديهم”، فكيف يقول ميمو بعد كل هذا، أن المسيح قد رد على فهمهم الخاطيء ونفاه وأكد أنه ليس مساو للآب وليس هو الله؟ لماذا يخدع ميمو البسطاء والجهلاء؟ كان يجب عليه أن يتعلم لكي لا يضلهم.

رابعاً: يتكلم ميمو في نقطة تثبت بجلاء، جهله وعدم قدرته على التفكير السوي السليم، يقول أن كاتب الإنجيل حذف متعمداً جزء من أصل الإقتباس من المزمور 82، حيث أن النص 6 يقول [انا قلت انكم آلهة وبنو العلي كلكم] ولكن الإقتباس في (يوحنا 10: 34) يقول [انا قلت انكم آلهة]، فيسأل ميمو عن الجزء [وبنو العلي كلكم]، ويقول أنه تم حذفه لكي يعطي القديس يوحنا ميزة ليسوع أنه إبن الله!!!، وهذه الحجة التي يقدمها ميمو، هي المرادف لكلمة “هراء”، بل أن الهراء هو المرادف لها! ومن وجوه، فالوجه الأول هو نقطة الإقتباس نفسه، يعتقد ميمو أن التناخ () كان في أيام المسيح عبارة عن أن كل سفر مقسم إلى أصحاحات وآيات، مرقمة بأرقام، وكان الإستشهاد يكون مثلاً في صورة [المزمور 82: 6]، وهذا جهل مطبق، حيث أن هذه التقسيمات لم تكن في عهد المسيح، بل أنها حديثة العهد نسبياً، فلماذا يطلب ميمو الجزء “وبنوا العلي كلكم” ولم يطلب مثلاً بقية المزمور؟ لأنه يعتقد أنه كان على المسيح أن يقتبس النص 6، فهل كان هناك شيء أسمه “النص 6” من الأساس أم كانت النصوص متوالية بدون فواصل مرقمة؟ فالمسيح له كل المجد قد إقتبس عبارة من وسط المزمور وليس جزء من النص 6 من المزمور!، أما الوجه الثاني، فهو في سبب هذا الفعل، فهو يظن أن يوحنا الرسول قد أخفى هذا الجزء من هذا النص لكي يعطي ميزة ليسوع!!، فإن توافقت معه جدلاً لأريكم وهن حجته، فهل كان اليهود أيضاً لا يعرفون أنهم “كلهم أبناء الله” كما قال ميمو سابقاً؟ فهو قد قال سابقاً، أن كل يهودي هو إبن لله، والمسيح يهودي، والواقفين هم من اليهود، فهل لو حذف كاتب الإنجيل هذا الجزء، هل سينساه اليهود أيضاً ولا يتذكرونه؟!!، هذه واحدة، أما ثانياً: فلماذا نسب الحذف ليوحنا الرسول وليس للمسيح نفسه؟ فربما (عقلاً) قال المسيح هذا النص فقط “أنا قلت أنكم آلهه” مقتبساً إياه من سفر المزامير وكاتب الإنجيل نقل ما قاله المسيح!!، أما الوجه الثالث: فهو عن المصطلح نفسه “إبن الله” المسيح هنا ربط بين ثلاثة أمور وهما “الذي قدسه الآب”، “أرسله للعالم”، “إبن الله”، فالمسيح هنا لا يتحدث عن البنوة لله بحسب أنه من اليهود، بل يتحدث عن تقديس وإرسال، ويضع سبب هذا في قوله “إبن الله” فهل اليهود بكونهم أبناء الله (كما يدعي ميمو) قد قدسهم الآب وأرسلهم للعالم هم أيضاً لكي يضع ميمو عدم سبب وجود الجزء “وبنو العلي كلكم” لكون الكاتب أراد أن يعطي المسيح ميزة؟ وكأن بهذه الإضافة (وبنو العلي كلكم) كانت ستتساوى بنوة المسيح لله وبنوتهم لله!، فهل توجد ركاكة في الفكر أكثر من ركاكة ميمو في حججة وأفكاره؟

خامساً: النقطة التالية في حجج ميمو هي نقطة الشواهد المماثلة، وقبل أن أرد على أفكاره في هذه الشواهد المماثلة، أريد أن ألفت الإنتباه إلى أن ما يحدد إن هذا الشاهد هو شاهد مماثل أو غير مماثل، ويصلح لتفسير النص الأول، أو لا يصلح، هو الجانب التفسيري لدى المستشهد به، بمعنى أن ميمو بمجرد أن يستشهد بنص ما ليثبت فكرة ما في النص الخاص بـ”أنا والآب واحد” فهذا يعني أنه يحاول إثبات تفسيره الشخصي الذي يريده في “أنا والآب واحد” عبر نصوص أخرى يراها تحقق ما يريده، لذا، فسأبدأ أولاً بالجانب النقدي لفكرته في النصوص التي سيأتي بها، ثم أقدم التفسير لها.

النصوص:

Joh 17:11 ولست أنا بعد في العالم وأما هؤلاء فهم في العالم وأنا آتي إليك. أيها الآب القدوس احفظهم في اسمك. الذين أعطيتني ليكونوا واحدا كما نحن.

Joh 17:21 ليكون الجميع واحدا كما أنك أنت أيها الآب في وأنا فيك ليكونوا هم أيضا واحدا فينا ليؤمن العالم أنك أرسلتني.

Joh 17:22 وأنا قد أعطيتهم المجد الذي أعطيتني ليكونوا واحدا كما أننا نحن واحد.

Joh 17:23 أنا فيهم وأنت في ليكونوا مكملين إلى واحد وليعلم العالم أنك أرسلتني وأحببتهم كما أحببتني.

 

يستشهد ميمو بالجزء الأخير من هذا النص القائل “ليكونوا واحد كما نحن”، فيقول أنه لو كانت العلاقة بين المسيح والآب هي أي نوع من العلاقة، فهكذا هي علاقة التلاميذبعضهم ببعض، وللرد نقول:

أ/ لابد أن نعرف في البداية، أن هذه كانت صلاة المسيح للآب، لكي يجعلهم واحد، وليس لأنهم فعلا واحداً، بمعنى أن المسيح يطلب شيء ليس متحقق الآن، وهو وحدانيتهم، ولهذا يقول “ليكونوا” حيث ذُكرت في الأربعة نصوص، أن أي هذا هو مطلب المسيح لأجلهم، لكنهم الآن ليسوا واحد، وإلا لما كان قد طلب لأجلهم أن يكونوا واحد، وهنا الفرق واضح بين وحدانية الإبن مع الآب ووحدانية التلاميذ، فالأولى سرمدية والثانية وقتية، ومن هنا نعرف أن المسيح له كل المجد لم يكن يتكلم عن أن تتطابق كل خواص وحدانية الإبن مع الآب مع كل خواص وحدانية التلاميذ.

ب/ لابد أن نعرف أيضاً، أن المسيح لم يطلب وحدانيتهم بشكل مباشر، بل بشكل مترتب على أشياء أخرى، لانه قد قال “ايها الآب القدوس احفظهم في اسمك الذين اعطيتني ليكونوا“، فالمسيح له كل المجد قد طلب أن يحفظهم الآب في إسمه، وهذا ليكونوا واحد، ولم يطلب المسيح مثلا وقال “أيها الآب القدوس أجعلهم واحد في إسمك” ومن هنا نعرف أن هذه الوحدة مترتبة على أن يحفظهم الآب في إسمه، أي أن هذه الوحدة لن تكون كوحدة المسيح مع الآب في الجوهر، بل ستكون وحدتهم في إسم الآب

ج/ متى حدثت هذه الوحدة؟ حدثت هذه الوحدة عندما صعد المسيح المسيح عنهم[3]، فالكتاب يقول [11 وقالا ايها الرجال الجليليون ما بالكم واقفين تنظرون الى السماء. ان يسوع هذا الذي ارتفع عنكم الى السماء سيأتي هكذا كما رأيتموه منطلقا الى السماء‏‎ 12 ‎حينئذ رجعوا الى اورشليم من الجبل الذي يدعى جبل الزيتون الذي هو بالقرب من اورشليم على سفر سبت‎ 13 ‎ولما دخلوا صعدوا الى العليّة التي كانوا يقيمون فيها بطرس ويعقوب ويوحنا واندراوس وفيلبس وتوما وبرثولماوس ومتى ويعقوب بن حلفى وسمعان الغيور ويهوذا أخو يعقوب‎ 14 ‎هؤلاء كلهم كانوا يواظبون بنفس واحدة على الصلاة والطلبة مع النساء ومريم ام يسوع ومع اخوته] (أعمال الرسل 1: 11-14)، وأيضاً [ولما حضر يوم الخمسين كان الجميع معا بنفس واحدة] (أعمال 2: 1)، وأيضاً، أعمال الرسل [وكانوا كل يوم يواظبون في الهيكل بنفس واحدة] (أعمال 2: 46)، بل أن هذه الوحدة إمتدت للمؤمنين كافة، في العصر الرسولي الأول فنقرأ [وكان لجمهور الذين آمنوا قلب واحد ونفس واحدة] (أعمال 4: 32)، وأيضاً [وجرت على ايدي الرسل آيات وعجائب كثيرة في الشعب. وكان الجميع بنفس واحدة في رواق سليمان] (أعمال 5: 12) …إلخ، أي أن وحدة التلاميذ والرسل بل والمؤمنين في العصر الرسولي الأول كانت وحدة إشتراك، ووحدة فكر ووحدة قلب، لكن وحدة الإبن مع الآب هي وحدة في كل شيء، وأساسها وحدة الجوهر، أي الطبيعة الإلهية، أي اللاهوت.

د/ هل منعت هذه الوحدة الرُسل من الإختلاف في أمور الخدمة والكرازة؟ بالطبع لا، فنجد بولس الرسول قد إختلف مع بطرس الرسول في أمر ما بخصوص الخدمة (راجع غلاطية 2)، وأيضاً نجد أن بولس وبرنابا الذان خدما مع بعضهما البعض كثيراً، قد إختلفا حتى أنهما تفارقا في خدمتهما (راجع أعمال 15: 35 – 41)، مما يعني أن الوحدة في التوجه الخدمي، والخدمة من منظور واحد، لم تكن واحدة، فهذا أيضاً يُخرج هذا النوع من الوحدة من الوحدة التي ذكرها المسيح، وبالتالي فما فهمه ميمو من كلام المسيح بشأن أن هذه الوحدة هي وحدة مطابقة في كل شيء للتلاميذ يكون كل شيء بين الإبن والآب هو فكر خاطيء.

هـ/ حتى إن تماشينا وتنازلنا جدلاً معه، فنقول أن المسيح له كل المجد طلب أن يكون التلاميذ واحداً في الإرادة والفكر، فحتى إن كانوا في هذه وتلك متماثلين بوحدانية الآب والإبن في الإرادة والفكر، فلا مشكلة، لأن الآب والإبن من طبيعة واحدة وهذه الطبيعة الواحدة لها وحدانية في الإرادة والفكر، فلو تماثلت وحدانية التلاميذ هنا مع وحدانية الآب والإبن في هذين الأمرين فقط، وغيرهما من الأمور التي تتبع الصفات البشرية، فلا مشكلة لاهوتية، إلا أن يكون المقصود هو وحدة الطبيعة في الأقنومين، فهذا غير صحيح للأسباب السابق ذكرها، وكما سنقرأ كلام القديس كيرلس السكندري بعد قليل، وهذا واضح من كلام السيد المسيح نفسه، حيث انه أعلن عن سبب وحدهم وهدفها وقال ” ولم يهلك منهم احد الا ابن الهلاك ليتم الكتاب” (12) وأيضاً ” بل ان تحفظهم من الشرير” (15).

و/ لو كان الرب يسوع المسيح يقصد مماثلتهم للآب والإبن في الطبيعة، لقال “ليكونوا معنا واحد”، ولكنه لم يقل، ولكان قال “ليكونوا هم واحد فيك، كما أنك فيّ وأنا فيك” لكنه لم يقل، بل قال “ليكون الجميع واحدا كما أنك أنت أيها الآب في وأنا فيك ليكونوا هم أيضا واحدا فينا” فدائماً يفصل المسيح ويُفَرِّق بين وحدتهم من جانب، ووحدته مع الآب بحسب الجوهر من جانب آخر، مما يوضح ان المسيح يقصد التشابة وليس التطابق أو التماثل التام.

ز/ يستخدم القديس يوحنا لفظ καθώς وهو كما تم ترجمته في الفانديك “كما” للتشابة فقط في أحيان كثيرة، وليس للتطابق، على الرغم من أنه يستخدمه أحيان أخرى للتطابق وليس للتشابه، فكلا الإستخدامين للفظ موجود في كتابات القديس يوحنا، فنجده مثلا يقول “فقال لهم يسوع ايضا سلام لكم. كما ارسلني الآب ارسلكم انا” (20: 21)، وأيضاً “كما ارسلتني الى العالم ارسلتهم انا الى العالم” (17: 18)، وأيضاً “اثبتوا فيّ وانا فيكم. كما ان الغصن لا يقدر ان يأتي بثمر من ذاته ان لم يثبت في الكرمة كذلك أنتم ايضا ان لم تثبتوا فيّ” (15: 4)، وأيضاً “وكما رفع موسى الحية في البرية هكذا ينبغي ان يرفع ابن الانسان” (14:3)، ففي المثال الأول والثاني، فكلمة “كما” للتشابة وليس للتطابق، فالتشابة هنا في الإرسال، فالآب أرسل الإبن والمسيح أرسل التلاميذ وبقية الرسل، لكن هل يؤمن ميمو أن الراسل هنا (الآب) هو من طبيعة الرسول (الإبن)؟ فلو آمن بهذا إنتهت حجته تماماً، نحن كمسيحيين أيضاً على الرغم من إيماننا بأن طبيعة الراسل الآب، هي طبيعة الرسول الإبن هنا، وهو ما لا يؤمن به ميمو ويحاول نفيه، إلا أننا نؤمن بإختلاف طبيعة الرسول في الحالتين، ففي الحالة الأولى، الرسول هو الله (الإبن) وفي الحالة الثانية الرسول هو التلاميذ وبقية الرسل (وهم ليسوا الله) فقد دل اللفظ “كما” على التشابة في الحالتين، وليس على التطابق في كل العناصر كما بينَّا، وأما في المثال الثالث، فهذا أيضاً للتشابة، والمشابهة هنا في الثبات نفسه، لكن طبيعة الثبات ليست متطابقة في الحالتين، ولا طبيعة المثبت فيه، أو بكلمات أخرى، هل المسيح هنا يشبة نفسه بالكرمة، أم يطابق نفسه بالكرمة كأنه فعلا شجرة مثمرة بحرفية الكلمة؟ بالطبع هو يشبة نفسه بالكرمة، وهو بنفسه قال “أنا الكرمة” فنفهم هذا بالمشابهة وليس أن المسيح شجرة!، وأيضاً، ثبات التلاميذ في المسيح ليس كثبات الغصن في الكرمة، فهل كان يقصد المسيح هنا أن التلاميذ سيثبتوا في المسيح كما نرى كل يوم الأغصان في الكروم عبر طبيعة الشجر الخشبية مثلاً؟ بالطبع لا، ولكن المثال هنا للتشابة على قوة الثبات، لكن ليس المسيح هو كرمة بحرفية الكلمة، ولا الثبات هو نفسه الثبات في الكرمة بحرفية الكلمة، فهذا لا يقول به إلا من لهم عقول مثل ميمو ربما!، وفي المثال الرابع، تم إستخدام كلمة “كما” للتشابة فقط في قضية الرفع، فلا المسيح هو الحية، ولا هذه الخشبة التي رُفعت عليها الحية هي الصليب ولا كهيئته، ولا الحية تم تسميرها كم سُمِّرَ المسيح، فلا يمكن أن تعني “كما” هنا التطابق في كل العناصر كما أوضحنا؛ كل هذا ربما لا يفهمه ميمو ولا يقبله، فأقول له، سأتنازل معك أكثر وأكثر، وأجعلك تتراجع في كلامك بنفسك وأسأله سؤال: أنت تقول أن “كما” هنا دلت على أن لو علاقة الإبن بالآب هي أي ما كان من العلاقات، كعلاقة وحدة الجوهر أو الطبيعة أو المشيئة والإرادة، فهكذا هي علاقة التلاميذ ببعضهم، وهذا لوجود كلمة “كما” التي بحسب رأيك تعطي التطابق التام في كل شيء بين الشقين (التلاميذ، والإبن والآب)، وسأتنازل معك أكثر وأكثر، وسأوافقك جدلاً، فتعالى لنطبق هذه القاعدة على قول المسيح “لكي يكرم الجميع الابن كما يكرمون الآب. من لا يكرم الابن لا يكرم الآب الذي ارسله” (5: 23)، الآب حسب فكرك هو الله، والآب حسب فكرك هو يهوه إله اليهود، كيف يكرم الناس الله ويكرم اليهود يهوه؟ يكرمونهم بكل أشكال العبادة للإله الحقيقي، حتى أن اليهود لا ينطقون إسمه المقدس، فحسب النص، وفهمك لكلمة “كما” يكون المقصود أن نعبد الإبن ونكرمه بكل أشكال العبادة ونوقره “كما” نوقر يهوه، ونعبده “كما” نعبد الله، ونصلي له ونسجد “كما” نكرم الله، فهذا حسب فكرك أنت وفهمك وتذمتك وليس حسب فكرنا نحن أو حسب التفسير الصحيح! فهيا، أرني رجوعك في كلامك بنفسك، ولاحظ أني إستخدمت فقط أمثلة من نفس السفر.

ح/ ماذا قال الآباء في هذا النص؟:

يقول القديس أثناسيوس:

لذلك فهو لم يَقُل ” لكي يكونوا واحدًا كما نحن” لكي نصير كما هو بل كما أنه هو، وهو الكلمة، هو في أبيه، هكذا نحن أيضًا ونحن متخّذين أباه مثالاً لنا ونحن ناظرون إليه، نصير واحدًا فيما بيننا في الوفاق ووحدة الروح. ولا نكون في اختلاف مثل الكورنثيين[4]، بل يكون لنا قلب واحد ونفس واحدة مثل أولئك الخمسة آلاف الذين ذُكِروا في سفر الأعمال (انظر أع4:4، 32) والذين كانوا كواحدٍ. فنحن طبعًا لسنا أبناء كالابن، ولسنا آلهة مثله هو نفسه، ونحن لسنا مثل الآب، بل نصير “رحماء كالآب”. وكما سبق أن قلنا، فإننا عندما نصير واحدًا، كما أن الآب والابن هما واحد، فنحن لن نصير واحدًا مثلما أن الآب هو في الابن بالطبيعة وكذلك الابن في الآب، بل بحسب ما يتّفق مع طبيعتنا الخاصة ومن هذا يمكننا أن نتشكّل وأن نتعلّم كيف يجب أن نصير واحدًا، مثلما تعلّمنا أيضًا أن نكون رحماء. لأن الأشياء المتماثلة هى بالطبيعة واحدة بعضها مع بعض، لأن كل ذي جسد يُولَد منه جسد من نوعه، أما الكلمة فهو مختلف عنا، ولكنه مثل الآب، ولذلك فهو واحد مع أبيه بالطبيعة والحق. وأما نحن فلأننا من جنس واحد (لأن كل البشر قد جاءوا من واحد، وطبيعة البشر جميعهم هى واحدة)، فإننا نصير واحدًا بعضنا مع بعض بالنيّة الصالحة، واضعين أمامنا مثال الوحدة الطبيعية للابن مع الآب. ولأنه كما علّمنا الوداعة بنفسه قائلاً ” تعلّموا مني، لأني وديع ومتواضع القلب ” (مت29:11) لا لكي نصير مساويين له، لأن هذا غير ممكن ـ بل بنظرنا إليه نظل دائمًا ودعاء. هكذا هنا أيضًا، فهو إذ يريد أن تكون لنا نيّة صالحة بعضنا نحو بعض وتكون أُلفتنا حقيقية وثابتة وغير مضمحلّة، فإنه يجعل لنا من نفسه مثالاً ويقول:  ” لكي يكونوا واحدًا، كما نحن ” تلك الوحدة التي لا انفصال فيها، أى بتعلّمهم منّا تلك الطبيعة غير المنقسمة، فإنهم بنفس الطريقة يحفظون الوفاق فيما بينهم، وكما سبق أن قلنا، فإن التمثّل بالأمور الطبيعية يمكن أن يتحقّق بين الناس بصورة مأمونة، حيث إنهم يظلّون بطبيعتهم غير متغيّرين، بينما سلوك الناس هو قابل للتغيّر، فيمكن للإنسان بنظره نحو غير المتغيّر بالطبيعة، أن يتجنّب ما هو رديء، وأن يعيد تشكيل نفسه على حسب الصورة الأفضل، ولهذا السبب أيضًا يكون للكلمات: ” ليكونوا هم أيضًا واحد فينا ” معنى مستقيم.[5]

ويقول أيضاً:

فلو أنه كان من الممكن عندئذٍ أن نصير مثل الابن في الآب، لكان ينبغي أن تكون الكلمات هكذا ” لكي يكونوا هم واحدًا فيك ” مثلما أن الابن هو في الآب، ولكنه لم يَقُل الكلمات هكذا. بل بقوله “فينا”، أظهر المسافة والاختلاف بيننا وبين الابن إذ أنه هو وحده كائن في الآب كالكلمة الوحيد والحكمة الوحيد، ولكننا نحن موجودون في الابن وبواسطته موجودين في الآب. وبكلامه هكذا قصد هذا فقط: هكذا يمكن أن يصيروا واحدًا فيما بينهم بتمثلهم بوحدتنا، كما أننا واحد بالطبيعة وبالحق، وإلاّ فإنهم لن يستطيعوا أن يصيروا واحدًا إلاّ إذ تعلّموا من الوحدة الموجودة فينا.[6]

ويقول القديس كيرلس الكبير:

وهو يريد أن يحفظ التلاميذ في وحدة الفكر والقصد، وأن يندمجوا في التفس والروح ورباط المحبة الأخوية؛ وأن يصيروا مرتبطين بعاطفة لا تضعف، وتصير وحدتهم كاملة حتى أن ألفتهم الإختيارية تصير مشابهة للوحدة الطبيعية الموجودة بين الآب والإبن. وإذ يظلوا ثابتين وغير مغلوبين، فإنهم لا يتشوهون بأي شيء من الأشياء الموجودة في العالم، أو بواسطة شهوات الجسد، حتى تصير لهم مقاصد متناقضة؛ بل بالحري يحفظون قوة المحبة ثابتة بواسطة وحدة التقوى الحقيقية والقداسة. فكما نقرأ في أعمال الرسل: “كان لجمهور الذين آمنوا قلب واحد ونفس واحدة” (أع4: 32)، في الوحدة التي بالروح القدس وهذا هو ما يعنيه الرسول بولس بقوله “جسد واحد وروح واحد” (أف4: 4) و”نحن الكثيرين جسد واحد لأننا جميعاً نشترك في الخبز الواحد” (1كو 10: 17)، وجميعنا نلنا مسحة الروح الواحد، روح المسيح. إذاً، فبما أنهم سيصيرون جسداً واحداً، وسيشتركون في الروح الواحد نفسه، فهو يريد أن يحفظ تلاميذه في وحدة الروح التي لا يستطيع شيء أن يزعزعها وفي وحدانية الفكر التي لا تنكسر. وإذا أراد أحد أن يفترض أن التلاميذ يصيرون متحدون بهذا الشكل، مثلما ان الآبو الإبن هما واحد ليس في الجوهر فقط بل أيضاً في القصد (لأن طبيعة الله القدوس لها إرادة واحدة ولها نفس القصد الواحد تماما في كل شيء). فدعه يفكر هكذا. لأنه لن يخرج بعيداً عن الهدف حيث أننا يمكن ان نرى وحدة القصد بين المسيحيين الحقيقيين، رغم أنه ليس لنا المساواة في الجوهر التي للآب والكلمة التي ولد من الآب وهو في الآب.

يقول القديس يوحنا ذهبي الفم:

“For the will of the Father, and of the Son and of the Holy Spirit is one.” This is what he wants us to be as well when he says, “That they may be one, as you and I are one.” There is nothing that can equal unanimity and concord, for this is how one becomes many. If two or ten are of one mind, the one is no longer one, but each one is multiplied tenfold, and you will find the one in the ten and the ten in the one. And if they have an enemy, he who attacks the one (as having attacked the ten) is defeated, for he is the target of ten opponents instead of one. Is someone in need? No, he is not in need, for he is wealthy in his greater part, that is, in the nine. And the needy part, the lesser, is concealed by the wealthy part, the greater. Each of these has twenty hands, twenty eyes and as many feet. For he does not see with his own eyes alone but with those of the others as well. He does not walk with his own feet alone but with those of the others. He does not work with his own hands alone but with theirs. He has ten souls, for not only does he think about himself, but those souls also think about him. And if they are made into a hundred, it will still be the same, and their power will be extended even more. Don’t you see how the excess of love makes the one both irresistible and multiplied? See how one can even be in many places, the same both in Persia and in Rome? Don’t you see that what nature cannot do, love can?… See what a multiplier love is when it can even make one a thousand. Why then do we not acquire this power and place ourselves in safety? This is better than all power or riches. This is more than health, than light itself. It is the groundwork for courage.[7]

ويقول العلامة أوريجانوس:

“One” has many meanings, including that of likeness. It is used both of harmony8 and likeness.9 “All the believers were of one heart and mind,”10 and in the same way, “by one Spirit we were all baptized into one body.”11 According to likeness of nature and having Adam as the natural origin and head of our birth, we are all said to have one body. So also we are inscribed as having Christ as head through our new birth, which has become to us a figure of the death and resurrection of him who rose as the firstborn from the dead. We inscribe him as head according to the prefiguring of his resurrection, of whom we are individually members and a body, through the Spirit, begotten unto incorruption.12 [8]

 

ويقول القديس أمبروسيوس:

No separation, then, is to be made of the Word from God the Father, no separation in power, no separation in wisdom because of the unity of the divine substance. Again, God the Father is in the Son, as we often times find it written, yet not as sanctifying one who lacks sanctification or as filling a void, for the power of God knows no void. Nor, again, is the power of the one increased by the power of the other, for there are not two powers but one power. Nor does Godhead entertain Godhead, for there are not two Godheads but one Godhead. We … shall be one in Christ through power received [from another] and dwelling in us. The letter12 [of the unity] is common, but the substance of God and the substance of humanity are different. We shall be one. The Father and the Son [already] are one. We shall be one by grace; the Son is so by substance. Again, unity by conjunction is one thing, unity by nature another. Finally, observe what it is that Scripture has already recorded: “That they may all be one, as you, Father, are in me, and I in you.” Now notice that he did not say, “You in us, and we in you” but “You in me, and I in you.” In this way he sets himself apart from his creatures. Further, he added “that they also may be in us,” in order to separate here his dignity and his Father’s dignity from us so that our union in the Father and the Son may appear the result not of nature but of grace, while the unity of the Father and the Son is the Son’s, not by grace but by natural right of sonship.[9]

 

ويقول القديس جيروم:

He reminds us that the whole Christian people are one in God, and, as his well-beloved children, are “partakers of the divine nature.”7 We have already said (and the truth must now be inculcated more in detail) that we are not one in the Father and the Son according to nature but according to grace. For the essence of the human soul and the essence of God are not the same, as the Manichaeans constantly assert. But, says our Lord, “You have loved them as you have loved me.” You see, then, that we are privileged to partake of his essence, not in the realm of nature but of grace. And the reason why we are beloved of the Father is that he has loved the Son—and the members of the body are loved.8 [10]

ويقول القديس هيلاري:

[This passage] shows that since human beings cannot, so to speak, be fused back into God or themselves coalesce into one undistinguished mass, this oneness must arise from unity of will, as all perform actions pleasing to God and unite with one another in the harmonious agreement of their thoughts. Therefore, it is not nature that makes them one but will.[11]

ويقول القديس أغريغوريوس النيصي:

And so he prays that all “may be one,” united in a single good so that linked “in the bond of peace,”21 as the apostle says, through “the unity of the [Holy] Spirit,” all might become “one body and one spirit,” through the “one hope” to which they have all been called.[12]

 

تاسعاً: يقول ميمو أنه بسبب أن النص 22 قال “واحد فينا” أن هذا يعني أن التلاميذ هم واحد في الإبن وفي الآب، والحقيقة ان هذا الكلام ليس دقيق نسبياً، فالتلاميذ كما أوضحنا وبيّنّا وبيَّنَ الآباء من جوهر يختلف عن جوهر الآب والإبن، فلا يمكن أن يكون المقصود هنا أن يكون وحدانية الجوهر، فبغض النظر عن الجانب اللغوي الذي لا يعرف عنه شيئاً، فإن وحدانية المؤمنين في الآب لا تكون إلا بالإبن في الروح القدس، أي بواسطة الإبن بحسب نعمة وعمل روح الله القدوس، وليست كالوحدة بين الأقانيم الثلاثة نفسها، ولذلك لم يقل المسيح “واحد فيك” بل قال “فينا” ضاماً نفسه كعامل تحويد المؤمنين مع الآب بحسب النعمة، فكما قال المسيح “ليس احد يأتي الى الآب الا بي”، فهو الطريق الوحيد للوصول للآب لكونه الله الإبن الذي هو من ذات طبيعة الله الآب، ولذلك أكمل المسيح وقال سبب هذا حيث قال “ليؤمن العالم انك ارسلتني”، فهدف وحدة التلاميذ فيهما، هي لكي يؤمن العالم بإرسالية الإبن في الجسد، وأما عبارة “وأنا فيهم” فقد فهمها ميمو بأن هذا يعني أن التلاميذ أقانيم!! يا للعجب!، إن المعنى الذي يقصده المسيح ليس أن نكون أقانيم، بل أن المسيح فينا عن طريق الإفخارستيا، ولذلك يقول “من ياكل جسدي ويشرب دمي يثبت فيّ وانا فيه” (يوحنا 6: 56)، هذا من جانب، أما من جانب آخر، فالمسيح في الآب والآب فيه في الجوهر، ونحن في المسيح بحسب أنه أخذ بشريتنا، يقول القديس كيرلس الكبير:

 

The Son dwells in us in a corporeal sense as man, commingled and united with us by the mystery of the Eucharist. And also [he dwells with us] in a spiritual sense as God, by the effectual working and grace of his own Spirit, building up our spirit into newness of life and making us partakers of his divine nature. Christ, then, is seen to be the bond of union between us and God the Father. He is seen as human, making us, as it were, his branches,25 and is seen as God because he is by nature inherent in his own Father. For in no other way could that nature which is subject to corruption be elevated to incorruption, except by the coming down to it of that nature that is high above all corruption and changeability.… We have, therefore, been made perfect in unity with God the Father, through the mediation of Christ. For by receiving in ourselves (both in a corporeal and spiritual sense, as I said just now) him who is the Son by nature and who has essential union with the Father, we have been glorified and become partakers in the nature of the Most High. Commentary on the Gospel of John 11.12.[13]

ويقول القديس أمبروسيوس:

There are some … who in their desire to deny the unity of the divine substance try to make light of the love of the Father and the Son, because it is written, “You have loved them, as you have loved me.” But when they say this, what else do they do but adopt a likeness of comparison between the Son of God and human beings? Can we indeed be loved by God as the Son is, in whom the Father is well-pleased?32 The Son is well-pleasing in himself; we are well-pleasing through him. For those in whom God sees his own Son after his own likeness, he admits through his Son into the favor of sons [children]. As we go through likeness unto likeness, in the same way, we are called to adoption through the generation of the Son. The eternal love of God’s nature is one thing; that of grace is another. And if they start a debate on the words that are written, “And you have loved them, as you have loved me,” and think a comparison is intended, they must think that the following also was said by way of comparison, “Be merciful, as your Father who is in heaven is merciful.”33 It is also elsewhere said, “Be perfect, as my Father who is in heaven is perfect.”34 But if he is perfect in the fullness of his glory, we are but perfect according to the growth of virtue within us. The Son also is loved by the Father according to the fullness of a love that always remains in him, but in us growth in grace merits the love of God. You see, then, how God has given grace to humankind, and do you want to separate the natural and indivisible love of the Father and the Son? And do you still strive to make nothing of words, where you note the mention of a unity of majesty? On the Christian Faith 5.7.88–91.[14]

[1]Schaff, P. (1997). The Nicene and Post-Nicene Fathers Vol. VII. St. Augustin: Homilies on the Gospel of John, Homilies on the First Epistle of John Soliloquies. (269). Oak Harbor: Logos Research Systems.[If the word of God came to men, that they might be called gods, how can the very Word of God, who is with God, be otherwise than God? If by the word of God men become gods, if by fellowship they become gods, can He by whom they have fellowship not be God? If lights which are lit are gods, is the light which enlighteneth not God? If throughbeing warmed in a way by saving fire they are constituted gods, is He who gives them the warmth other than God?]

[2] القمص متى المسكين، شرح إنجيل يوحنا – الجزء الأول، طـ1، صـ644.

[3] أو: بعد حلول الروح القدس.

11 انظر 1كو10:1، 21:2.

[5] المقالة الثالثة ضد الأريوسيين، 25، 20.

[6] المرجع السابق، 25، 21.

[7]Homilies on the Gospel of John 78.3–4.

8 Gk symphōnian; see 1 Cor 7:5; 2 Cor 6:15; Lk 5:36.

9 Gk homoiotēta; see Heb 4:15; 7:15.

10 Acts 4:32.

11 1 Cor 12:13.

12 See 1 Cor 15:49–54.

[8]Fragment 140 on the Gospel of John. AEG 5:315**; GCS 10(4):574.

12 Lat littera.

[9]On the Christian Faith 4.3.36–38. NPNF 2 10:266–67**; CSEL 78:169–70 (On the Christian Faith 4.3.35–37).

7 2 Pet 1:4.

8 See Jn 1:12, 13.

[10]Against Jovinianus 2.29. NPNF 2 6:410**; PL 23:340.

[11]On the Trinity 8.5. NPNF 2 9:139**; CCL 62A:318–19.

21 Eph 4:3.

[12]Homilies on the Song of Songs 15. FGTG 286–87.

25 See Jn 15:1.

[13]Elowsky, J. C. (2007). John 11-21. Ancient Christian Commentary on Scripture NT 4b (259). Downers Grove, IL: InterVarsity Press.

32 Mt 3:17.

33 Lk 6:36.

34 Mt 5:48.

[14]Elowsky, J. C. (2007). John 11-21. Ancient Christian Commentary on Scripture NT 4b (259). Downers Grove, IL: InterVarsity Press.

إقرأ أيضاً:

إقرأ أيضًا

المذيع محمود داود يُعلن إيمانه في الكتاب المقدس

المذيع محمود داود يُعلن إيمانه في الكتاب المقدس

المذيع محمود داود يُعلن إيمانه في الكتاب المقدس المذيع محمود داود يُعلن إيمانه في الكتاب …