مواضيع عاجلة

هل بدأت السلالة البشرية حقاً من رجل وامرأة فقط؟ كيف يجب أن نقرأ قصة آدم وحواء في سفر التكوين؟

كيف يجب أن نقرأ قصة وحواء في سفر التكوين؟ بطريقة رمزية أو بطريقة مجازية، بطريقة حرفية، أم مختلطة؟ هل بدأت السلالة البشرية حقاً من زوج واحد (رجل وامرأة) من البشر فقط؟

د.

آدم وحواء
وحواء

نميل في ثقافتنا المعاصرة إلى خلط الحقيقة بالواقع. إن أمكن (ولو نظرياً) ان نصوّر حدث معين (بالكاميرا)، عندئذ يُمكن أن تُعتبر أنها حقيقة وحقيقة. لكن هذا فهمٌ محدود جداً للحقيقة. لأن هذا سيستثني من واقع الحقيقة حقائق مثل الحب والرباط الروحي، لأن هذه لا يمكن التثبّت من صحتها على نحو تجريبي. الأمر نفسه بالنسبة للإيمان: فيمكننا أن نشهد لإيماننا ولمحتواه، لكن لا يمكننا أن نبرهن أننا نؤمن في الواقع، أو أن محتوى إيماننا هو حقيقي أو واقعي. الحقيقة تتعالى عن الواقع بطرق عديدة. هذا واضح بصورة خاصة في القصص الكتابية، مثل أمثال يسوع 0غير التاريخية) وقصة وحواء.

السؤال المزدوج الأساسي المتعلق بقصة وحواء هذه في سفر التكوين 2-3 هو هذا: ماذا كانت نيّة الكاتب (والذي يُعتقد تقليدياً أنه موسى)، وماذا كانت غياية الله في إلهام ذلك الكاتب لتأليف القصة على النحو الذي فعل؟

هل اعتقد الكاتب نفسه أن قصة وحواء هي قصة “واقعية”؟ إنه بالتأكيد اعتبرها أنها قصة “حقيقية”، بمقدار ما تتكلم ببلاغة عن عمل الله الخلّاق في خلق البشرية، وعن تمرّد الإنسان ضد مشيئة الله، وعن المعاناة المعروفة للأشخاص البشريين في تغرّبهم عن الله، وعن حياتهم “خارج الفردوس”. بالطبع لا يمكننا أن نعرف فكر المؤلّف، إنما من المحتمل أنه طوّر قصة وحواء (على أساس تقليد أساسي شفهي) كنوع من المثال “السببي”: أي قصة تفسّر، بتصوير أسطوري، أصل الحقائق في حياتنا اليوميّة. غايته إذاً كانت الإجابة على أسئلة مثل هذه: كيف أتى الرجل والمرأة إلى الوجود؟ لماذا توجد خطيئة بشرية ولماذا يوجد موت؟ لماذا تتألم المرأة عند المخاض والولادة، ولماذا يجب على الرجال أن يكدحوا بعرق جبينهم لكي يؤمّنوا ضروريات الحياة؟ للإجابة على أسئلة مثل هذه الأسئلة سمح مؤلّف تكوين 2-3 لنفسه أن يكون مُلهَماً ومَرشَداً من الروح القدس ليخلق قصة وحواء الأخاذة والجميلة. فلكي نفسّر هذه القصة بصورة صحيحة نحتاج أن نقرأها “بصورة مجازية”، بالمعنى الموصوف أعلاه. نحتاج أن ننظر إلى ما وراء أي حدث تاريخي صرف، لكي نعاين في وسط التاريخ البشري الأولي حضور الله وعمله، والذي هو خالقنا وقاضينا وفادينا.

كيف إذاً نجيب على السؤال: “هل بدأت السلالة البشرية حقاً من زوج واحد فقط من البشر؟”. هذا سؤال دقيق، خاصة في الولايات المتحددة اليوم. فالمسيحيون بصورة خاصة يُمسكون وهم في معركة تضع مؤيدي الخلق ضد الداروينية. فالذين يملكون النزعات المتطرفة، وهم عادة ما يرون المعنى “الحرفي” أو “التاريخي” لنص كتابي، يريدون أن يقرأوا قصة التكوين (في الحقيقة قصص التكوين) بصورة حرفية: “إن كان الكتاب يقول هذا، فلابد أن تكون حقيقة” (مرة أخرى، نخلط بين الحقيقة truth والواقعة fact أو نُحدّ من الحقيقة ونحوّلها لمجرد واقعة fact). أما الذين درسوا العلوم فيجدون في الأبحاث المجراة على حقول متنوعة تنوع علم الأحياء في العصور السابقة وعلم الأحياء الدقيقة برهاناً يؤكّد “حقيقة” أن الحياة على الأرض، بما في ذلك الحياة البشرية، قد تطوّرت بحسب حدثية من “التطور” (سواء بحسب النموذج الدارويني أو سواه). الاكتشافات الحديقة للطبيعة ووظائف الدنا DNA، “مخطط” الحياة، تؤكّد وبقوة النموذج التطوري. إذاً هؤلاء الناس يميلون إلى رفض قصة الخلق على أنها ساذجة ولا علاقة لها بالموضوع، خاصة التكوين في سفر التكوين 2-3. مع ذلك فإنهم يميلون أيضاً، مثلهم مثل “المتطرفين” أو “الحَرْفيين الكتابيين”، إلى افتقاد النقطة الأساسية المتعلقة بتلك القصة. كلا الطرفان يميل إلى تحجيم الحقيقة بالواقعة، ويكون عاجزاً على فهم وتقدير المعنى الرمزي للقصة الكتابية.

ومن جهة أخرى، يجب أن نقول إنه يوجد تواصل بيولوجي طوال التطور الكامل للحياة على الأرض، من الكائنات الوحيدة الخلية إلى الفرد البشري الذي يبلغ عدد خلاياه عدة تريليونات. لقد تطورت الحياة البشرة على طول هذا الواقع المتصل، ربما بحسب نواميس الاصطفاء الطبيعي، وربما خلال ما يزيد عن ملايين السنين، أو في نقلات مفاجئة من الكم.

مهما تكن الحدثية يمكننا أن نؤكد على شيئين. فمن جهة إن الشيفرة الوراثية البشرية هي مماثلة للشيفرة الوراثية لمخلوقات حية أخرى (كالفئران مثلاً)، بحيث أن التواصل البيولوجي بين الكائنات الحيّة هو أمرٌ لا يمكن نكرانه. ومن جهة أخرى، إن الشخص البشري فريدّ (بمقدار ما نعرفه) في أنه يمتلك أو، بصورة أفضل، في أنه يتميّز بـ”نفسٍ حيّة”. على كل حال، إن النفس البشرية فريدة كمبدأ للحياة، في أنها وحدها “تحمل صورة الله” (راجع التكوين 26:1-27). كيف يمكننا إذاً أن نجيب على السؤال: هل بدأت السلالة البشرية حقاً من زوجٍ واحد؟

في نقطة معينة من تواصل الحياة خلق الله كائناً كلً خصائص الحياة البشرية كما نعرفها من وجهة نظر البيولوجيا. مع ذلك كان هذا الكائن فريداً، في أن الله “نفخ” فيه نفساً بشرية متميّزة (إن تعبير “نفخ” الشائع الاستعمال للنفس هو تعبير مُضلّلٌ، فالله لم يخلق الإنسان “مع” نفسٍ، بل خلقه نفساً: “النفس” هي مبدأ الحياة الديناميكية التي تمكنّنا لا أن نحيل فحسب، بل أن نحيا في علاقة من الحب بين الله والأشخاص الآخرين).

هكذا نحتاج إلى قراءة قصة التكوين، مثل نصوص كتابية أخرى كثيرة، على أكثر من مستوى مختلف. فيمكننا قراءتها “حرفياً”، أو أن نراها كمَثَل، كقصةٍ قد صيغت بطريقة معينة من قبل المؤلّف الكتابي، ليساعدنا على رؤية ما وراء المعنى الحرفي الذي تنقله الكلمات نفسها. كانت غايته أن يقود قرّاءه لإدراك حقيقة أعمق: أن الله هو مؤلّف (أصل) حياتنا الفريد والمطلق، وأننا مخلوقون على صورته (ولو أن هذا التعبير هو خاص بقصة الخلق المستقلة في تكوين 1)، وأن الرجل والمرأة متحدان بيولوجياً وروحياً كحاملِين لصورة الله وهدفه، وأننا، كبشر، نُخطئ ضد الله ويجب أن نعاني النفي عن الفردوس كنتيجة لهذا، وأن حياتنا على هذه الأرض موسومة بالمعاناة والتي تخدم بتذكرنا بالله وبخلق توقٍ فينا نحو سلام وفرح ملكوت السماوات.

بدون هذا النوع من القراءة “الرمزية” لقصة وحواء ستبقي هذه القصة مصدراً لسوء فهم وخلاف. كلمة “رمزية” تشير إلى حقيقتيّن “محاكتين” معاً (من اليونانية: symballo). فمثلاً أي مَثَل جيد، يُقصَد من كلمات القصة أن ترفعنا إلى ما وراء المعنى “الحرفي” الصرف للنص، وأن تكشف لنا معنى أعمق يتعلق بأصولنا، بحالتنا الراهنة من التغرّب عن الله، وبرجائنا “بالعودة إلى الفردوس”. ففي حين لا يُجيب هذا على السؤال الذي يطرحه الجدل بين أتباع الخلق وأتباع التطوّر، إلا أنه يمكّننا من رؤية حقيقة في كلمات النص الكتابي وما ورائها، حقيقة تعجز الكلمات البشرية المجردة عن التعبير عنها. لا يُقصد من قصة وحواء، مثل الاستطراد في وصف الخروج في العهد القديم أو أمثال يسوع، أن تكون تقرير حقائق، لقد أُعطيت لنا كوحي إلهي. بحسب هذا، يجب أن نؤكد أن أي واحد يلتصق بالإيمان المسيحي هو، بالتعريف، من أتباع الخلق، إن كنا نقصد بهذا التعبير بأننا مقتنعون بأن الله هو أصل كل الأشياء، وأنه الخالق والفادي للحياة البشرية.

على كل حال، إن هذه القناعة لا تعني أنه يجب علينا أن نرفض أي نموذج من التطور لشرح الطريقة التي أحضر الله بها أشكال الحياة المتنوعة إلى الوجود. فبينما نرفض أي مفهوم “ملحد” يتضمنه فهم معين لـ “الاصطفاء الطبيعي” و “التنوّع العشوائي”، إلا أنه يبدو لنا أن الله قد نقش في النظام الطبيعي نفسه ما نره “عشوائية” (واضح مثلاً في “تشوّش” الجمل المجهرية). بكلمات أخرى، إن الإيمان بنظرية علمية من التطوّر ليس بالضرورة غير متوافقٍ مع الإيمان بأن الله خلق السماوات والأرض، وكل ما فيهما. كل شيء يعتمد على كيف نعرّف مصلحتنا.

هذه الخاتمة تتحكم مباشرة بالطريقة التي بها نقرأ قصص الخلق في تكوين 1-3. فإن أخذناها بالمعنى الحرفي (ستة أيام من الخلق، السماء والأرض خُلقتا قبل الشمس والقمر، الإنسان شُكّل من تراب الأرض، والمرأة أُخذت من ضلع آدم، الخ)، عندئذ فإننا بكل بساطة أسأنا فهم القصة الكتابية: إننا نقرأها بحسب نظرية من “العصمة اللفظية الفعلية verbal inerrancy” لا يمكن الدفاع عنها. إن قرأنا هذه القصص كما قُصدت أن تُقرأ، فإننا نرى أن اللغة والصور تقدّم لنا فهماً للواقع يتعالى عن حدود اللغة البشرية العادية. ومثل لغة الشعر، إن قصص الخلق تستعمل تعابير اعتيادية للتعبير عن حوادث غير اعتيادية: حوادث لا يمكن التعبير عنها بأية طريقة أخرى سوى التصوير الرمزي. (الأب جان بريك).

“اعتاد شيخ على القول: إن الله يطلب من المسيحيين سوى أن يصغوا إلى الكتابي المقدس، وأن يطبّقوا الأشياء الواردة فيه” (آباء البرية)

“أيها السيد المحب البشر، أشرقْ في قلوبنا نور معرفتك الإلهية الذي لا يضمحل، وافتح حدقتّي ذهننا لإدراك تعاليم إنجيلك” (صلاة قبل قراءة الإنجيل)

إقرأ أيضاً:

إقرأ أيضًا

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الأول – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الأول – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الأول – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على …

2 تعليقان

  1. ريمون فتحي

    حضرتك لم توضح مباشرة على اي جانب انت .. لكنك تلمح بزيادة الى جانب التطور واسطورية قصة الخلق و آدم و حواء الواردة في الكتاب المقدس .. يمكن ان اقتنع بنظرية (اسلوب الكاتب) في ايام الخلق مثلا و انها حقب زمنية بدلا من 6 ايام بمفهومنا الحالي .. و لكن نقض قصة الخليقة هو نقض لجزأ عظيم من ايماننا المسيحي على مر العصور والالزمنة والتاريخ و الآباء و الكنيسة و القديسين تعلمنا و تشربنا قصة الخلق ووضعناها بل هي اكثرالقصص التي وضعناها في مستوى سامي جدا و في اطار مقدس لا يقبل النقض .. الآن اشعر و كأننا نواكب العصر الحديث ( بنلحق نفسنا) لإظهاره بعض الحقائق العلمية تفسير جديد لم يرد في كتب الاباء او الكنيسة لحقظ ماء الوجه.. هذا ما يثير تناقضي .. لانني مؤمن ان الكتاب المقدس لا يناقض الحقائق العلمية وفي نفس الوقت اذ و ضعنا الكتاب في مفهوم اسلوب الكاتب ارى نفسي متحيرا ايضا فما دور الوحي الالهي في الكتاب و اهماله لنقطة حساسة هامة للغاية كمثل التطور و ترك المساحة الأكبر للكاتب حتى يضعها في اطاره الخاص .. و ليست الحثائق العلمية فقط بل مفهوم ( العقوبة) في المسيحية ايضا و تصرفات الله في العهد القديم والجديد .. ارجو الرد و تكون اجابات مدعومة (لا تحتمل مفهومين)

  2. عصام فرج الله

    مع الاحترام الشديد للكاتب الذى يحاول ان يدفعنالتثدية نظرية التطور التى سببت كارثة اخلاقية فى العالم عندى سوءال يبدو ساذج ان كان الانسان هو نتاج تطور من قرد حسب نظرية اصل الانواع لداروين لماذا لم يتطور الانسان بعد صورة ادم وحواء ولا هل وقف التطور عند ذلك
    كيف تطور قرد ليصبح رجلا هو ادم وبالصدفة تتطور قردة هى حواء الى جوار بعصهم فيتزوجوا وينجبوا النسل لماذا لم يتطور الاف القرود مثلا والاهم لماذا لم يندثر صنف القرد بعد التطور المزعوم ويفنى جنس القرود مثلا اسءلة ارجو الاجابة عليها