مواضيع عاجلة
الرئيسية / الردود على الشبهات / الجمهور – الإمكانات المتاحة والقضايا المطروحة – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)

الجمهور – الإمكانات المتاحة والقضايا المطروحة – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)

الجمهور – الإمكانات المتاحة والقضايا المطروحة  – ()

الجمهور – الإمكانات المتاحة والقضايا المطروحة  – ()

الجمهور - الإمكانات المتاحة والقضايا المطروحة  – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)
الجمهور – الإمكانات المتاحة والقضايا المطروحة – ()

 

يمكن تشبيه بإزاحة الستار حتى يتمكن الناس من رؤية لمحة لما يختبئ وراءها، أو يرفع ماسة مقابل النور فتتلألأ وجوهها وتبرق عند سقوط أشعة الشمس عليها. فالدفاعيات تهتم بتأسيس مداخل للإيمان، سواءً تخيلنا هذه المداخل فتح أبواب، أو إزاحة ستار، أو إضاءة مصباح حتى يرى الناس بمزيد من الوضوح، أو استخدام عدسة تضع الأشياء في البؤرة. والموضوعات الرئيسية في هي تلك التي تتيح للناس رؤية الأشياء بوضوح، وربما للمرة الأولى، تساعدهم على اكتشاف الأفكار المضللة، فيدركون فجأة سر ما يتمتع به الإيمان المسيحي من قدرة على الإقناع على المستوى الفكري وجاذبية على المستوى التخيلي.

فالدفاعيات تقوم بمد الجسور التي يعبر عليها الناس من العالم الذي يعرفونه إلى العالم الذي يودون اكتشافه، وتساعدهم في العثور على أبواب ربما لم يسمعوا بها من قبل، فيرَون عالماً يفوقُ كل تخيلاتهم ويدخلون فيه. والدفاعيات تفتح العيون وتفتح الأبواب بتأسيس مداخل للإيمان المسيحي. فما هي المداخل التي نقصدها؟

حتى عهد قريب، كان الاتجاه السائد في يعتمد على استخدام الحجج للدفاع عن الإيمان المسيحي بشكل عقلاني. إلا أن هذا الاتجاه كان يمثل إلى حد كبير استجابة لثقافة عقلانية اتخذت من التوافق مع العقل معيارًا للحق. وسنرى أن استخدام الحجة ما زال يمثل جزءًا لا يتجزأ من المسيحية ولا يجب تهميشه أبدًا. إلا أن تراجع المذهب العقلاني في الثقافة الغربية أدى إلى الإقلال من أهميتها. وخلَق جوًا يتطلب إدراكَ جوانب أخرى في الإيمان المسيحي، وعلى رأسها ما يتمتع به من جاذبية عظمى على مستوى الخيال، والأخلاق. والكُتاب المسيحيون القدامى، وخاصةً كُتاب العصور الوسطى وعصر النهضة، علقوا أهمية كبرى على الصور التشبيهية والقصص الكتابية في تعليم الأشخاص المخلصين، إلا أن صعود تيار الحداثة أدى إلى الحط من قيمة هذين العنصرين، بقدر ما أدى ظهور تيار ما بعد الحداثة إلى إعادة اكتشاف قوة تأثيرهما.

وقد أدى نمو تيار ما بعد الحداثة مؤخرًا إلى تأكيد أهمية القصة والصورة من جديد لأن كلاً منهما يجذب الخيال البشري بشكل خاص. وكل من له دراية بتاريخ المسيحية لا يصعب عليه أن يدرك أن المدافعين القدامى كانوا يعتمدون اعتمادًا كبيرًا على هذين العنصرين باعتبارهما مداخل للإيمان، وخاصةً في عصر النهضة. ولذلك، فنحن بحاجة لاستعادة هذه الأساليب القديمة في لخلق منهج متوازن يدافع عن الإيمان المسيحي ويبرز جماله في ظل ما تشهده ثقافتنا من تحولات.

وعلينا أن نكيف دفاعياتنا بم يتلاءم مع مستمعينا، مع الانتباه لوجود عدة نقاط للتلاقي بين الإنجيل والنفس البشرية. ويتضح أن نفسه يُعنى بربط الإنجيل مع مفاهيم وخبرات المتلقين على اختلاف نزعاتهم. فإن كانت النفس تَعطش لله “كَأَرضٍ يَابِسَةٍ” (مز143: 6)، فكيف ترتوي؟ إن مهمتنا تحديد القنوات المتاحة التي تتدفق فيها مياه الإنجيل الحية فتنعش النفس البشرية وتغيرها، ثم استخدام هذه القنوات بأمانة وفاعلية. وفي هذا الفصل سأستخدم صورة المدخل لتساعدنا على فهم هذه المنهجيات المختلفة.

المداخل والدفاعيات: بعض الأفكار:

تُعتبر صورة الشمس والنافذة من أهم الصور التي استخدمها اللاهوتيون في العصور الوسطى لشرح ما تجريه نعمة من تغيير في النفس البشرية. وتُعَد كتابات “ألن الذي من لِيل” Alan of Lille (المتوفى سنة 1203) مثالاً جيدًا على هذا حيث يشَبه النفس البشرية بحجرة باردة مظلمة. ولكن عندما تُفتح النافذة على مصراعيها، يندفع نور الشمس إلى الحجرة فيشيع فيها النور والدفء. إلا أن فتح النافذة لا يدفئ الغرفة ولا ينيرها، ولكنه يزيل حاجزاً من أمام القوة التي يمكنها أن تفعل ذلك، فسبب التغيير الحقيقي هو الشمس. وكل ما نفعله نحن أننا نزيل الحاجز الذي يمنع نور الشمس وحرارتها من دخول الحجرة.

وهذه الصورة تساعدنا على إدراك هذه الفكرة اللاهوتية، وهي أننا لا نتسبب في تغيير الناس وقبولهم للإيمان. ويؤكد “ألن” أننا نحن الذين لا بد أن نفتح نافذة عقولنا على مصراعيها، فتتمكن نعمة من العمل في حياتنا، وهكذا ينحصر دورنا في إزالة العوائق من أمام نعمة ، أما تجديد نفوسنا فهو مهمة هذه النعمة الإلهية. إلا أن الصورة مهمة في مجال أيضًا، فهي تُذكرنا أن هو من يغير النفوس، وتؤكد في الوقت نفسه أننا قادرون على تيسير هذه العملية بالمساهمة في إزالة الحواجز والعوائق التي تقف أمام نعمة .

والمدخل وسيلة تنفتح بها عيوننا على حقيقة حالتنا، وقدرة الإنجيل على تغييرها. ولكي نفهم هذه النقطة المهمة، تخيل أنك مصاب بتسمم في الدم، وحياتك ستنتهي في غضون ساعات لو لم تحصل على الأدوية اللازمة، ولكنك لا تعرف ما أصابك على وجه التحديد، ولا تعرف بوجود علاج لهذه الحالة. حاول أن تتخيل نفسك في ذلك الموقف. والآن فكِّر في الطرق التالية التي يمثل كلٌّ منها مدخلاً يؤدي إلى تغيير وضعك:

  1. يخبرك طبيب من أصدقائك أن ما تعانيه هو تسمم في الدم، ويشرح لك أن هذه الحالة إن لم تعالج تؤدي إلى الوفاة، ويعطيك أسماء عدة أدوية ويخبرك بالمكان الذي تحصل عليها منه وبكيفية استخدامها.
  2. يخبرك صديق آخر أنه أصيب بهذه الأعراض عينها، إلا أن شخصًا أخبره بدواء معين أنقذ حياته. يقترح عليك أن تجرب هذا الدواء. أي أنه يحكي لك قصته الشخصية التي تتقابل مع قصتك في هذه النقطة الحرجة.

الطريقة الأولى تمثل حجة تستند إلى أدلة، أما الثانية قصة تستند إلى خبرة شخصية يرى صاحبها أنها مطابقة للموقف الذي تمر به. ورغم أن كل أسلوب يختلف تمامًا عن الآخر، فكلٌّ منهما يمثل مدخلاً. كيف؟

أولاً، كلٌّ منهما يساعدك على رؤية الأمور على حقيقتها. ثانياً، كلٌّ منهما يتيح لك أن تدرك ما يجب فعله لتغيير الأوضاع. ثالثًا، كلٌّ منهما يشجعك على اتخاذ تلك الخطوة الحاسمة بالحصول على الدواء، وتناوله حتى تتحسن حالتك.

إن الدواء هو سبب شفائك، ولكنك لو لم تدرك حقيقة حالتك، وأنك تحتاج للدواء، لكان شفاؤك مستحيلاً. ونعمة هي الدواء، وبعد أن تُشفى بهذه النعمة يمكنك أن تساعد الآخرين على إدراك حاجتهم لها، ويمكنك أن تشهد عن قوتها. والله هو من يغير الناس ويأتي بهم للإيمان. أنت جزء صغير (ولكنه حقيقي) في عملية الشفاء هذه. ومن ثم، فما تقوله يمكن أن يمثل مدخلاً يسمح للناس برؤية الأمور من منظور مختلف، مما يساعدهم على تخيل طريقة جديدة للتفكير والعيش.

فما هذه المداخل المتاحة للدفاعيات المسيحية؟ سوف نبحث في هذا الفصل بعض الإمكانات المتوفرة للدفاعيات. وسنبدأ بأبسط الأساليب الدفاعية، ألا وهي شرح ماهية المسيحية.

المدخل الأول: الشرح:

أفضل دفاع عن المسيحية هو شرحها. أي أنك إن أردت أن تدافع عن المسيحية أو تبرز جمالها، فأفضل السبل لذلك أن تبدأ بتعريف الناس بماهية المسيحية، لأن الكثيرين لديهم مفاهيم خاطئة عن المسيحية تعيق قبولهم للإيمان. ومن أروع الأمثلة على ذلك مثال يقدمه اللاهوتي العظيم القديس أغسطينوس الذي قبِل الإيمان بعد جولة طويلة في أراضي الفلسفة المجدبة.[1] كان أغسطينوس شابًا موهوبًا في الخطابة من شمال أفريقيا، وقد صاحب المانويين، وهي طائفة كانت شديدة الانتقاد للمسيحية، هكذا استقى جُل معرفته بالمسيحية من نقادها، لم تكن بالمعرفة الدقيقة. ورفض أغسطينوس المسيحية باعتبارها لا تستحق اهتمام شخص في ثقافته وذكائه.

وكان أغسطينوس طموحًا، فقرر أن يكون رجلاً ناجحًا في عاصمة الإمبراطورية، فغادر شمال أفريقيا متجهًا إلى روما. وبعد فترة وجيزة من وصوله، عُرِضَت عليه وظيفة خطيب عام في ميلانو، وهي المدينة الرئيسية في شمال إيطاليا. ونظرًا لإدراكه بأن هذه الوظيفة يمكن أن تمثل بداية لحياة مهنية ذات شأن في العمل المدني بالإمبراطورية، رحب أغسطينوس بالعرض. إلا أنه كان يعلم أيضًا أن تقدمه في المجال السياسي يعتمد على قدراته البلاغية. فمن يستطيع أن يساعده في تطوير هذه المهارات؟

اكتشف أغسطينوس بعد وصوله إلى ميلانو أن أمبروز Ambrose أسقف المدينة المسيحي مشهور ببراعته في الخطابة، فقرر أن يكتشف بنفسه ما إذا كان يستحق هذه الشهرة. فكان كل يوم أحد يتسلل إلى الكاتدرائية الكبيرة في المدينة ويستمع لعظات الأسقف. وفي البداية لم يكن اهتمامه بالعظات سوى اهتمام الشخص المتخصص الذي ينظر للعظة باعتبارها خطبة فخمة. ولكن محتوى العظات بداً يستحوذ عليه تدريجيًا.

اعتدت أن أسمع عظاته متحمسًا، ولكني لم أكن مدفوعاً لذلك بالدافع الصحيح، بل كنتُ أريد أن أختبر مهارته في الخطابة لأرى ما إذا كانت طلاقته أفضل مما قيل لي عنه أم أدنى… ولكني لم أكن مهتمًا بما يقول، وكانت أذناي لا تتجه سوى نحو أسلوبه في الخطابة… إلا أنه كما دخلت الكلمات التي أمتعتني إلى عقلي، هكذا دخلت المادة التي لم أكن أعبأ بها في بادئ الأمر، حتى إني لم أتمكن من الفصل بينهما. فبينما كنت أفتح قلبي لفصاحته، دخل معها أيضًا الحق الذي كان يعلنه.[2]

وكما يتضح من رحلة أغسطينوس الطويلة إلى الإيمان، نجح أمبروز (الذي أصبح أغسطينوس يعتبره واحدًا من أبطال اللاهوت) في إزالة عائق ضخم من طريق الإيمان. فقد أبطل مفعول الصورة المغلوطة التي روجتها المانوية عن المسيحية. وبعد أن استمع أغسطينوس لأمبروز بدأ يدرك أن المسيحية أكثر جاذبية وإقناعًا مما كان يظن بكثير. وهكذا أزيل عائق يقف أمام الإيمان. وبالرغم من أن أغسطينوس لم يؤمن بالمسيحية إلا بعد فترة، فقد كان لقاؤه مع أمبروز علامة بارزة على طريق البحث.

ولابد أن البعض ممن نلتقي بهم في خدمتنا الدفاعية يحمل أفكارًا مضللة ومشوهة تمامًا عن المسيحية. وهذه المفاهيم الخاطئة التي يلتقطها البعض دون وعي، والبعض الآخر ينشرها عن قصد، لابد من تحديدها وإبطال مفعولها بخطة مُحكمة مدروسة.

ننتقل الآن لنبحث ما قد يُعتبر أكثر مداخل الإيمان شيوعًا، ألا وهو استخدام الحجة المنطقية.

المدخل الثاني: الحجة:

تؤكد المنهجيات الكلاسيكية في أهمية العقل في كلٍّ من بناء حجة فكرية تؤيد فكرة وجود ، ونقد الأفكار المغايرة. وقد بحثنا فيما سبق دور الحجج في الدفاع عن وجود ، ومنها:

  1. الحجة المبنية على التصميم argument from design: وهي تَعتبر أن ملاحظة التصميم الموجود في العالم، مثل ما يميزه من “ضبط دقيق”، أو بنية معقدة يشير إلى أن هو المصمم (ص 99، 100).
  2. الحجة المبنية على الإنشاء argument from origination: إن كانت للكون بداية، فهذا يعني أن له مسببًا أنشأه، وقد يكون هذا المسبب شخصًا أو شيئًا، وهو ما يشير تلقائيًا إلى فكرة في المسيحية باعتباره خالقَ كل شيء (ص 96- 98).
  3. الحجة المبنية على الترابط argument from coherence: وهنا نركز على قدرة الإيمان المسيحي أن يقدم ًا لما نلاحظه في العالم المحيط ولما نختبره داخلنا (ص79- 86، 101- 103).
  4. الحجة المبنية على الأخلاق argument from morality: تقول هذه الحجة باستحالة وجود قواعد ثابته وموثوق بها للقيم الأخلاقية إلا إذا كان لها أساس يتجاوز هذا العالم المادي، كإله بار مثلاً (ص 104-109).

وقائمة الحجج تطول، ولكن لابد أن نأخذ في اعتبارنا أن هذه الحجج لا يجب أن تُفهم على أنها “براهين” بالمعنى المنطقي الدقيق للكلمة. ولكن ما توضحه هذه الحجج بكل جلاء أن الإيمان بالله له أسباب وجيهة، أو أن الإيمان بالله له مبرراته، حتى وإن كان لا يمكن البرهنة عليه بشكل مطلق.

وكلمة “برهان” بمعناها الدقيق لا تنطبق إلا على المنطق والرياضيات، فكما يمكننا أن نبرهن على أن الكل أكبر من الجزء، يمكننا أن نبرهن أن 2+2 =4. إلا أنه يجب أن نحترس من الخلط بين “قابلية البرهنة” و”الحق”. ففي مطلع القرن العشرين أثبت عالم الرياضيات العظيم “كرت جودل” Kurt Gödel أنه بالرغم من كثرة ما نصوغه من قواعد الاستدلال، ستظل هناك بعض الاستدلالات التي لا تخضع لهذه القواعد، ومع ذلك فهي مقبولة. أي أن هناك عددًا من الأفكار الصحيحة التي قد لا يمكننا إثبات صحتها،[3] وهذه الحقيقة تنطوي على معانٍ غاية في الأهمية من الناحية الفلسفية.[4]

ويمكن استخدام الحجج أيضًا في نقد بدائل الإيمان المسيحي وتقييمها، وذلك بإظهار عدم ترابطها على المستوى الفكري أو افتقارها لأساس من الأدلة يمكن الوثوق به. فقد أبرزنا مثلاً عبر صفحات هذا الكتاب قدرة الإنجيل على خلق معنى للأشياء. ونحن بذلك لا نحصر جاذبية المسيحية في أبعادها العقلانية فحسب، لأنها غنية بالجوانب الوجدانية، والأخلاقية، والتخيلية، والوجودية. ويجب على المدافع الذي يتحلى بروح المسئولية أن يستفيد منها استفادة كاملة. ولا شك أن الكثيرين ينجذبون إلى الإيمان المسيحي بسبب قدرته على خلق معنى للأشياء.

ولكن ماذا عن بدائل المسيحية؟ ما مدى قدرة النظم المنافسة على خلق معنى للأشياء؟ هل تصمد أمام اختبار الاتساق التجريبي، أي هل تنجح نظرياتها في خلق معنى للملاحظة وللخبرة؟ وقد أكدنا في فصل سابق أهمية إظهار ما يميز الإيمان المسيحي من قدرة على خلق معنى لملاحظاتنا وخبراتنا. ولا يكفي هنا أن يقتصر المدافع على إظهار تفوق المسيحية في هذا الصدد، ولكنه لا بد أن يبين قصور البدائل الأخرى.

ويرجع الفضل في تصميم هذا الأسلوب لواحد من أهم المدافعيين الكتابيين في أمريكا الشمالية أثناء القرن العشرين، وهو “فرانسيس شِفَر” (1912- 1984). ويُبرز أسلوب “شِفَر” في الكثير من النقاط التي تناولناها في هذا الكتاب.[5] فهو يلفت النظر مثلاً لأهمية أخذ الجمهور في الاعتبار، والابتعاد عن استخدام منهج موحد للجميع: “إن أردنا أن نتواصل مع مستمعينا، لابد أن نصرف الوقت والجهد لنفهم لغتهم، حتى نوصل لهم الرسالة باللغة التي يفهمونها.”[6] أي أن المدافع لابد أن يستمع لجمهوره حتى يتعلم لغتهم ليتمكن من التواصل معهم بهذه اللغة.

ويبدو أن “شِفَر” اكتشف بنفسه أهمية الإصغاء لأفكار جمهوره ومخاوفهم وتطلعاتهم أثناء عمله المرسلي في المنطقة الناطقة بالفرنسية في سويسرا في أواخر الخمسينات وفي الستينات من القرن العشرين. ونظرًا لأنه كان يقيم في كوخ سويسري (اسمه “لابري” L’Abri وهو مشتق من الكلمة الفرنسية التي تعنى “مأوى” أو “ملجأ”) في قرية بجبال الألب تدعى “إيموز” Huemoz، فقد كان يستضيف الكثير من الطلاب الذين يتجولون في أنحاء أوروبا، ولاسيما الشباب الأمريكيين الذين كانون يتجولون في مختلف البلدان الأوروبية بحقيبة ظهر. فكان يسمع آرائهم في الأفلام والروايات المعاصرة أو في الفلسفات الجديدة التي ظهرت آنذاك. وكان يتساءل كيف يمكن تقديم الكتاب المقدس بشكل يناسب الأفكار الوجودية العنيدة التي روجها الفلاسفة المؤثرون في تلك الحقبة مثل “جان بول سارتر”  Jean Paul Sartreوكذلك “سورن كيركجارد”. وإذ استمع “شِفَر” لهؤلاء الطلاب وهم يُعبرون عن أفكارهم، اكتشف أنه يمكنه التفاعل معهم في مستواهم وبلغتهم، مستخدمًا صورًا توضيحية من عالمهم ليساعدهم على إدراك معقولية الإيمان المسيحي.

إلا أن أعظم إساهم قدمه “شِفَر” للدفاعيات يكمن في الأهمية التي يعلقها على تحديد مَواطن الصراع في الفلسفات غير المسيحية واكتشاف ما تنطوي عليه من معانٍ أشمل. والمقصود أن أي فلسفة حياتية ترتكز على افتراضات مسبقة معينة، فإن كانت هذه الافتراضات المسبقة من صنع الإنسان ولا تتضمن تفويضًا أو تخويلاً إلهيًّا، فلن تتمكن من التوافق مع بِنَى الكون الذي خلقه الله.

كلما كان مَن يؤمن بفكر غير مسيحي منسجمًا مع افتراضاته المسبقة، ابتعد عن العالم الحقيقي، وكلما اقترب من العالم الحقيقي، تَبدد انسجامه مع افتراضاته المسبقة.[7]

ويقول “شِفَر” إن كل شخص يعيش بإحدى قدميه في أحد العالمَين ويضع الأخرى في العالم الآخر: العالم الحقيقي الخارجي الذي يتميز بعمقه وتعقيده، وعالم داخلي من الأفكار يشكله الاشتياق للتفهم، والحب، والقيمة. فإن وُجِد صراع بين هذين العالمين، يستحيل على الفرد أن يحيا حياة لها معنى. فلابد من وجود توافق بين خبرتنا في العالم الخارجي وعالمنا الداخلي.[8] ولذلك، يرجح “شِفَر” أن المدافع لابد أن يستخدم الحجة المنطقية لتحديد وكشف التناقضات والصراعات الداخلية التي تحويها الفلسفات الحياتية غير المسيحية. وهو يبين أنها تقوم على فرضيات أو افتراضات مسبقة لا تتسق مع الوجود الإنساني الحقيقي ولا تتوافق معه.

كل مَن نتحدث إليه، سواءً أكان بائعًا في متجر أم كان طالبًا جامعيًا، يحتفظ بمجموعة من الافتراضات المسبقة، سواء قام بتحليلها أم لم يقم… ويستحيل على أي شخص غير مسيحي أو جماعة غير مسيحية أن تتوافق مع النظام الذي تتبعه سواء على مستوى المنطق أو على مستوى الممارسة. وعندما يحاول الشخص إخفاء الصراع، عليك أن تساعده على كشفه، وفي نقطة معينة سيكتشف عدم الاتساق. وعندئذٍ سيجد نفسه غير قادر على الاستمرار، وهذا الصراع ليس صراعًا فكريًا فحسب، ولكنه يقع في صميم الكيان الإنساني ككل.[9]

ومن ثم، على المدافع أن يساعد الفرد على إدراك هذا “الصراع” والشعور بقوته الفكرية والوجودية، وهو ما يتضمن مساعدته على اكتشافه أولاً، وتقدير أهميته ثانيًا. ويرى “شِفَر” أن البشر يَقُون أنفسهم من هذا الصراع بحمايتها داخل شرنقة فكرية تمنعهم من مواجهة ذلك الاكتشاف المزعج بأن أفكارهم لا تتفق مع الواقع. ويستخدم “شِفَر” صورة يقتبسها من شتاء سويسرا لوصف هذه الحالة، فهو يشبه هذه الشرنقة الفكرية بأسقف أكواخ جبال الألب التي تعمل كمصدات تحمي المسافرين من الانهيارات الثلجية:

فهو يشبه المصدات الكبيرة التي تبنى على بعض الممرات الجبلية لحماية العربات من انهيارات الصخور والحجارة التي تهوي من فوق الجبل من آن لآخر. وهذه الانهيارات الثلجية في حالة غير المسيحي هي العالم الحقيقي الساقط المشوه الذي يحيط بهم. وعلى المسيحي أن يزيل المصدة بحب ويسمح لحقيقة العالم الخارجي وحقيقة الإنسان بأن تصدمه.[10]

ومن ثم يمكن النظر إلى الدفاعيات باعتبارها نزعًا لسقف هذا الكوخ لإجبار الشخص على إدراك أن طريقة تفكيره عاجزة عن الصمود في مواجهة العالم الحقيقي الخارجي.

فكيف يمكن تطبيق هذا المنهج؟ يعطينا “شِفَر” مثالاً يوضح هذا الأسلوب جيدًا. فقد كان يتحدث إلى مجموعة من الطلاب في غرفة بإحدى الكليات في جامعة كامبردج. وبينما كان الماء يغلي لتحضير الشاي، ابتدره أحد الطلاب الهنود قائلاً إن المسيحية لا معنى لها. فسأله “شِفَر” عن عقيدته قائلاً: “ألستُ على صواب إن قلت إن القسوة وعدم القسوة متساويات في عقيدتك، وليس بينهما أي فارق أصيل؟” فوافقه الطالب. ثم يروي “شِفَر” ما حدث بعد ذلك:

الطالب الذي اجتمعنا في غرفته فهم جيدًا ما يعنيه اعتراف الطالب السيخي، فتناول الغلاية الممتلئة بالماء الساخن الذي كان سيعمل به الشاي، ووضعها أعلى رأس الشاب الهندي والبخار يتصاعد منها. فنظر الشاب لأعلى وسأله: ماذا تفعل؟ فأجابه بنبرة حاسمة باردة ولكنها مهذبة: “لا فرق بين القسوة وعدم القسوة.” وعندئذ خرج الهندي صامتًا واختفى في ظلام الليل البهيم.[11]

وأسلوب “شِفَر” يتسم بقوته وبقدرته على الوفاء بالعديد من الأغراض، مما يجعله صالحًا لعدد من المواقف المختلفة. خذ مثلاً الوضعية المنطقية Logical Positivism، وهي حركة فلسفية حققت نجاحًا كاسحًا في العالم الناطق بالإنجليزية في ستينات القرن العشرين. وقد أعلنت هذه الحركة أن كل العبارات الميتافيزيقية*، بما فيها ما يتعلق بالله، عديمة المعنى. وكان الأساس الذي اعتمدت عليه هذه الفلسفة في ذلك هو “مبدأ التحقق” الذي قصر العبارات ذات المعنى على القضايا الصحيحة في حد ذاتها (مثل “كل العزاب غير متزوجين”) أو التي تتأكد بالخبرة (مثل “كان في الحديقة الأمامية لقصر “باكينجهام” ست إوزات الساعة 5:23 صباحًا يوم 1 ديسمبر 1968″). وتطبيق منهج “شِفَر” يتيح لنا أن نؤكد أن مبدأ التحقق نفسه عديم المعنى لأنه لا يتماشى مع المعيار الذي اعتمدته الوضعية المنطقية لقياس المعنى.

أو خذ مثالاً أبسط للهجمة الشرسة التي غالبًا ما نواجهها في جامعات أمريكا الشمالية: “لا يمكن أن تتأكد من أي شيء”. وهذه النظرة تهدف إلى الإطاحة برؤية “الصورة الكبرى” للواقع، كتلك التي يقدمها الإيمان المسيحي لأنها تعني أننا لابد أن نتشكك حتى في كل العبارات المؤكدة المختصة بالحياة. ولكن من الواضح أن هذا التصريح ذاتي المرجعية يعتمد في صدقه أو كذبه على ذاته self-referential، ويمكن تقويضه والقضاء عليه بطرح سؤال بسيط ردًا عليه: “هل أنت متأكد من ذلك؟” وهكذا فإن المنطق الذي يقوم عليه الادعاء هو نفسه الذي يُسقطه.

إلا أن هذا لا يعنى أن مهمتنا هي مجرد الفوز بالمجادلات أو تقديم المؤهلات العقلانية للإيمان. فمما يؤسف له أن تأثير حركة التنوير على الثقافة الغربية لم يختفِ، ولا سيما في الإصرار على تقديم براهين تثبت صحة العقائد، مما نتج عنه تقديم الدفاعيات المسيحية باعتبارها مجرد بناء حجج فعالة تهدف لإقناع الناس بصحة الإيمان المسيحي. إلا أن الخطورة في ذلك أنه قد يؤدي إلى إظهار المسيحية على أنها مجموعة من الحقائق الجامدة والأفكار المجردة. ولذلك، فإن هذا المنهج ينطوي على ثلاث صعوبات.

أولها، أنه ليس  مؤسسًا على الكتاب المقدس كما يجب. فالحق، ولاسيما في ، يركز في المقام الأول على المصداقية والثقة. والقضية الأساسية في الدفاعيات تتلخص في أن الله هو قاعدة أمان، وأنه أساس آمن تُبنى عليه حياة الإيمان. أي أن “الإله الحقيقي” ليس مجرد إله موجود، بل إله يمكن الاعتماد عليه. والنظرة العقلانية التي تعتبر الحق هو كل افتراض تَثبت صحته تستبعد النظرة الكتابية التي تعتبر الحق مفهومًا علاقاتيًا.

والمشكلة الثانية أن جاذبية الإيمان المسيحي لا يمكن أن تقتصر على منطقية عقائده. ولكن المسيحية تستند بقوة على الخيال أيضًا. كما توضح كتابات “سي. إس. لويس.” وعندما كان “لويس” شابًا وجد نفسه يتوق إلى عالم له معنى، يشتعل حبًا، ويفيض جمالاً، ولكنه اقتنع أن هذا العالم لم ولن يوجد: “كنت أؤمن أن كل ما أحبه تقريبًا وَهم، وتقريبًا كل ما آمنت بأنه حقيقي رأيته منفرًا وبلا معنى.”[12] لقد أخبره خياله بوجود عالم أفضل، ولكن عقله أخبره أنه كلام فارغ. فلم يجد أمامه خيارًا سوى مواجهة عالم مجدب مجرد من المشاعر، ومواجهة وجوده الخالي من أي معنى.

وأخيرًا اكتشف “لويس” عقلانية الإيمان المسيحي، إلا أن انجذابه للإيمان كان سببه أن الإنجيل يقدم معنى، وليس لأنه يُعبر عن افتراضات صحيحة. وقد علق “لويس” على هذا قائلاً: “إن العقل هو الأداة الطبيعية للحق، ولكن الخيال هو أداة المعنى.”[13] وجاذبية الإيمان المسيحي عند البعض تتمثل في جمال عبادته، أو في قدرته على التلامس مع المشاعر الإنسانية، أو في نتائجه الأخلاقية.

أما ثالث هذه المشكلات فهي أن المنهج العقلاني يقوم على نظرة حداثية. إلا أنه في معظم أنحاء العالم الغربي اليوم، حل اتجاه ما بعد الحداثة مكان الحداثة، مما يقلب الكثير من المعتقدات المحورية للحداثة رأسًا على عقب. فالاستناد إلى الصفة العقلانية الأصيلة في الإيمان ينجح في إطار حداثي، ولكن في أطر ثقافية أخرى، قد يفشل هذا المنهج نفسه الذي يقوم على الحجة والمنطق فشلاً ذريعًا في التلامس مع التطلعات والأفكار الثقافية المسبقة. وكما سنرى في قسم لاحق من هذا الفصل، أن ميل ما بعد الحداثة للقَصص أكثر منه للحجة يتيح فرصًا عظيمة للدفاعيات الكتابية نظرًا لأن الأشكال القصصية تملأ صفحات الوحي.

ولكننا مع ذلك، ما زلنا نؤكد منطقية الإيمان ونشدد عليها، دون أن نحصره فيما يمكن للمنطق أن يبرهن عليه بشكل قاطع. فأسئلة الحياة الجوهرية تتجاوز حدود العقل بكثير، ومن هذه الأسئلة: من أنا؟ هل أنا مهم فعلاً؟ لماذا أنا هنا؟ هل يمكنني أن أُحدث اختلافًا؟[14] وهي أسئلة لا يمكن للعلم ولا للمنطق البشري الإجابة عنها. ومع ذلك، إن لم يجد المرء إجابات لهذه الأسئلة، تصبح حياته بلا معنى. وعلينا نحن المدافعين أن نبين أن الإيمان المسيحي يقدم إجابات لأسئلة الحياة الجوهرية، وهي إجابات منطقية من ناحية، وناجحة على المستوى العملي من ناحية أخرى. فكما هو مهم أن نُظهر أن المسيحية صحيحة، مهم أحيانًا أن نُظهر أنها حقيقية.

المدخل الثالث: القصص:

إن تركيز تيار ما بعد الحداثة على القصص يمثل أهمية خاصة في الدفاعيات. فقد كانت الحداثة تنظر بعين الريبة للقصة في التعامل مع الواقع. ومن ثم، سعت لإجهاضها أو التخلص منها بالاستناد إلى التحليل أو الحجة العقلانية، بحيث تتحرر تمامًا من قيود عشوائية التاريخ الأليمة. وقد انعكس ذلك بكل وضوح في الكتاب المقدس. وكما أشار “هانس فري” Hans Frei  (1922- 1988) أستاذ اللاهوت في “جامعة ييل” Yale University، مختزلاً ما به من روايات تاريخية وأشكال قصصية (كأمثال ) إلى أفكار مجردة من الزمن.[15] وكان يُنظر إلى القصة كأنها قشرة مزعجة غير مستحبة تغطي على الجوهر الفكري والأخلاقي للكتاب المقدس.

إلا أن تيار ما بعد الحداثة شهد استعادة للاهتمام بالقصة الكتابية بما فيها الأشكال القصصية الخاصة كالأمثال التي رواها يسوع ليُعَلم الجموع عن ملكوت الله. ولم يعد إثبات الحق يتوقف على الحجة، ولكن بدأ يُنظر للقصص على أنها قادرة على تكوين هوية مميزة من الناحية الأخلاقية والمفاهيمية. فالمسيحية تعلن عن عالم يتشكل بالقصص وهي تسكن في هذا العالم، والأساس الذي يشكل أفكار هذا العالم وقيمه هو قصة تعاملات الله مع شعبه التي تبلغ ذروتها في قصة يسوع الناصري. وهكذا فالمسيحية في أساسها ليست مجرد مجموعة أفكار.

منذ حوالي سبعينات القرن العشرين، تزايد الاهتمام بدراسة دور القصة في كلٍّ من اللاهوت والفلسفة، وعلى صعيد الفلسفة الإنجليزية والأمريكية، ظهر بعض الكُتاب البارزين أمثال “بول ريكور” Paul Ricoeur وكذلك “ألاسدير ماكينتاير” وأيضًا “تشارلز تيلور” الذين تصدوا لتقديم معالجات جادة لما ينطوي عليه القَصَص من موضوعات أساسية. فقد درس “ريكور” القصة بوصفها أساسًا لكل صور فهمنا للعالم وبوصفها إطارًا يعيش فيه البشر. ويقول “ماكينتاير” بأن قرارات حياتنا تتشكل وتترتب بناءً على فهمنا لها باعتبارها تشكل جزءًا في “قصة” (أو تقليد) أكبر. وهو يقول “لا يمكنني أن أجيب عن سؤال “ماذا يجب أن أفعل؟” إلا بعد أن أجيب عن سؤال أسبق، وهو “ما هي القصة التي أشكل جزءًا منها؟”[16] وكما سنرى، يمكن أن تمثل هذه المنهجيات قيمة عظمى للدفاعيات المسيحية.

والكثيرون اليوم يؤيدون الرأي الذي يقول بأن القصص هي المنظار الأساسي الذي يرى البشر الواقع من خلاله. فنحن نرى العالم باعتباره قصة تجيب عن الأسئلة المحورية المختصة بالوجود، والهوية، والمستقبل. وهذه القصص يمكن أن تجيب عما يسميه الفيلسوف “كارل بوبَر” Karl Popper “الأسئلة العليا” “ultimate questions” وهو بذلك يريدنا أن نفهم المسائل الكبرى التي تتناول “معنى الحياة”، ومنها تلك التي يطرحها “روي بوميستر” Roy [17]Baumeister، وهي التي تتعلق بالهوية، والغرض، والتكليف، والقيمة وتتخذ شكل أسئلة مثل: “من أنا؟” “ما هدف الحياة؟” ” ماذا أفعل لأُحدث فرقًا؟”

وقد أدرك البشر من قديم الزمان الأهمية الثقافية والفكرية لوجود قصة تفسيرية شاملة. وغالبًا ما يستخدم مصطلح “الأسطورة” في المجال الأكاديمي للإشارة إلى هذه القصص التفسيرية التي تشرح الواقع والهوية الشخصية والاجتماعية. (عادةً ما يساء فهم مصطلح “الأسطورة” على أنه “قصة غير حقيقية”، إلا أن هذا المعنى ليس هو المقصود هنا). ولكن كما أشار “لويس” وآخرون، كلمة “أسطورة” تشير أساسًا إلى قصة عن العالم تُمكن الأفراد من فهمه والعيش فيه. وهذه “الأساطير” تمثل العدسات التي ينظر بها أي مجتمع للعالم، فهي تقدم إطارًا يسهم في حل التناقض بين الخبرات العديدة ويعمل على خلق رابطة بينها.

والقصة المسيحية عند “لويس” التي يعتبرها المنحة الإلهية التي تكمل وتتوج المحاولات البشرية الأخرى في صنع الأسطورة، تمثل أعلى وأسمى قمة نرى منها الحقيقة ونفهمها. فالقصة المسيحية عن الخلق، والسقوط، والفداء، ونهاية الزمان تعطي معنى لكل القصص الأخرى التي نرويها عن هويتنا وغاياتنا الحقيقية. إنها القصة الأم، الرواية العليا التي تضع سائر الروايات المختصة بأصل الإنسان ومصيره في مكانها الصحيح.

ويؤكد هذه النقطة أستاذ والمدافع البريطاني ” ن. ت. رايت” N.T. Wright الذي يقول إننا عندما نروي قصة الكتاب المقدس كاملةً فنحن بذلك نعلن النظرة المسيحية للواقع وفي الوقت نفسه نتحدى البدائل العلمانية الأخرى. فبروايتنا لقصة الكتاب المقدس

مؤكد أننا نتحدى جوانب عديدة في نظرة العالم للأمور (أي نظرته للسلطة والقوة). ونقوض نظرته لماهية العالم ولغرضه بالكامل، ونقدم نظرة جديدة للعالم بأفضل طريقة ممكنة.[18]

والكتاب المقدس عند “رايت” يتحدى طرق التفكير الأخرى ويبرز جمال طريقته ويجسدها بوضوح. وهو يروي قصة تجيب عن أربعة أسئلة أساسية:

  1. من نحن؟ الكتاب المقدس يخبرنا أننا بشر مصنوعون على صورة خالقنا، ولا نكتسب هويتنا الجوهرية من العنصر الذي ننتمي إليه، ولا النوع، ولا الطبقة الاجتماعية، ولا الموقع الجغرافي.
  2. أين نحن؟ نتعلم من الكتاب المقدس أننا نحيا في عالم حسن وجميل، ولكنه مؤقت. وقد خلقه الله الذي نحمل صورته.
  3. ما المشكلة؟ نفهم من الكتاب المقدس أن البشرية تمردت على خالقها، وبالتالي انحرف العالم عن القصد المخلوق له.
  4. ما الحل؟ يطمئننا الكتاب المقدس أن الله عمل، ويعمل، وسوف يعمل في الخليقة من خلال يسوع والروح القدس ليتعامل مع الشر الذي نتج عن تمرد البشرية، وليصل بعالمه إلى الغاية التي صنعه من أجلها، ألا وهي أن يكون في توافق تام مع حضوره ومجده.[19]

وتطالعنا أعمال الروائي “ج. ر. ر. تولكين” بنظرة مشابهة. وقد عُرف “تولكين” بدفاعه المستميت عن الدور المحوري الذي تلعبه الأسطورة في خلق معنى للواقع وبمحاولته أن يطبق هذا الفكر في ثلاثيته الملحمية “ملك الخواتم” The Lord of the Rings.[20] ووفقًا لهذا النهج، تظهر قدرة القصة المسيحية الكبرى على الأمور في تَمَكُّنها من وضع غيرها من القصص الكبرى في موقعها الصحيح، وتفسيرها، وشرحها. والقصة المسيحية، مثل سائر القصص، لا يمكن “البرهنة عليها” بالوسائل الموضوعية منطقية كانت أم علمية. بل يجب تقييمها بناءً على قدرتها أن تخلق للأشياء معنى أعمق من منافساتها الحالية أو التي قد تظهر فيما بعد، وذلك ببساطتها، وأناقتها، وسهولة فهمها، وقدرتها على خلق معنى يتجاوز حدودها.

فكيف نستفيد من عودة الاهتمام بالقصة في محاولتنا لفهم كيفية تقديم الإيمان المسيحي لثقافتنا؟ سأطرحُ هنا بعض الأفكار الشخصية. عندما كنت أصغر سنًا كنت أعتقد أن أفضل طريقة لمساعدة الآخرين على اكتشاف حق المسيحية المدهش هو مناقشتهم بالحجة. أي إقناعهم بأن المسيحية صحيحة وحق. وباختصار، كونت ما يطلق عليه الكثيرون اليوم منهجًا “حداثيًا”. ولكني اليوم أوصل حق الإنجيل بطريقة مختلفة. فأنا أحكي قصة قبولي للإيمان. لماذا؟ لأن القصة أكثر تشويقًا من أي حجة، ولكن السبب الأهم أن قصتي تبين أن المسيحية حقيقية، أي أنها قادرة على تغيير حياة البشر، وإعطائهم أسباب جديدة للحياة ورجاء أكيد للمستقبل. فالقصة تدور حول فلسفة حياتية أصبحت تمثل نظرة شخصية في حياة صاحبها، وهي قادرة على التجديد والتغيير والاستثارة. وروايتي لهذه القصة الشخصية تؤكد أن الإنجيل حقيقي في حياتي.

إننا نعيش في عالم تشكله القصص. بالإضافة إلى أن “القصص الكبرى” قادرة على إضفاء معنى على العالم وعلى خلق علاقة مفيدة بين من يلاحظ الأحداث والأحداث نفسها. وهذه القصص عبارة عن شباك من المعاني نحكيها لنجمع فيها خبراتنا الشخصية ونحتفظ بها، ولنختزن فيها المعنى الذي نرى أنها تنقله أو تنطوي عليه. والمسيحية تروي واحدة من هذه القصص، والإلحاد الجديد يروي قصة أخرى، وهناك قصص لا تحصى يرويها أولئك ممن لديهم أغراض يريدون تنفيذها، ورؤى ينشرونها، ومصالح أو أغراض شخصية يروجونها. إن القصص تحدد أماكن الحقائق بوضعها في إطار قصصي.

والآن بعد أن وضعنا أساسًا نظريًا لتأكيد أهمية القصص في الدفاعيات، سنتناول كيفية استخدامها. وسنبدأ بعد قليل بقصتين تُستخدمان في تدعيم الدعاوى التي يقيمها بعض الكُتاب ضد المسيحية، وسنرى كيف يمكن نقدهما.

على الدفاعيات المسيحية أن تنقد وتُقَيم غيرها من القصص الكبرى، مثل القصص العلمانية التي تعمل على تقويض المسيحية أو تهميشها. ولكنها لابد أن تُقدر في الوقت نفسه ما تتضمنه المسيحية من قصص خاصة بها. فالقصة المسيحية الكبرى عن الخلق، والسقوط، والفداء، ونهاية الزمان تساعدنا أن نفهم معنى العالم، كما أشار “لويس” وغيره. ولكن هذه كلها “قصص كبرى” فماذا عن القصص العادية؟ وكيف يمكن استخدامها في الدفاعيات المسيحية؟

أَوضَحُ نموذج يمكننا البدء به هو أمثال . فاستخدام الرب يسوع للقصص حتى يتفاعل مع مستمعيه لم يكن من قبيل الصدفة، ولكن هذه القصص كان لها غالبًا أساس في الحياة اليومية للمجتمعات الريفية والزراعية التي سادت فلسطين في القرن الأول. وقد كانت قصصًا غاية في السهولة تجذب انتباه المستمعين وتثير خيالهم. وكلُّ من هذه الأمثال يحمل داخله قدرة دفاعية هائلة يجب اكتشافها وفهمها، بل استخدامها. وإذا استُخدمَت هذه الأمثال بحكمة فإنها تتمتع اليوم بذات التأثير الذي كانت تتمتع بها عندما قيلت لأول مرة.

والمدافع الحكيم هو من يدرس الأمثال الرئيسية ويسأل هذه الأسئلة المحورية: كيف تساعدني هذه القصة في توصيل الإنجيل؟ كيف تساعدني على التواصل مع هذه الفئة؟ فالقضية هنا ليست دراسة ما في المثل من صور ومفردات في ضوء الديانة اليهودية إبان القرن الأول، بل اكتشاف وسائل لاستخدامه دفاعيًا اليوم.

ولنأخذ مثالاُ لوضيح هذه النقطة، وليكن تلك القصة المعروفة التي عادةً ما يشار إليها باسم “مثل اللؤلؤة كثيرة الثمن.”

أَيْضًا يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ إِنْسَانًا تَاجِرًا يَطْلُبُ لآلِئَ حَسَنَةً، فَلَمَّا وَجَدَ لُؤْلُؤَةً وَاحِدَةً كَثِيرَةَ الثَّمَنِ، مَضَى وَبَاعَ كُلَّ مَا كَانَ لَهُ وَاشْتَرَاهَا. (مت 13: 45، 46)

بالرغم من صياغة القصة بأقل عدد ممكن من الكلمات (خمس وعشرون كلمة فقط في الأصل اليوناني)، فالخيال البشري يمكنه بسهولة معالجتها وتذوق تأثيرها. والخبرة البشرية تؤكد صحتها. بالإضافة إلى أنه من السهل البناء عليها وتطبيقها. فكيف نستخدمها في الدفاعيات؟ سأعرض لك كيف أستخدمها، وأترك لك الحرية في تطويرها:

إننا جميعًا نبحث عن شيء له قيمة في الحياة. إلا أننا غالبًا ما نكتشف أن الأشياء التي كنا نظن أنها ستسعدنا وتفرحنا لا تفعل ذلك، فنشعر أنه ما من شيء يمكنه أن يمنحنا الفرح والسلام. ولكن يسوع روى قصة عن هذا الموضوع. فقد قال إن تاجرًا وجد لؤلؤة ثمينة كانت معروضة للبيع، فقرر أن يبيع كل شيء ليحصل عليها. لماذا؟ عندما رأي التاجر تلك اللؤلؤة المميزة أدرك أن كل ممتلكاته باهتة وتافهة مقارنةً بها. وكما يغطي لمعان الشمس على لمعان النجوم، فلا يُرى إلا ليلاً، هكذا أتاحت هذه اللؤلؤة الثمينة للتاجر أن يرى ممتلكاته من منظور مختلف. فما كان يظن أنه سيشبعه ثبت أنه يكشف عدم شبعه، ويثير اشتياقه لشيء لم يكن في متناوله. ولكنه رأى تلك اللؤلؤة المتميزة، فأصر أن يحصل عليها، لأنها شيء عظيم القيمة، شيء يستحق الامتلاك، حتى إن كل مقتنياته الأخرى تبدو قليلة القيمة مقارنةً بها. هذا هو الإنجيل عندما تكتشفه لأول مرة. إنه شيء في غاية الروعة حتى إنه يتفوق على كل ما عداه.

وهنا نرى مثالاً لاستخدام قصة كتابية لتوضيح نقطة دفاعية مهمة. إلا أن القصص الكتابية يمكن أن تُستخدم أيضاً لتكوين أطر تقدم معاني أو يمكن استخدامها لإضفاء معنى على الحياة. وعندما نستخدم القصص ندعو المستمع للدخول في القصة ونسأله عما إذا كانت تعطي معنى لخبراته وملاحظاته.

ولكن ليست كل القصص الكتابية تلقي الضوء على نقاط محددة بهذا الشكل. فبعض القصص تتيح لنا أن نرى خبراتنا الحياتية وملاحظاتنا من منظور مختلف. ولتوضيح هذه الفكرة سنأخذ قصة من أعظم قصص ، وهي قصة السبي البابلي وَرَدّ مسبيي أورشليم إلى أرضهم بعد سقوط الإمبرطورية البابلية.

وتُعتبر قصة السبي البابلي سنة 586 ق. م من أهم قصص . ففي سنة 605 ق.م هزم الإمبرطور البابلي نبوخذ نصر الجيوش المصرية التي تجمعت في كركميش، وهكذا أسس بابل باعتبارها أعلى قوة عسكرية وسياسية في المنطقة. إلا أن يهوياقيم ملك يهوذا تمرد على الحكم البابلي، فقامت القوات البابلية بغزو يهوذا، وهو ما فسره الكُتاب آنذاك بكل وضوح باعتباره تنفيذًا للقضاء الذي أخبر به الرب على شعبه الخائن وملكهم. وفي مطلع سنة 597 ق.م استسلم كلٌّ من الملك، والعائلة المالكة، ومستشارو البلاط الملكي لقوات الحصار. وتم ترحيلهم إلى بابل مع عدة آلاف من المسبيين غيرهم. ثم حدثت موجة أخرى من الترحيلات سنة 586 ق.م ولم يحصل اليهود على حريتهم في العودة إلى أرضهم إلا بعد سقوط بابل أمام الفرس سنة 539 ق.م.

وغالبًا ما تستخدم هذه القصة التاريخية المؤثرة لخلق معنى للوضع البشري. فمن منظور مسيحي، يرمز وضع اليهود أثناء سبيهم في بابل لحالة البشر. وذلك لأن اليهود لم يكونوا ينتمون لبابل، ولكنهم كانوا مسبيين يتوقون للعودة إلى أرضهم. ومزمور 137 يرسم صورة تنبض باشتياقهم للعودة وتعبر عن ذكرياتهم المرتبطة بأرضهم: “عَلَى أَنْهَارِ بَابِلَ هُنَاكَ جَلَسْنَا، بَكَيْنَا أَيْضًا عِنْدَمَا تَذَكَّرْنَا صِهْيَوْنَ.” (ع1).

إن هذا الإطار يعطي الحياة الإنسانية معنى. فليس المفترض أن نكون هنا، وهذه الأرض ليست وطننا، ولكننا ننتمي لوطن آخر. ومازلنا نحمل في أعماقنا ذكرى هذا الوطن التي لا تستطيع قوة في الوجود أن تمحوها. إننا نتحرق شوقًا للعودة إلى وطننا، ونحيا على رجاء أننا يومًا ما سنكون في الوطن الذي ننتمي إليه بالفعل. إن هذا الإطار يشير إلى مصدرنا الحقيقي ومآلنا، ويعطي معنى للشوق والتوق العميق الذي تتناوله “الحجة المبنية على الرغبة.”

ولكن ماذا عن القصص التي تتحدى المسيحية؟ سنستعرض قصتين تهدفان لهدم المصداقية التاريخية لأهمية يسوع الناصري كما يصورها التقليد المسيحي. أولهما “شفرة دافينشي” The Da Vinci Code (2003) لكاتبها “دان براون” Dan Brown، والثانية “يسوع الصالح والمسيح الشرير” The Good Man Jesus and the Scoundrel Christ    (2010) لمؤلفها “فيليب بولمان” Philip Pullman. ما المنهجيات التي يتبعها كلٌّ منهما؟ وكيف نرد عليهما؟

إن القصص تدعونا لنتخيل عوالم بديلة ونقارنها بعالمنا: أيهما أكثر معقولية؟ وأكثر جاذبية؟ وتجدر الإشارة إلى أن إعادة قراءة التاريخ بشكل مختلف عادةً ما يكون وراءها دوافع هجومية أو أخلاقية، ومنها على سبيل المثال تصوير شخصية تاريخية خبيثة بشكل أفضل، أو شخصية محبوبة بشكل أسوأ. فرواية “أنا كلوديوس” I, Claudius (1934) مثلاً لكاتبها “روبرت جرفز” Robert Graves تتعاطف مع الإمبرطور الروماني كلوديوس (10ق.م – 54 م) وترسم له صورة إيجابية، وهو شخص كان يُنظر إليه في التاريخ على أنه رجل أحمق لا يضر ولا ينفع. إلا أن “جرفز” يبرز كلوديوس على أنه يروج هذه الصورة عمدًا حتى يخدع الآخرين فيضمن بقاءه في زمن ملئ بالمخاطر السياسية.

وقد تَمكَّن كتاب “دان براون” الذي صدر سنة 2003 من تحقيق نجاح باهر واستحوذ على انتباه قرائه بفضل حبكته المتقنة التي تروي بداية تاريخ المسيحية بدرجة عالية من المعقولية حتى إن القارئ لا يلحظ التحريفات الجذرية المدسوسة في الكتاب ببراعة. (والطبعات الأولى من الكتاب كانت بحمل على غلافها كلمة “رواية” تحت العنوان. ولكنها حُذفَت فيما بعد). والقصة المحورية في هذا الكتاب تتلخص في أن الكنيسة اخترعت صورة خاصة بها ليسوع وجعلت منه إلهًا وفرضت هذه الصورة بالمؤامرة السياسية والتهديد بالعنف. ويصور “براون” الإمبراطور قسطنطين على أنه شخص مكيافلي انتهازي يغير طبيعة المسيحية لتخدم أغراضه السياسية.

ويروي “براون” قصة خداع وقمع تنتهي بكشف “الحق” وتحرير الناس. ويركز جزء كبير من القصة على بداية تاريخ المسيحية، فيروي أن الإمبراطور قسطنطين أراد للمسيحية أن تكون الديانة الرسمية للإمبراطورية الرومانية، ولكنه أدرك أنها تحتاج لنوع من إعادة الصياغة حتى تفي بهذا الغرض. ومن ثم، كان لابد من رفع رتبة يسوع الناصري بحيث لا يظل ذلك المعلم الريفي الفلاح، فأعلن فسطنطين أن يسوع هو الله. وقد استلزم ذلك الحصول على عدد مناسب من الأصوات والتلاعب في النصوص. ويتم إطلاع القارئ على هذه الأسرار في شخصية السير “لي تيبينج” Sir Leigh Teabing الذي يعلم بهذه الخفايا التاريخية، فيصرح بأنه لم يكن أحد يعتقد أن يسوع هو الله حتى مجمع نيقية سنة 325 عندما طُرحَت المسألة للتصويت، وحصلت على غالبية الأصوت بفارق ضئيل. وتُصدم “صوفي نفو” Sophie Neveu المتخصصة في فك الشفرات عندما تسمع هذا الكلام وتقول في حالة من الذهول: ” لست أفهم ما تقول. هل تتحدث عن ألوهيته؟”

صرح لها “تيبينج”: “عزيزتي، حتى تلك اللحظة، كان أتباع يسوع يتعتبرونه نبيًا فانيًا مثل كل البشر… رجل عظيم مؤثر، ولكنه إنسان، فانٍ”.

[قالت “صوفي”]: “ليس ابن الله؟”

أجاب “تيبينج”: “بلى. فكرة أن يسوع “ابن الله” طُرحَت رسميًا للتصويت في مجمع نيقية.”

“مهلاً. تقول إن لاهوت يسوع جاء نتيجة تصويت؟”

أضاف “تيبينج”: “بفارق ضئيل بين الطرفين.”[21]

ويشرح “تيبينج” كيف حظر قسطنطين الأناجيل التي تحدثت عن يسوع بلغة إنسانية بحتة، ولم يسمح إلا بالأناجيل التي تشير إلى ألوهيته.[22]

ويتم تعريف القارئ بالحقائق المحظورة الخطيرة التي تتعلق بتاريخ الكنيسة ويركز الكاتب بشكل خاص على جماعة يلفها الغموض تعرف باسم “جمعية سيون” Priory of Sion ويقدمها باعتبارها حارسة لأحد الأسرار الخطيرة. ويخبر “براون” قراءه بأن هذه “الجمعية” هي جماعة سرية تكونت سنة 1099 ومازالت موجودة حتى اليوم ويؤكد لهم أن هذه حقائق ثابتة. والحقيقة أن هذا كلام خاطئ بكل المقاييس، لأن “جمعية سيون” عبارة عن منظمة اخترعها “بيير بلانتار”  Pierre Plsntard (1920- 2000) سنة 1956، وقد كان “بلانتار ” بارعًا في تأليف القصص الخيالية، فنسج قصصًا غاية في الإتقان عن هذه الجماعة التي اخترعها وربط بينها وبين أحداث من العصور الوسطى والأرض المقدسة.[23] أي أن الموضوع لا يمت بصلة لأي نوع من الحقائق.

ولست أعرف أي سند تاريخي ذا قيمة يؤيد أيًا من الأفكار الرئيسية التي تقوم عليها “شفرة دافينشي” التي يمكن تفنيدها جميعًا بمنتهى السهولة. ولكن مربط الفرس أن “براون” يروي قصة يتمنى الكثيرون أن تكون صحيحة ويدعوهم أن يصدقوها. وقصة “براون” تقوض الفكر المسيحي التقليدي في أذهان عموم القراء بتصويره لهذا الفكر على أنه نشأ من إساءة ممارسة السلطة والرغبة في قمع العناصر الأنثوية للإيمان. والقصة “تُعرفنا” بأن الحقيقة هي أن يسوع تزوج مريم المجدلية وأن ابنتهما أنجبت نسلاً ملكيًا في فرنسا. وقد قال “براون” ردًا على الانتقادات الكثيرة التي تناولت الأخطاء التاريخية الفادحة في روايته إن كل ما فعله أنه وضع الكلمات في أفواه شخصيات الرواية وترك القارئ يفهم منها ما يفهمه.

وتكمن جاذبية منهج “براون” في المقام الأول في قدرته على الهدم. فالقصة مكتوبة بأسلوب ركيك يبدو أن معظم القراء يتقبلونه خاصةً مع سرعة توالي الأحداث. وهي من حيث الأسلوب على النقيض تمامًا من “يسوع الصالح والمسيح الشرير” لكاتبها “فيليب بولمان” التي صدرت سنة 2010.[24] فأسلوب “بولمان” يتبع نوعًا ما أسلوب ترجمة الملك جيمز King James للكتاب المقدس، وهو يتميز بفصاحة لا نجد لها أثرًا في أسلوب “براون” الممل الركيك.

وكتاب “بولمان” يعيد سرد قصة الإنجيل في قالب تخيلي يحتفظ بالأسلوب الأصلي للأناجيل ولكنه يغير المحتوى تغييرًا جذريًا. وتنطوي إعادة صياغة القصة بهذا الشكل على تقديم فرضية محورية يبني عليها “بولمان” أطروحته. فهو يصور مريم على أنها فتاة تعاني من ضعف قدراتها العقلية وصعوبات في التعلم، يخدعها أحد الرجال لتنام معه مؤكدًا لها أنه ملاك، فتلد توأمين، يسوع والمسيح، ولكن العلاقة بينهما تسوء منذ سن مبكرة.

كان يسوع رجلاً تقيًا، وواعظًا متجولاً يكرز بملكوت الله وينتظر من أتباعه أن يتغيروا أخلاقيًا. ويخبرنا “بولمان” أن يسوع، كأي كارز بروتستانتي ليبرالي من القرن التاسع عشر، لم يصنع معجزات بالمعنى المفهوم. ولكنه كان يجعل الأمور تحدث بشكل طبيعي. فما الذي حدث في إشباع الخمسة الآلاف؟ كل ما في الأمر أنهم تقاسموا ما كان معهم من طعام.

وهكذا يتضح أن يسوع شخص صالح ينتمي إلى عالم مثالي غير عالمنا ولا يحتك بواقع السلطة السياسية. إلا أن مختلف. فهو يلتقي بشخصية غامضة اسمها “الغريب” The Stranger تزرع في عقله فكرةَ أن يعيد كتابة قصة يسوع وتعاليمه على نحو يجعلها أكثر جاذبية وأطول عمرًا. والنتيجة إنجيل أسطوري كُتِب أصلاً لأسباب تافهة بقلم توأم يسوع المزعوم. وما يريد “بولمان” أن يشير إليه من طرف خفي أن إنجيل “المحسَّن” والمزوَّر هو السبب الأساسي في ظهور كتابات بولس في .

وهكذا تصبح الكنيسة مؤسسة على إنجيل الوهمي، وليس على حقيقة يسوع التاريخية المفقودة. فالمسيح يدرك بدهائه ضرورة خلق قصة كبرى، فلسفة حياتية مغرية لتضمن استمرار الكنيسة على مر التاريخ. ونظرًا لفشل يسوع في تقديم هذه القصة، يقوم بتعويض هذا العجز بنفسه بتأليف قصة قادرة على إنشاء مؤسسة قوية والحفاظ عليها. والقوة المؤسسية تعتمد على الأمر الإلهي الذي يُفرض دون هوادة ويصبح أيديولوجية راسخة تضمن استمراريته. ويظهر بكل وضوح من هذه الرواية ومن ثلاثية “مواده السوداء” His Dark Materials أن “بولمان” يستهدف مؤسسة الكنيسة.

وأخيرًا يحرض “الغريب” على خيانة أخيه، خيانة تؤدي إلى موت الشقيق (نعم، يتضح في النهاية أن هو يهوذا الإسخريوطي). ثم تصبح القيامة مسرحية يحاول فيها الحي أن يُظهر نفسه على أنه يسوع الميت، وهو ما يعني طبعًا أن القيامة تمثيلية اخترعها ليعوض عن موت يسوع ميتة مؤسفة عادية. والموضوع مألوف لدى قراء الأعمال العقلانية التي أعادت تأليف حياة يسوع في القرن الثامن عشر، ولكن “بولمان” أدخل عليها تعديلات تاريخية جديدة ولكنها مستحيلة الحدوث.

وهذه هي المشكلة، فهذه القصة الهجومية غير معقولة على الإطلاق لدرجة أنها لا تطابق أدنى المعايير المستخدمة لتحديد صحة الأحداث من الناحية التاريخية. والقصة معقدة ومتداخلة حتى إنها لا يمكن أن بؤخذ على محمل الجد من الناحية التاريخية. ورغم أن الكاتب قَصَّاص من الطراز الأول عندما يؤلف قصصًا خاصة به، فعندما يعيد إنتاجَ قصص غيره، وخاصةً إذا كانت قصة مألوفة كقصة يسوع الناصري يتعثر كثيرًا. فالحبكة مفتعلة بشكل مفرط حتى إن براعة “بولمان” الأسلوبية تعجز عن التعامل مع هذا الخط القصصي المعقد اللازم لتحقيق أغراضه في مهاجمة التقليد.

وقد أقحم “بولمان” نفسه في القصة الكتابية على نحو سافر، فلم يكن دوره فيها سلبيًا ولا صامتًا. وأكثر المواقف التي يظهر فيها هذا الإقحام بشكل صريح هو صلاة يسوع في جثسيماني التي يفاجئنا بأن يسوع يختمها قائلاً أنه لا يوجد إله. ويأتي صوت المؤلف مملاً رتيبًا في مواقف كهذه، ولا سيما عندما يعظ يأخذ مكان يسوع ويعظ قراءه بنبرة حادة مزعجة. وهو ما يختلف عن أسلوبه في ثلاثية “مواده السوداء”. وهو في رواية “يسوع الصالح والمسيح الشرير” يفتعل حالة من التقوى المفرطة بشكل يثير الاشمئزاز. علاوة على أنه يَسهل على القارئ التنبؤ بما سيحدث قبل قراءته.

ومن الواضح أن القصة مستحيلة الحدوث التي نطالعها في هذه الرواية تهدف إلى هدم مؤسسة السلطة الدينية. ويتضح هذا الهدف بجلاء في سؤال طرحه أثناء لقاء أجري معه عقب نشر كتابه بفترة وجيزة: “إن استطعت أن ترجع بالزمن وتنقذ ذلك الرجل من الصَلب وأنت تعلم أن هذا يعني عدم ظهور الكنيسة لحيز الوجود، هل ستنقذه أم لا؟” وترتكز هذه الحجة على افتراض مسبق مفاده أن القارئ يشارك “بولمان” في كراهيته الشديدة للمؤسسة الكنسية، وهو ما يظهر بكل وضوح في أعماله الأسبق. ولكن هل الأمور حقًا بهذه البساطة؟ وهل الحق التاريخي يتوقف على ما نحب؟ وهل الإنجيل يتمحور فعلاً حول الكنيسة باعتبارها مؤسسة؟

معروف أن “بولمان” يريد أن يزعزع أساس الإيمان المسيحي. ولكن كيف يدعم هذا الكتاب حجته؟ إن ما حصل عليه هذا الكتاب من ردود أفعال فاترة على المواقع الإلكترونية الإلحادية يؤكد مدى غموضه. وقد سألني أحد زملائي من الأساتذة الملحدين مؤخرًا: “ولكن ما الفائدة منه؟ ومن سيلتفت لهذا الهراء؟” وقد راودتني هذه الأسئلة الوجيهة الواضحة وأنا أقرأ هذا الكتاب. ورغم استمتاعي بأسلوبه، لم أتمكن من تصديق حبكته الركيكة. ولابد أن أعترف أني لم أجد إجابة مقنعة حتى الآن.

المدخل الرابع: الصور:

تُعتبر الصور، لا الكلمات، أعلى أشكال التواصل عند كُتاب ما بعد الحداثة. وشركات الدعاية والإعلان تنفق أموالاً طائلة لتحصل على أفضل صورة للشركة المعلِنة، وتصمم إعلانات تليفزيونية تعرض صورًا تجعلنا نريد أن نشتري منتجات معينة دون غيرها. إلا أن الكثير من المسيحيين، مثلي، يفضلون استخدام الكلمة (ولا سيما الكلمة المكتوبة، في حالتي) لتوصيل الإيمان وإبراز جماله. ولكن علينا أن نعي أن الصور يُنظر إليها في إطار ما بعد الحداثة على أنها تتمتع بمصداقية وقوة من نوع خاص وتتجاوز الحدود المفروضة على الكلمات.

والعقل البشري يعمل عن طريق توليد صور تساعدنا على “تصوير” العالم المحيط بنا وفهم معناه. ويمكن تشبيه الصور بالخرائط الذهنية التي تساعدنا على رسم أرض الواقع وتحديد مكاننا في الإقليم المحيط بنا. وهذه الصور مفيدة جدًا للمدافع، لأن الصور التي تُعبر عن الفكر المسيحي يمكن تقديمها بأشكال تجذب الخيال البشري. وعمومًا نحن نتعلم أن نسكن في صورة نستخدمها ونكتشف مدى ملاءمتها لواقع عالمنا.

وسنفحص في هذا الجزء عددًا من هذه الصور ونبحث كيفية استخدامها لتوصيل الإنجيل وإبراز جماله. وبعضها مأخوذ من الكتاب المقدس، والبعض الآخر من الثقافة العلمانية. وأولى هذه الصور مأخوذ من أحد كلاسيكيات الفلسفة اليونانية القديمة، ألا وهو كتاب “الجمهورية” Republic لأفلاطون. (إن كنت قد قرأت رواية “الكرسي الفضي” The Silver Chair، وهي إحدى روايات سلسلة “نارنيا” لكاتبها “لويس”، ستكون الصورة مألوفة لك، حتى وإن لم تكن تعرف أصلها التاريخي[25]).

يدعونا أفلاطون لأن نتخيل كهفًا مظلمًا عاشت فيه مجموعة من الناس منذ مولدهم. وقد ظلوا محبوسين في هذا الكهف طيلة حياتهم حتى إنهم لم يعرفوا عالمًا آخر سواه. وفي أحد أطراف الكهف تشتعل نيران متوهجة بالدفء والضوء. اللهُّب المتصاعدة تلقي ظلالاً على جدران الكهف، فيشاهد الناس هذه الظلال التي تسقط أمامهم على الحائط، ويفكرون فيما تعنيه، فهذه الظلال المرتعشة هي كل ما يعرفه سكان الكهف عن العالم. وإدراكهم للواقع منحصر فيما يرونه ويختبرونه في هذا السجن المظلم. فإن كان هناك عالم خارج الكهف، فإنه شيء لا يعرفونه ولا يمكنهم أن يتخيلوه، وكل آفاقهم محدودة ومحددة بالظلال وبما ينالونه من ضوء خافت. ولكنهم لا يعرفون أن الكهف سجن ولا أنهم محبوسون فيه، وليس لهم أن يصلوا إلى هذا الاكتشاف إلا إذا عرفوا بوجود عالم آخر.

ويزين أفلاطون هذه الصورة بالعديد من التفاصيل، منها أن سكان الكهف مقيدون بأغلال تمنعهم من الحركة في أنحاء الكهف. ولا يمكنهم أن يروا إلا الجدار المقابل لهم. ويمتد خلفهم ممر يعبر فيه أشخاص يحملون أشياء متنوعة على رؤوسهم، والنار تلقي هذه الظلال المتحركة على جدران الكهف. والناس الذين يعبرون الممر يتحدثون بعضهم مع بعض فتُرَجِّع أصواتهم صداها في جنبات الكهف، ولكنها تأتي مشوهة بفعل الجدران. وهكذا يرى السجناء ظلالاً متحركة ويسمعون أصداء أصوات. فهم لا يرون ولا يسمعون أي شيء بشكل مباشر، ولكن خبرتهم بكل شيء تأتي على نحو غير مباشر وغير واضح المعالم.[26]

ولا يعنينا هنا البناء الفلسفي لهذا التشبيه كما وضعه أفلاطون، ولكن ما يعنينا هو إمكانية استخدامه في الدفاعيات. فكيف نستخدم هذه الصورة لتوصيل الإنجيل وإبراز جماله في عالم اليوم؟ تخيل نفسك الآن تسكن في هذه الصورة بضع دقائق، ولاحظ أنك لابد أن تنسى كل شيء عن العالم الذي نعرفه جميعًا حيث الشمس الساطعة، والهواء العليل، والورود، والبحيرات، والأشجار. وتَذَكر أن العالم الوحيد الذي تعرفه هو ذلك الكهف المظلم الذي يمثل لك الواقع كله. وأنت لا ترى إلا ظلالاً ولا تسمع إلا أصداء. وما يظهر من هذه الأشياء يصبح واقعًا لك.

احترس من مقارنة عالم الكهف بأي واقع آخر، ففكرة التشبيه كلها تقوم على أساس أنك لا تعرف أي شيء غير هذا الكهف الذي يمثل لك تعريف الواقع. وعندما تشعر بأنك اعتدت على الصورة، سنبدأ في فحصها ودراسة كيفية تطبيقها في الدفاعيات.

اسأل نفسك هذا السؤال: كيف يتأتى لسكان الكهف أن يدركوا أن هناك عالمًا أفضل خارج جدران الكهف المظلمة المدخنة؟ فكر قليلاً في السؤال ثم واصل القراءة بعد أن تصل إلى بعض الإجابات.

ثلاث وسائل تُمكن سكان الكهف من اكتشاف وضعهم الحقيقي:

  1. يدخل شخص من العالم الحقيقي الخارجي إلى داخل الكهف ويخبر سكانه بالعالم الحقيقي. ومن الناحية الدفاعية، تقابل هذه الوسيلة فكرة الإعلان الإلهي.
  2. بنية الكهف نفسه تحتوي على دلائل تشير إلى وجود عالم خارج جدرانه. ومن الناحية الدفاعية، تقابل هذه الوسيلة الحجج التي تؤكد وجود الله بناءً على المؤشرات التي نراها في بنية العالم.
  3. عند هؤلاء المساجين معرفة حدسية تقول لهم إن هناك عالمًا أفضل من الكهف المظلم المدخن. ومن الناحية الدفاعية، تقابل هذه الوسيلة الحجج التي تؤكد وجود الله بالاستناد على المشاعر الإنسانية، ومنها الحجة المبنية على الرغبة.

وسوف نبحث فيما يلي ما تتضمنه كل وسيلة من إمكانية دفاعية مع الاحتفاظ بصورة الكهف.

أولاً، قد يقتحم الكهف شخص من عالم آخر، ويخبرنا عن ذلك العالم الآخر مستخدمًا تشبيهات مستمدة من الكهف. بل إنه قد يفعل ما هو أفضل من هذا فيعرض علينا أن يرشدنا لطريق الخروج. وقد يفعل ما هو أفضل من هذا وذاك، فيعرض علينا أن يُخرجنا بنفسه. وهذا الأسلوب هو الذي ينعكس في عقيدة التجسد المسيحية التي ترى يسوع المسيح باعتباره الشخص الذي يدخل إلى عالم التاريخ والخبرة البشرية، ليُظهر لنا الأمور على حقيقتها وليعطينا القدرة أن نتحرر من ربط العالم وقيوده. وبالرغم من أن هذا الموضوع يملأ صفحات ، فهو يَبرز بشكل خاص في إنجيل يوحنا، كما يتضح من الآيتين التاليتين:

وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ مَجْدًا (يو 1: 14)

أَنَا هُوَ الْخُبْزُ الْحَيُّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ. (يو 6: 51)

والوسيلة الثانية تقول بأن عالم الكهف نفسه مرصع بمؤشرات ومفاتيح تشير إلى أنه ليس العالم الوحيد. فقد يكون على جدران الكهف علامات تشير إلى أصله أو إلى مصيره الحقيقي، مثل العلامات التي لاحظها أريستبوس على شاطئ جزيرة رودس (ص 122). فربما الكهف يكشف عن أدلة تشير إلى وجود تصميم أو بنية معقدة تثير أسئلة جوهرية عن نشأته. وقد تكون جدرانه مزينة بالرسوم أو غيرها من الدلائل التي تشير إلى أصله وتاريخه.

أما الحل الثالث هو أن من يلاحظون الكهف أنفسهم يملكون في أعماقهم حسًا فطريًا أصيلاً بوجود عالم آخر. وقد يتخذ هذا الحس شكل قناعة عميقة أن الحياة أكثر من مجرد ظلمة هذا الكهف المدخن، أو معرفة حدسية قوية بأن مصيرهم يجب أن يكون في مكان آخر، أو رغبة في شيء يشعر صاحبها أنها لن تُشبع أبدًا، وهو شعور يشير إلى أن عالمنا ليس العالم الوحيد، وأن إشباعنا الحقيقي لن يتحقق فيه. فنار الشوق التي تشتعل داخلنا ولا تطفئها خبراتنا في هذا العالم تمثل مفتاحًا جوهريًا يشير إلى وضعنا الحقيقي ويدعونا لاكتشاف الواقع الأعظم الذي تشير إليه.

هكذا قمنا ببحث الأساليب الثلاثة وشرحها بسهولة مستخدمين صورة كهف أفلاطون. وكل وسيلة منها تتيح للدافع أن يبحث أحد جوانب الإيمان المسيحي ويكتشف تلامسه مع خبرتنا بالعالم المحيط ومع معرفتنا الحدسية وأشواقنا العميقة وقدرته على خلق معنى لكل هذه الأمور. ويمكن إدماج هذه الصورة المعبرة بسهولة في الأحاديث، والعظات، والمحاضرات، ويمكن تطويرها بالعديد من الطرق المبتكرة. ويسهل كذلك إضافة طرق أخرى للثلاثة المذكورة أعلاه.

فما الصور الأخرى التي يمكن استخدامها في الدفاعيات؟ يستخدم بولس مجموعة من الصور القوية في رسائله ليساعدنا على فهم ما فعله المسح لأجلنا بصلبه وقيامته. ومن هذه الصور صورة التبني. وفيها يؤكد لنا بولس أننا أصبحنا أبناء الله بالتبني في المسيح (رو 8: 23، غل 4: 5). ويرى بولس أن هذه الصورة المستمدة من قانون الأسرة الروماني تلقي الضوء على امتيازات المؤمن ومكانته في علاقته بالله.[27] وهي صورة تتطلب منا أن ندركها في عقولنا ونقدرها في قلوبنا.

وصورة التبني سهلة الفهم نسبيًا، فهي تُعبر عن أسرة تقرر أن تمنح طفلاً لم يولد في أحضانها الامتيازات القانونية نفسها التي يحصل عليها الطفل المولود في الأسرة. وهو ما يستتبع أن الطفل المتبنى يتمتع بحقوق الميراث التي يتمتع بها الطفل الطبيعي. وهكذا يمكن أن يرى المؤمن نفسه باعتبار أنه أُدخِل في عائلة الله ومُنح ذات الامتيازات القانونية التي يتمتع بها أي ابن طبيعي. ومن هو الابن الطبيعي لله؟ إنه المسيح نفسه. وبذلك، يشرح بولس هذه الفكرة القوية، ألا وهي أن كل ما منحه الله للمسيح باعتباره ابنه سيؤول إلينا في النهاية باعتبارنا أولاد الله:

أَنَّنَا أَوْلاَدُ اللهِ. فَإِنْ كُنَّا أَوْلاَدًا فَإِنَّنَا وَرَثَةٌ أَيْضًا، وَرَثَةُ اللهِ وَوَارِثُونَ مَعَ الْمَسِيحِ. إِنْ كُنَّا نَتَأَلَّمُ مَعَهُ لِكَيْ نَتَمَجَّدَ أَيْضًا مَعَهُ. (رو 8: 16، 17)

ولذلك فالسمات الأسرية التي تميز أولاد الله هي الألم في هذه الحياة والوعد بالمجد في الحياة الآتية. وهو ما يعني أن المجد يكمن وراء الألم، ولابد أن نتعلم أن نرى الألم باعتباره امتيازًا نحتمله مسرورين بوصفه نتيجة لمركزنا الجديد بصفتنا ورثة الله.

ولكن صورة التبني لا تخاطب العقل فحسب، بل تستحوذ على الخيال والقلب أيضًا. وهي بذلك تدعونا أن نترجمها بشكل تخيلي، ولا نكتفي بفهمها. فالتبني معناه أن الطفل مرغوب فيه، وهو يتضمن أيضًا معنى الانتماء. وهذه قضايا وجدانية عميقة تتلامس مع اهتمامات الكثيرين ومخاوفهم في مجتمعات تزداد انكسارًا يومًا بعد يوم. فالتبني يعني دعوة الشخص ليدخل في بيئة مُحبة حانية. وهي تعني الترحيب بالشخص والرغبة في وجوده وتقديره . والتبني يقدر امتياز الدعوة التي يتم بمقتضاها الترحيب بشخص من خارج الأسرة وإدخاله في كنف الإيمان والحب.

والصورة التي يرسمها بولس للتبني تتوافق بشدة مع اشتياق الإنسان العميق للانتماء إلى مكان ما. فنحن نحتاج أن نشعر أننا مقبولون ومرغوبون. وتؤكد “سيمون فيّ” كثيرًا في كتاباتها أهمية هذه النقطة. فهي تشير في كتابها “البحث عن الجذور” The Need for Roots إلى أهمية المجتمعات في تكوين الهوية الشخصية وحمايتها: “قد تمثل الحاجة للجذور أهم احتياجات النفس البشرية ولكنها الأقل حظًا من حيث إدراكها والاعتراف بها.”[28] ويتناول “ولتر بروجمَن” Walter Brueggemann أستاذ المعروف هذه الفكرة بمزيد من العمق عندما يشير إلى أن

الشعور بالضياع والتشرد وفقدان المأوى يسود ثقافتنا المعاصرة. وتوق الإنسان لأن ينتمي لمكان، ويكون له بيت، يحتمي في موضع آمن هو سعي عميق يثير في النفس لهيبًا من المشاعر المتأججة.[29]

ونجاح المسلسل التليفزيوني الأميريكي “في صحتك” Cheers يعكس هذه النقطة على أكمل وجه. وقد بدأ عرض المسلسل الذي تجري أحداثه في حانة في بوسطن سنة 1982 واستمر على مدى 271 حلقة حتى سنة 1993. ويرجع نجاحه الباهر إلى ما خلقه من شعور قوي بالانتماء لجماعة.[30] فقد كانت الحانة مكانًا للأحاديث الخفيفة والأحاديث الجادة، وكانت ملجأ يرحب بكل من يأتيه، والجميع هناك يعرفك. أما خارج الحانة هناك جموع مجهولة من بشر لا يعرفهم أحد ولا يعرفون بعضهم البعض. ولكن داخل الحانة، أنت شخص مميز، ومهم عند الآخرين، أنت تنتمي لمكان. وقد عبَّرت أغنية المسلسل عن هذا المعنى أوضح تعبير: أنت تريد أن تكون في مكان “كل من فيه يعرف اسمك.”

ويمكن للمدافع أن يستخدم صورة التبني التي يرسمها بولس مشيرًا إلى ما تحمله من معانٍ على مستويات مختلفة. فهي لا تلقي الضوء على ما يعود علينا من موت المسيح وقيامته فحسب، ولكنها تخاطب اشتياق القلب البشري العميق للانتماء.

وهناك صور كتابية أخرى يسهل الاستفادة منها في الدفاعيات، مثل صورة الله الراعي، أو المسيح خبز الحياة. فالدفاعيات تتمتع بصندوق زاخر بالكنوز التي يمكننا الاستفادة منها، وهي تستخدم الخيال باعتباره مدخلاً للنفس البشرية. وينبغي على المدافع الناجح أن يجدد هذا الصندوق باستمرار مضيفًا إليه قصصًا وصورًا جديدة.

خطوة للأمام:

المداخل الأربعة التي تناولناها في هذا الفصل كلها مهمة ويمكن تطبيقها بسهولة في الدفاعيات. إلا أنها مجرد أمثلة توضيحية لا تشمل كل المداخل التي يمكن الاستفادة منها، بل يمكن إضافة مداخل أخرى لها. ومنها على سبيل المثال تجسيد المؤمن لإيمانه في حياته العملية، وهو مدخل يؤدي وظيفة دفاعية مهمة. فالكثيرون يسألون عن الإيمان عندما يرون أن أصدقائهم يتميزون بشيء غير متوفر لهم، كالشعور بالسلام أو بوجود غرض للحياة، أو الشعور العميق بالحنان والحب للبشر، وهو ما يثير لديهم السؤال: “من أين لهم هذا؟” ويتمنون في أعماقهم أن يتمتعوا بما يتمتع به هؤلاء. ومحبة الله تتجسد وتعلَن عندما يخدم المسيحي الحقيقي العالم المحيط به.

والطريقة التي يتعامل بها المؤمن مع الموت تقدم شهادة مهمة لرجاء القيامة المغير الذي يمثل ركيزة أساسية في الإنجيل. فممارسة الحق في حياتنا العملية هي “ متجسدة” تمثل في حد ذاتها شهاد قوية لذلك الحق. أي أننا نحتاج لما هو أكثر من الحجج، نحتاج أن نظهر أن الإيمان المسيحي يغير الحياة ويمنحها قوة، كما أشار المدافع “فيليب د. كنِسون” Philip D. Kenneson في ملاحظة حكيمة قائلاً:

إن ما ينتظره عالمنا، وما تبدو الكنيسة متقاعسة عن تقديمه، ليس الاستمرار في تقديم مزيد من الأحاديث عن الحق الموضوعي، بل شهادة متجسدة تعطي الآخرين سبباً للالتفات لهذا الحق.[31]

علاوة على ذلك، تقدم الحياة المسيحية شهادة مهمة لقدرة الإنجيل على تغيير حياة البشر، فعندما نشهد عن قصتنا الشخصية، نقدم شهادة غير مباشرة على أن الإنجيل حقيقي، وليس صحيحًا فحسب.

ومن السهل إضافة المزيد من الأساليب أو تطويرها حسب القضايا التي يواجهها المدافع أو الاتجاهات الثقافية التي يشعر أنه يجب التعامل معها. ومن الأمثلة الواضحة التي يمكن استخدامها في الدفاعيات من بعض المجالات الفنية والأدبية الأخرى:

  1. الأفلام: ربما يعتبر الفيلم، لما يميزه من المزج بين القصة والصورة، أفضل وسيلة للتواصل مع جيل يطَلِّع على الواقع بطريقة بصرية أكثر منها نَصية. والكثير من الأفلام الحديثة تثير قضايا لاهوتية ودفاعية كبرى، مما يتيح الفرصة لفتح مناقشات دفاعية.
  2. الشعِر: تُعبر الكثير من القصائد عن شعور بالقلق الشديد تجاه الوضع الحالي للعالم، وعن تطلع نحو الهدف الأسمى للبشرية. وليس من الصعب على المدافع أن يحدد بعض القصائد، وكلمات بعض الأغاني المشهورة، التي تتيح الفرصة لإثارة أسئلة أو فتح مداخل للدفاعيات.
  3. اللوحات الفنية: الكثير من الأعمال الفنية الكلاسيكية، ناهيك عن الصور المشهورة، يمكن أن تمثل مداخل دفاعية. فإذا أجريت بحثًا سريعًا على الإنترنت مثلاً ستجد لوحة مشهورة للفنان “إدفارد مونك” Edvard Munch اسمها “الصرخة” The Scream  (1893) يظهر فيها شخص في حالة من اليأس الوجودي المريع لعجزه عن التعامل مع العالم. فكيف نستفيد من هذه اللوحة؟ إنها مدخل ممتاز للدفاعيات، ويمكنك أن تجد الكثير غيرها بسهولة.

الآن وقد اطلعنا على أساليب تساعدنا في إبراز جمال الإيمان المسيحي وربطه بحياة الناس العاديين، لابد أن ننتقل للعثرات والشكوك التي يواجهها الناس في الإيمان وكيفية التعامل معها .

لمزيد من الاطلاع:

Garson, D.A.The God Who Is There: Finding Your Place in God’s Story. Grand Rapids: Baker, 2010.

Johnston, Robert K.Reel Spirituality: Theology and Film in Dialogue، 2nd ed. Grand Rapids: Baker Academic, 2006.

Keller, Timothy J. The Reason for God: Belief in an Age of Skepticism. New York: Dutton, 2008.

Marsh, Clive. Theology Goes to the Movies: An Introduction to Critical Christian Thinking. New York: Routledge, 2007.

McGrath, Alister E. Surprised by Meaning: Science, Faith, and How We Make Sense of Things. Louisville: Westminster john Knox, 2011.

Nash, Ronald H. Faith and Reason: Searching for a Rational Faith. Grand Rapids: Academie Books, 1988.

Peters, James R. The Logic of the Heart: Augustine, Pascal, and the Rationality of Faith. Grand Rapids: Baker Academic, 2009.

Piper, John. Think: The Life of the Mind and the Love of God. Wheaton: Grossway, 2010.

Sire, James W. Naming the Elephant: Worldview as a Concpt. Downers Grove, IL: Inter Varsity, 2004.

Wright, N. T. Simply Christian: Why Christianity Makes Sense. San Francisco: HarperSanFrancisco, 2006.

[1] Peter Brown, Augustine of Hippo (London: Faber & Faber, 1967).

[2] Augustine, Confessions V.xiii.23-xiv.25.

[3] James Robert Brown, Philosophy of Mathematics: An Introduction to the World of Proofs and Pictures (London: Routledge, 1999, 71-78); George Bools, “Gödel’s Second Incompleteness Theorem Explained in Words of One Syllable,”, Mind 103 (1994): 1-3.

[4] For a highly influential discussion, see John Lucas, “Minds, Machines and Gödel,” Philosophy 36 (1961): 112-27.

[5] For two good assessments of Schaeffer’s approach, see Thomas V. Morris, Francis Schaeffer’s Apologetics: A Critique (Grand Rapids: Baker, 1987); Bryan A. Follis, Truth with Love: Apologetics of Francis Schaeffer (Wheaton: Crossway, 2006).

[6] Francis Schaeffer, The God Who Is There, Complete Works of Francis Schaeffer, vol. 1 (Westchester, IL: Crossway, 1982), 130.

[7] Ibid., 134.

[8] For a good analysis, see Morris, Francis Schaeffer’s Apologetics, 21-22.

[9] Schaeffer, The God Who Is There, 132.

[10] Ibid., 140.

[11] Ibid., 110.

* metaphysical وتترجم أحياناً إلى “ما وراء الطبيعة” والمقصود كل ما يختص بالبحث الفسلفي في المبادئ أو العلل الأولى للكينونة والمعرفة. (المترجمة)

[12] C. S. Lewis, Surprised by Joy (London: HarperCollins, 2002), 138.

[13] C. S. Lewis, Rehabilitations and Other Essays (London: Oxford University Press, 1939), 158.

[14] See Roy Baumeister, Meanings of Life (New York: Guilford Press, 1991). Baumeister’s analysis of the importance of questions of identity, value, purpose, and agency is of major importance to Christian apologetics.

[15] Hans Frei, The Eclipse of Biblical Narrative: A Study in Eighteenth and Nineteenth Century Biblical Hermeneutics (New Haven: Yale University Press, 1977).

[16] Alasdair MacIntyre, After Virtue (London: Duckworth, 1985), 216.

[17] Baumeister, Meanings of Life.

[18] N. T. Wright, “How Can the Bible Be Authoritative?” Vox Evangelica 21 (1991): 7-32.

[19] N. T. Wright, The New Testament and the People of God (Minneapolis: Fortress, 1992), 132.

[20] See Verlyn Flieger, Splintered Light: Logos and Language in Tolkien’s World (Kent, OH: Kent State University, 2002); Jeffrey L. Morrow, “J. R. R. Tolkien as a Christian for Our Times,” Evangelical Review of Theology 29 (2005), 164-77.

[21] Dan Brown, The Da Vinci Code: A Novel (New York: Doubleday, 2003), 233.

[22] Brown is totally wrong on all these points. See, for example, Bart D. Ehrman, Truth and Fiction in The Da Vinci Code: A Historian Reveals What We Really Know About Jesus, Mary Magdalene, and Constantine (Oxford: Oxford University Press, 2004), 23-24.

[23] The best account of the fabrication of this myth is Massimo Introvigne, Gli Illuminatie il Priorate di Sion (Milan: Piemme, 2005). An English summary of this work is available at http://www.cesnur.org/2005/pa_introvigne.htm.

[24] Philip Pullman, The Good Man Jesus and the Scoundrel Christ (Edinburgh: Canongate, 2010).

[25] You might enjoy reading the interesting study of William G. Johnson and Marcia K. Houtman, “Platonic Shadows in C. S. Lewis’ Narnia Chronicles,” Modern Fiction Studies 32 (1986), 75-87.

[26] For a detailed discussion, see Gail Fine, Plato on Knowledge and Forms: Selected Essays (Oxford: Oxford University Press, 2003).

[27] James C. Walters, “Paul, Adoption, and Inheritance,” Paul in the Greco-Roman World, ed. J. Paul Sampley (Harrisburg, PA: Trinity Press International, 2003), 42-76.

[28] Simone Weil, The Need for Roots (London: Routledge, 2002), 43.

[29] Walter Brueggemann, The Land: Place as Gift, Promise, and Challenge in Biblical Faith, 2nd ed. (Philadelphia: Fortress Press, 2002), 1.

[30] Bill Carter, “Why ‘Cheers’ Proved So Intoxicating,” New York Times, Sunday, May 9, 1993.

[31] Philip D. Kenneson, “There’s No Such Thing as Objective Truth, and It’s a Good Thing, Too.” Christian Apologetics in the Postmodern World, ed. Timothy R. Phillips and Dennis L. Okholm (Downers Grove, IL: InterVarsity Press, 1995), 155-70.

هل لديك تعليق؟

إقرأ أيضاً:

إقرأ أيضًا

هل يمكننا الوثوق في انتقال نص العهد الجديد؟ كريج كويل

هل يمكننا الوثوق في انتقال نص العهد الجديد؟ كريج كويل

هل يمكننا الوثوق في انتقال نص العهد الجديد؟ كريج كويل هل يمكننا الوثوق في انتقال …