الرئيسية / محمود داود / يوميات إرهابي هارب 43 : يقول الكتاب عن المسيح أنه “ليس من العالم”، فهل يدل هذا على لاهوته؟

يوميات إرهابي هارب 43 : يقول الكتاب عن المسيح أنه “ليس من العالم”، فهل يدل هذا على لاهوته؟

(43): يقول الكتاب عن أنه “ليس من العالم”، فهل يدل هذا على لاهوته؟

43 : يقول الكتاب عن أنه “ليس من العالم”، فهل يدل هذا على لاهوته؟

 

Joh 8:23  فقال لهم: « أنتم من أسفل أما أنا فمن فوق. أنتم من هذا العالم أما أنا فلست من هذا العالم.

 

على الرغم من وضوح النص، إلا أن عندما يعجز عن نقد النص نفسه، يلجأ لأسلوبه المعهود، وهو أسلوب مساواة الأدلة لمساواة النتائج، فإن كان هناك أكثر من شخص ليس من العالم، وإن كان هذا دليل ألوهية، فعليك يا مسيحي أن تعبد هؤلاء جميعا وليس وحده، وقد شرحت لكم هذا الأسلوب في الرد السابق. وهنا حاول أن يساوي النصوص، وبدورنا سنتخذ الأسلوب العكسي لأسلوبه، فسنوضح تميز مفهوم كلام عن نفسه، عن مفهوم كلامه عن الآخرين.

 

أتى بنصين من كلام عن التلاميذ، ويقول أنهما يثبتان أن التلاميذ أيضاً ليسوا من العالم.

 

Joh 15:19  لو كنتم من العالم لكان العالم يحب خاصته. ولكن لأنكم لستم من العالم بل أنا اخترتكم من العالم لذلك يبغضكم العالم.

Joh 17:14  أنا قد أعطيتهم كلامك والعالم أبغضهم لأنهم ليسوا من العالم كما أني أنا لست من العالم.

Joh 17:16  ليسوا من العالم كما أني لست من العالم. 

1Jn 4:6  نحن من الله. فمن يعرف الله يسمع لنا، ومن ليس من الله لا يسمع لنا. من هذا نعرف روح الحق وروح الضلال.

 

أولاً: ما معنى أن ليس من العالم؟ الإجابة: أن الإبن له وجود قبل كون العالم، بل أنه هو الذي كُوِّن به العالم، وفي تجسده قد دخل إلى عالمنا البشري، وأيضاً الرب يسوع ليس من العالم بمعنى أن أفعاله وأقواله وحياته تختلف عن حياة هذا العالم. ونأتي للتفصيل، يقول الكتاب:

  • [الكلمة صار جسداً وحَلَّ بيننا] (يو 1: 14)، فهنا يثبت أن الكلمة له وجود سابق عن الوقت الذي فيه “حلَّ” بيننا، فهو يثبت “الكلمة” ويثبت “الحلول”، وهو قَبْل أن يحل بيننا، كان موجوداً (الكلمة)، فهو ليس من هذا العالم، أي أن “أصلهُ” ليس من هذا العالم، بل أن مخارجه من القديم منذ أيام الأزل (ميخا 2: 5)، وهو الذي به وله كوِّنَ كل شيء (كو 1: 16)، وهو الكائن في حضن الآب دائماً (يو 1: 18) والآب موجود قبل كون العالم بالطبع، وهو الذي لم تُسب مساواته لله الآب إختلاساً لأن مساواته ليست شيء مكتسب بل هو أصل طبائعي فيه، أي أنه هو بالطبيعة الله (في 2: 6)، وهو الذي خلَّصَ شعب بني إسرائيل من أرض مصر (يه 5)، إذ أنه يهوه، وهو الذي فضَّل موسى أن يذل مع شعب الله () حساباً عار غنىً أفضل من خزائن مصر، وتأكيداً لهذا أنه هو الصخرة، وأنه كان موجوداً مع شعب إسرائيل عند خروجه من مصر (1كو 10: 4).
  • [ليس أحد صعد الى السماء الا الذي نزل من السماء] (يو 3: 13)، [الذي يأتي من السماء هو فوق الجميع] (يو 3: 31)، فهو الذي جاء إلى عالمنا إذ أنه الساكن في السمو والعظمة، ولهذا يقول عنه الكتاب [لكنه اخلى نفسه آخذا صورة عبد صائرا في شبه الناس] (في 2: 7) فهو رغم مساواته بالله الآب بحسب الطبيعة، أخلى نفسه وأخذ صورة عبد، وصار في شبة الناس، فوجوده الحالي في صورة العبد، في شبة الناس، ليس هو أصلاً لطبيعته، بل هو ما حدث في الزمن، أما في غير زمن، فأنه بالحقيقة مساوٍ للآب في الجوهر (أنا والآب واحد) (يو 10: 30).
  • [47 الانسان الاول من الارض ترابي. الانسان الثاني الرب من السماء. 48 كما هو الترابي هكذا الترابيون ايضا. وكما هو السماوي هكذا السماويون ايضا. 49 وكما لبسنا صورة الترابي سنلبس ايضا صورة السماوي] (1كو 15: 47-49)، فهنا يوضح بولس الرسول الفارق بين الإنسان الأول ونسله، وبين الإنسان الثاني، فالإنسان الأول هو آدم وذريته عبر الولادة الطبيعية من رجل وإمرأة، وهم جميعاً أصلهم من تراب، لكن الإنسان الثاني، قد ميزه عن الإنسان الأول إذ أنه “الرب” وإذ أنه “من السماء” فهنا قد ميَّزَّ “الترابي” عن “السماوي”، وأننا على الرغم من أننا لبسنا صورة هذا الترابي آدم، سنلبس نحن المخلصون صورة السماوي عبر النعمة والتقديس في الرب يسوع المسيح السماوي (في 3: 21).
  • [الله قد أرسل ابنه الوحيد الى العالم لكي نحيا به] (1يو 10: 9) فهنا يوضح يوحنا الرسول أن الله الآب أرسل “إبنه الوحيد” إلى “العالم” فهو إذن ليس من العالم، لأنه إبن الله الوحيد، فهنا فرَّقَ الرسول بين “إبنه الوحيد” المُرسَل، وبين “العالم” المُرْسَل إليه.

فأين التلاميذ من كل هذا؟ هل لدى أي تلميذ من الرسل هذه الصفات؟

 

ثانياً: ما معنى أن التلاميذ ليسوا من العالم؟!، للأسف وكالمعتاد، فإن قراءة سطحية جدا، بل ومُغرضة فإنه يقرأ النصوص لكي يستخرج منها فكر مسبق يبحث عنه، ولا يقرأ النصوص بتجرد ليرى ماذا تقول في ذاتها ثم يعتنق ما تقوله هذه النصوص، وإليكم التفصيل:

  • قد إستشهد بـ(يو 15: 9)، وتحديدا بعبارة “لأنكم لستم من العالم”، وإهتم بها جداً، لكن لم يدري أن بعد هذه الكلمات مباشرة، قد أكّدَ النص أن التلاميذ من العالم أيضاً!، فهم ليسوا من العالم بمفهوم، وهم من العالم بمفهوم آخر، وهذا المفهوم قد أوضحه النص نفسه!، فالنص يقول بعد ما إستشهد به [بل أنا اخترتكم من العالم]، فمن أين إختارهم المسيح يا ؟ يقول النص “من العالم” إذن فالتلاميذ “من العالم” بمعنى أنهم ولدوا من أب وأم بطريقة طبيعة وأنهم قد ورثوا الطبيعة المائتة، وقد لبسوا صورة الترابي، وزُرِعوا في فساد الطبيعة البشرية الساقطة، كما يقول الرسول نفسه [42 هكذا ايضا قيامة الاموات. يزرع في فساد ويقام في عدم فساد. 43 يزرع في هوان ويقام في مجد. يزرع في ضعف ويقام في قوة. 44 يزرع جسما حيوانيا ويقام جسما روحانيا. يوجد جسم حيواني ويوجد جسم روحاني]، فهم بهذا المعنى مع كل البشر من العالم، لكن بسبب أن الرب “إختارهم” من العالم كما يقول النص نفسه الذي إستشهد به ميمو غير فاهم له، فهم إذن ليسوا من العالم لأنهم مختارين منه، أي ليسوا سواء مع العالم بسبب الإختيار، فالكتاب يقول [29 لان الذين سبق فعرفهم سبق فعيّنهم ليكونوا مشابهين صورة ابنه ليكون هو بكرا بين اخوة كثيرين. 30 والذين سبق فعيّنهم فهؤلاء دعاهم ايضا. والذين دعاهم فهؤلاء بررهم ايضا. والذين بررهم فهؤلاء مجدهم ايضا. 3133 من سيشتكي على مختاري الله. الله هو الذي يبرر] (رو 8: 29-33) ويقول أيضا [4 كما اختارنا فيه قبل تأسيس العالم لنكون قديسين وبلا لوم قدامه في المحبة 5 اذ سبق فعيّننا للتبني بيسوع المسيح لنفسه حسب مسرة مشيئته…. 11 الذي فيه ايضا نلنا نصيبا معيّنين سابقا حسب قصد الذي يعمل كل شيء حسب رأي مشيئته] (أف 1: 4-5، 11) (راجع أيضاً 1كو 2: 7، أف 9: 23)، إذن فالفارق الرئيسي هنا بين التلاميذ وبين الرب يسوع المسيح، أن التلاميذ مختارين منه، وأنهم سبق وعُرفوا وأُختيروا وعُينوا ودُعُوا وبُرِروا ومُجِدوا، وأن الرب من السماء وهو بهذا المعنى ليس من العالم، وأنهم من العالم لأنهم من الأرض ذُرعوا في هوان وضعف وبجسما حيوانيا.
  • [اذا ان كان احد في المسيح فهو خليقة جديدة] (2كو 15: 17)، فها هو النص صراحة يقول أن مَن هُم في المسيح فهم خليقة جديدة، والسؤال هو: خليقة جديدة عن من؟ خليقة جديدة عن الأشياء العتيقة التي في العالم، وهذا العالم هو الخليقة العتيقة والتلاميذ ليسوا فيها، فالتلاميذ بالطبع هم في المسيح فهم إذن خليقة جديدة، عن أخرى عتيقة، وبهذا المعنى فهم ليسوا من العالم، كما يقول الكتاب أيضاً [9 لا تكذبوا بعضكم على بعض اذ خلعتم الانسان العتيق مع اعماله 10 ولبستم الجديد الذي يتجدد للمعرفة حسب صورة خالقه] (كو 3: 10).

فالتلاميذ ليسوا من العالم، بل أن كل مؤمن ليس من العالم بهذا المفهوم، بينما المسيح ليس من العالم بمفهوم آخر، فعلى الرغم من أن كليهما من العالم، إلا أن المسيح بحسب الطبيعة ليس من العالم، والتلاميذ وكل مؤمن ليس من العالم حسب النعمة والإختيار، وقد يقول قائل مثل ميمو إذ أن هذا هو مستوى تفكيره، أن النص المستشهد به يقول [لأنهم ليسوا من العالم كما أني أنا لست من العالم] ويقول أيضاً [ليسوا من العالم كما أني لست من العالم] ويستشهد هنا بكلمة “كما” على مطابقة معنى أن المسيح ليس من العالم مع التلاميذ أيضاً، فنرد عليه ونقول:

  • بالفعل المسيح والتلاميذ ليسوا من العالم، وهذا أوضحناه تفصيلاً أعلاه، لكن بمفهوم مختلف كما بينّا، ولهذا فقد قال النص “كما”، فنحن لم ننكر أن المسيح ليس من العالم وأن التلاميذ أيضاً ليسوا من العالم، لكن المعنى مختلف خلف كل مفهوم.
  • لنضرب مثالاً لكي يقرب الفكرة للأذهان، وبالمثال يتضح المقال، لو جاء لواء في جيش وقال لجندي في الجيش: نحن لسنا من المدنيين، أو قال له: لستم مدنيّون كما أني لست مَدَنيُ، فهل هنا تساوى اللواء مع الجندي؟ بالطبع لا، إذن ماذا؟ المشابهة هنا في أن كليهما ليسوا من المدنيين، لكن ليسوا كلهم بذات المستوى، فهذا لواء، وهم جنود، هو مسئول عنهم وهم مسئولون منه، ولنضرب مثالاً أوقع، إذا قال مدير شركة ما لعُمال الشركة، نحن جميعاً نعمل في الشركة، فهل هذا يعني أن كلهم يعملون بذات المفهوم؟ بالطبع لا، فهم عُمال في الشركة بأجر محدد وبأجل محدد، وليسوا مُلّاكًا لها، بينما هو فبلا أجر محدد وبلا أجل محدد لأنه هو مالكها، فعلى الرغم من حقيقة أنهم جميعا يعملون في الشركة إلا أنه يعمل في شركته، في ملكه، وهم يعملون في شركته هو وملكه هو، وهو قد إختارهم وعيَّنهُم ودَرَّبَهُم، فهناك تشابة في الألفاظ لكن هناك إختلاف في مدلولاتها.

إقرأ أيضاً: