الرئيسية / قناة البينة / #العيّنة_بيّنة (6) هل كان بولس الرسول ينافق اليهود والأمم لكي يكونوا مسيحيين؟

#العيّنة_بيّنة (6) هل كان بولس الرسول ينافق اليهود والأمم لكي يكونوا مسيحيين؟

هل كان بولس الرسول ينافق اليهود والأمم لكي يكونوا مسيحيين؟

هل كان بولس الرسول ينافق اليهود والأمم لكي يكونوا مسيحيين؟
هل كان بولس الرسول ينافق اليهود والأمم لكي يكونوا مسيحيين؟

للأسف، يسيء البعض، سواء عن عمد أو عن عدم عمد، فِهم كلام بولس الرسول الوارد في رسالته الأولى لأهل كورنثوس، والأصحاح التاسع حيث قال:

1Co 9:19   فإني إذ كنت حرا من الجميع استعبدت نفسي للجميع لأربح الأكثرين.

1Co 9:20   فصرت لليهود كيهودي لأربح اليهود وللذين تحت الناموس كأني تحت الناموس لأربح الذين تحت الناموس

1Co 9:21   وللذين بلا ناموس كأني بلا ناموس – مع أني لست بلا ناموس لله بل تحت ناموس للمسيح – لأربح الذين بلا ناموس.

 1Co 9:22  صرت للضعفاء كضعيف لأربح الضعفاء. صرت للكل كل شيء لأخلص على كل حال قوما.

 1Co 9:23  وهذا أنا أفعله لأجل الإنجيل لأكون شريكا فيه.

فيقولون لنا، ها هو بولس الرسول يصير لليهودي يهودي، وللذين بلا ناموس يصير لهم هو بلا ناموس، فها هو ينافق لأجل أن يكسب أناسً لدينه الجديد!

وللأسف، وكما المعتاد بين طارحي هذا النوع من الشبهات، هو بتر النص من سياقه بل من أسلوب بولس الرسول في رسائله، على كثرتها، فما يحدث هو انهم لا يجدون في القديس بولس الرسول ما يعترضون به عليه فيسقطون أفكارهم الخاطئة على كلامه الصحيح! وسوف نبين هذ في التعليق:

أولاً: لم يقل بولس الرسول أنه سيصير لليهودي يهودي وللأممي أممي، بل قال أنه سيصير لليهودي كيهودي، وللذين بلا ناموس كأنه بلا ناموس، وهذا واضح جدا في النص اليوناني حيث قد جاءت كلمة ὡς والتي تعني “كـ” أو باللغة الإنجليزية as، فهو لن يصير يهودي او أممي لليهودي أو الأممي، بل سيصير لهم كيهودي أو كأممي، وهذا واضح ومعروف وليس له علاقة بالنفاق أبداً، فمثلا عندما نناقش نحن شخص ملحد، نتناقش معه بخلفيته هو، فلا نستطيع مثلا أن نحكم عليه بالكتاب المقدس أو أن نقول له أن يقول كذا، فهو لا يؤمن بوجود إله ولا بأن الكتاب المقدس هو كتاب لإله، فكيف نحتج أمامه بهذا الذي لا يؤمن به أصلا؟ ولهذا نلجأ لحوار الملحد كملحدين، بمعنى أننا نستشهد بعلماء ملحدين وبأبحاث علمية وكُتب ودراسات علمية وفلسفية ..إلخ، لأن هذا هو الإطار الذي يتعامل به الملحد، فلو تعاملت معه كمسيحي في النقاش، أي في عرض الأدلة والرد، فلن يكون هذا ذا قيمة له، لأنه لا يؤمن به من الأساس، وهكذا عندما نتحاور مع إخوتنا المسلمين في أمر يخص دينهم فنحن نستشهد بالقرآن الكريم وبتفاسيره المعتمدة والأحاديث الصحيحة وشروحاتها، لأنها ما يقبله الأخ المسلم في الحوار، فلو إستشهد عليه –في حوار إسلامي- بالكتاب المقدس، فلن يصدقه لأنه لا يؤمن به، فلهذا لابد أن نتعامل حوارياً مع ما يقبله الآخر، فهنا نحن نكون للملحدين كملحدين (في الحوار) وللمسلمين كمسلمين، لا أننا صرنا ملحدون أو مسلمون، وليس في هذا الشيء أي نفاق.

ثانياً: لقد عانى بولس الرسول أثناء خدمة المشقات، فقد حورب وسُجن وضُرب، وأخيراً قُتل على يد نيرون، فقد ذاق بولس الرسول الأمرين بسبب دعوته من اليهود تارة ومن الرومان تارة، فلو كانت هذه النصوص تعني أن بولس الرسول كان ينافق اليهود والرومان، فلن يتعبوه أو يؤذوه او يعذبوه أو يسجنوه أو يقتلوه، بل كان سيكون موافقاً لهم في الرأي والعقيدة وبالتالي فلن يضايقوه أو يضطهدوه أو يسجنوه او يقتلوه، فهذه ليست صفات الشخص المنافق الذي يوافق محاوره فيما يقوله بل صفات المعارض.

ثالثاً: إن كانوا يقولون هذا الكلام بشأن تعامل بولس الرسول مع اليهود واليونانيين، فكيف سيقولون هذا الكلام في حديث بولس الرسول بشأن أنه كان ضعيفاً مع الضعفاء؟، وهل بهذا الضعف يدعو؟! حقاً لا أعرف كيف سيفسرون هذا!

رابعاً: لو رجعنا للسياق سنفهم ما معنى هذا الكلام بدقة، فعندما نعود لنقرأ الأصحاح من بدايته، سنجد أن موضوع بولس الرسول الرئيسي هو أنه كرسول ولأجل خدمته ورسالته قد منع عن نفسه أشياء ليست ممنوعه له سواء كيهودي أو كإنسان، لكنه منعها عن نفسه لكيلا تتعطل بشارته بالمسيح، فمثلاً تكلم عن أن يجول بزوجة، وأن يأكل ويشرب، وأنه يتحمل نفقته دون طلب مساعدة من أحدٍ، وكل هذا لكيلا يتعطل صليب ، فقد منع عن نفسه ما حُلَّ له لأجل ، فيقول القديس بولس:
 1Co 9:12  إن كان آخرون شركاء في السلطان عليكم أفلسنا نحن بالأولى؟ لكننا لم نستعمل هذا السلطان بل نتحمل كل شيء لئلا نجعل عائقا لإنجيل .

1Co 9:15   أما أنا فلم أستعمل شيئا من هذا ولا كتبت هذا لكي يصير في هكذا. لأنه خير لي أن أموت من أن يعطل أحد فخري.

1Co 9:18   فما هو أجري؟ إذ وأنا أبشر أجعل إنجيل بلا نفقة حتى لم أستعمل سلطاني في الإنجيل.

ثم يأتي القديس بولس لنتيجة كل هذا فيقول إنه استعبد نفسه لأجل الجميع، فيقول:

1Co 9:19   فإني إذ كنت حرا من الجميع استعبدت نفسي للجميع لأربح الأكثرين.

ثم ذكر هذه الآيات محل البحث، فالقديس بولس نفسه يعتبر ان هذا “استعباد” وليس “نصاحة” أو “عبقرية”، بل يسميه استعباد، وهو نفسه الذي قال عن نفسه أنه تعب أكثر من جميعهم، وربما كان يقصد بقية الرُسل (1كو 15: 10)، فلو كان المعترض قرأ لفهمَ، لكنه حتى وإن كان قرأ وفهم، فهو لا يريد إلا تشويه المسيحية ورموزها.

خامساً: ماذا قالو عن هذه النصوص؟

يقول ويليام باركلي: وأخيراً يتحدث بولس عن أسلوب خدمته، فيقول إن أسلوبه هو أن يصير للكل كل شيء. وليس معنى هذا أن يكون مرائياً أو منافقاً أو محتالا، ولكن معنى هذا أن يتمشى وأن يتفاهم مع كل واحد بقدر إدراكه وحسب مستواه، وأن يراعي ظروف الآخرين ويقدر وجهات نظرهم. فإن الشخص الذي يتعامى عن آراء وأفكار الآخرين ولا ترى عيناه شيئاً سوى ذاته هو، والذي يتعصب لوجهات نظره دون أدنى استعداد لتفهم وجهات نظر الآخرين، والذي يفتقر كلية إلى هبة القدرة على مواساة الآخرين، والذي لا يبذل أية محاولة ليدرك ما يدور بخواطر وقلوب الآخرين – مثل هذا الشخص لا يصلح أبداً أن يكون راعياً أو مبشراً أو حتى صديقاً. هناك فن تحدث عنه أحدهم وسماه “فن التوافق والانسجام مع الآخرين” … عندما شكا قسيس إحدى القرى من عباء الناس في كنيسته، وضيق أفقهم، وقال بمرارة إنهم لا يعرفون الحديث إلا عن أبقارهم وأغنامهم، أجابته سيدة عجوز قائلة: “إن الواعظ (فلان) لو كان مكانك لأجاد الحديث معهم عن أبقارهم وأغنامهم”. فبالنسبة للرجل الريفي كان الواعظ ريفياً مثله، وهكذا درب نفسه أيضاً على أن يكون مستعداً للحديث مع كل شخص في الموضوع الذي يشغل باله ويثير اهتمامه ويتعلق بعمله، فكان مثلاً، يتلذذ بالحديث عن صناعة النظارات مع صانع النظارات، وبالحديث عن القانون مع المحامي، وبالحديث عن تربية الخنازير مع من يقون بتربيتها، وبالحديث عن الأمراض مع الطبيب، وبالحديث عن السفن مع صانع السفن، وهكذا. وبهذه القدرة على التوافق والانسجام مع الآخرين استطاع ان يربح نفوساً كثيرة للمسيح…”[1]

يقول القديس يوحنا ذهبي الفم:

  • لم يقل “صرت لليهودي يهوديًا” بل “كيهودي“، وذلك بتدبير حكيم. ماذا تقول؟ هل مبشر العالم الذي تلامس مع السماوات عينها وأضاء ببهاء هكذا في النعمة ينزل بكليته إلى هذه الدرجة؟ نعم، هذا هو الصعود. فلا تنظروا إلى نزوله، بل صعوده، إذ ينحني إلى أسفل ويُقيمه إليه[2].
  • متى صار تحت الناموس؟ عندما حلق رأسه وقدّم ذبيحة. لقد حدثت هذه الأمور ليس لأن فكره قد تغيّر، وإنما لأن حبه قد أنزله. وذلك لكي يجلب إلى الإيمان أولئك الذين هم بالحق يهود. صار هو هكذا ليس بالحقيقة يهوديًا بل أظهر نفسه هكذا فقط وليس بالفعل ولا بأعمال صادرة عن عقله! حتى يحرر أولئك الذين يمارسونها ويرتفع بهم من الانحطاط[3].
  • لم يحاور اليهود من الأناجيل بل من الأنبياء، لهذا يقول: “صرت لليهود كيهودي[4]

ويقول القديس أغسطينوس:

  • لم يتظاهر بولس بما هو ليس عليه، إنما أظهر حُنوًا[5].
  • الشخص الذي يهتم برعاية مريض يصير بمعنى ما هو نفسه مريضًا، لا بالتظاهر بأن لديه حمى بل بالتفكير متعاطفا كيف يود أن يعامله الغير لو كان هو نفسه مريضًا[6].
  • عندما يقول الرسول: “فصرت لليهود كيهودي لأربح اليهود. وللذين تحت الناموس كأني تحت الناموس لأربح الذين تحت الناموس. وللذين بلا ناموسٍ كأني بلا ناموس. مع أني لست بلا ناموس لله بل تحت ناموسٍ للمسيح لأربح الذين بلا ناموسٍ. صرت للضعفاءِ كضعيفٍ لأربح الضعفاءَ. صرت للكلّ كلَّ شيءٍ لأخلّص على حالٍ قومًا” (1 كو 20:9-22). فبلا شك لا يفعل هذا تصنعًا كما قد يحسب البعض، مبررين بذلك تصنعهم الممقوت.

فهو يفعل هذا حبًا فيهم، متأثرًا بضعفات الآخرين حاسبًا إياهم ضعفًا له. وقد سبق أن وضع هذه القاعدة “فإني إذا كنت حرًّا من الجميع استعبدت نفسي للجميع لأربح الأكثرين” (1 كو 19:9). وتظهر محبته وشفقته على الضعفاء كما لو كانت ضعفاتهم ضعفاته هو. وليس تصنعًا منه. يقول: “فإنكم إنما دُعِيتم للحريَّة أيُّها الاخوة. غير أنهُ لا تصيّروا الحرَّية فرصة للجسد بل بالمحبة اخدموا بعضكم بعضًا” (غلا 13:5)[7].

ويقول أمبروسيستر:

  • هل صار بولس كل شيء لكل البشر في المظهر فحسب متملقا إياهم؟ لا! كان رجل آلام، وباهتمام شديد اهتم بهم وتعاطف مع جميعهم. كلنا يوجد فينا ما هو مشترك مع كل أحد. هذا التعاطف مع الآخر هو ما احتضنه بولس في تعامله مع كل شخص بعينه[8].

ملحوظة: الإقتباسات الآبائية منقولة من القمص تادرس يعقوب ملطي لرسالة كورنثوس الأولى

فنرجو رجاءً عالمين أنه لن يتحقق، ألا يكرروا هذا الادعاء السخيف مرة أخرى…

[1] وليام باركلي، ، رسالتا كورنثوس، صـ 133، 134.

[2] In 1 Cor. Hom. 22:5

[3] In 1 Cor. Hom. 22:5.

[4] In Titus, hom. 3.

[5] Letter to Jerome 82.

[6] Letter to Jerome 75.

[7] Sermon on the Amount 2:65.

[8] CSEL 81:103.

إقرأ أيضاً: