الرئيسية / أبحاث / هل ما لدينا الآن هو ما كتبوه في ذلك الوقت؟ كيف يتأكد المسيحي من نص العهد الجديد؟

هل ما لدينا الآن هو ما كتبوه في ذلك الوقت؟ كيف يتأكد المسيحي من نص العهد الجديد؟

هل ما لدينا الآن هو ما كتبوه في ذلك الوقت؟ كيف يتأكد المسيحي من نص ؟
هل ما لدينا الان هو ما كتبوه في ذلك الوقت؟ كيف يتأكد المسيحي من نص ؟

هل ما لدينا الآن هو ما كتبوه في ذلك الوقت؟ كيف يتأكد المسيحي من نص العهد الجديد؟
هل ما لدينا الآن هو ما كتبوه في ذلك الوقت؟ كيف يتأكد المسيحي من نص ؟

 

تنشر الثقافات الشعبية أساطير وخرافات غريبة عن الكتاب المقدس. ثم تقوم هذه الأساطير الحضرية بتدعيم سلطاتها التي ادعتها لنفسها على الإنترنت أو في الروايات التي تجعلها على مقدمة قائمة أفضل مبيعاتها. في الوقت الحالي، يميل علماء الكتاب المقدس إلى تجاهل هذه الأساطير الطفولية الغريبة، حيث أنهم يعرفون أنه لا يوجد بها أي مضمون.

لكن هذا يترك الشخص العلماني العادي بدون معلومات موثقة بشأن كل ما يحدث حوله.

كمثال توضيحي لنوع الأساطير التي ليس لها أساس، تحضرني تعليقات السير لي تيبينج، وهو أحد شخصيات كتاب دان براون «شفرة دافنشي». فهو يتحدث بمثل سلطان الأساقفة قائلاً: «إن الكتاب المقدس هو نتاج البشر، يا عزيزي، وليس من . فالكتاب المقدس لم يسقط بصورة سحرية من السحاب، بل إن البشر قد ألّفوه كسجل تاريخي في الأزمنة المضطربة، وقد تطور عبر عدد لا حصر له من الترجمات والإضافات والتنقيحات. فالتاريخ لم يكن لديه مطلقاً نسخة محددة من هذا الكتاب.»(1) يوجد بالطبع ذرة من الحقيقة في كل هذا الكلام. فالكتاب المقدس لم يسقط بصورة سحرية من السحاب، كما أن الكتاب المقدس قد أّلفه بشر. ولكن القول بأن الكتاب المقدس قد تطوّر عبر الترجمات والإضافات والتنقيحات، بما يوحي بأن الأصل لم يعد من الممكن التوصل إليه، فهذا سخف واضح. فقد ناقشنا هذه القضايا في فصلنا الأول حول ، مشيرين إلى أن هذا النوع من الأساطير يتضمن افتراضات ليس لها ما يبررها، ومن السهل إثبات بطلانها بواسطة نفسها. إنه يلعب على تجارب الناس الذين قاموا بنقل معلومات بدون اللجوء إلى مصادر أقدم (كما يحدث في لعبة الهاتف). ولكن في حالة ، هذا الأمر غير صحيح. فبمرور الزمن، نقترب أكثر فأكثر لصياغة النص الأصلي بسبب الكم الهائل من — العديد منها من  زمن مبكر للغاية — ومازال العلماء مستمرين في اكتشافه.

لكن ماذا عن الادعاء بأن ألوهية يسوع لم تظهر في — وأن قسطنطين هو الذي اخترع هذه العقيدة من الأساس؟ سنقوم بمواجهة هذه القضية المحددة قرب نهاية هذا الفصل بدلائل وبراهين ملموسة، تظهر مرة أخرى بجلاء كيف أن هذا النوع من اللغة باطل ومضلل.

والآن ما هي مواضع المخاطرة عندما نأتي لمناقشة موضوع دقة نسخ نص ؟ لقد أشرنا بالفعل إلى أربعة أنواع من المشاكل النصية المتصلة بهذا الأمر:

 [1] إن أكبر عدد من الاختلافات النصية (التي تزيد على النصف) تتضمن اختلافات في الهجاء وقراءات ليس لها معنى ومن السهل تعقبها. وهذه لا تؤثر على أي شئ ذي أهمية في النص.

[2] الاختلافات التالية من ناحية الكمية لا تؤثر على الترجمة، أو إذا أثرت، فهي تتضمن مترادفات. فاختلافات مثل «يسوع » مقابل « يسوع» قد تتضمن اختلافاً طفيفاً في التركيز، ولكن لا يترتب عليها شئ ذو نتائج مهمة.

[3] الاختلافات الأخرى التي تتضمن أموراً ذات مغزى وغير قابلة للتطبيق، هي ببساطة ليست معقولة عند تمثيلها لصياغة الأصل، لأن التي توجد فيها هذه الاختلافات، تاريخها وأصالتها ضعيفة. تتطلب هذه الحالة تقصّ تاريخي حريص وتتطلب من العالم أن يأخذ موضوع نقل ونسخ النص بجدية. فقد رأينا أن محاولة روبرت برايس أن يقصي (لوقا 1: 43) من الكتاب المقدس كانت تنتمي إلى قطاع “الاختلافات ذات المغزى ولكنها غير قابلة للتطبيق”. وفي قضيته، لم يكن هناك على الإطلاق أية شهادة لمخطوطة إلى جانبه، بل كان هناك فقط اعتقاده الذي يتمنى تحقيقه.

[4] أما أصغر قطاع، الذي يحوى حوالي واحد بالمائة من المشاكل النصية، فهو يتضمن تلك الاختلافات التي هي ذات معنى والقابلة للتطبيق. ويمكن لمعظم علماء العهد الجديد أن يقولوا إن هناك نسبة من المشاكل النصية في هذا القطاع أقل بكثير حتى من  1%  من إجمالي الاختلافات. لكن حتى لو افترضنا النسبة الأكثر سخاء (عن طريق تمديد مجال كل من “الاختلافات التي لها معنى” و “القابلة للتطبيق”)، فلن نجد الكثير قد تأثر من الناحية اللاهوتية.

إن هدفنا في هذا الفصل هو أن نناقش هذا النوع الرابع من الاختلافات بمزيد من التفصيل، لكن نرى ما إذا كانت ألوهية (وغيرها من المعتقدات الأساسية) قد تأثرت بواسطة هذه الاختلافات أم لا. سوف نناقش في البداية احتمالات «التصحيحات الحدسية» — أي الاختلافات التي ليست إلى جانبها ما يؤيدها من . كم عددها، وكيف يتعامل معها العلماء؟ بعد ذلك سنناقش أية معتقدات قد تأثرت بهذه الاختلافات. وأخيرا، سنقوم بفحص بعض القديمة لكي نرى ماذا تقول عن ألوهية يسوع .

التصحيحات الحدسية (التخمينية)

لاحظنا طوال هذا القسم أن للعهد الجديد يعاني من «وفرة هائلة»، لا يوازيها أو يماثلها أي عمل أدبي قديم. فنسخ العهد الجديد هو أكثر وفرة وغزارة وأكثر قدماً من أية نصوص يونانية أو لاتينية أخرى. وفيما يختص ببيانات ، فإن أي شك بشأن يسوع كما تتحدث عنه الأناجيل يجب أن يتضاعف عدة مرات بالنسبة لأية شخصية تاريخية أخرى. وهكذا فإن لدينا براهين من بشأن شخص يسوع أكثر وأقدم مما لدينا عن أي شخص آخر في العالم القديم — بما فيهم شخصيات مثل يوليوس قيصر والإسكندر الأكبر.

لكن دعونا نقيس هذا بتحديد أكثر. كم فجوة لدينا في العهد الجديد تحتاج أن تملأ — أي أماكن لا توجد بها ويكون على العلماء ببساطة أن يخمنوا بشأن ما قد كتب في الأصل؟

قد يكون من الجيد أن نقوم بعمل إطار مرجعي. هل هناك احتياج للتصحيحات الحدسية بالنسبة للأعمال الأدبية القديمة الأخرى، وإن كان كذلك، ما مدى عظم هذا الاحتياج؟ بالنسبة للكثير من المؤلفين المهمين، لدينا فقط أجزاء من أعمالهم الأدبية. ولذلك، فإنه بالنسبة لعمل المؤرخ القديم «ليفي» المكون من  142 مجلداً عن تاريخ روما، يصل عدد النسخ الباقية إلى خمسة وثلاثين مجلداً فقط. ومن العمل الأدبي لتاكيتس «قصص تاريخية»، هناك أقل من خمسة من أصل أربعة عشر كتاباً يمكن أن نجدها في أية نسخ.(2) كما أن هناك مئات الكتب القديمة المعروفة لنا بالاسم فقط؛ فلا توجد باقية منها. بل حتى في بعض الكتابات التي حفظت جيداً، يوجد الكثير من الفجوات المهمة. فمثلاً، يشكو ميروسلاف ماركوفيتش في كتابه « لآباء الكنيسة»، من أن النسخ الباقية من بعض من الكتّاب من آباء الكنيسة الأولين «مليئة بالفجوات، وفاسدة ومحذوف منها ومحرّفة.»(3) ثم يستكمل بعد ذلك لكي يضع مبادئ التصحيح الحدسي التي يجب عليه اتباعها لكي يعيد بناء وتركيب الصياغة الأصلية.(4)

لكن الوضع بالنسبة للنقد النصي للعهد الجديد مختلف تماماً: فليس هناك احتياج تقريباً للتصحيح الحدسي بسبب الوفرة العظيمة والتنوع وعمر المواد التي لدينا.(5) فمعظم علماء العهد الجديد سيقولون إنه لا يوجد مكان على الإطلاق يتحتم فيه التصحيح الحدسي.

ومرة أخرى، السبب في ذلك هو أن شديدة الوفرة وشديدة القدم حتى أنها في أغلب الحالات يمكن إعادة ترتيب وبنية العهد الجديد الأصلي عن طريق البراهين والشهادات المتوفرة لدينا.

فمثلاً، قام كل من كيرت وباربارا آلاند، أول مديرين لمؤسسة البحث النصي للعهد الجديد في مونستر، ألمانيا (INTF)، بتأليف كتاب دراسي قياسي عن للعهد الجديد. وفي تلك المؤسسة (INTF)، يوجد أكثر من  90% من جميع العهد الجديد اليونانية محفوظة عن ميكروفيلم. وعلى مدى الخمس والأربعين عاماً الماضية كانت تلك المؤسسة أكثر تأثيراً من أي فردأو معهد أو مجموعة من العلماء في أي مكان آخر في العالم في تحديد الصياغة المضبوطة للعهد الجديد الأصلي. باختصار، إنهم في هذه المؤسسة يعرفون المادة التي لديهم. “فكل قراءة قد وجدت في التعليم النصي للعهد الجديد قد تم حفظها بصرامة، حتى لو كانت النتيجة غير ذات معنى. وأية قراءة قد وجدت في التعليم النصي للعهد الجديد، منذ القراءة الأصلية وفيما بعد، قد تم حفظها في التعليم وتحتاج فقط أن يتم تعريفها.‘‘(6)

بل أن كيرت وباربارا ذهبا إلى أبعد من ذلك لكي يقولا إنه إذا وجدت قراءة في واحدة فقط، فإنها تكون في الأغلب غير أصيلة: «إن المبدأ القائل بأن القراءة الأصلية يمكن أن توجد في أية أو ترجمة وحيدة عندما تقف بمفردها، أو تقريباً بمفردها، يعبّر فقط عن مجرد إمكانية نظرية.»(7) وأكثر من ذلك، «إن الصعوبات النصية يجب ألا يتم حلها بواسطة الحدس،أو التفسيرات الافتراضية الخاطئة، أو التحريفات أو الإقحام، إلخ. فحيث لا يظهر التعليم النصي نفسه أي كسر، فإن مثل هذه المحاولات تعادل الاستسلام أمام الصعوبات، وهي نفسها تكون تعديات على النص.»(8) وهكذا فإن رأيهما في هذه الأمور يجب الأخذ به واعتباره ضمن آراء الشهود الخبراء، كما أن معظم المشاركين في هذا النظام يشاركونهما الرأي.

إن «عدم الحاجة» للتخمين أو الحدس بشأن الصياغة الأصيلة للعهد الجديد تعني أنه تقريباً في كل حالة سنجد القراءة الأصلية موجودة في كل مكان ما في المخطوطات. وهذا «المكان» يمكن تحديده بواسطة الوسائل التي ناقشناها في الفصل السابق. علاوة على ذلك، وحيث أن  القراءة الأصلية لا تحتاج لأن نخمّنها، فإن لدينا قاعدة بيانات فعلية — وهي بحيرة الاختلافات الموجودة في المخطوطات — التي يمكن فحصها فيما يتعلق بالانحرافات اللاهوتية.

هناك مثال توضيحي لهذه النقطة. لنفترض أن كان هناك احتياج لتصحيح حدسي لخطاب ابراهام لينكولن في جيتيسبرج. ففي العبارة الافتتاحية، يمكن أن تظهر مقارنة المخطوطات أمراً كهذا:(10)

المخطوطة (أ): سبعة وثمانون —- مضت ولد —– على هذه القارة، أمة جديدة، ولدت —- رية، وأخلصت لفرضية أن جميع —- قد خلقوا متساويين.»

المخطوطة (ب): —– وثمانون —– مضت ولد —–، على هذه القارة، أمة جديدة، ——– في حر ——، وأخلصت لفرضية أن جميع —– قد خلقوا ——.»

بمقارنة هاتين المخطوطتين، نلاحظ أن هناك فجوات. فربما كان هناك ثقب صغير في إحدى المخطوطات وتلف سببه الماء للأخرى، ولكن ليس كلها. وعندما نضع المعلومات معاً من كلتا المخطوطتين، يمكننا أن نحصل على القراءة التالية:

سبعة وثمانون —– مضت ولد — — على هذه القارة، أمة جديدة، ولدت في (حر —- ية؟)، وأخلصت لفرضية أن جميع — قد خلقوا متساوين.»

في مثل هذه الحالة، هل يكون لدى العلماء الدارسين للنكولن الحق في أن يضعوا أي شئ يريدونه في هذه الفجوات؟ بالطبع لا. فهناك عدد محدود من الاختيارات. فمثلاً، حيث أننا نعرف تاريخ خطاب جيتيسبيرج، فإن «سبعة وثمانون» لا يمكن أن تشير إلى أيام أو إلى شهور، فلابد أنها تشير إلى سنين. وأيضاً، إذا كان في إحدى الاختلافات «حر..» بينما في الأخرى يوجد «…ية»، فقد يخمن العلماء أن الكلمة المفقودة هي «حرية»، لكن ليس لديهم الحق في أن يفكروا مثلاً «حريق»، أو كلمة مثل «أثرية» على أنها الكلمة المناسبة.

فالفطرة السليمة والحس العام يجب أن يسودا عندما يقوم المرء بالتصحيح الحدسي. أما بالنسبة لمن الذي ولد الأمة الجديدة، فيمكن للعلماء أن يخمنوا أن كلمة مثل «الآباء»، أو «الأجداد» أو القادة، ستكون مناسبة. بالطبع، لا يوجد هنا شئ موضع خطورة، إلا الصياغة المضبوطة تماماً. ولكن مرة أخرى، هناك فقط عدد محدود من الاختيارات هو الممكن وضعه في الفجوات. وأخيراً، فإن العبارة الأخيرة — أن «جميع — قد خلقوا متساوين» — يمكن أن تحتمل كلمة مثل «الشعوب» أو «البشر»، ولكن كلمة «الشعوب» كان من الصعب استخدامها في عام  1863، حيث كانت كلمة «البشر» هي السائدة في ذلك الوقت للإشارة إلى جميع الناس.

وأخيراً، لكي يثبت علماء لينكولن جدلهم، عليهم أن يجدوا خطباً أخرى للرئيس، وكتابات له أيضاً، لكي يكون لديهم حس بما يمكن أن يكون قد قاله، فيكون عليهم فحص الأساليب والعادات السائدة في تلك الأيام، ويجب أن يكون للحدس والتخمينات ممعنى فحتى في نص مثل هذا، سيكون هناك عدد محدود من الاختيارات، ولا يوجد شخص عاقل سيعتبر أن جميع الاختيارات الممكن تصورها قابلة للتطبيق بدرجة متساوية.

لكن وضع العهد الجديد لا يصل إلى مثل هذه الصورة القائمة! فمن ضمن 138000 كلمة في النص الأصلي، ربما يوجد فقط كلمة واحدة أو اثنتان ليس لهما سند مخطوطي. وفي الأماكن التي قد يكون فيها الحدس ضرورياً، فإن هذا لا يعني أنه ليست لدينا أية فكرة عما قاله النص الأصلي. بل على العكس، فبالتحديد حيث أن جميع الاختلافات الممكنة موجودة تقريباً في المخطوطات، يكون لدى العلماء عدد أكثر محدودية من الاختيارات ليسيطروا عليها. والآن لنفترض أنه عندما تواجهنا اختلافات، أن نقّاد النصوص يقومون ببساطة باختيار القراءات بصورة عشوائية، دون اللجوء إلى أية وسائل علمية أصلية، مثل الشمبانزي الذي يقوم باجتياز اختبار يعتمد على الاختيار من إجابات متعددة. فإنه حتى لو كانت هذه هي الحالة، فإن جميع الإجابات تقريباً سيكون لها معنى، وسيكون معظمها شديد القرب لصياغة القراءات الأخرى. بل وأكثر من ذلك، فلن يوجد أبداً اختيار يقول «ولا واحد من الاختيارات السابقة». بالطبع، كما رأينا في الفصل السابق، إن للعهد الجديد هو نظام شديد الدقة، وبه العديد من الاختبارات والمقارنات. فهو ليس عبارة عن مجموعة من حيوانات الشمبانزي التي تقوم باختيار عشوائي من مجموعة من الاختيارات. صراحة، عندما يحاول المشككون أن يدَّعوا ببساطة عدم وجود أي دليل على ما كان يقوله النص الأصلي للعهد الجديد، فإن المرء يجب أن يتعجب ويتساءل عما دفع بهم إلى هذا الشك العقائدي، لأنه بالتأكيد لا يمكن أن تكون البراهين هي السبب.(11)

ما هي الحقائق اللاهوتية موضوع المخاطرة؟

إن الإجابة المختصرة على السؤال عن الحقائق اللاهوتية موضوع المخاطرة في هذه الاختلافات هي — لا توجد. فمعظم علماء العهد الجديد يتفقون في الرأي بأنه لا يوجد مبدأ أو عقيدة لاهوتية أو تعليم في العهد الجديد تعرّض للخطر بسبب الاختلافات النصية. يرجع هذا الرأي إلى چي إيه بينجل (1678 — 1752)، الذي توصل إلى هذه النتيجة بعد فحصه ثلاثين ألف اختلاف.(12) ومنذ أيامه، برهن الكثيرون غيره على نفس الأمر — إنه لا يوجد مبدأ أو عقيدة كتابية قد تعرضت للخطر بسبب الاختلافات النصية.(13)

لكن بعض العلماء، جادلوا في أن العقائد — حتى الرئيسية والتأسيسية المؤكدة — قد تأثرت بسبب هذه الاختلافات. فقد حاول مثلاً كينيث دبليو كلارك أن يظهر أن هناك تعليماً معيناً في العهد الجديد قد تم قمعه في بعض المخطوطات.(14) لكن بالطبع، حتى لو كان هذا صحيحاً، فإن هذا لا يشير إلى أن تلك العقيدة قد تم القضاء عليها أو أنها تعرضت للخطر. فلا تزال الصياغة في (أعمال 1: 11)، مثلاً، تختلف بين المخطوطات. فهناك مجموعة من المخطوطات المعروفة باسم النص الغربي لا توجد بها «إلى السماء» في الجملة التي تقول: «إن يسوع هذا الذي ارتفع عنكم إلى السماء…». وهكذا فإن البعض يدّعون أن النص الغربي يقوّض تأكيد العهد الجديد على صعود بسبب هذه الآية. ومع ذلك، لكي يتم تبني ذلك الرأي فلابد أن يحذف النص الغربي جميع الإشارات إلى صعوده. ولكن (أعمال 1: 11) يقول: «أيها الرجال الجليليون ما بالكم واقفين تنظرون إلى السماء. إن يسوع هذا الذي ارتفع عنكم إلى السماء سيأتي هكذا كما رأيتموه منطلقاً إلى السماء.» فنجد أن تعبير «إلى السماء» قد تكرر مرتين أخريين ولم يحذفه النص الغربي، كما أن معظم نصوص الصعود الأخرى لم تتغير كذلك. ربما أن الكتّاب الغربيين كانوا يحاولون أن يشذبوا الكلمات لأغراض أسلوبية، ولكن من المشكوك فيه جداً أنهم كانوا يحاولون أن يقضوا على أية إشارة لصعود ، لإنه إن كانت هذه هي دوافعهم، لكانوا بمفردهم غير أكفاء في محاولتهم.(15)

حديثاً، قام بارت إيرمان، وهو ناقد نصي رائد، بكتابة كتاب للقراءة الشعبية بعنوان «إساءة اقتباس كلمات يسوع». وإيرمان معروف جيداً بعلمه الذي لا يعرف الكلل وآرائه المثيرة التحريضية.(16) وهذا الكتاب، على حد قول بارت إيرمان، هو أول كتاب يكتب عن للعهد الجديد للقارئ العلماني،(17) وفيه يخلص إلى الآتي:

سيكون من الخطأ أن نقول — كما يقول الناس في بعض الأحيان — إن التغييرات في نصنا ليس لها صلة أو تأثير على ما تعنيه النصوص أو على النتائج اللاهوتية التي يستخلصها المرء منها. فقد رأينا في الحقيقة أن العكس هو الصحيح.(18)

لكن بعضاً من الأمثلة الرئيسة للاختلافات اللاهوتية بين القراءات، التي يناقشها إيرمان هي عبارة عن مقطع يقال فيه إن يسوع غضب (مر 1: 41)، وعبارة صريحة عن اللاهوت (1 يو 5: 7-8)، والنص الذي يقول «وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد ولا ملائكة السموات، ولا للابن، إلا أبي وحده.» (مت 24: 36). (19) ولكن جدل إيرمان مبالغ فيه في كل من هذه الحالات. فمثلاً، بالرغم من أن بعض المخطوطات القديمة تتحدث عن أن يسوع غضب في (مرقس 1: 41) بينما تقول بعض الترجمات الأخرى أنه تحنن، فإن الحقيقة هي أنه في (مرقس 3: 5) يقال عن يسوع أنه غضب — وهي صياغة لا خلاف عليها في النص الأصلي لمرقس. لذلك فلا يوجد تقريباً شئ قد تغير في أو لاهوت إنجيل مرقس إذا رأينا أن يسوع كان غاضباً في (مرقس 1: 41). أما فيما يخص المقطع الذي يتحدث عن الثالوث، فسنرى معاً تعليله في المقطع التالي.

بخصوص (متى 24: 36)، تسجّل كثير من المخطوطات أن يسوع يتحدث عن جهله النبوي الشخصي «وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد ولا ملائكة السموات، ولا الابن، إلا أبي وحده»، ولكن العديد من المخطوطات الأخرى لا يوجد بها الكلمات «ولا الابن».(20) فما إذا كانت «ولا الابن» هي كلمات أصيلة أم لا، هذا موضوع خلاف، ولكن ما ليس عليه أي خلاف هو الصياغة الموازية في (مر 13: 32) «وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد ولا الملائكة الذين في السماء ولا الابن إلا الآب.» لذلك لا يمكن أن يكون هناك شك في أن يسوع كان يتحدث عن جهله النبوي الشخصي في الحديث على جبل الزيتون. وبالتالي، فما هي القضية العقائدية موضع الخطر في (متى 24: 36)؟

مما يثير العجب، أنه في مناقشاته الستة ل(متى 24: 36)، لم يذكر إيرمان ولو لمرة واحدة هذا المقطع الموازي. بل بدلاً من ذلك، فهو يصر على أن الكتّاب قد تصارعوا واختلفوا بشأن الصياغة، بل إنهم قاموا بتغيير النص بسبب معتقداتهم اللاهوتية. (كما أنه لم يذكر أيضاً أنه حتى لو أن الكلمات «ولا الابن» لم يتم ذكرها بوضوح في متى، فإن فكرة جهل الابن ترى بوضوح في الجزء الأخير من العدد   36 «إلا أبي وحده»). فلماذا إذاً قام نفس هؤلاء الكتّاب ببساطة بتخطي (مرقس 13: 32)، تاركين الصياغة دون أن يغيروها؟ إن فكرة أن يسوع قد اعترف بجهله النبوي تشهد لها الكتب المقدسة بقوة، فلا يوجد إعلان أو كشف جديد في هذا الأمر. بل إن القضية الوحيدة هي ما إذا كان متى قد عبّر عن كلمات يسوع بنفس الطريقة التي قام بها مرقس. ولكن حيث أن الكنيسة الأولى كانت تعلم بوجود مثل هذا النص في مرقس وتركته دون تغيير، فإن هذا معناه أن اللاهوت الذي علّمه (مرقس 13: 32) لم يكن له تأثير تقريباً (21) (إذ إن حفنة قليلة من المخطوطات الحديثة هي التي قامت بحذف الكلمات)، وهكذا فإن أسباب حذفها أو إضافتها في (مت 24: 36) يجب أن تعزى لأسباب أخرى.(22) فلا يمكن لإنسان، ببساطة، أن يدَّعي أن صياغة عدد 36  تغير معتقداته اللاهوتية الأساسية عن يسوع وذلك لأن نفس العبارة متضمنة بالفعل في متى ومذكورة بوضوح في مرقس.

وهكذا فإن فكرة كون الاختلافات الموجودة في العهد الجديد تغيّر من الفكر اللاهوتي فيه هي فكرة مبالغ فيها، في أفضل الظروف.(23) يتطلب الأمر أن ننظر إلى المزيد من الفروق الدقيقة لكي نرى مواضع الاضطرابات الحقيقية. لكن للأسف، فإن عالماً مدققاً مثل إيرمان، يميل تعامله مع التغيرات اللاهوتية الرئيسية في نص العهد الجديد إلى أن يعرّضه لانتقاد من اثنين. فإما أن قراراته بشأن النصوص مشكوك فيها، أو أن تفسيراته هي المشكوك فيها. وهذان الانتقادان قد تعرّض لهما عمله الرئيسي السابق، «الفساد القويم للكتب المقدسة»، الذي استقى منه «إساءة اقتباس كلمات يسوع» على نطاق واسع. ومع ذلك فإن النتائج التي قدمها هناك لا تزال تذكر هنا دون إدراك أن بعض الانتقادات الحادة لعمله الأول تعود مرة أخرى.(24) فبالنسبة لكتاب موجّه للقارئ العلماني، كان المعتقد أنه يريد أن يوضّح مناقشته الفروق الدقيقة أكثر قليلاً، خاصة بكل الثقل اللاهوتي الذي يقول إنه على المحك. فالاختلافات النصية المهمة التي تغيّر جوهر العقائد الأساسية في العهد الجديد لم تحدث بعد.

هناك منظور صغير نحتاج أن نوضّحه هنا. هناك مجموعتان من الناس الذين يميلون للادعاء بأن المخطوطات القديمة للعهد الجديد قد فسدت بدرجة كبيرة، وهما الليبراليون المتطرفون، وأنصار «ترجمة كينج چيمس الإنجليزية فقط» (وأنصار العهد الجديد اليوناني الذي ترجمت عنه ترجمت عنه ترجمة كينج چيمس،  TR).

وهكذا فإن مؤلفي الكتابات التي تنادي بصحة «ترجمة كينج چيمس فقط «يشنون حرباً مقدسة على كل من يستخدم أية ترجمة حديثة للعهد الجديد، أو أي نص يوناني مبني على المخطوطات الأقدم القليلة أكثر منه على المخطوطات الكثيرة الحديثة.(25) ويعتبر جاسبر چيمس رأى ممثل شديد التأثير لهذه النظرة.(26) ففي كتابه،  «كتب كتاباً مقدساً واحداً»، يقول رأى إنه لا توجد نسخة حديثة تصلح أن يطلق عليها الكتاب المقدس بطريقة ملائمة، وإن الخلاص والنمو الروحي يمكن فقط أن يحدثا عن طريق نسخ اعتمدت على ترجمة  TR، وأن الشيطان هو المحرك الأول وراء جميع الترجمات المبنية على المخطوطات الأكثر قدماً.(28) كما يطلق ديڤيد أوتيس فوللر على الترجمات الحديثة “الكتب المقدسة غير الشرعية”(29)، ويجادل بأن أي شخص يستخدمها قد خدعه الشيطان.(30)

لكن عندما يتعلق الأمر بالتفاصيل، فإن أنصار «ترجمة كينج چيمس فقط» يصابون بنوع من الارتباك وعدم الوضوح. يحكي د. جريج هيريك، عالم العهد الجديد، قصة حوار دار بينه وبين شخص من أنصار «ترجمة كينج چيمس فقط» مؤخراً، قائلاً:

عندما أخبرني هذا الشخص أن جميع الترجمات الحديثة معتمدة على مخطوطات فاسدة، وأنها مملوءة بالهرطقات، بدأت أطرح عليه بعض الأسئلة:

سألته: «أتؤمن بألوهية ؟»

فأجابني: «نعم بالتأكيد!»

وسألته: «أتؤمن بالميلاد العذراوي للمسيح؟»

فأجاب: «نعم أؤمن به.»

ثم سألته مرة أخرى: «وماذا عن قيامة المسيح بالجسد، والثالوث، والخلاص بالنعمة؟»

فقال: «نعم، بالتأكيد إني أؤمن بجميع هذه الأمور.»

فقلت له: «آه، لقد استرحت كثيراً عندما سمعت منك ذلك، لأن لديّ جميع هذه العقائد في ترجمتي الحديثة!»(31)

لكن ليس فقط أنصار «ترجمة كينج چيمس فقط» هم من يعتقدون أن المخطوطات القديمة قد فسدت بشدة، ففرانك زيندلر، وهو ملحد صريح ومن نقّاد المسيحية، يناقش مقطعاً شهيراً في رسالة يوحنا الأولى الإصحاح الخامس في ترجمة كينج چيمس ولكنه غير موجود في الترجمات الحديثة. ويقول هذا النص: «فإن الذين يشهدون في السماء هم ثلاثة الآب والكلمة والروح القدس وهؤلاء الثلاثة هم واحد.» (1 يو 5: 7). فيشير زيندلر على حق أن هذه الآية قد تمت إضافتها إلى طبعة قديمة للعهد الجديد باليونانية، وصدرت عام  1522، بسبب ضغط السلطات الكهنوتية الكنسية. كما يشير أيضاً إلى أن هذه الصياغة لم تكن موجودة في أية مخطوطات يونانية سابقة على القرن الخامس عشر. لكنه يخطئ بعد ذلك بالقول:

إن اكتشاف كون الكتب المقدسة القديمة قد حذفت (1 يو 5: 7) يترك المسيحيين دون «سند كتابي للثالوث». فبينما لا تزال توجد آيات أخرى تتفق مع عقيدة التثليث، فليست واحدة منها تثبتها. وإن لم يعتبر المدافعون عن المسيحية أن عقيدة الثالوث تافهة، فإنهم لابد وأن يعترفوا بأن الاختلافات في المخطوطات كبيرة ومهمة!(32)

فهل عقيدة الثالوث في الحقيقة عقيدة تافهة؟ وهل هي شئ لا يمكننا أن نثبته من أقدم المخطوطات؟ إن كان كذلك، فكيف كان في إمكان مجمع قسطنطينية عام 381  أن يؤكد بوضوح تام عقيدة الثالوث؟ كيف استطاعوا القيام بذلك دون مساعدة آية لم تأت في العهد الجديد اليوناني إلا في ألفية أخرى؟ وأكثر من ذلك فإن قرار القسطنطينية لم يكتب من فراغ، بل لقد وضعت وجمعت الكنيسة الأولى في صياغة لاهوتية ما رأته مكتوباً في العهد الجديد. كما أن زيندلر لم يجب على السؤال التاريخي، بل على العكس، أراد فقط أن يلقي بظلال الشك على استقامة المخطوطات القديمة. ولكن منطقة معيب لأنه لا يتفق مع التاريخ. فكما قلنا من قبل، إن أوقية من البراهين تساوي رطلاً من الافتراضات.

لكن هناك تمييزاً مهماً نحتاج أن نركز عليه هنا، وهو أنه إذا كانت آية معينة لا تعلم عن ألوهية المسيح في بعض المخطوطات، فهل هذا يعني أن هذه العقيدة مشكوك فيها؟

في الحقيقة ستكون محل شك فقط لو أن جميع الآيات التي تؤكد ألوهية المسيح مشكوك فيها نصياً. وحتى في هذه الحالة يجب أن تكون الاختلافات معقولة. من المعروف جيداً أن المخطوطات اللاحقة قد أضافت كلمات هنا وهناك تتفق مع التعليم المستقيم.(33) ولكن هذا لا يعني أن جميع الآيات التي تؤكد عقيدة معينة قد تأثرت بذلك.

فلو أن التعاليم الأساسية للعهد الجديد لم تتأثر بالاختلافات القابلة للتطبيق، فماذا عن العقائد الثانوية؟ ونعني بالعقائد الثانوية نوعاً من المعتقدات أو الممارسات غير المحورية. نعم، البعض منها يبدو أنه قد تأثر، ولكن هذا الأمر شديد الندرة.(34) لذلك فمن الأفضل أن نقول إنه لا توجد اختلافات قابلة للتطبيق قد أثرت على أي حق أساسي في العهد الجديد. الكلمات المحورية هنا هي «القابلة للتطبيق» و «الأساسية». لكن العديد من علماء العهد الجديد سيقولون إن هذه العبارة شديدة الحذر.(35)

المخطوطات القديمة وألوهية المسيح

في أفضل كتبهم مبيعاً عام  1982، «دم مقدس، كأس مقدسة»، يفترض المؤلفون مايكل بايجنت، وريتشارد لي، وهنري لينكولن أن قسطنطين قد قام بتغيير نص العهد الجديد في القرن الرابع، فيقولون:

قبل نحو ربع قرن من عام  303م، قام الامبراطور الوثني ديوكليشن بتدمير جميع الكتابات المسيحية التي أمكن العثور عليها. ونتيجة لذلك فإن الوثائق المسيحية — خاصة في روما — قد اختفت كلها. لكن عندما قام قسطنطين بالتكليف بكتابة نسخ جديدة من هذه الوثائق، فقد مكّن هذا الأوصياء على التعاليم التقليدية من أن ينقحوا ويراجعوا ويعيدوا كتابة مادتهم كما رأوا ذلك مناسباً، وبما يتفق مع مبادئهم ومعتقداتهم. عند هذه النقطة، ربما حدثت معظم التغيرات الجوهرية في العهد الجديد، وتم افتراض المكانة المتفردة ليسوع. وهكذا فإننا يجب ألا نقلل من أهمية تكليف قسطنطين. فمن ضمن الخمسة الآلاف نسخة الباقية من المخطوطات القديمة للعهد الجديد، لا توجد واحدة يسبق تاريخها القرن الرابع. وهكذا فإن العهد الجديد كما هو موجود اليوم هو في الأساس منتج لمحرري وكتّاب القرن الرابع — أوصياء وحماة التعليم التقليدي، «أتباع الرسالة»، مع المصالح الخاصة التي يحمونها.(36)

لكننا كما برهنا عبر هذا القسم، فإن الأخطاء الوقائعية في هذا النوع من العبارات كثيرة للغاية. فقد قام المؤلفون بإعداد القارئ لتأكيدهم المروّع بادعائهم أنه توجد «خمسة آلاف نسخة باقية من المخطوطات القديمة للعهد الجديد.» ورغم أنه لا يوجد في الأعمال الأدبية القديمة اليونانية أو اللاتينية ما يضاهي العهد الجديد من ناحية الوثائق الباقية، فإنه من غير الدقيق أن نقول إن هناك خمسة آلاف قديمة للعهد الجديد. فهناك عدة مئات من الألفية الأولى، والباقي هو منذ عام  1000 أو ما بعده. كما أن ما يوحي به «دم مقدس، كأس مقدسة» هو أنه مع الآلاف من المخطوطات القديمة، وعدم وجود أي منها قبل القرن الرابع، تكون هناك مؤامرة تسير على قدم وساق، ويكون قسطنطين هو المذنب فيها. هذا بالطبع يصلح للقراءة التي تستهدف الإثارة، ولكنه لاعلاقة له بالحقيقة التاريخية.

سوف نركز هنا على نقطة واحدة (انظر القسم اللاحق «ألوهية يسوع: هل هي تعليم قديم أم خرافة حديثة؟» للتدليل على الإيمان بألوهية المسيح قبل قسطنطين). والآن هل حقيقي أنه لا توجد مخطوطات للعهد الجديد تسبق القرن الرابع، مما يسمح بإمكانية أن يكون قسطنطين قد ابتدع عقيدة ألوهية المسيح؟ بالطبع لا. فالحقيقة هي أنه يوجد على الأقل ثمانية وأربعون يونانية للعهد الجديد يسبق تاريخها القرن الرابع.(37) إن جميع هذه المخطوطات عبارة عن أجزاء، ولكن الكثير منها يحوى أجزاء كبيرة للغاية (مثل معظم رسائل بولس أو حوالي إنجيلين كاملين)، وهي معاً مجتمعة تغطي حوالي نصف العهد الجديد.

دعونا الآن ننظر إلى بعض الآيات في المخطوطات التي تسبق القرن الرابع وتتحدث صراحة عن ألوهية المسيح. وسوف نحصر نقاشنا في تلك الآيات التي دعى فيها يسوع «». وخلف هذه الآيات توجد العشرات من المقاطع الأخرى التي تؤكد على ألوهيته ضمنياً (البعض منها سوف نناقشها في قسم «ألوهية يسوع»). ولكننا نرغب هنا في أن نوضح أنه كان من المستحيل للغاية بالنسبة لقسطنطين أن يكون قد ابتدع عقيدة ألوهية المسيح إن لم تكن هذه العقيدة موجودة بالفعل في المخطوطات التي سبقت زمنه هو شخصياً بنحو قرن أو أكثر.

P46 (200م)
P66 (175-225م)
P75 (بداية القرن الثالث م
عبرانيين 1: 8 رومية 9: 5 يوحنا 20: 28 يوحنا 1: 1
X X
X X
X

من المهم أن نلاحظ أن هذه البرديات الثلاثة هي من ضمن أهم مخطوطاتنا للعهد الجديد. فمخطوطة [P46] تشمل ثمانية من رسائل بولس والرسالة إلى العبرانيين، ومخطوطة  [P66] تغطي معظم إنجيل يوحنا، أما [P75] فتشمل معظم إنجيل لوقا وجزء من إنجيل يوحنا. أما بالنسبة للمخطوطات اللاحقة من القرن الرابع — وهي المخطوطات التي يزعم أن قسطنطين قد أفسدها — فهي تتفق كثيراً مع هذه المخطوطات. والحقيقة إن المخطوطة التي تعتمد عليها الترجمات الحديثة مثلما تعتمد على أي مخطوطات أخرى هي الڤاتيكان Vaticanus  ، وهي من القرن الرابع وبها نحو ثلاثة أرباع العهد الجديد. إن الاتفاق بين الڤاتيكان ” Vaticanus ” ومخطوطة [P75] هو اتفاق عظيم مثل الموجود بين أية مخطوطتين قديمتين.(38) وليس ذلك فقط، ولكن في جميع المقاطع التي ذكرناها أعلاه، لا توجد أختلافات مهمة عن أية مخطوطات من أي عصر.(39) فجميعها تحكي نفس القصة: إن يسوع هو إله حقيقي.

لقد برهنّا على نقطتين أساسيتين في هذا الفصل. الأولى، لا يوجد تقريباً أي احتياج للحدس أو التخمين بشأن الصياغة الأصيلة. أي أن صياغة النص الأصلي غالباً ما توجد دائماً في النسخ الباقية. ثانياً، إن أي شك بشأن صياغة النص الأصلي للعهد الجديد ليس له تأثير على التعاليم الأساسية للعهد الجديد. كما أن ألوهية المسيح، بالتأكيد، لم تتأثر بهذا الأمر.

ببساطة، لا يوجد مكان للشك أو عدم اليقين بشأن ما علّمه العهد الجديد في الأصل. أما بخصوص اختيار المرء أن يؤمن بذلك، فهذا أمر مختلف، وهو ما سنتناوله في فصول أخرى. إن ما يهمنا هنا ببساطة هو أن نوضّح أن التعاليم الأساسية للعهد الجديد لم تفسد بواسطة الاختلافات النصية القابلة للتطبيق.

إقرأ أيضاً:

إقرأ أيضًا

مذيع مسلم: الله مات - هل تؤمن المسيحية بموت اللاهوت؟

مذيع مسلم: الله مات – هل تؤمن المسيحية بموت اللاهوت؟

مذيع مسلم: الله مات – هل تؤمن المسيحية بموت اللاهوت؟ مذيع مسلم: الله مات – …