الرئيسية / محمود داود / يوميات إرهابي هارب 40 : الميلاد العذراوي ولاهوت المسيح، بين إعتراضات ميمو والرد عليها

يوميات إرهابي هارب 40 : الميلاد العذراوي ولاهوت المسيح، بين إعتراضات ميمو والرد عليها

40 : الميلاد العذراوي ولاهوت ، بين إعتراضات والرد عليها

40 : الميلاد العذراوي ولاهوت ، بين إعتراضات والرد عليها

 

على الرغم من أني لا أستشهد بهذا الدليل، على الرغم من قوته، وذلك بسبب أن تركيبة عقلية المسلم لديها أسلوب آخر في أن تقيم الحجة عليها، فهناك من الأدلة الحرفية الأقوى –في رأيي- بحسب عقلية المسلم وكلها سنصل بها للنتيجة المحتومة: هو ، إلا أني هنا، سأرد على إعتراضات لأنها إعتراضات أقل ما توصف به أنها ساذجة جداً على هذا الدليل، فَرَدِّي هو لتعليم المسيحي كيف يرد على إعتراضات على هذا الدليل القوي.

 

الإعتراض الأول: يعترض على هذا الدليل بقوله أنه يطلب دليل لألوهية فكيف يقول له المسيحي أن دليله هو أن وُلِدَ من عذراء ونزل من “مجرى البول” (على حد وصف العلاَّمة، الحبر الفهَّامة !)، وبغض النظر عن أسلوب التحقير الموجود في أسلوب بخصوص الولادة من إمراة، لكن الرد: ليس الدليل لألوهية أنه وُلِدَ من امرأة في حد ذاته، بل لأنه ولد من امرأة لم تعرف رجلاً في ميلاده، فالإستشهاد في تفرده بانه الوحيد المولود من امرأة دون رجل، على خلاف ما نصت عليه طبيعة كل البشر “المولودين” فكلهم بلا إستثناء قد وُلدوا من أب وأم وليس من أم فقط، فهذا موطن الإستشهاد يا ، فإعرف ما هو وجه الإستشهاد قبل أن تحاول زاعماً الرد عليه.

الإعتراض الثاني: يعترض ميمو ويقول إنه حتى لو كانت لهذه المعجزة عَظَمة، فهذه العظمة تُنسب لله، أو تُنسب للعذراء، ولا تُنسب للمسيح لأن هنا، وفقاً لفكر ميمو، مفعول به وليس فاعلاً، وضرب مثلاً وقال إن أقام موتى، ومن بينهم لعازر، فهل عَظمة هذه المُعجزة، تُنسب للمُقام، أي لعازر، أم تُنسب لمقيمه، أي ؟ وأجاب هو: تُنسب للمسيح، ومن هنا وبذات المنطق، تكون عظمة معجزة ميلاد العذراوي تُنسب للعذراء أو لله ولا يمكن أبداً أن تُنسب للمسيح!، وللرد على هذه الفكرة السخيفة، نقول: لقط طرح ميمو إختيارين، والعذراء لنسب العظمة لهما، وفي كليهما هو خاطيء منطقياً، لماذا؟ لأن، كيف ننسب للعذراء العظمة في شيء هي نفسها لم تكن بإرادتها سبباً فيه بل تم تبشيرها بأنها ستحبل وستلد بدون أن يعرفها رجل، فالعذراء هنا أيضاً هي مفعول به وليس فاعل، لكن في حالة إقامة لعازر، فإن هو الذي ذهب إليه قاصداً إياه وأقامه من الموت، فكان هو الفاعل المُريد لإقامته فلهذا فتكون إليه عظمة المعجزة، لكن العذراء نفسها لم يكن بإرادتها أن تحبل بالمسيح بلا زرع بشر، بل أنها سألت الملاك عن كيف يكون هذا وهي لا تعرف رجلاً!، أما عن نسب العظمة لله، فمن الطبيعي أن العَظمة كلها لله، لكن، هو ! فلا أعرف كيف أغفل ميمو في دورة يقول إنها للرد على ألوهية أن يضع من ضمن المعطيات فكرة وكأن ليس هو فينسب لله العظمة وكأن ليس هو ! فهذا خطأ منطقي معروف أن تجعل النتيجة المراد الوصول إليها، معطى!

الإعتراض الثالث: يطرح ميمو سؤال من المسيحي إليه وهذا السؤال يقول: لماذا إختص فقط بهذا النوع من الولادة؟ ويرد ميمو ويقول أنه لو كان الله إختص موسى لكان السؤال: لماذا إختص الله موسى فقط بهذه الولادة؟ وإن كان إختص إبراهيم لكان ذات السؤال وإن كان إختص أي شخص سيكون السؤال عن أي شخص! وعليه: لا يجوز أن نقول لله لماذا خلقتنا هكذا!، وللرد نقول: هذا الإعتراض من ميمو يبين كيف هو ساذج في فكره جداً، فأولاً: من قال إننا نسأل الله لماذا وُلدَ هكذا؟ نحن لا نسأل الله بل نسألك أنت عن لماذا وُلِدَ هكذا! فلماذا تستشهد برسالة (رومية 9)؟! الرسالة تتكلم عن سؤال الناس لله عن إختياره في الملكوت وليس عن طريقة للولادة أصلاً!، ثانياً: من قال إنه كان سيختص أي إنسان إلا ؟! هذا فرض جدلي منه غير متحقق!، فالذي وُلد هو ، فأين الإجابة عن السؤال؟!، فهدف السؤال هو عن “التفرد” فلو كان الأمر لا يلفت الإنتباه، لماذا لم نجد غيره على الإطلاق من يولد بهذه الطريقة؟! فحتى لو كان موسى وإبراهيم وغيرهما سيولدوا هكذا، مع ، لكان الأمر غير مستغرب بشكل كبير كما هو مستغرب الآن أن يولد شخص واحد في كل التاريخ بهذه الطريقة!

الإعتراض الرابع: يقول ميمو أن الشيخ الشعراوي كان له تعليق على هذا الأمر وقال، أن لله أربعة أوجه للخلق، فقد خلق آدم من دون رجل وأنثى، وخلق حواء من رجل دون أنثى، وخلق المسيح من أنثى دون رجل، وخلقنا جميعاً من رجل وأنثى، وللرد نقول، بخصوص آدم، آدم لم يكن قبله إنسان، لا ذكر ولا أنثى، فكيف كان سيولد من رجل وأنثى؟! إذن، فالإمكانية نفسها غير موجودة، لذا فلا يصلح مقارنته بالمسيح، هذا فضلا عن أنه لم يولد من الأساس، وأما بخصوص حواء، فحواء لم تولد هي الأخرى أيضاً، بل أن الرب صنعها من “ضلع” في آدم، ولم يكن قبلها أنثى أصلاً لتلدها، فكيف كانت ستولد إذن؟ وعليه، فحواء أيضاً لا يمكن أن تدخل في مقارنة مع المسيح له كل المجد في هذا الجانب، أما عن باقي البشر (إلا المسيح) فكلهم بلا إستثناء واحد قد ولدوا من ذكر وأنثى معاً، لانه كان قبلهم جميعاً ذكراً وأنثى (أي: آدم وحواء)، ولم يخرج عن هذه المعادلة إلا المسيح له كل المجد، فالسؤال هو: لماذا خرج المسيح وحده عن هذه الطريقة المعتادة في كل البشر؟ فقد تعارف البشر على هذه الطريقة وإستمرت معهم ولا تزال، فلماذا المسيح خصيصاً؟! هذا ما لن يستطيع ميمو الإجابة عليه!

الإعتراض الخامس: يقول ميمو للمسيحيين أنكم لو كنتم تعبدون المسيح لأنه وُلدَ بلا أم، فمن الأولى أن تعبدوا “ملكي صادق” لأنه ولد بلا أب وبلا أم، وبلا بداءة أيام وبلا نهاية حياة له، وهو مشبة بإبن الله!، فمن الأولى أيها المسيحي أن تعبد ملكي صادق بدلا من يسوع لأنه (أي: ملكي صادق) تفوق على يسوع!، ثم طرح ميمو، رد المسيحيون على كلامه هذا وحاول أن يرد عليه، فسأرد الرد الخاص بي وسأرد على ردوده على ردود المسيحيين الذين تكلم عنهم.

كما قلت سابقاً، أنني  هنا لست في معرض توضيح التفسير الصحيح، بل أني هنا أرد على حجج ميمو كما يظنها أنها حجج قوية، فلستُ أنوي أن أقدم تفسيري الذي أراه، بل ردوداً على فكره الذي به يحاول طمس الحقيقة.

هناك إتجاهين رئيسيين لتفسير هذا النص، الأول منهما: هو أن هذه الأوصاف هي عن المسيح، والثاني: هو أن هذه الأوصاف ليست عنه. وهنا يأتي دور ميمو، فهو يحاول أن ينفي الإتجاه الأول، لأنه من الأساس أتى بملكي صادق كعادته لكي يقول أن يسوع لم يتفرد بهذه الخاصية، وعليه فلا يوجد ما يميزه عن آخر، فلو ستعبدوه أيها النصارى لهذا السبب فأعبدوا هذا الآخر لهذا السبب أيضاً بالأولى، وعليه فهو يريد أن يجعل “ملكي صادق” شخصية أخرى غير المسيح، وهنا سيطرح ردود المسيحيين على إستشهاده ثم سيحاول أن يرد، وعليه فسيكون ردنا بإثبات خطأه في كل ما حاول رده لكي أريكم كيف أن منطقه أوهن من بيت العنكبوت، كما يقول القرآن.

أولاً: إعترض ميمو على أن ملكي صادق هو يسوع، وكانت إعتراضاته هي:

  1. النص يقول “بلا أب، بلا أم” لكننا نعلم ان يسوع له أم وهي مريم، وللرد على هذا الكلام نقول: ومن قال لك أن النص عندما قال “بلا أم” كان يتحدث عن المسيح بصفته الناسوتية؟ ومن قال لك أن النص عندما قال “بلا أب” كان يتحدث عن المسيح بصفته اللاهوتية؟!، النص عندما قال “بلا أم” كان يتكلم عن المسيح بحسب اللاهوت، فالمسيح بلا أم بحسب اللاهوت، وعندما قال النص عنه “بلا أب” كان يتكلم عنه بحسب الناسوت فالمسيح بحسب الناسوت ليس له أب بشري، ومن هنا فالمسيح بلا أب وبلا أم من هذا المنظور، وهذا هو الرد الأول، أما الرد الثاني فهو: يجوز أن يكون النص يقول “بلا أم” قاصداً “أنه بلا أم أنجبته بالطريقة المعتادة للحبل وهي بوجود ذكر، فهو بلا أم حبلت به بزرع بشر، وعلى هذا فلا وجه للإعتراض هنا إذ أن النص لم ينفي الرد الأول ولا الثاني.
  2. النص يقول “مشبة بإبن الله” فكيف يكون يسوع مشبة بيسوع!، وللرد نقول: من قال أن يسوع مشبة بيسوع؟ النص يقول “مشبة بإبن الله”، فيمكن تفسيرها أنه مشبة، أي على مثال، أقنوم الإبن، لأن القديس بولس يقول وفي ذات الرسالة (عب 2: 7) [وضعته قليلاً عن الملائكة] فمع كونه هو أيقونة الله (كولوسي 1: 15) الذي به خُلق الكل (كولوسي 1: 16) وأيضاً مع كونه بهاء مجده ورسم جوهره وحامل كل الأشياء بكلمة قدرته (عب 1: 3) ومع كونه هو الواحد في الجوهر مع أبيه (يوحنا 10: 30) ومع كونه هو الإله الرب يهوه القدير (يوحنا 1: 1،1: 18؛ أعمال 20: 28؛ يهوذا 5؛ 1كو 10: 4) إلا أنه هنا يقول “وضعته” أي “أنقصته” قليلاً عن الملائكة، وهذا عطفاً على ما قاله بولس الرسول أيضاً عندما قال [الذي اذ كان في صورة الله لم يحسب خلسة ان يكون معادلا للّه 7 لكنه اخلى نفسه آخذا صورة عبد صائرا في شبه الناس] (في 2: 6، 7)، فالمشابهة هنا في كون الإبن الوحيد الجنس للآب قد تنازل إلينا وصار في شبهنا في طبيعة واحدة من طبيعتين (اللاهوت (إبن الله) والناسوت (إبن الإنسان))، ويوجد رد آخر أن ملكي صادق هو أحد ظهورات الإبن في ، وعليه فإن ظهور الإبن ليس هو بكامل لاهوته لأن اللاهوت في مجده لا يراه إنسان ويعيش، وعليه فيمكن أن يقال “مشبة بإبن الله” بهذا المعنى.

ثانياً: يعترض ميمو على رد المسيحي عليه أن هذا النص عن شخص آخر غير المسيح ولكن هذه الأوصاف المذكورة، قُصِدَ منها أن ملكي صادق بلا أب معروف وبلا أم معروفة وبلا بداية أيام معروفة وبلا نهاية حياة معروفة له، فيعترض ميمو على هذا الرد عليه ويقول: أنه لو كان هذا المقصود من النص فما فائدة النص من الأساس؟ فإننا نعلم من أنه ملكي صادق لم يذكر له أب أو أم أو بداية أيام أو نهاية حياة! فما الجديد الذي أتى به النص؟! ويقول ميمو: إذن فالنص لا فائدة له في هذه الحالة، وبما أن النص من المؤكد أن له فائدة، فهذا الرد من المسيحي هو رد خاطيء، وهنا يبدأ ردي: فالنص بالطبع له فائدة، وهي مذكورة في ذات النص وقد قرأها بنفسه لكنه لا يفهم ما يقرأ، فالنص هدفه هو “مشبة بإبن الله”، لو كان النص قال مباشرة: ملكي صادق مشبة بإبن الله، فكان سيأتي بعض الأشخاص الذين لهم عقل مثل عقل ميمو ويقولون، فيمَ هو مشبة به؟ أي: ما أوجة التشابة بين ملكي صادق وإبن الله؟ ولهذا فالنص ذكر أوجة التشابة بشكل جميل، وقد ذكر لنا القمص تادرس يعقوب ملطي في تفسيره (مختصر) بعض من أوجة التشابة فقال[1]:

 

أولاً: من جهة الاسم يسمى “ملكي صادق” التي تعني لغويًا “ملك البرّ”، إشارة إلى السيد المسيح الذي يملك في القلوب ببرّه؛ يتربع في النفس فيخفيها فيه لتظهر في عيني الآب حاملة برّه. بمعنى آخر حين يملك السيد المسيح على الإنسان روحيًا تختفي كل ضعفاته ونقائصه، ويتجلى السيد ببرّه وبهائه! وكما يقول الرسول: متبررين مجانًا بنعمته بالفداء الذي بيسوع المسيح” (رو ٣: ٢٤).

ثانيًا: من جهة العمل فهو “ملك ساليم” أي ملك السلام، فقد ملك السيد المسيح في كنيسته واهبًا لمؤمن سلامًا مع الآب وسلامًا مع إخوته وسلامًا مع نفسه. تصالحت البشرية مع السماء، وتصالحت مع بعضها البعض، بل وتمت المصالحة داخل الإنسان نفسه: بين النفس والجسد حيث صار كل ما في الإنسان روحيًا، يسلك بروحٍ واحد. حقًا إن السيد المسيح هو ملك ساليم الحقيقي، يمتد سلامه إلى كل المستويات.

ثالثًا: سبق أن رأينا في مقدمة الأصحاح الأول أن انشقاقًا قد حدث في بين النبوة والكهنوت، أو بمعنى أدق بين الأنبياء والكهنة، إذ لم يستطع الأخيرون أن يتقبلوا كلمة الحق، مكتفين بممارسة الطقس التعبدي في شكلية بلا روح، لكن جاء السيد الحق ذاته والكاهن الأعظم، يحمل النبوة في كمال فائق وفريد مع الكهنوت السماوي الأبدي، مصالحًا المعرفة مع العبادة والحق مع الطقس! هنا أيضًا يجمع السيد بين الملوكية والكهنوت، فهو ملك البرّ والسلام في نفس الوقت الكاهن على رتبة ملكي صادق إلى الأبد، هو الملك والكاهن في نفس الوقت، عمله الملوكي لا يمكن فصله عن الكهنوتي. ففيما هو يملك على القلب خلال ذبيحته الفريدة، يقدم هذه الذبيحة بكونه رئيس الكهنة السماوي. فهو الملك صاحب السلطان خلال الحب العملي الباذل، والمعلن بشفاعته الكفارية عن مؤمنيه ليقيمهم فيه ومعه ملوكًا وكهنةً روحيين.

رابعًا: ملكي صادق كرمز للسيد المسيح لم يذكر الكتاب شيئًا عن أبيه أو أمه أو نسبه. وكأنه يحمل رمزًا لمن هو بلا بداءة أيام ولا نهاية. فالسيد المسيح سرمدي بحق ليس من زرع بشر، ليس له أب حسب الجسد، ولا أم من جهة اللاهوت، كاهن أبدي.

خامسًا: ذبيحة ملكي صادق من الخبز والخمر لا معنى لها إلا بكونها رمزًا لذبيحة الإفخارستيا التي هي جسد السيد المسيح ودمه، حيث قام السيد نفسه بتحويل الخبز والخمر إليهما في تأسيسه السرّ. وكما يقول القديس چيروم مخاطبًا السيد: [أنت كاهن لا بتقديم ذبائح يهودية وإنما بالحري على طقس ملكي صادق. فكما أن ملكي صادق، ملك ساليم، قدم خبزًا وخمرًا (تك ١٤: ١٨) هكذا تقدم أنت جسدك ودمك، الخبز الحقيقي والخمر الحقيقي. هذا هو ملكي صادقنا الذي وهبنا الذبيحة الإلهية التي لنا. إنه ذاك الذي قال: “من يأكل جسدي ويشرب دمي” (يو ٦: ٥٥)، على طقس ملكي صادق، معطيًا إيانا سرائره[2].]

وعليه، فالكتاب المقدس عندما ذكر هذه المعلومة لم يذكرها من باب الترف، بل لبيان غاية وهي التشابة وكمال المسيح.

[1] الرسالة إلى العبرانيين، القمص تادرس يعقوب ملطي، الأصحاح 7.

[2] On Ps. hom 36.

إقرأ أيضاً: