الرئيسية / أبحاث / ماذا كانت الكنيسة الأولى تعتقد بشأن الانتحال أو التزييف؟ – قانونية أسفار العهد الجديد

ماذا كانت الكنيسة الأولى تعتقد بشأن الانتحال أو التزييف؟ – قانونية أسفار العهد الجديد

ماذا كانت الكنيسة الأولى تعتقد بشأن الانتحال أو التزييف؟

قانونية أسفار العهد الجديد

الحقيقة الجديرة بالملاحظة هي أنه على الرغم من أن جميع الأشكال الحديثة للمسيحية لا تشكك في النص الموجود في ، إلا أنه في القرون الأربعة الأولى كانت كل وثيقة، في وقت أو في آخر، يتم وصفها على أنها إما هرطقية أو مزيفة!

– تيموثي فريك وبيتر غاندي، “أسرار يسوع”

يبدو أن كثيرين من المسيحيين يعتقدون أن أي سفر في ينتمي للكتاب المقدس فقط لأن كاتبه هو أحد الرسل. فعندما أخبر الرسول بولس كنيسة تسالونيكي أن الرسالة كانت منه، كان هذا كافياً لكي يحسم القضية في ذهنهم. وربما يدهش هؤلاء المسيحيين أن يعرفوا أن هناك عدداً كبيراً من الكتب القديمة الأخرى يزعم البعض أنها مكتوبة بواسطة الرسل أو إحدى الشخصيات المعروفة الأخرى من الذين كتبوا . فلماذا لا تكون هذه الكتب جزءاً من طالما أنها تدّعي السلطة الرسولية؟ فعلى أية حال، إن كانت تدّعي السلطة الرسولية، فهي تنتمي للعهد الجديد، أليس كذلك؟ لكن هذا ليس بالضرورة. فهل يجب لكتب مثل إنجيل بطرس، وإنجيل توما، وإنجيل مريم، وأعمال يوحنا، وأعمال بولس، ورؤيا بطرس، أن تكون في ؟ وماذا عن رسالة برنابا، أو رسالة بولس إلى أهل لاوديكية؟ وهل تخلصت الكنيسة الأولى من كتب تنتمي للعهد الجديد واحتفظت ببعض منها مما لا ينتمي إليه؟ وهي قيدت الكنيسة الأولى الحرية في تحديد الأسفار ؟

هناك العشرات من الكتب التي يزعم أنها كتبت بواسطة الرسل أو بعض القادة الروّاد الآخرين في والتي لم يتم وضعها في . فما هي المعاير التي استخدمتها الكنيسة الأولى في هذا الأمر؟ فإذا كانت السلطة الرسولية هي واحدة منها، ألم تفشل الكنيسة في هذا الأمر، حيث أنه كان هناك الكثير من الكتب الأخرى التي يزعم أن كتّابها كانوا من الرسل؟ وأكثر من ذلك، ألا توجد بعض من كتب التي كتبها شخص آخر غير مؤلفها المزعوم؟

يناقش الفصلان التاليان كيف تعاملت الكنيسة الأولى مع قضية الانتحال والتزييف. لكن هذا الفصل سوف يركز على الوسيلة: ما المعايير التي استخدمتها الكنيسة الأولى لكي تكتشف التزييف؟ أما الفصل التالي فسوف يركز على المحتوى: ماذا تقول الكتب غير الموجودة في ؟ وهكذا سيركز هذا الفصل أيضاً على الكتب الموجودة في ، بينما سيركز الفصل التالي على الكتب غير الموجودة فيه. وأخيراً، سنقوم في الفصل بفحص أربعة من أسفار – واحد من الأناجيل، واثنين من الرسائل، وسفر رؤوي – والتي ستقدم لنا فهماً لعملية ، بينما سنقوم في الفصل التالي بالتركيز بصفة خاصة على الأناجيل التي لم يحكم لها بالقانونية.

دافع السلطة الرسولية

ينص بوضوح وبقوة على أن الرسل كانت لهم مكانة خاصة في تأسيس الكنيسة. وتذهب الرسالة إلى أفسس (2: 20) إلى مدى أبعد من ذلك لكي تعلن أن الكنيسة “قد بنيت على أساس الرسل والأنبياء ويسوع نفسه حجر الزاوية”.

وقد أدرك الخلفاء المباشرون للرسل أن السلطة التي منحها الرب للرسل كانت متفردة. فالآباء الرسل (وهم قادة الكنيسة في الأجيال التي تلت مباشرة عهد الرسل) قد أدركوا أن هناك فصلاً محدداً في السلطة ما بين الرسل وبينهم هم أنفسهم. فأغناطيوس، أسقف أنطاكية (110)، اعترف بأن الرسل كانوا ينتمون إلى حقبة محددة بوضوح والتي كملت وانتهت في ذلك الوقت. فيخبر إحدى الكنائس قائلاً: “لذلك اسعوا لكي تتأسسوا بقوة على وصايا وتعاليم الرب والرسل”[1]. فقد كان يرى أن الرسل قد علّموا كالمقياس الذي يجب أن تقاس عليه جميع التعاليم المسيحية الأخرى. وفي الطريق لإعدامه، كتب لكنيسة أخرى: “إني لا أعتبر نفسي مؤهلاً لذلك، إني أنا المذنب، بكون عليّ أن أعطيكم أوامر أو وصايا كما لو كانت أحد الرسل.”[2]. فقد كان الرسل شهود عيان على شخص وعمل يسوع ، وبهذه الصفة، فمن الطبيعي أن تكون شهادتهم هي المقياس الذي تقاس عليه التعاليم الأخرى.

لقد كانت سلطة الرسل الخاصة بحق الإنجيل واضحة لأي شخص يعرف عن المسيحية في قرونها الأولى. وهذا يفسّر لماذا كانت هناك العشرات من الأناجيل والرسائل والرؤى المنحولة (التي كانت تكتب باسم شخص آخر)، فقد كانت هذه طريقة سهلة لادّعاء سلطة وثيقة ما، والتي بدونها لما كان لهذه الوثيقة أي سلطة، وهكذا، فالدافع يبدو واضحاَ.[3]

إن التمييز الواضح في فترة الآباء المبكرة بين سلطة الرسل وسلطة قادة الكنيسة المعاصرين في ذلك الوقت لابد وأنه قد خلق دافعاً قوياً لنسب التأليف الرسولي للكتابات المختلفة. ولو كانت هذه الخدعة قد نجحت لكانت تلك الكتب قد نالت المصداقية الفورية وطابع السلطة[4]. لكن السؤال الذي نتجه إليه الآن هو ما إذا كان نفس هذا الدافع موجوداً بالنسبة لكتب ، أم لا، بمعنى آخر، هل تم نسب بعض من الكتب باطلاً إلى الرسل؟

سوف ننظر الآن في أربعة حالات سوف تسهم في فهمنا لعملية صياغة ، وهي: إنجيل مرقس، والرسالة إلى العبرانيين، وسفر الرؤيا، ورسالة بطرس الثانية.

إنجيل مرقس

يحوي العهد الجديد أسفار متى ومرقس ولوقا ويوحنا كأناجيل، والتي نعرفها جميعاً بهذه الأسماء. لكن ما يدعو للدهشة هو أنه في الأصل كانوا جميعً أعمالاً مجهولة الكاتب[5]. إن الأسماء التي نعرفها الآن كانت مرتبطة بالكتابات في زمن مبكر للغاية وقد استخدمت بصورة ثابتة ومستمرة: فاثنان من الأناجيل كتبا بواسطة الرسولين (متى ويوحنا)، وواحد بواسطة أحد المعارف المقربين لبولس (لوقا)، وواحد بواسطة مرقس. وهذا الإنجيل الأخير هو موضع اهتمامنا هنا الآن.

أما عن أقدم شهادة خاصة بتأليف إنجيل مرقس، فقد قدمها بابياس، أسقف هيرابوليس حتى عام 130. ففي أغلب الظن أنه ولد في الستينات وقد تعلّم من الجيل الأول للمسيحيين عن أصول الإيمان، ولذلك يجب تقدير شهادته حول تأليف إنجيل مرقس وإعطائها أهمية كبيرة، فيقول:

وقد اعتاد الشيخ أن يقول هذا: “لقد أصبح مرقس مفسراً لكلام بطرس، وقام بكتابة كل شيء كان بطرس يتذكّر أن قاله أو عمله بدقة، رغم أنه ليس بالترتيب. وذلك لأن مرقس لم يسمع الرب ولا اتبعه، ولكنه بعد ذلك، كما قلت، اتبع بطرس الذي كان يطبّق تعاليم الرب بقدر الحاجة ولكن لم تكن لديه النية لتقديم رواية مرتّبة عن أقوال الرب. وبالتالي فلم يفعل مرقس خطأ في أنه دوّن بعض الأمور كما تذكّرها، حيث أنه قد جعل اهتمامه الأول ألا يحذف أي شيء قد سمعه وألا يدلي بأية بيانات كاذبة بشأنه”[6].

وهنا يسترشد بابياس بشاهد سابق، “الشيخ”، كمصدر له. وربما يكون الشيخ هو الرسول يوحنا أو على الأقل واحد من الجيل الأول للمسيحيين والذي يعتبر في موضع سلطة.

إن شهادة الكنسية القديمة قد بابياس تتفق في نقطتين بشأن إنجيل مرقس: الأولى أن مرقس هو الذي كتبه، والثانية هو أنه استقى معلوماته من بطرس. ولكن يثير سؤالاً خطيراً: لو كان المسيحييون الأوائل يريدون أن ينسبوا لكتبهم المقدسة التأليف الرسولي، فلماذا لم يقوموا بذلك في الإنجيل؟ فالشهادة القديمة دائماً ما تميّز بين مرقس كمؤلف وبين بطرس كمصدر للمعلومات. وأكثر من ذلك، فإن إيريناوس، إذ كتب بعد بابياس بعدة حقب، يختلف مع بابياس في نقطة مفتاحية واحدة، فهو يعتقد أن مرقس كتب الإنجيل بعد وفاة بطرس. وهنا يمكننا أن نرى الدافع نحو التأليف الرسولي يقوم بعمله: فإيريناوس كان يريد أن يكون الإنجيل الأول مكتوباً بواسطة أحد الرسل (وفي هذه الحالة، متى)، ولذلك فقد اختلف مع بابياس حول زمن كتابة مرقس لإنجيله. لكن ترتيب إيريناوس للأحداث التاريخية مشكوك فيه[7]. لكن الأمر المهم بالنسبة لنا هو أن نرى أنه حتى إيريناوس – الذي كانت دوافعه في جعل متى في زمن يسبق مرقس موضع شك – لم يقل إن إنجيل مرقس قد كتب في الحقيقة بواسطة بطرس. فقد كان الكتّاب الآباء معروفون بعدم دقتهم من حيث خلطهم للترتيب التاريخي للأحداث، ولكن عندما كان الأمر يتعلق بالمؤلف، كان حظهم في الدقة أفضل. فالكتّاب الأوائل، حتى الذين قد وقعوا (بدرجة ما) في تجربة السلطان الرسولي، لم يستسلموا أبداً لهذه التجربة تماماً[8].

إن الطريقة التي تم بها التعامل مع إنجيل مرقس في الكنيسة القديمة يجب أن تكون مذكّراً صريحاً لنا بأن المسيحيين الأوائل أخذوا مسألة التأليف بجدية، خاصة عندما كان هناك كتاب معين مجهول المؤلف، فقد كان هذا يسمح لأي شخص ذي نفوذ بأن يملأ خانة المؤلف باسم رسوله المفضّل. ولكن هذا لم يحث بالنسبة لإنجيل مرقس. بالتأكيد فإن الدافع للادعاء بأن إحدى الأناجيل قام بطرس بكتابتها كان قوياً بصورة خاصة، وكون الكنيسة قد امتنعت عن القيام بذلك، قائلة فقط أن مرقس قد حصل على إنجيله من بطرس، فهذا يظهر ضبط النفس الملحوظ. فالحقيقة هي أن هذا القول به كل خواص الصدق والأصالة.

فإذا كانت الكنيسة الأولى قد رفضت أن تدعو هذا الإنجيل “الإنجيل بحسب بطرس”، فهل كانت ستذعن عندما يتعلق الأمر بكتابات أقل أهمية؟ يقوم الكثيرون اليوم بالتشكيك في أصالة الرسالة إلى أهل أفسس، والرسالة الأولى والثانية لتيموثاوس، وتيطس، ورسالة بطرس الثانية. لكن واحداً فقط من هذه الكتابات تم التشكك فيه بواسطة الكنيسة القديمة، فربما كان لدى آباء الكنيسة فهم أكثر مما ينسبه إليهم العلم الحديث. أفلا يجب علينا أن نعطي هؤلاء المؤلفين القدامى ميزة الشك عندما لا يكون هناك اختلاف بشأن المؤلف؟

يمكننا أن نطبّق هذا السؤال أيضاً على إنجيل آخر. فكثير من العلماء ينكرون أن إنجيل متى قام متى بكتابته لأنهم يعتقدون أن آباء الكنيسة كانوا يريدون أن ينسبوا التأليف الرسولي للأناجيل. ومع ذلك فإن نفس هؤلاء الآباء لم يستسلموا لهذا الإغراء بالنسبة لإنجيل مرقس. بل وأكثر من ذلك، فإن متى، مثل مرقس، قد تلقى شهادة مجمع عليها في الكنيسة الأولى فيما يخص تأليفه، رغم أنه هو نفسه أيضاً كان عملاً مجهول الكاتب. وأخيراً، إذا كان دافع نسب التأليف لأحد الرسل يمكن أن يتغلب على الضمير، فإن هذا لا يفسّر لماذا ينسب اسم متى دائماً للإنجيل الأول، فعلى أية حال، لم يكن متى واحداً من التلاميذ الرئيسين. فلماذا إذا نجد اسمه – واسمه هو فقط – يرتبط بالإنجيل الذي يقع في بداية العهد الجديد؟ فإن لم نرغب في أن نكون منتقين بالكامل، نختار ما يعجبنا من الآباء ونرفض ما لا يعجبنا، فربما نود أن نعطيهم ميزة الشك في هذه الأمور.

الرسالة إلى العبرانيين

تعتبر الرسالة إلى العبرانيين عمل آخر مجهول الكاتب. يقول أحد المؤلفين: “إن التعليقات والشروحات العلمية على وثيقة العهد الجديد هذه تقول أحياناً عن رسالة بولس إلى العبرانيين أنها تحتوي عادة على ملاحظة صحيحة تماماً وهي أن تلك الوثيقة ليست رسالة، ولم يكتبها بولس، ولم تكتب إلى العبرانيين”[9]. حقاً إنه ليس هناك اسم موجود لمؤلف هذا السفر، كما أنه من الحقيقي أيضاً أنه يبدو مثل عظة أكثر منه كرسالة. رغم أنه يشبه بدرجة ما الرسائل القديمة، ولكن حتى الرسائل غالباً ما ينسب لها كاتبها[10]. هناك اقتراح معقول للغاية للسبب الذي لأجله لا يظهر اسم على الوثيقة، وهو أنها كانت مكتوبة في الأصل على درج. والدرج الذي كان يرسل في العالم القديم كان فيه دائماً عنوان المرسل إليه واسم كاتب الرسالة خارج الدرج (يشبه هذا كثيراً المظروف الذي لدينا اليوم)، وربما تلفت هذه البيانات قبل أن تصنع نسخ من الوثيقة.

وبغض النظر عن السبب في عدم معرفتنا باسم كاتب العبرانيين، إلا أن هذا السفر قد اقترن سريعاً باسم بولس الرسول. ويرجع هذا جزئياً بلا شك لذكر تيموثاوس في الرسالة إلى العبرانيين (13: 23) “اعلموا أنه قد أطلق الأخ تيموثاوس الذي معه سوف أراكم إن أتى سريعاً”. كما أن السفر به أوجه شبيهة بطريقة بولس في التفكير ويبدو من الواضح أنه يرجع لأفكار بولس[11].

وقد كان أول من نوه إلى هذه الرسالة هو أكليمندس الروماني (96 م)، رغم أنه لم يقل من هو كاتبها. وقد تم حذف الرسالة إلى العبرانيين من قائمة الأسفار المقدسة لكل من ماركيون وموراتوري، فقد كان هناك خلاف كثير بشأن مؤلفها منذ الأزمنة الأولى في تاريخ الكنيسة. وبخلاف إنجيل مرقس، فقد نسب تأليفها لعدد من الكتّاب المختلفين، رغم أن بولس ترأس القائمة (وقام بذلك أيضاً أكليمندس السكندري وآخرون). ولكن أوريجانوس، خليفة أكليمندس، أنكر تأليف بولس لها بوضوح، وهو الذي نطق بكلماته اللاأدرية الشهيرة: “من الذي كتب هذه الرسالة، الله وحده هو الذي يعلم ذلك علم اليقين”.

لكن لماذا رفضت الكنيسة القديمة في النهاية تأليف بولس للرسالة إلى العبرانيين، وماذا كانت نتائج ذلك؟ فعلى الرغم من أن الترجمة المنقحة (RV) (1881) تستخدم العنوان “رسالة بولس الرسول إلى العبرانيين” (على نمط ترجمة كينج جيمس للكتاب المقدس KJB)، إلا أنه لا أحد اليوم يبرهن على أن بولس هو الذي كتب هذا السفر[12]. فهناك ببساطة العديد من الاختلافات ما بين رسائل بولس والرسالة إلى العبرانيين، وقد لاحظ القراء في الكنيسة القديمة هذه الاختلافات أيضاً.

لكن إن لم يكن بولس هو الذي كتب الرسالة إلى العبرانيين، فمن الذي كتبها إذاً؟ وحيث أن السفر لم ينجح في اجتياز اختبار الرسولية، فهل يمكن رؤيته على أنه جدير بالثقة، كسفر مقدس؟ إن حقيقة كون الرسالة إلى العبرانيين تظهر عمقاً أدبياً وروحياً، وأنه كان يتم الاستشهاد بها دائماً (بداية من نهاية القرن الأول)، وأنها تتفق مع الكتابات الرسولية المعروفة، أكّدت في النهاية مكانها بين الأسفار المقدسة.

إن المجادلات الخاصة بمؤلف العبرانيين والتي أدت في النهاية إلى اعتراف الكنيسة بجهلها بشخصية كاتبه (أي أنه لم يكتب بواسطة بولس) تخبرنا بأمر جدير بالملاحظة عن الاستقامة الكنسية. فإغراء إطلاق اسم أحد الرسل على هذا السفر (لأنه إن لم يحدث ذلك قد يخرج من قائمة الأسفار ) قد تم التغلب عليه. فبقدر ما كان هذا السفر مهماً – وبقدر ما كان محبوباً لأنه يحمل طابع الحق – لم تذعن الكنيسة للدعاية الباطلة له فيما يختص بمؤلفه. كما أن حقيقة أن العشرات من الأسماء قد طرحت للمؤلفين المحتمل أن يكونوا قد قاموا بكتابة السفر تظهر الاهتمام الشديد والشغف الذي كان لدى المسيحيين بهذا السفر. كما أن عدم وجود اتفاق بخصوص كاتب السفر يظهر أن حالته تستند بقوة إلى أسس أخرى. إن سفر العبرانيين هو مرآة لعملية صياغة بأكملها. وكما أشار ويليام باركلي: “إنها الحقيقة البسيطة أن نقول إن أسفار العهد الجديد قد أصبحت لأنه لم يقدر أحد أن يمنعها من أن تكون كذلك”[13].

سفر الرؤيا

في آخر سفر من أسفار العهد الجديد، سفر الرؤيا، يعرّف الكاتب نفسه فقط بأنه “يوحنا” (رؤ 1: 1، 4، 9؛ 22: 8). لكنه لم يدع نفسه “يوحنا الرسول” أو “يوحنا الشيخ” ولكنه قال ببساطة إنه “يوحنا”. وخلاف الكتب الرؤوية القديمة الأخرى التي كانت تستخدم اسماً مستعاراً للكاتب من أسماء الشخصيات الشهيرة في الماضي، فمن الواضح أن هذا المؤلف لم يكن في نيته الخداع، لأن اسم “يوحنا” في الحقيقي لا يضيّق مجال البحث كثيراً!

يرتبط صراع سفر الرؤيا لحيازة بهذه المسألة، فهو ليس مجهول الكاتب كما أنه ليس مكتوب باسم مستعار. ولكن مسألة هوية هذا الشخص “يوحنا” هي التي أثارت الشكوك بشأن إدراجه في العهد الجديد.

إن أقدم شهادة عن سفر الرؤيا يبدو أنها تفترض أن يوحنا الرسول هو الذي كتب هذا السفر (كما يفترض مليتو، ويوستينوس الشهيد، وإيريناوس، وقائمة موراتوري القانونية، وربما بابياس). وليس ذلك فقط، ولكن اثنين من هؤلاء الكتّاب، أي إيريناوس ومليتو، كانا من اثنين من المدن التي وجّه لهما الحديث في سفر الرؤيا، وهما ساردس وسميرنا، وهكذا فإنهما “يمكن أن يقدما دليلاً مستقى من المصدر مباشرة”[14].

لكن لم يتفق الجميع على أن يوحنا الرسول هو الذي كتب سفر الرؤيا، فقد رفض ماركيون التأليف الرسولي، كما فعل ذلك ديونيسيوس، وهو أسقف من الإسكندرية من القرن الثالث. وهكذا توالت المناقشات المتجددة بشأن المؤلف. لكن رؤية هذا المؤلف على أنه شخص آخر غير يوحنا الرسول قد تطلّب نوع من الرياضة الذهنية، فكما يشير دي. أي. كارسون ودوجلاس جي. مو:

ربما نتشكك ما إذا كان شخص يدعى يوحنا لي يذكر أبداً في المصادر الكثيرة في حياة الكنيسة الآسيوية في القرن الأول، كان لديه من القامة الروحية والمكانة ما يكفي لكي يكتب سفراً من هذا النوع، شديد الاختلاف عن أي سفر آخر في العهد الجديد، بمجرد اسمه شخصي لكن يبدو هذا الأمر غير محتمل عندما نتذكّر أنه كان هناك يوحنا آخر (الرسول) كان معروفاً في هذه المنطقة في نفس تلك الفترة[15].

لكن حتى بوجود دليل كاف على أن يوحنا المذكور في هذا السفر كان هو الرسول يوحنا، فقد عارضت الكنيسة هذا الأمر. فالمسيحيون الأوائل لم يقبلوا بسذاجة هذا السفر على أنه سفر أصيل لأن اسم يوحنا كان به. بل الأكثر من ذلك أن أي إنسان كان يقبل بقانونية هذا السفر في الكنيسة القديمة كان يدرك أن المؤلف هو في الحقيقة شخص ما يدعى يوحنا، فلم يكن هناك تزييف في الأمر.

فما حدد مسألة هذا السفر لم يكن في النهاية هو أن كاتبه كان الرسول يوحنا. واليوم، هناك العديد من العلماء المحافظين الذين يشككون في التأليف الرسولي للسفر، ولكنهم لا يزالون يعتبرونه سفراً مقدساً. من الواضح أذاّ أنه كانت هناك اختبارات أخرى تجري بجانب اختبار التأليف الرسولي كمعيار لتحديد في الكنيسة الأولى[16]، رغم أن التأليف الرسولي كان عاملاً مهماً. وهكذا، فكما كانت هناك أدلة قوية على أن يوحنا الرسول هو المؤلف، كانت هناك أيضاً بعض الشكوك بهذه الشأن. لكن مجرد حقيقة أن الكنيسة قد قبلت هذا السفر كسفر قانوني بدون التأكد بالضرورة من تأليفه الرسولي يدل بقوة على استقامة الكنيسة. وبالتأكيد كانت البرهنة على أن يوحنا الرسول قد كتبه تمثل إغراءً شديداً بالنسبة لمن يعتنقون لاهوته، ولكن كونهم لم يستسلموا لهذا الإغراء يعطينا لمحة عن منهجهم القويم.

رسالة بطرس الثانية

غالباً ما كانت الرسائل القصيرة مثل رسائل يوحنا ويهوذا ويعقوب موضع نزاع، كما كان سفر الرؤيا. ولكن أكثر الأسفار نزاعاً في العهد الجديد، من ناحية المؤلف، كان هو رسالة بطرس الثانية. فبخلاف إنجيل مرقس، والرسالة إلى العبرانيين، لم يكن هذا السفر مجهول المؤلف، فالمؤلف يدّعي أته سمعان بطرس الرسول (1: 1). ولكن هذه الرسالة لم يتم الاستشهاد بها أو التلميح لها كثيراً في القرن الثاني[17] – ويكن للبعض أن يقولوا إنه لم يستشهد منها على الإطلاق – وقد أثار هذا الشكوك بشأن مؤلفها منذ زمن مبكر.

إننا لن نخوض بعمق في السبب الذي لأجله اختلفت الكنيسة الأولى بشأن تأليف هذه الرسالة، ولكننا نحتاج أن نشير إلى أمرين: الأول أنه كان هناك شك بشأن أصالتها بسبب الشك بشأن قدمها؛ فأسلوب الكتابة في رسالة بطرس الثانية كان يعتقد أن يختلف بصورة ملحوظة عن أسلوب الكتابة في بطرس الأولى. فيشير جيروم إلى أن اختلافات الأسلوب بين رسالتي بطرس الأولى والثانية هي اختلافات جوهرية. رغم أنه كان يعتقد أنه يمكن عزوها لاستخدام بطرس لشخصين مختلفين في كتالة كل من الرسالتين، والذي أسهم كل منها بلمسات أسلوبه الخاص[18]. إلا أن يوسابيوس الذي شك في أصالة الرسالة، جادل في أنها لم تذكر بالاسم بواسطة أقدم آباء الكنيسة[19]. كما أنه لا يزال يوجد سببان من أهم الأسباب التي يقدمها العلماء في جدلهم بأنه لم يكن من الممكن للرسول بطرس أن يكتب هذه الرسالة.

لكن بدون الدخول في مناقشة بشأن مؤلف رسالة بطرس الثانية. نرغب ببساطة في طرح ملاحظتين. الأولى، أن الرسالة لم يتم قبولها بدون صراع. فمزيج الافتقار إلى الاستشهادات القديمة مع الاختلافات في الأسلوب بينها وبين رسالة بطرس الأولى كان ضربة قاصمة لوضع رسالة بطرس الثانية في الأسفار القانونية. ثانياً، حيث أن هذه الرسالة تم الادعاء بأن بطرس هو الذي كتبها، لم تكن الكنيسة الأولى لتتمكن من قبولها لو كان قد ثبت أنها مزيفة. فكانت إما أن ترفضها على أنها ليست من تأليف بطرس، أو أن تقبلها على أنها أصيلة، فلم يكن هناك حل وسط؛ ولم يكن هناك معنى “للتزييف الحميد”.

ما إذا كانت الكنيسة محقة في النهاية في تقييمها لتأليف هذه الرسالة أم لا فهذا سؤال شديد الأهمية، ولكنه ليس الأهم على الاطلاق. فالأمر الأكثر أهمية هو أن معظم أسفار العهد الجديد لم يتم الشكك بشأن مؤلفها، بالتحديد لأنها كانت تستخدم ويتم الاقتباس منها ويحبها الناس منذ البداية، كما أنه لم يتم قبول أي كتاب أبداً لو كان هناك اعتقاد بأنه مزيف.

لقد كانت هذه المناقشات بشأن الأسفار القانونية للعهد الجديد: فقد كان الكتّاب المسيحيون القدامى منشغلون بالكامل في التفكير بشأن أصالة مختلف الوثائق. بل أنهم لم يرغبوا في أن يقبلوا حتى الوثائق التي زعمت أنها رسولية بقيمتها الظاهرية، ولكنهم قيّموا هذه المزاعم على أساسين: الأول، أنهم كانوا يفحصون البرهان التاريخي الخارجي، إذ يسألون عما إذا كانت الشهادات لسفر معين قديمة وكثيرة أم لا، والثاني، أنهم كانوا يقارنون توافقها الداخلي مع الوثائق التي لم يكن هناك خلاف عليها والتي كانت تعتبر أن لها سلطة روحية.

والأكثر من ذلك، أن المسيحيين الأوائل قاوموا في النهاية الرغبة في عزو السلطة الفورية لوثيقة غير معروفة المؤلف عن طريق منحها تأليفاً رسولياً. فبعكس الفكرة القائلة بأن الكنيسة القديمة قد اندفعت لكي تضع اسم أحد الرسل على عمل مجهول المؤلف، قامت الكنيسة القديمة بالبحث والتفكير الملّي في المؤلف. بل أن حقيقة أن العديد من كتب العهد الجديد كانت في الأصل مجهولة المؤلف أو لم يتم توضيح مؤلفها بصورة كافية ليتم التعرّف عليه بطريقة إيجابية (مثلاً، وضع مجرد اسم “يوحنا” لسفر الرؤيا، و”يهوذا” لرسالة يهوذا) يوضح أن السعي للسلطة الذي ظهر فيما يتعلق بالعديد من الكتابات الهرطقية اللاحقة لم يكن هو العامل الأساسي في تحديد أسفار العهد الجديد. تعتبر رسائل بولس استثناء لذلك، بمعنى أنه في كثير من رسائله يتم الدفاع بوضوح ووعي عن سلطته الرسولية. ولكن هذا كان يرجع لتشكك مقاوميه في سلطته ورسوليته.

التزييفات والمزيفون في الكنيسة

لقد رأينا إذاً كيف كانت الكنيسة الأولى منشغلة للغاية بالتفكير في أي الكتب هي الموثوق بها والقانونية، فإنهم لم يقوموا بمجرد وضع ختم بالموافقة الروتينية على أن هذه الكتب “مقدسة”. وهذا يأتي بنا إلى السؤال الأخير في هذا الفصل: كيف كان رد فعل الكنيسة تجاه التزييف أو الانتحال؟

يرى كثير من العلماء اليوم أن انتحال اسم المؤلف (أي كتابة وثيقة باسم شخص آخر) كان ممارسة مقبولة في الكنيسة القديمة. لكن موضوع التزييف والانتحال قد تم مناقشته حقيقة بنوع من الإسهاب في الكنيسة الأولى. وإننا نرغب هنا في الإشارة لثلاثة ملاحظات باختصار.

أولاً: كانت هناك أمثلة للتزييف والانتحال تظهر في الكنيسة القديمة، وكانت استجابة الكنيسة لها توضح هذا الأمر وتلقي بالضوء عليه. فعلى سبيل المثال، كانت هناك رسالة تسمى رسالة كورنثوس الثالثة، وهي وثيقة تم نشرها على أنها جزء من سفر أعمال بولس، لكن تم اكتشاف أنها مزيفة. إلا أن المؤلف، وهو أحد الشيوخ الذي كتب هذه الوثيقة بسبب محبته لبولس، قد تجرّد من وظيفته الكهنوتية بواسطة ترتليان بسبب هذا التزييف. وفي حوالي عام 200، عندما علم سيرابيون، أسقف أنطاكية، أن إنجيل بطرس لم يكتب بواسطة الرسول بطرس، أعلن قائلاً: “من جهتنا أيها الأخوة، قد قبلنا كلاً من بطرس والرسل الآخرين كما قبلنا ، ولكننا نرفض الكتابات التي تحمل أسمائهم باطلاً، كأناس لدينا خبرة في هذا الأمر، إذ نعلم أن مثل هذه الكتابات لم تسلّم إلينا”[20].

وفي القرن الثاني، أدانت لائحة موراتوري للأسفار القانونية كلاً من الرسالة إلى اللاوديكين والرسالة إلى أهل الإسكندرية لأن كلاً منهما “تم تزييفها باسم بولس”[21] وكان أحد الأدلة على التزييف هو الافتقار إلى برهان القدم، فالحقيقة أنه إذا وجد أن إحدى الكتابات من أصل حديث، حتى لو لم يكن هناك شك في مؤلفها، لم تعتبر . فمثلاً، رفضت لائحة موراتوري كتاب “راعي هرماس”، لأنه رغم كونه من الأعمال الأدبية المحفّزة، إلا أنه تم تأليفه في “زمن حديث للغاية، في زمننا، في مدينة روما”. فعدم القدم كان هو السبب الوحيد لرفضه، وهذا لأن تلك الوثيقة تم كتابتها بعد زمن الرسل.[22]

كما يعكس يوسابيوس هذا الرأي أيضاً، ففي الربع الأول من القرن الرابع، تحدث عن أسفار العهد الجديد القانونية بإسهاب وتفصيل. وفي الفصل التاسع، قمنا باقتباس الجزء الأول من تعليقات يوسابيوس لكي نوضّح أن هناك على الأقل عشرين سفراً من أسفار العهد الجديد السبعة والعشرين تم قبولها بالفعل بحلول زمنه، وأن البقية تم قبولها بصورة نسبية. لكن من الجديد بالذكر أن نورد هنا منطقه بالكامل ولماذا كان يجب رفض بعض الكتب رفضاً صريحاً:

عند هذه النقطة يبدو من المنطق أن نلخّص كتابات العهد الجديد التي تم الاستشهاد بها. ففي المقام الأول يجب وضع الأناجيل المقدسة، ويليها كتابات سفر أعمال الرسل. بعد ذلك يجب أن نضع في الاعتبار رسائل بولس الرسول، ويعقبها رسالة يوحنا التي يطلق عليها الأولى، وبنفس الطريقة يجب أن نعتبر رسالة بطرس. بالإضافة إلى هذه الأسفار، يجب أن نضع، إن بدا مقبولاً، رؤيا يوحنا، والتي سنقوم بشرح الجدل الساري حولها في الوقت المناسب. تنتمي هذه الأسفار إلى الكتب المعترف بها. أما بالنسبة للكتب موضع النزاع والمعروفة لمعظم الناس، فهي الرسالة المدعوة ليعقوب، والرسالة المدعوة ليهوذا، والرسالة الثانية لبطرس، والرسالتان المدعوتان الثانية والثالثة ليوحنا واللتان قد تكونان من عمل البشير أو عمل شخص آخر له نفس الاسم. أما من ضمن الكتب التي يجب اعتبارها غير أصيلة، فيجب وضع كتاب أعمال بولس، والكتاب الذي بعنوان الراعي، ورؤيا بطرس، وبالإضافة لهم الرسالة المدعوة برنابا، وما يطلق عليه تعاليم الرسل. وبالإضافة لذلك، كما قلت، رؤيا يوحنا، إن ساد هذا الرأي، لأن البعض، كما قلت، يرفضونها، ولكن البعض الآخر يعتبرها من ضمن الأسفار المعترف بها، كما اعتبر البعض كذلك الإنجيل بحسب العبرانيين الذي فيه يحظى أولئك العبرانيون الذين قبلوا بميزة خاصة. لكن هذه كلها تنتمي للكتب موضع النزاع، ولكننا على الرغم من ذلك، ملزمون بأن نضع قائمة بها، مما يميزها عن الكتابات التي هي، بحسب تعليم الكنيسة، حقيقية وأصيلة ومعترف بها، وتلك المختلفة عنها في أنها غير ولكنها موضع نزاع، ولكنها مع ذلك معروفة لمعظم كتّاب الكنيسة، حتى نستطيع أن نعرفها. أما الكتابات التي تم وضعها بواسطة الهراطقة تحت اسم الرسل فتحوي بشائر مثل أناجيل بطرس، وتوما، ومتياس، وآخرين بجانبهم، أو أعمال مثل أعمال أندراوس ويوحنا وبعض الرسل الآخرين. فلم يفكر أي ممن ينتمون لأتباع التعليم المستقيم على الإطلاق في أنه من الصواب أن يشيروا إلى أي من هذه الكتب في كتاباتهم. بالإضافة إلى أن أسلوب العبارات فيها يختلف عن الأسلوب الرسولي، كما أن آراء واتجاهات محتواها يشذ بشدة عن التعليم المستقيم الحقيقي ويوضّح للغاية أنها كتابات مزيفة لهراطقة. ولذلك فيجب ألا تعتبر حتى من بين الكتب المنحولة، بل أن ترفض على أنها كتب شريرة بالكامل وغير تقوية[23].

أما فيما بعد العشرين سفراً أو أكثر التي اعتبرها يوسابيوس ليس موضع نزاع، كان هناك الخلاف على بعض الكتب بسبب الشكوك الخاصة بمؤلفها أو بقدمها. ولكنها لو كانت قد تم قراءتها بصورة كافية وعلى نطاق واسع، لكانت قد اعتبرت كتباً من الممكن ترشيحها لتكون ضمن الأسفار القانونية. وأخيراً، فقد تم رفض كتب أخرى رفضاً صريحاً لأنها كانت حديثة العهد أو تعلّم بوضوح تعاليم خاطئة. وهكذا، فقبل أربعين عاماً من القائمة المحددة الأولى للأسفار القانونية بالسبعة والعشرين سفراً التي جمعها أثناسيوس عام 367، كانت الكنيسة بالفعل تصارع بجدية مع معايير القانونية: الرسولية، والشمولية، واستقامة العقيدة. وقد فشلت الكتب الهرطقية في الاختبار بهذه المعايير الثلاثة.

ثانياً: كانت الأناجيل الهرطقية من إنتاج القرن الثاني وما بعده، وسوف نناقش هذه النقطة أكثر في الفصل التالي. إحدى الدلائل التي تؤيد هذا نجدها في أول قائمة بالأسفار القانونية، والتي أنتجها الهرطوقي ماركيون عام 140 م. فقد أورد ماركيون فقط لوقا وعشرة من رسائل بولس في لائحة أسفاره القانونية، وكما أشرنا من قبل، كانت أراء ماركيون تتوافق بصورة كبيرة مع التعاليم الغنوسية. فلماذا إذاً قام بإدراج أجزاء من عهدنا الجديد فقط في قائمته؟ لماذا لم يدرج فيها أعمالاً غنوسية مثل إنجيل توما أو إنجيل مريم أو أعمال بطرس؟ الأرجح هو ان هذه الكتب لم تكن قد وجدت بعد، أو أنها كانت شديدة الحداثة لكي يتم اعتبارها على أنها أصيلة.

ثالثاً: كما يشير كارسون ومو، “على قدر ما تذهب شهادة آباء الكنيسة، فإنهم كانوا عندما يقيّمون بوضوح أحد الكتابات بشأن أصالته، وقانونيته، ومؤلفه، كان يثبت أنه يشمل هذه الأمور مجتمعة”[24]. وعلى الرغم من أن العلماء اليوم كثيراً ما يجادلون بأن الكنيسة القديمة كانت متساهلة في قضايا مثل التأليف، إلا أن هؤلاء المسيحيين لو أنهم كانوا قد اقتنعوا أن أحد هذه الكتب مزيف، فإنهم كانوا يرفضونه تماماً.

في أحد أعماله المهمة، “صياغة وثائق العهد الجديد”، يناقش إي. إيريل إيليس احتمالية “التزييف الحميد”، أو “براءة” نسب تأليف الكتب للرسل كذباً، فيخلص إلى الآتي:

في كنيسة الآباء، كان عندما يتم نسب تأليف كتب إلى الرسل كذباً، كانت تلك الكتب تخرج من قائمة الأسفار القانونية. وكان هذا الأمر يتم بغض النظر عما إذا كانت هذه الكتب مستقيمة العقيدة أو هرطقية.

فإن فرضية براءة نسب الكتب إلى الرسل كذباً يبدو أنه قد تم تصميمها للدفاع عن بعض من كتابات العهد الجديد التي كانت، في نفس الوقت، ينظر إليها على أنها تنسب تأليفها للرسل كذباً. لكن هذه الفرضية هي اختراع حديث ليس له أساس يبرهن عليه في اتجاه أو كتابات الكنيسة الرسولية وأباء الكنيسة[25]

الملخص

ترى هل كانت الكنيسة الأولى ساذجة تماماً بشأن أي الكتب هي التي تنتمي إلى الأسفار القانونية وأيها التي لا يندرج تحتها؟ كلا. فكما أشرنا في الفصل التاسع، لقد تم قبول معظم أسفار العهد الجديد على أنها أصيلة منذ البداية. وهكذا فإن فكرة أن كل الأسفار كان عليها نزاع، هي فكرة بها مبالغة هائلة. وعلى الرغم من أنه من المحتمل أن يتمكن أحد من العثور على استشهاد شارد هنا أو هناك بخصوص هذا الأمر، فإن هذا لا يمكن أن يمثّل الحقائق[26].

لقد رأينا أن الكنيسة القديمة لم تنسب التأليف الرسولي بسرعة وبدون نقد للكتب مجهولة المؤلف، رغم أنه كان هناك إغراء للقيام بهذا الأمر. فحتى عندما كان أحد الكتب يكتب عليه أسم أحد الرسل كمؤلفه، كان يمكن للكنيسة أن تكون شديدة التشكك في الأمر. وفي النهاية، كانت الكنيسة تتحقق مما إذا كان هذا الكتاب يرجع إلى الحقبة الكنسية المبكرة، وما إذا كان قد قبل على نطاق واسع، وما إذا كان مستقيم العقيدة أم لا. معظم أسفار العهد الجديد اجتازت هذا الاختبار بدون جهد يذكر – ولكن هذا بالتحديد لأنها قد نجحت في هذه المعايير الثلاثة. وقد ناضلت كتب أخرى لكي يتم قبولها، ولكن هذا النضال عينه كان يجب أن يضع حداً لمسألة ما إذا كان المسيحيون الأوائل شديدي السذاجة بشأن كتبهم المقدسة.

ومن ناحية أخرى، فقد تم قبول بعض الكتب غير الجديرة بالثقة ككتب مقدسة في بعض أجزاء من الكنيسة لفترة زمنية محدودة، ولكن هذه الكتب لم تستطع أن تخدع الكنيسة لفترة طويلة[27].

وفي النهاية، تم رفض ثلاثة أنواع من الكتابات بصورة حاسمة على أنها غير : (1) الكتب التي اتضح أنها مزيفة أو منحولة المؤلف؛ (2) تلك الكتب التب كانت حديثة العهد (مثلاُ، من القرن الثاني فما بعده)؛ (3) الكتب التي لم تكن تتفق مع سلامة العقيدة الموجودة في الكتب الأساسية المعروف بالفعل أصالتها. وحيث أن هذا المنهج ليس نادراً أو غريباً – أو تحفة من الماضي – فإننا نراه في حقيقة أن نفس هذه المعايير هي التي يستخدمها العلماء اليوم. فعلى المرء أن يتساءل إذاً، لماذا يرفض بعض الكتّاب المحدثون ببساطة أن يعطوا الكتّاب المسيحيين القدامى ميزة الشك. ففي الحقيقة، إن المرء يجب أن يتساءل من هم في الحقيقة السذّج بشأن الأسفار القانونية!!

[1] -أغناطيوس Magnesians 13: 1، في The Apostolic Fathers Greek Test and English Translations تحرير وتنقيح مايكل دبليو هولمز (Grand Tapids: Baker,1999). جميع الاقتباسات من الآباء الرسل هي من هذه الطبعة الا إذا أشرنا إلى غير ذلك.

[2] -أغناطيوس، Trallians 3.3، وأغناطيوس Romans 4.3. مشابه: “إنني لا أعطيك أوامر مثل بطرس وبولس: فهما رسولان، لكني أنا مدان.” للتعرف على الإشارات الأخرى لسلطة الرسل، انظر 1 Clement 42.1؛ بوليكارب Epistle to the Philippians 3.2، أغناطيوس، Epistle to the Ephesians 11.2، أغناطيوس، Trallians 2.2; 7.1; 12.2، أغناطيوس، Letter to the Smyrnaeans 8.1؛ كاتب مجهول، Epistle to Diogentus 11.6.

[3] -دي إيه كارسون ودوجلاس جي مو، An Introduction to the New Testament، طبعة ثانية (Grand Tapids: Zondervan,2005)، 338 – 40، يذكر دوافع أخرى أيضاً لكن في الحقيقة، كل هذه تقريباً يبدو أنها تشمل رغبة المرء في جعل آرائه ذات سلطة، بالزعم بأن الكتاب قد كتبه أحد الرسل أو أحد القادة الآخرين من الكنيسة الأولى.

[4] -ويرنر جورج كوميل، Intriduction to the New Testament، نسخة انجليزية منقحة، ترجمة هوارد كلارك كي (Nashville: Abingdon, 1975)، 363، تفترض أن هذا كان هو الدافع وراء الكثير من كتابات العهد الجديد: “الشيء الوحيد الواضح الخاص بالمواد الزائفة التي نقابلها هو أن “الافتراض الحاسم بالنسبة للكتابات الزائفة في العهد الجديد (يمثله) إقامة الكتابات الرسولية على أنها المعيار (إف 2: 20)، بحيث أن الخيال الأدبي “يفسح المجال كاملاً لسلطة الرسول” لكن ما إذا كان الخيال الأدبي موجود بالفعل في العهد الجديد فهذا أمر مختلف، ولكن كوميل قد حدد ما قد يعزز هذا الخيال.

[5] -مارتن هنجل، The Four Gospels and the One Gospel of Jesus Christ (Harrisburg , PA: Trinity Press International, 2000)، 48-53، يحاجج أن الأناجيل لم تكن مجهولة الكاتب ولكن، منذ البداية، كانت توجد العناوين القائلة “الإنجيل بحسب متى”، الخ. ولكن معظم علماء العهد الجديد لم يقبلوا رأيه. لقراءة نقاش متوازن، انظر كارسون ومو، Introduction to the New Testament، 140-42.

[6] -بابياس، The Fragment of Papias 3.15.

[7] -انظر دونالد جاثري، New Testament Introduction، طبعة رابعة. (Downers Grove, IL: InterVarsity Press, 1990)، 85.

[8] -يبدو أن دافعاً مثل دافع إيرينيوس هو الذي حفّز أوغسطينوس. ففي كتابه (On Christian Learning) De doctrina Christiana 2,13، يذكر أوغسطينوس الأسفار السبعة والعشرين للعهد الجديد، ولكن ترتيبها غير معتاد: فهو يضع رسالة يعقوب في نهاية الرسائل العامة، لكي يعطي بطرس المكانة الأولى!

[9] -ستيفان إل ديفيز، The New Testament: AContenporary Introduction (San Francisco: Harper & Row, 1988)، 191.

[10] -إنه من المبالغة القول بأ، هذه الرسالة لم تكتب للعبرانيين. فالرسالة بها كل العلامات التي تشير إلى أنها قد كتبت للمسيحيين اليهود الذين كانوا على الحياد بين المسيحية واليهودية. لكن مجرد كونهم مسيحيين يهود لا يعني أنهم لم يكونوا “عبرانيين”.

[11] -انظر مثلاُ، بين ويذرنجتون III،

“The Influence of Galations on Hebrews,” New Testament Studies 37 (1991): 146-52.

[12] -هناك استثناءان بحثيان لهذا الأمر اليوم: إيتا لينمان،

Wideraufnahme-Prozess in Sachen des Hebraerbriefes,

Fundamentum 21 (2000): 101- 12; 22 (2001): 52- 65, 88-110؛ وديفيد ألان بلاك، Faith and Mission 16.2 “On the Pauline Authorship of Hebrews”

(1999): 32- 51؛ 16,3 (1999): 78- 86. إحدى المجادلات تقول بأن مفردات الرسالة إلى العبرانيين تشبه رسائل بولس أكثر مما تشبه أي شيء آخر في العهد الجديد. وهكذا فيمكننا أن نقول أيضاً أن رسالة بطرس الأولى كتبها بولس أيضاً، حيث أن مفرداتها تشبه في كل شيء “أسلوب بولس” مثل الرسالة إلى العبرانيين!

[13] -وليم باركيلي، The Making of the Bible (London: Lutterworth, 1961)، 78.

[14] -كارسوت ومو،  Introducton to the New Testament, 701.

[15] -نفس المرجع، 706- 7.

[16] -لقد ناقشنا هذه المعاير في الفصل الأول من هذا الجزء.

[17] -لكن انظر بيتر بيكيريلي، Allusions to 2 Peter in the Apostolic Fathers Journal for the Study of the New Testament 33 (1988): 57-83.

[18] -جيروم، Epistle to Hedibia 120.

[19] -يوسيبيوس، Ecclesiastical History 3.1.

[20] -بحسب ما استشهد يوسيبيوس، Ecclesiastical History 6.12 ترجمة كيرسوب ليك، Loeb Classical Library

(Cambridge, MA: Harvard University Press, 1925) 2,41.

[21] -كما تم الاقتباس في كتاب بروس إم ميتزجر، The Canon of the New Testament: Its Origin, Development, and Significance

(Oxford: Clarendon,1987)، 307.

[22] -نفس المرجع.

[23] -يوسيبيوس، Ecclesiastical History 3.25, Loeb /classical Library, 1.257- 59

[24] -كارسون ومو، Introduction to the New Testament 343.

[25] -إي إيرل إيليس، The Making of the New Testament Documents

(Leiden: Brill, 1999)، 324. للاطلاع على مناقشة رائعة لمشكلة الكتابات الزائفة والأسفار القانونية التي تمتد عند هذه النقطة، انظر كتاب كارسون ومو، 

Introduction to the New Testament 337- 50.

[26] -كتاب تيموثي فريك وبيتر غاندي، The Jesus Mysteries:

Was the Original Jesus a Pagan God? (New York: Three Rivers, 2001)، 224؛ يستشهدان بميتزجر في كتابه، Canon of the New Testament, 13 في واحدة من الحواشي (311 رقم 105) لكي يؤيد جدلهما بأنه “في القرون الأربعة الأولى كانت كل وثيقة في وقت ما يتم تصنيفها إما بأنها هرطقية أو مزيفة!” لكن ليس هذا ما يقوله ميتزجر. فهو يستشهد بمؤلف إيرلندي منذ أواخر القرن السابع عشر، ويدعى جون تولاند، الذي خلق فضيحة عندما قام بهذا اعلان. إن الانطباع الواضح الذي يأخذه المرء عند قراءة كلام ميتزجر في هذه النقطة هو انطباع التشكك، وليس الاتفاق، مع وجهة نظر تولاند. فإن كان فريك وغاندي شديدا الإهمال واللامبالاة في التعامل مع مؤلف محدث، كتاباته معروفة ومشهورة ويسهل الوصول إليها، فهل يمكننا حقاً أ، نثق بهما في التعامل مع المؤلفين القدامى؟

[27] -للتعرف على الأسفار المعترف بها المحلية والمؤقتة. انظر كتاب ميتزجر، Canon of the New Testament، 165- 89.

إقرأ أيضاً:

إقرأ أيضًا

مذيع مسلم: الله مات - هل تؤمن المسيحية بموت اللاهوت؟

مذيع مسلم: الله مات – هل تؤمن المسيحية بموت اللاهوت؟

مذيع مسلم: الله مات – هل تؤمن المسيحية بموت اللاهوت؟ مذيع مسلم: الله مات – …