مواضيع عاجلة

الأساس اللاهوتي للدفاعيات – أليستر ماجراث (الدفاعيات المجردة)

الأساس اللاهوتي للدفاعيات  – ( المجردة)

الأساس اللاهوتي للدفاعيات  – ( المجردة)

 عن كتاب: المجردة لأليستر ماكجراث

الأساس اللاهوتي للدفاعيات  - أليستر ماجراث (الدفاعيات المجردة)
الأساس اللاهوتي للدفاعيات – ( المجردة)

 

ليست مجموعة من الأساليب الفنّية لربح الناس للمسيح، ولا مجموعة من الحجج النموذجيّة الجاهزة التي تهدف للفوز بالمناظرات. ولكنها رغبة في العمل مع لمساعدة النفوس على اكتشاف مجده والرجوع له. وقد عبِّر “إفري داليس” Avery Dulles عن أسفه تجاه هذه النظرة قائلاً إنَّ المُدافع غالبًا ما يُنظر إليه بإعتباره “شخصًا عدوانيًّا انتهازيًّا يُحاول بحجته أن يضُم النّاس الى الكنيسة سواءً أكان ذلك بوسائل رقيقة أو فظّة”.[1]

وليس صعبًا أن نرى كيف تنشأ هذه الصُّور النمطيّة الشائعة. ولا يصعُب كذلك أن تكتشف خطورة هذه التّوجُّهات.  فالدِّفاعيّات في جوهرها ليست إتقان مجموعة من الأساليب الفنّية وحفظها لتسيير المناقشة في اتجاه مُعيّن للحُصول على النتيجة المَرجُوّة. ولكنّها تعني أن نكون محكومين بالإيمان المسيحي بحيث تنطبع أفكاره وموضوعاته وقيمه على عقولنا وفي قلوبنا إنطباعًا عميقًا.

فالدفاعيّات أبعد ما تكون عن ترديد الأفكار آليًّا، ولكنها إدراك طبيعي لما يمكننا ان نقدّمه من إجابات عن أسئلة الناس وشكوكهم، إجابات تنبع من تأصّلنا المخلص العميق في واقع إيماننا. وأفضل الدفاعيّات هي ما تتم انطلاقًا من رؤية ثريّة للواقع تُميّز الإنجيل، وتَخلِق بصيرةٍ شديدة الواقعيّة تنفُذ الى الطبيعة البشريّة. فما مشكلتنا؟ وما احتياجنا؟ وكيف يمكن الوفاء بهذا الإحتياج؟ في كل حالة، يمكن تقديم إجابة قويّة لكلّ سؤال، إجابة مؤسّسة على الفهم المسيحي لطبيعة الأمور.

وكما سيؤكد هذا الكتاب، لا بديل عن دراسة حقائق الإيمان العظمى دراسة طويلة، جادّة، مُمتزجة بالصلاة من ناحية، وفهم طبيعة الجمهور الذي نتفاعل معه ونُخاطبه فهمًا عميقًا من ناحية أخرى. وسأتناول في هذا الفصل قدرة الدراسة اللاهوتيّة للموضوعات المحوريّة في الإيمان المسيحي على إثراء .

تكوين سياق:

لنأخذ واحدًا من أول الأحداث المُسجّلة في روايات الإنجيل عن خدمة يسوع الناصري حتى نضع دراستنا في سياق مناسب:

وَفِيمَا هُوَ يَمشِي عِندَ بَحرِ الجَلِيلِ أَبصَرَ سِمعَانَ وَأندَرَاوُسَ أَخَاهُ يُلقِيَانِ شَبَكَةً فِي البَحرِ فَإنِهُمَا كَانَا صَيَّادَينِ.  فَقَالَ لَهُمَا يَسُوعُ: «هَلُمَّ وَرَائِي فَأَجعَلُكُمَا تَصِيرَانِ صَيَّادِي الْنَاس».  فَلِلوَقتِ تَرَكَا شِبَاكَهُمَا وَتَبِعَاه. (مر 16:1-18).

 

يا لها من قصّة بديعة مُحمّلة بالتفاصيل والأفكار، حيث نرى يسوع مثلاً يدعو صيادين. وهنا تجدر الإشارة الى أنّ الكتابات اليهوديّة آنذاك امتلأت بالأحاديث عن فئات من النّاس كانت وظائفهم تمنعهم من حفظ ناموس موسى، ومنهم النّجارون والصّيادون الذين غالبًا ما كانوا ملفوظين لأسباب خاصة (سلبيّة). فالنّجار كان يعمل حانوتيًّا يتعامل مع أجساد الموتى طوال الوقت، بالإضافة لعمله بالنجارة. والصّياد كان يتعامل مع أنواع مُختلفةٍ من الأسماك منها ما هو طاهر وما هو نجس. وهكذا كانت هاتان الفئتان غير قادرتين على الالتزام بالقواعد اليهوديّة الصّارمة فيما يختص بالطّهارة الطقسيّة التي كانت تحظر لمس أي شيء نجس. ومع ذلك، نرى يسوع يدعو هؤلاء الصّيادين على وجه التّحديد، أولئك الذين يعيشون على هامش الحياة الدينيّة اليهوديّة، وهو ما يُذكّرنا بكل جلاء أنّ الإنجيل يصل للجميع، حتى مَن يعتبرهم المُجتمَع عاجزين أو بلا قيمة.

وبالرّغم من أهمية تلك النُقطة، فهي ليست الأهمّ من وجهة النّظر الدفاعيّة، لأنّ السؤال الدّفاعي الذي يجب أن نسأله: ما الذي جعل سمعان وأندراوس يتركان كل شيء ويتبعان يسوع؟ هل قدّم يسوع حججًا قويّة لإثبات وجود ؟ هل شرح لهما أنّ فيه تتحقق نبوات العظيمة؟ لا. بل إنّ يسوع نفسه كان يتمتع بجاذبيّة خاصّة، فجاءت استجابة سمعان وإندراوس فوريّة وحدسيّة. ويترك لدينا مرقس انطباعًا عن شخص شديد الجاذبيّة، حضوره يُجبر النّاس تلقائيًا على قبوله.

وبالرغم من أنّ قصة لقاء يسوع النّاصري مع أوّل تلاميذه على بحر الجّليل مألوفة لنا جدًّا، علينا أن نقرأها إنطلاقًا من غرض دفاعي. وهي تُساعدنا على وضع الدفاعيّات في نصابها الصّحيح، من حيث إنّها تُذكّرنا أنّ الحجّة ليست إلاّ جزءًا من استراتيجيتنا. فمهمتنا، من أوجه كثيرة، هي أن نقود الناس للمسيح ولاكتشاف الحيّ. أي أن الدفاعيّات لا تُخلِّص أحدًا ولا يُمكنها أن تفعل ذلك. ولكنّها تُرشد الناس للاتجاه الصّحيح بإزالة العوائق التي تحول دون اللقاء مع ، أو بفتح نافذة يطلّ منها الناس على . وهي تُمكّن النّاس من إدراك أهمية الإنجيل. ومن ثَمُّ فهي تُوجّه، وتشرح، وتفتح الأبواب وتُزيل العوائق. ولكن ما يُخلّص ليس الدفاعيّات في حدّ ذاتها، بل الحقيقة العُظمى المُختصّة بالله والمسيح المُقام. 

ولشرح هذه النقطة المهمة، نرجع لرواية آخرى من روايات دعوة التلاميذ الأوائل:

فِيلُبُّسُ وَجَدَ نَثَنَائِيلَ وَقَالَ لَهُ: «وَجَدنَا الَّذِي كَتَبَ عَنهُ مُوسَى فِي اَّلَنامُوسِ وَالأَنبِيَاء: يَسُوعَ ابنَ يُوسُفَ الَّذِي مِنَ النَّاصِرَة».  فَقَالَ لَهُ نَثَنَائِيلُ: «أَمِنَ النَّاصِرَةِ يُمكِنُ أَنَ يَكُونَ شَيءٌ صَالِحٌ؟» قَالَ لَهُ فِيلُبُّسُ: «تَعَالَ وَانظُر».  (يو 45:1-46)

يقتنع فيلبس بعد لقائه مع يسوع الناصري أنه لشخص الذي كان يرجوه، ويحاول بعدئذٍ أن يقنع نثنائيل أنّ يسوع هو تحقيق رجاء إسرائيل. ولكن نثنائيل في شكّ شديد من الأمر، حتّى إنّه يعترض قائلاً: هل يُمكن أن يأتي شخص كهذا من الناصرة؟ وبدلاً من أن يُواجه فيلبس هذا الاعتراض بحجة منطقية، يدعو نثنائيل ليلتقي بيسوع الناصري ويُقرّر بنفسه.

كان بإمكان فيلبس أن يُجيب نثنائيل بحجّة مُفصّلة. كان يمكنه أن يثبت له أنّ نشأة يسوع في الناصرة تحقيق لنبوّة كتابيّة. أو كان يُمكنه أن يشرح له العوامل المُختلفة التي دعته هو وأندراوس وبطرس لاتباع يسوع الناصري والإيمان به باعتباره تحقيق رجاء إسرائيل. إلاّ أنّ فيلبس عرف أنّ اللقاء أفضل من الحجة. فما الداعي من النقاش مع نثنائيل وهناك طريقة مباشرة وأكثر ملاءمة لحلِّ المسألة؟ وهكذا نجد فيلبس يقول :«تَعَالَ وَانظُر».  وبعد لقاء نثنائيل بيسوع واستماعه له يصل إلى الاستنتاج بنفسه: «يَا مُعَلِّمُ، أَنتَ ابنُ ! أَنتَ مَلِكَ إِسرَائِيلَ!»  (يو 49:1). وهنا نرى أهميّة توجيه الناس نحو يسوع الناصري. فيمكننا، مثل فيلبس، أن نشرح ما نراه في يسوع من جاذبيّة وجمال لا يُقاوم. ولكن في النهاية، لا يأتي الاقتناع الكامل من شهادتنا. بل من اللقاء الشخصيّ مع المُقام.

وهنا نصل الى نقطة مُهمّة، فغالبًا ما يُقال لنا إنّ الدفاعيّات في إقناع النّاس بحقّ الايمان المسيحيّ. وهذه العبارة تشتمل على شيء من الحقيقة ولكنّها ليست الحقيقة الكاملة، لأنّ الحجج تقف عند حدود مُعيّنة يستحيل أن تتعدّاها. فقد يمكنك أن تقنع شخصًا بصحّة فكرةٍ ما، ولكن هل اقتناعه سيغير حياته؟ لقَد أصاب فيلبس في إدراكه أنّ نثنائيل لن يتغير بحجّةٍ ولا حتّى بفكرةٍ، بل بلقاءٍ شخصّي مع يسوع. فهو لم يُقدّم حجّة لحساب يسوع، بل أشار إلى يسوع. ألا يُقدِّم لنا هذا نموذجًا مُفيدًا للشهادة المسيحية، من حيث إنها توجيه النّاس ليسوع الذي وجدنا فيه كمال تحقيق أشواق الإنسانيّة، وتاجَ تطلعاتها، حتى نتيح لهم أن يلتقوا به بأنفسهم بدلاً من الاعتماد على ما نُقدّمه لهم من حجج وشرح؟

ولكن القصّة تستمر، حيث يمكننا الإشارة إلى المزيد من النقاط المُتعلّقة بالدفاعيّات. فبعد بضعة أيّام، يحضر يسوع وتلاميذه عرسًا في قانا الجليل، حيث يُجري يسوع “آيةً” محوّلاً الماء إلى خمر، وهو ما كان له عظيم الأثر على التلاميذ. وكما تُخبرنا رواية الإنجيل: “هَذِهِ بِدَايَةُ الآيَاتِ فَعَلَهَا يَسُوعُ فِي قَانَا الَجلِيلِ، وَأَظهَرَ مَجدَهُ، فَآمَنَ بِهِ تلَامِيذُهُ.” (يو 11:2). وهنا نرى الإيمان يأتي نتيجة إعلان مجد ، وهذا هو ما يتجاوز الحجج المنطقيّة بكثير. الإيمان هو الاستجابة لإدراكِ كمال مجد ، وجلاله، وروعته. ولعلّ أوضح الأمثلة على ذلك هو “توما المُتشكك” الذي يؤمن بالمسيح عندما يدرك أنه قام حقًّا من الأموات “أجاب توما وقال له:«رَبِّي وَإِلَهِي».” (يو 28:20).

يبين هذا الشرح المُختصر لطبيعة الدفاعيّات أن لها بُعداً لاهوتيًّا قويًّا. وقد يكون من المفيد أن نتناول هذه النقطة بمزيد من التفصيل قبل التقدّم في الموضوع.

أوّلاً، تُذكرنا نصوص إنجيل يوحنّا التي تبيّن أنّ الإيمان ينشأ عن إعلان المجد الإلهيّ بأنّ قُبول الإيمان لا يتمّ بالحكمة او المنطق البشريين، ولكنّه، في أعمق معانيه، يحدث بفعل إلهيّ. وهذا الموضوع ثابت في كله. فكرازة بولس في كورنثوس لم تعتمد على الحكمة البشريّة “لِكَي لَا يَكُونَ إِيمَانُكُم بِحِكمَة النَّاسِ بَل بِقُوَّةِ .” (اكو 5:2). والإيمان ليس مجرّد تغيير الفكر، ولكنّه تحول شخصي يتمّ باللقاء مع الحيّ.

ثانيًا، يصوّر ما أصاب الطبيعة البشريّة من جرح وخلل بسبب الخطيئة، مما جعلنا عاجزين عن رؤية الأمور على حقيقتها. ” الَّذِينَ فِيهِم إِلَهُ هَذَا الدَّهرِ قَد أَعمَى أَذهَانَ غَيرِ المُؤمِنِينَ، لِئَلَا تُضِيءَ لَهُم إِنَارَة إِنجِيلِ مَجِد الذي هو صورة .” (2كو 4:4). فلا الحجج ولا كثرة الأدلّة ولا قوّة البلاغة ولا جاذبيّة الشهادة الشخصيّة تستطيع أن تُعالج العمى. ولكن العمى يحتاج الى شفاء، وهذا الشفاء لا يستطيع أن يفعله سوى . وحده هو القادر على فتح عيون العُمي وتمكينهم من رُؤية واقع الحياة على حقيقته. وهكذا فالدفاعيّات تعتمد على نعمة وقدرته على الشفاء والتجديد، وهو ما لا نستطيع أن نفعله نحن. وهو ما يساعدنا أن نضع الدفاعيّات في حجمها الصحيح.

ثالثًا، هذه الزاوية اللاهوتيّة تضع مهمة الدفاعيّات في سياقها الصحيح، لأنّها تساعدنا على أن نُدرك أننا نلعب دورًا مهمًّا في الإتيان بالناس للإيمان. ولكنّه، على أهمّيته، دور محدود. فالله هو الذي يُغيّر الشخص، ونحن لنا الامتياز أن نأتي به إلى نقطة مُعيّنة عندها يتولى الله المسؤولية. إننا نشير إلى مصدر الشفاء، والله هو الذي يشفي. ونشهد لقوّة الغفران، والله هو الذي يغفر. ونشرح كيف غيّر الله حياتنا وحوّلها للأفضل، والله هو الذي يدخل الحياة ويغيّرها. فنحن نقوم بدور حقيقي في هذه العمليّة، وهو امتياز لنا، ولكنّنا لا نقوم به وحدنا. لأنّ الدفاعيّات دائمًا ما تتم بقوة المُقام وحضوره.

وسأقدم هنا تشبيهًا لعلّه يُساعد في توضيح هذه النقطة الجوهريّة. تخيّل أنك أُصبت بتسمم في الدم منذ عدة سنوات. وظهرت عليك بعض الأعراض، وعندئذ أدركت أنّك في حالة حرجة. فاستشرت طبيبًا ماهرًا أخبرك بالمُشكلة ووصف لك علاجًا، هو البنسيلين. فأخذت العلاج على الفور وبدأت تستعيد صحّتك في غُضون أيّام. سيناريو بسيط يسهل تخيّله، ويُمكنك أن تعيد كتابته بأسلوبك لتنشره على نطاق أوسع.

وإليك السؤال المُهم: هل الطبيب شفاك؟ من ناحية، نعم. ومن ناحية أخرى، لا. الطبيب أخبرك بالمُشكلة وبما يجب أن تفعله حتّى تشفى. ولكن ما عالجك بالفعل هو البنسيلين. فتشخيص الطبيب عرّفك بالمشكلة، ولكن قبل اكتشاف البنسيلين كانت هذه الحالة تعني شيئاً واحداً، هو الموت. وما كان هناك من سبيل لإنقاذك. وحتّى تحديد المشكلة ليس كافيًا لشفائك، بل لابد من العلاج.

يتيح لنا هذا التشبيه فهمًا أفضل لدور الدفاعيّات ولموقعنا في الخطّة الكبرى. واستمرارًا لهذا التشبيه الطبّي، أقول إن الدفاعيّات تشرح أن الطبيعة البشريّة مجروحة، فاسدة، مكسورة، ساقطة، وأنّها لا يُمكن أن تُشفى إلاّ بنعمة الله. ولشرح هذه الفكرة وتوصيلها والدفاع عنها يُمكن للمُدافع استخدام الكثير من الإستراتيجيات. وبالمثل يُمكننا استخدام الكثير من الاستراتيجيات التي تُسهم في شرح وتوصيل فكرة وجود علاج حقيقي والدفاع عنها. ولكن الدفاعيّات نفسها لا تشفي. كل ما تفعله أنّها تُشير إلى حيث يوجد الشفاء.

وهكذا يمكننا أن نُقدّم أقوى الحجج على وجود علاج، يمكننا أن نقدم شهادات شخصيّة عن أُناس تغيّرت حياتهم باكتشاف هذا العلاج. ولكن في النهاية الشفاء لا يتم إلاّ بالعُثور على العلاج وقُبوله والسماح له أن يؤدّي وظيفته. يُمكننا القيام بدور حقيقي ومهمّ في مُساعدة الناس على إدراك مرضهم وفي إرشادهم للعلاج الذي قد لا يعثرون عليه بدوننا. ولكن عملية الشفاء الفعليّة تنتج من قوّة البنسيلين، لا من كلامنا.

الدفاعيّات ورؤية لاهوتيّة للواقع:

تقوم الدفاعيّات على أساس من التقدير العميق لما يتميّز به الإيمان المسيحي من إتساع فكري وثراء روحي. فمهمة المُدافع لا أن يجعل الإيمان المسيحي جذّابًا أو مُناسبًا للعالم، ولكنّنا مدعوون لنُساعِد الناس على إدراكِ واكتشاف قوّته وملاءمته لحياتهم وقُدرته على الإقناع. والمُدافع مدعو أن يجد السُبل التي تتيح للنّاس أن يُميّزوا ما في الإيمان المسيحي من حقٍّ أصيل وجمال وصلاح.

وأسوقُ تشبيهًا آخر يُساعدُ في توضيح هذه النقطة. هبْ أنّك تقف على جبلٍ مع أحد أصدقائك مُندهشين من جمال الطبيعة. المنظر مألوف لك تمامًا لأنّك زرت المكان عدة مرّات. ولكنّ صديقك لم يزره، فكلّ شيء جديد عليه. وأسفل الجبل تمتد عناصر الطبيعة في الفضاء الفسيح؛ الغابات والأنهار والحقول والقرى. وأنت تُشير إلى القرى وتروي تاريخها لصديقك، وتُريه الأنهار، وتُخبره عن الغابات القديمة. وتُشير إلى شلاّلٍ صغير لا يلحظه الناظر إلاّ اذا كان يعرِفُ المكان من قَبْل. وصديقك مبتهج بالمنظر. ولكن النقطة التي لا بد من الانتباه لها أنّك لم تَخلِق هذا الجمال ولا التاريخ. كل ما هُنالِك أنّك ساعدت صديقك على تقدير قيمة ما هو موجود بالفعل، شيء لم يَعرِف به من قبل، ولم يلحظه.

فالدفاعيّات لا تعني إلباس الإيمان المسيحي ثوبًا من العقلانيّة أو الخيال الثري أو الخُلُق الراقي، لأنّ هذه الصفات هي صفات أصيلة في الإيمان، ولكن كل ما تفعله الدفاعيّات أنّها تُبرِز هذه السمات، وتُتيح الفرصة للناس حتى يروها بوضوح ويُقدّروا قيمتها الحقيقيّة. وهو ما يتطلّب من المُدافع نفسه أن يكون عنده من الرغبة والقدرة ما يمكنه من تقدير الإيمان المسيحي تقديرًا عميقًا واعيًّا. ولكن هذا لا يكفي: فلا بد للمُدافع أيضًا أن يكون نظره من الخارج. أي أنّه علينا ان نفهم كيفية الدفاع عن الموضوعات العظمى في الإيمان المسيحي وشرحها لأُناسٍ لم يألفوا مُفرادات هذا الإيمان ولا ممارساته. والأهم من ذلك أن نتمكن من اكتشاف وسيلة بها تتلامس هذه الموضوعات مع الناس، حتّى يدركوا ملاءمتها لهم وما يكمُن فيها من قوّة تغيير.

فكيف يمكننا أن نُقدّر قوًة الإيمان المسيحي وعُمقه عن طريق التحليل اللاهوتي؟ سنبدأ بتشبيه ساعد الكثيرين على إدراك أهميّة اللاهوت في الدفاعيّات. بدأت أستخدم هذا التشبيه في أواخر الثمانينات من القرن العشرين، وتشجّعت عندما رأيت الكثيرين يقتبسونه (وأحياناً يقتبسونه بتصرّف!) ما هو التشبيه؟ المنشور.

سنة 1666 توصّل عالم الرياضيات والفيزياء “إسحق نيوتين” Isaac Newton إلى اكتشاف ما في قاعاته الدراسيّة في “كليّة ترنيتي” Trinity College بجامعة كامبردج. وهذا الاكتشاف هو أنّه إذا تمّ تمرير شعاع من ضوء أبيض عبر منشور زجاجي، ينقسم الشعاع إلى سبعة ألوان قوس القزح: الأحمر، والبرتقالي، والأصفر، والأخضر، والأزرق، والنيلي، والبنفسجي.[2]  واستنتج “نيوتين” أن تكوُّن ألوان قوس القزح يتم بعمليّة مشابهة، فقطرات المطر تكسر ضوء الشمس الأبيض فيتحلّل إلى مُكوناته اللونيّة. ورغم أن كلّ لون موجود أصلاً في شعاع الضوء الأبيض، فهوّيته الفرديّة لم تكن ظاهرة، والمنشور هو ما سمح للألوان أن تنفصل حتّى يظهر كلٌّ منها ويتمكّن الرائي من تقدير جماله.

تشبيه بسيط ولكنّه يوضح نقطة في غاية الأهمّيّة. فالإنجيل مثل شعاع الضوء الأبيض؛ حقيقة غنيّة مركّبة تتكوّن من مجموعة عناصر، يستحق كلٌّ منها أن يُدرس على حده ليُقدّر الدارس قيمته. والتحليل اللاهوتي يهتم بتحديد كلٍّ من هذه العناصر في الإعلان المسيحي واكتشاف ما يكمن فيها من قدرة دفاعيّة، واستخدامها على نحو مُناسب.

ولمزيدٍ من إيضاح هذه النقطة سنتناول جزءًا من تحليل لاهوتي ونستخدمه استخدامًا دفاعيًّا. لنطرح سؤالاً بسيطًا: ما قيمة صليب ؟ بالرغم من أهميّة هذا السؤال على المستوى اللاهوتي، فهو مُهمّ بالقدر ذاته على مستوى الدفاعيّات.  فالنّاس مُختلفون في حاجاتهم وشكوكهم. وقد يتفاعل أحد جوانب الإنجيل مع مجموعة من الاحتياجات، في حين يتماشى جاتب آخر مع مجموعة أخرى مختلفة.

مثال مُناسب: تحليل لاهوتي للصليب:

يستحيل تلخيص رسالة الصليب بكل ثرائها وتعقيدها في كلمات قليلة. فالواقع أن واحدة من أعظم مُتع اللاهوت أنّه يتيح لنا الفرصة لإمعان النظر والتعمُّق (مُطولاً) في المعنى الكامل للموضوعات العظيمة التي تُكوّن الرسالة المسيحيّة مثل صليب المسيح.[3] إلاّ أنّه من الأهميّة بمكان أن نُلاحظ أنّه يُمكن تحديد عدد من الجوانب في تلك الرسالة يُلائم كلّ منها مجموعات مُعيّنة من البشر. فكُلّ جانب من الإعلان المسيحي عن صليب المسيح يجد له صدى عند جماعات مُعيّنة من البشر خارج الكنيسة.

وللوفاء بغرضنا في هذا الجزء، سنتناول أربعة موضوعات رئيسيّة في صليب المسيح، تلعب جميعها دورًا مُهمًّا في شهادة عن أهميّة موت المسيح وما يترتّب عليه من أفكار تختص بالمعنى الواسع لهذا الحدث في تقليد اللاهوت المسيحي.

  1. صليب المسيح أساس غفران خطيّة البشر.
  2. صليب المسيح وقيامته نصرة على الخطيّة والموت.
  3. الصليب شفاء للبشريّة الكسيرة الجريحة.
  4. الصليب يُظهر محبة الله للبشر.

يمكن إضافة موضوعات أخرى لهذه القائمة القصيرة. ولا أقصد هنا تقديم تحليل لاهوتي شامل للصليب، بل أود أن أُبيّن أنّ تحديد موضوعاته يتضمّن تطبيقات دفاعيّة على قدر كبير من الأهميّة. وقبل أن ندرس ما تتضنمه هذه النقاط اللاهوتيّة الأربع من أبعاد دفاعيّة، سوف أتناول كلاًّ منها باختصار.

  1. صليب المسيح أساس غفران خطيّة البشر:

يمثل إعلان بولس أن “المَسِيحَ مَاتَ مِن أَجلِ خَطَايَانَا.” (اكو 3:15) نقطة انطلاقٍ جيّدة لدراستنا. فأهمّية موت المسيح لا تقتصر على كونِها حقيقة تاريخيّة ثابتة جامدة، بل تتجاوزها لتشمل دلالة ذلك الحدث لنا. أي أنّ موت المسيح حقيقة تاريخيّة، أمّا موت المسيح من أجل غفران خطايانا فهو الإنجيل. والصليب، طبقًا لما يقوله بولس، يعني الخلاص والغُفران والنصرة على الموت. ومن ثَمّ، فإنّ “رسالة الصليب” لا تتفق عند حد حَدَثِ ، بل تمتد لتشمل ما يعنيه هذا الحدث لنا، ألا وهي أن يسوع مات لكي نحيا نحن. لقد أُحصي يسوع مع أثمة حتى ينال الأثمة غفران الخطايا.

ورغم أنّ لاهوت الغفران موضوعٌ ضخمٌ جدًّا، فهذا الكتاب يَختصّ بالدفاعيّات، وليس اللاهوت. وما يَعنينا هنا ان نُركّز على الرُؤية الخارجيّة، فنسأل أنفسنا: كيف يُمكن لإعلان وجود غُفران حقيقي لخطايا حقيقيّة من خلال موت المسيح أن يتلامس مع مَن هم خارج الإيمان المسيحي؟ كيف يُمكن لهذا الحق اللاهوتي أن يتلاقى مع مخاوفهم وتطلُّعاتهم؟ لابدّ أن نتعلّم التفكير بأسلوب دفاعي محاولين أن نُجيب عن أسئلة مُهمّة، مثل: كيف يُمكن لهذا الجانب من الصليب أن يكون بوّابة تنفتح أمام الشخص لاكتشاف حقائق الإنجيل؟ كيف يُمكننا أن نستخدم فكرة الغفران هذه كجسرٍ لله؟

من المداخل التي تُساعدنا على ذلك مسألة الشُّعور بالذّنب التي تشغل الكثيرين. وقد أشار الفيلسوف “إيمانيول كانط” Immanuel Kant إلى أنّ الشُّعور العميق بالذّنب يمنع الكثيرين من الفعل الأخلاقي. وفي حين أنّ هذه العبارة لا تخلو من الحقيقة، فلابدّ من لفت النظر الى نقطةٍ أعمق كثيرًا. فبعض الناس يُعانون من شعور شديد بالذنب تجاه شيء فعلوه، أو أحيانَا، تجاه شيءٍ تسبّبوا هم في يُفعل بهم، مما يشعرهم أنّهم لا يُمكن أن يعيشوا حياة سويّة إلاّ إذا تمّ حلّ هذه المُشكلة، وهم يتساءلون: ما السبيل لتحقيق لك؟

تُعتبر هذه المسألة من الموضوعات الجوهريّة في واحدة من أشهر كلاسيكيات الأدب الإنجليزي، وهي رواية “سياحة المسيحي” The Pilgrim’s Progress لكاتبها “يوحنا بنيان” John Bunyan حيث يصوّر السائح بطل القصّة يرزح تحت “ثقل الخطيّة” لدرجة أنّه يسقط على ركبتيه، فلا يَقوى على السير بشكل طبيعي. وأخيرًا، يتمكّن من إلقاء حِمله عند الصليب، وعندئذٍ يسير على نحو سويّ لأوّل مرّة. وهذا ما يشعر به الكثيرون، فهم يشعرون أنّهم مُثقلون بالذنب، ويدركون أنّهم لا يُمكن أن يعيشوا حياة سويّة إلاّ إذا تأكّدوا أنّهم نالوا غفرانًا على أساس سليم.

إلاّ أنه من المُؤكد أنّ كلمة “خطيّة” تُمثّل مُشكلة للكثيرين اليوم. ونُخطئ إن اعتقدنا أنّ هذه المشكلة حديثة العهد.  فمنذ عام 1945 قال “سي. إس. لويس” إنّ “معنى الخطيّة يكاد يكون غائبًا تمامًا” في الثقافة الحديثة. وهو ما يتطلّب أن يتعامل المُدافع مع “أُناس نشئوا على الاعتقاد بأنّ أيّ خطأ يَحدُث في العالم هو مَسؤوليّة شخص آخر غيرهم.”[4] فالخطيّة، كغيرها من مُفردات الدفاعيّات، يجب شرحها.[5]

  1. صليب المسيح وقيامته نصرة على الخطيّة والموت:

من أروع موضوعات الإنجيل أنّ صليب يسوع المسيح وقامته يعتقاننا من خوف الموت. فقد أُقيم المسيح من الأموات ومن يُؤمن به سيحظى بنصيب في تلك القيامة يومًا وما يبقى معه للأبد، وبذلك لم يعُد الموت شيئًا يخشاه. وهذا ما يحتفل به المسيحيون إحتفالاً مجيدًا في عيد القيامة عندما يتذكرون كُلفة هذا الانتصار بشعور من العرفان والابتهاج بحقيقته. ورُغم أنّ رسالة رجاء عظيمة كهذه في مواجهة الألم والموت رسالة لا غِنى عنها لنا جميعًا، فهي تحمل مغزى خاصًّا جدًّا لمن يستيقظون في منتصف الليل مذعورين من فكرة الموت. فالكثيرون في الثّقافة الغربيّة غير قادرين أو غير راغبين أن يُواجهوا حقيقة الفناء البشريّ، ويتمنّون أن يجتازوا في الحياة دون يضطروا للتعامل معها. إلاّ أنّه لا يُمكن للمرء أن يهرُب من الواقع، لأنّه مُجبَر على مُواجهته كما هو.

ويُقدّم كتابُ  “إنكار الموت” The Denial of Death الفائز بإحدى الجوائز لكاتبه “إرنست بِكَر” Ernest Becker دراسة نموذجيّة لرفض الغرب أن يُواجه حقيقة فناء البشر، حيث يقول “بِكَر” إنّ الكثير من الغربيين يوهمون أنفسهم بأنّ الإنسان خالد ويرفضون الإعتراف بحتميّة فنائهم، لأنّهم يجدون التفكير في هذه المسألة شديد الصّعوبة والإيلام.  ومن ثمَّ، فهم يُجنّبون هذه القضيّة ويتجاهلونها، ولكن تجاهلها لا يلغي وجودها.

إنّ الصليب يُحرّرنا من خوف الموت ومن العيش في أكذوبة الخلود. فهو ترياق فعّال يُعالج ميلنا الطبيعي للخوف أو القلق بشأن وضعنا في العالم، ويجعلنا نواجه الموت بثقة الهادئ المُطمئن، عالمين أنّ شوكته قد زالت بالصليب وقد نلنا النصرة بالقيامة. والرسالة إلى العبرانيين تؤكد هذه الحقيقة بكُلّ قوّةٍ عندما تُعلن أنّ المسيح مات “لكي يُبِيدَ بِالمَوتِ ذَاكَ الَّذِي لَهُ سُلطَانُ المَوتِ، أَي إِبلِيسَ،  وَيُعتِقَ أُولَئِكَ الَّذِينَ خَوفًا مِنَ المَوتِ كَانُوا جَمِيعًا كُلَّ حَيَاتِهِم تَحتَ العُبُودِيَّةِ.” (عب 14:2-15).

لاحظ أنّ هذا الأسلوب لا يقول: “دعونا نتظاهر أنّ الموت انهزم وأنّ قوته انكسرت، ولنمضِ في حياتنا وكأنّ الموت لا يُقلقنا.” لو فعلنا ذلك فنحن نغمض عيوننا عن حقائق الحياة المُرّة ونعيش في عالمٍ من الوهم الزائف وكأنّنا ندخل في قصّة خياليّة من قصص الجنّيات، أو في لُعبةِ السجن والتنين الخياليّة. ولكن ما يطرحه هذا الأسلوب مُختلف تمامًا عن ذلك، فهو يقول: “إنّ قوّة الموت انكسرت بصليب يسوع المسيح وقيامته. وقد نلنا النصرة على الموت من خلال المسيح، ومعرفتنا لهذه الحقيقة لابدّ أن تُغيّرنا، وتُغيّر طريقة تفكيرنا وأسلوب حياتنا. ولا يُفترض أن نخاف من الموت فيما بعد لأنّ المسيح صارعه على الصليب وصرعه.” فنحن لا نعيش في عالم وهميّ من الخيال البشري الحماسيّ الخصب، ولكنّه العالم الحقيقي للإنجيل الذي يعطيه الله شخصيًّا ويضمنه.

إنّ ما تتضمنّه هذه الحقيقة من أبعاد دفاعيّة لهُوَ شديد الأهميّة، خاصةً لمن يخشى الموت ويتمنّى أن ينفلت من قبضته، فالكثيرون فشلوا في أن يقبلوا الحياة لشدة خوفهم من الموت. ولكن الإنجيل يواجه هذه المخاوف ولا يهرب من الواقع.

  1. الصليب شفاء للبشريّة الكسيرة الجريحة:

يُعتبر شفاء الله للعالم الكسير واسترداده للنفوس الفاسدة من الموضوعات المحوريّة في أسفار الكتاب المُقدّس. وقد أكّد الأنبياء هذا الرجاء في الشفاء مشبّهين الله بالطبيب أو بشمس البرّ “تُشرِقُ شَمسُ البِرِّ وَالشِّفَاءُ فِي أَجنِحَتِهَا.” (مل 2:4).  ويمكن النظر إلى خدمة الشفاء التي قام بها يسوع الناصري باعتبارها امتدادًا لهذا الموضوع، من حيث أنها تشير الى تجديد الله لخليقته بتدخل شخصي منه.

ويتجسد هذا الموضوع بمنتهى الجلاء في الصليب الذي يراه تحقيقًا لموضوع “العبد المُتألّم” الوارد في نبوّة إشعياء:

 

لَكِنَّ أَحزَانَنَا حَمَلَهَا وَأوجَاعَنَا تَحمَّلَهَا. وَنَحنُ حَسِبنَاهُ مُصَابًا مَضرُوبًا مِنَ الله وَمَذلُولاً. وَهُوَ مَجرُوحٌ لأَجلِ مَعَاصِينَا مَسحُوقٌ لأَجلِ آثَامِنَا. تَأدِيبُ سَلَامِنَا عَلَيهِ وَبِحُبرِهِ شُفِينَا. ” (إش 4:53-5)

وهكذا يمكننا أن نُدرك البُعد الأعمق لجراح المسيح المصلوب وآلامه. فقد حمل المسيح الألم والمُعاناة نيابةً عن أُناسٍ آخرين حتى يُشفوا.

وقد كان كُتّاب المسيحيّة الأوائل واعين بما لهذا الموضوع من أهميّة دفاعيّة. ففي أواخر القرن الأوّل تحدّث إغناطيوس الأنطاكيّ Ignatius Antioch عن “دواء الخلود” مشبّهًا الإنجيل بعقارٍ قادرٍ على شفاء داء الإنسانيّة المُميت وتحريرها من رهبة الموت. وفي القرن الخامس شبّه القديس أغسطينوس الكنيسة بالمستشفى المليء بالجرحى والمرضى الذين يُشفون من أمراضهم تحت رعاية الطبيب الماهر والدواء الذي يُقدّمه لهم. وتُعبّر إحدى الترانيم الرائعة للأمريكيين الأفارقة تعبيرًا قويًّا لا يُنسى عن هذا الموضوع:

          في جلعادَ بلسان

          يُعيدُ الجريحَ صحيحًا

          في السماءِ قوّةٌ

          تشفي النفسَ المريضة

فكيف يُمكن استخدام هذا الموضوع دفاعيًّا؟ كيف يخاطب الجوّ الثقافي وطموحات الناس العاديين ومخاوفهم؟ إنّ الكثيرين يرون المُجتمع كسيرًا أو يرون أنّهم مُصابون بخلل أو جرح، وهو ما يُمثّل تعبيرًا دالّاً قويًّا يعكس شُعورًا عميقًا بأنّ الأمور ليست في وضعها الصحيح، ويجب أن تُعاد إلى الحالة التي كان يُفترض أن تكون عليها. ولكن أين الشّفاء؟

عند هذه المرحلة، تبرز حلقة اتّصال قويّة بالإيمان المسيحي يُمكن إبرازها تصويريًّا، أي باستخدام الصور الذهنيّة، وصورة المسيح المجروح والمُتألّم على الصليب المألوفة للغالبيّة، عندما يتم تفسيرها على النحو الصحيح. تُجسّد تضامن الله مع المُتألّمين والباب المفتوح للتجديد والاسترداد. ويُمكن أيضًا إبرازها فكريًّا من حيث دخول المسيح في وادي الحزن والألم البشرييّن ليُغيّر هذا الوضع. ومن ثَمّ، ليس من قبيل الصُّدفة أنّ ما يُقدّمه من صورة رائعة لأورشليم الجديدة تُؤكّد أنّ الحزن والألم قد ذهبا دون رجعة، ولن يكون لهما مكان في النظام الجديد. “وَسَيمسَحُ الله كُلَّ دَمعَةٍ مِن عُيُونِهِم، وَالمَوتُ لَا يَكُونُ فِي مَا بَعدُ، وَلَا يَكُونُ حُزنٌ وَلَا صُرَاخٌ وَلَا وَجَعٌ فِي مَا بَعدُ، لأَنَّ الأُمُورَ الأُولَى قَد مَضَت.” (رؤ 4:21)

  1. الصليب يُظهر محبة الله للبشر:

يكمن في قلب الإيمان المسيحي الاعتقاد في إله محب وأهل للثقة. بل إنّ الله بيّن محبّته للبشريّة بموت المسيح على الصليب. “الله بَيَّنَ مَحَبَّتَهُ لَنَا، لأَنَّهُ وَنَحنُ بَعدُ خُطَاةٌ مَاتَ المَسِيحُ لأَجلِنَا. ” (رو 8:5). وهكذا ينكشف مُنتهى هذا الحب في صليب المسيح. فقد مات يسوع ليقنعنا ويؤكد لنا محبّة الله الرقيقة لنا نحن الخطاة (يو 16:3)، وهكذا يُعيدنا الى بيتنا؛ إلى الله. ولكن من الناس من يشعُرون أنّهم غارقون في بحر الخطيّة حتّى إنّ الله يستحيل أن يحبّهم. إلّا أنّ نظرة مختلفة تمامًا، إذ يؤكد أنّه ما من شيء يمكن أن يفصلنا عن محبّة الله في المسيح (رو 31:8-39).

والإيمان المسيحي يُعلن أنّ محبّة الله أُظهِرَت وتبرهنت بفعل عملي، وهو ما يجعل عبارة  “الله مَحبَّةٌ” (1يو8:4) حقيقة مؤكَّدة. إلا أن الكثيرين يسيئون فهم هذا الحق الثابت على مر الأزمان ويظنون أن الله هو النموذج الحقيقي الكامل للحب البشري. ولكن هذا المفهوم قاصر عن وصف إله المسيحية. فالكتاب المقدس يشهد عن إله يخرجُ كالراعي الذي فقدَ أحد خرافه ليبحث عنه ويحمله عائدًا به إلى البيت فرِحًا (لو4:15-7). وتتجسد هذه الصورة بمنتهى الروعة والبهاء في صليب المسيح الذي كان العمل الذي قام به الله لإظهار محبته “بِهَذَا أُظهِرَت مَحَبَّةُ اللهِ فِينَا: أَنَّ الله قَد أَرسَلَ ابنَهُ الوَحِيدَ إِلَى العَالمَ لِكَي نَحيَا بِهِ.” (1 يو 9:4). ولا شكّ أنّ الأفعال أعلى صوتًا من الأقوال. فالله إله حيّ نشط، إلهٌ فاعِل يقوم بأعمال معيّنة ليكشف عن كمال محبّته لنا.

كيف يُمكن إذًا لهذه الفِكرة اللاهوتيّة المُهمّة أن تُستخدَم بشكل دفاعيّ؟ كيف تتحدّث إلى ثقافتنا اليوم؟ إنّ كل شخص يتمنّى أن يكون مهمًا، وجميعنا نحتاج إلى “قاعدة أمان”، أيُّ بيئةٍ ننعم فيها بالحب وتأكيد الذات ونتمكن من النموّ والتقدُّم. والمفترض أن تكون الأُسر، والأصدقاء، والمجتمعات قادرة على الوفاء بهذا الاحتياج. ومع ذلك، غالبًا ما يشعر الكثيرون بالوحدة والضياع في رحلة الحياة، ويشعرون بالعجز أمام ضخامة هذا الكون الشاسع وقِصر الحياة البشرية وتفاهتها. وكأنّ لسان حالهم يقول: من يهتمّ بنا؟

إنّ موضوع محبّة الله يتحدث عن إله حاضر ومُهتمّ، إلهٌ تمثل له أهميّة عظمى. والله يعرف كلاً منا معرفة شخصيّة وبالإسم، كما يعلن كاتب المزمور وهو يتأمّل السموات الشاسعة بنجومها المتلألئة:

          “إِذَا أَرَى سَمَواَتِكَ عَمَلَ أَصَابِعِكَ القَمَرَ وَالّنُجُومَ الَّتِي كَوَّنتَهَا  فَمَن هُوَ الإِنسَانُ حَتَّى تَذكُرَهُ وَابنُ آدَم حَتَّى تَفتَقِدَهُ! وَتَنقُصَهُ قَلِيلًا عَنِ المَلَائِكةِ وَبِمَجدٍ وَبَهَاءٍ تُكَلِّلُه.” (مز 3:8-5).

هذا الإعلان الأكيد يكتسب مزيدًا من العمق والقوّة في رسالة صليب المسيح التي تتحدّث عن الله الذي خلق كل الأشياء ودخل في خليقته ليفدينا. فكم كان الله “مشغولاً” بكلّ منا حتّى إنّ المسيح اختار أن يموت عن كلّ واحدٍ، واهبًا كل ما له من أجلنا، كما أشار “سي. إس. لويس” قائلاً إنّ المسيحي لا يؤمن أنّ “الله سيحبنا لكوننا صالحين، بل إنّه سيجعلنا صالحين لكونه يحبّنا.”[6]   

خطوة للأمام:

رأينا في هذا الفصل أنّ الدراسة اللاهوتيّة الدقيقة للموضوعات والعناصر الجوهريّة في الإنجيل تتيح لنا الفرصة لإكتشاف الصلة بينه وبين مستمعينا. وهذا النسق الفكري يمكن تطبيقه على كل الموضوعات. المُهم هو أن نجد نقاط التلاقي بين الإنجيل وحياة الناس، واللاهوت هو الذي يُساعدنا على تحديد أنسب هذه النقاط، بما يمكّن الأفراد من اكتشاف فرح الإيمان. إلاّ أنّ هذا لا يعني أننا نختزل الإنجيل لنقطة واحدة فقط، ولكنّه يعني أنّنا نبحث عن أكثر جوانب الإنجيل قربًا وملاءمة للشخص الذي نتحدث إليه، وسوف تأتي بقيّة جوانب الإنجيل في وقتها المناسب. ولذلك، علينا أن نبدأ من نقطة معيّنة مع كل شخص، واللاهوت هو ما يُساعدنا على تحديد أفضل نقطة بدء في كل حالة على حده.

وسنركز في الفصل التالي بمزيد من التفصيل على هويّة المستمعين، وكيف تؤثر على أسلوبنا في خدمة الدفاعيّات.

لمزيد من الإطلاع:

Allen, Diogenes. Christian Belief in a Postmodern World: The Full Wealth of Conviction. Louisville: Westminster John Knox, 1989.

Grenz, Stanley J., and William C. Placher. Essentials of Christian Theology. Louisville: Westminster John Knox, 2003.

McGrath Alister E. Christian Theology: An Introduction, 5th ed. Oxford: Wiley-Blackwell, 2011.

Sire, James W. A Little Primer on Humble Apologetics. Downers Grove.IL: InterVarsity, 2006.

Sproul, R. C. Defending Your Faith: An Introduction to Apologetics. Wheaton: Crossway, 2003.

[1] Avery Dulles, A History of Apologetics, 3rd ed. (San Francisco: Ignatius Press, 2005), xix

[2] Richard S. Westfall, The Life of Isaac Newton (Cambridge: Cambridge University Press, 1993), 73-75.

[3] For some important representative accounts, see Colin E. Gunton, The Actuality of Atonement: A Study of Metaphor, Rationality, and the Christian Tradition (Grand Rapids: Eerdmans, 1989); Charles E. Hill and Frank A. James, eds., The Glory of the Atonement: Biblical, Historical & Practical Perspectives (Downers Grove, IL: InterVarsity, 2004); Peter Schmiechen, Saving Power: Theories of Atonement and Forms of the Church (Grand Rapids: Eerdmans, 2005); and Thomas F. Torrance, Atonement: The Person and Work of Christ (Downers Grove, IL: InterVarsity, 2009)

[4] Lewis, “Christian Apologetics,” C. S. Lewis: Essay Collection (London: HarperCollins, 2000), 152-53.

[5] For an excellent introduction, which offers the apologist many helpful approaches and analogies, see Cornelius Plantinga, Not the Way It’s Supposed to Be: A Breviary of Sin (Grand Rapids: Eerdmans, 1995).

[6] C. S. Lewis, Mere Christianity (London: HarperCollins, 2002), 63.

إقرأ أيضاً:

إقرأ أيضًا

هل يسوع هو الله أم فقط إله من ضمن آلهه؟ - ترجمة: مايكل عاطف

هل يسوع هو الله أم فقط إله من ضمن آلهه؟ – ترجمة: مايكل عاطف

هل يسوع هو الله أم فقط إله من ضمن آلهه؟ – ترجمة: مايكل عاطف هل …