الرئيسية / أبحاث / شعب الله المختار

شعب الله المختار

شعب الله المختار

شعب الله المختار
شعب الله المختار

الموضوع  دقيق وجميل، لاسيما في زماننا الحاضر، ونظراً للتساؤلات الكثيرة التي يطرحها الناس بصدده. كثيرون من الناس يحارون عندما يقفون أمام العبارة. وكثيرون غيرهم لا يفهمون معناها. كثيرون يرون أنفسهم  في شبه ضياع وبلبال عندما يسمعون: الشعب المختار. كثيرون يظنون ان العبارة تشير إلى إسرائيل.

والحقيقة ان مجرد التفكير، بأن هناك شعباً مختاراً، كفيل بأن يجعلنا نتساءل عن معنى خلائق الله الكثيرة التي لن تحسب من المختارين. من هنا كان هذا الفصل محاولة لكشف ماهية الشعب المختار من خلال وحدة العهدين.

من هو الشعب المختار؟ هل هو دولة متقدّمة تدين لسطوتها وجبروتها الشعوب؟ هل هو دولة ذات إقتصاد قوي يتحكّم بإقتصاد العالم؟ وإذا كان الجواب “نعم”، الشعب المختار هو دولة عظمى، عندها لابد من القول ان هذا الشعب قائم في أكثر من دولة، وذلك لأن الدول العظمى اوشكت ان تربو على عدد إصابع اليد. وإذا كان الشعب المختار في أكثر من دولة، صار لزاماً القول ان هذا الشعب موجود في أكثر من أمة، وفي أكثر من شعب وفي أكثر من دولة وحضارة. وهل الشعب المختار يقوم في دولة ثيوقراطية تعلن للملأ انها تحكم باسم الله، ومن أجل الله، ولمجد الله؟ إذا كان الجواب “نعم”، الشعب المختار يقوم في دولة ثيوقراطية، كان لابد أن نقول أيضاً ان هذا الشعب هو في أكثر من بلد ودولة، وذلك لأن الدول ذات الصفة الثيوقراطية تزيد على عدد أصابع اليد. وإذا كانت الخلاصة هكذا، وكان الشعب المختار في ظل حكم ثيوقراطي، صار لابد القول ان خلائق الله الكثيرة التي لا تعيش في ظلّ حكومات أو أنظمة ثيوقراطية، هي غير محسوبة بين المختارين، وبالتالي لا معنى لوجدها. وإذا كان الشعب المختار أمة تقوم شرائعها وتشريعتها على الكتب السماوية، كالكتاب المقدس عند المسيحيين، والقرآن الكريم عند الاخوة المسلمين، صار من البداهة القول ان هذا الشعب – (المختار) – يقوم في أكثر من دين، وفي أكثر من بلد ودولة. وهل الشعب المختار هو خليط من أمم الأرض؟ إذا كان الجواب “نعم” عندها يكون المختارون، حيث يقوم كل الناس، لأن المختارين في النهاية هم من البشر.

ومن هنا نأتي إلى باقة جديدة من الأسئلة تنسكب عفوية وتطرح نفسها بقوة على كل عقل: ما هي صفات هذا الشعب المذكور؟ لماذا كان اختيار الله له؟ لماذا وقع اختيار الله على فئة دون فئة، وعلى جزء دون الكل؟ ترى كيف يختار الله لنفسه شعباً دون سائر الشعوب؟ ألا يعنى هذا، ان خارج هذا الشعب لا يقوم معنى ومبرر لسائر الشعوب الأخرى؟ ترى كيف نفهم اختيار الله لشعب دون سائر الشعوب الأخرى، طالما ان الجميع مخلوقاته؟ أيعقل ان الله اخطأ عندما خلق الكل ليختار الجزء؟ أيعقل – من منظار الايمان – ان يكون الله قد أهمل جبلته عندما اختار الجزء دون الكل؟

هنا نجد أنفسنا لا محالة أمام عدد من الخيارات لابد من ذكرها لتفضيل احدهما واعتماده: 1- هناك الاختيار الشامل الوحيد، الذي أجراه الله في حكمته، فكان ان اختار كل من قد خلق. 2- هناك الاختيار الجزئي، أي ان الله خلق الجميع ليختار جزءاً فقط مّمن قد خلق. 3- هناك أخيراً الاختيار المتدرج من الجزء نحو الكل.

  • الاختيار الشامل الوحيد:

ينطوي مثل هذا الاختيار على عدل إلهي بحيث ان كل المخلوقين مختارون، وبدون استثناء. هذا كلام جميل، إلاّ انه لا ينسجم وما يحصل على أرض الواقع، لاسيما وان المرء يلاحظ، ومن الكتاب المقدس بالذات، ان الاختيار لم يبدأ من الأساس شاملاً، لم يبدأ كونياً، بل جزئياً.

  • الاختيار الجزئي:

أي ان الله بعد أن خلق الجميع، عمد إلى اختيار الجزء. إذا قبلنا الاختيار الجزئي بمثل هذه البساطة يصبح الله جائراً، ولا يعود من معنى لسائر الخلائق التي لم يقع عليها اختيار الله.

  • الاختيار المتدرّج من الجزء إلى الكل:

الاختيار على هذا النحو، لا ينطوي على ظلم إلهي، ولا يشير إلى مظلومية الناس، ولا يغبن فيه أحد. فكل المخلوقين هم من المختارين. ليس من عيب في هذل الاختيار سوى انه متدرّج. أي انه يبدو وكأنه شامل الجميع من البداية، لكنه لا يهمل أحداً حتى ولو تأخر وجاء بالتدرّج.

لقد استوقفتني هذه الحقيقة، القرآن الكريم، وأنا أطالعه بشغف وهدوء. شعرت أني ملزم على التأمل فيه لاسيما انني كنت أبحث بعمق في مسألة الاختيارية. لقد شعرت انه يستحيل ان يكون الاختيار شاملاً منذ البداية رغم ان الدعوة عامة من الاساس. وإليكم بعض ما وقفت عليه وتوقفت عنده: جاء في سورة هود (آية 118): “لو شاء ربك، لجعل الناس أمة واحدة”. شعرت وأنا أطالع هذه الآية ان الناس متمايزون. وأيضاً: “كنتم خير أمة أخرجت للناس” (آل عمران، آية 110). من هذه الآية، تكون الافضلية لأمة على أمة. شعرت وأنا اتأمل في هذه الآية ان الاختيار جزئي. ولكن لنسمع أيضاً: “ولكل أمة رسول، فإذا جاء رسولهم قضى بينهم” (سورة يونس، آية 47). اذهلتني هذه السورة ولاسيما وانها قد أوحت لي ان لكل أمة نبياً، ولكل شعب رسولاً. وأيضاً: “لكل أمة أجل…” (سورة الاعراف، آية 34). وأيضاً: “كذلك زيّنا لكل أمة عملهم” (سورة الانعام آية 108).

لقد شعر المفسرون بشيء من الحرج أمام آيات مثل: “لكل أمة رسول، فإذا جاء رسولهم قضى بينهم” (سورة يونس، 47). “وارسلناكم في أمة قد خلت من قبلها الأمم” (سورة الرعد، 30). وأيضا: “بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله” (سورة النحل، 36). فإذا كان النبي محمد مرسلاً إلى أمة واحدة، فكيف السبيل إلى تحديد هذه الأمة؟ وكيف التوفيق بين خصوصية الرسالة وشموليتها الانسانية؟ يمكننا ان نستنتج من هذا، ان التصور القرآني للأمة، يقوم على جدلية بين الطريقة والجماعة بحيث ان الجماعة تصبح محدودة ومعروفة من خلال الطريقة التي تتبع[1].

ان هذه الاقتباسات من القرآن الكريم تأتي لتسلّط الضوء على جانب ديني لمعنى الاختيار، هو الاسلام. أما الضوء الثاني فهو الجانب المسيحي الذي سنأتي إليه تباعاً في هذا الكتاب. والجواب الأخير على معنى الاختيار، وكيفية الاختيار، ينطوي، من المنظور المسيحي، على فهم عميق للاهوت الاكليزيولوجي، أي على تحديد مسيحي لمعنى الكنيسة التي من خلالها نستطيع ان نفهم من هو الشعب المختار وما هي رسالته.

العالم المعاصر:

لقد آثرت الكلام عن العالم المعاصر، لأني أشاء أن أكشف معنى دقيقاً للإختيار. العالم المعاصر بات شبه دولة كبيرة. أرجاء المعمورة، القريبة منها والبعيدة، باتت اليوم أكثر تفاعلاً، فيما بينها، من ذي قبل. لقد صغرت الدنيا بفعل العلوم والتكنولوجيا. صار الانتقال من أقصى الأرض إلى أقصاها أمراً سهلاً. صار التواصل بين البلدان سهلاً.

وهذا يعني ان حالة من إندماج باتت تسود تواريخ الشعوب المعاصرة، دون أن يعني ذلك ان الصغيرة منها باتت صاحبة القرار، كالكبيرة. الأمر الذي يثير عندي سؤالاً كبيراً حول معنى التمايز الحضاري والاثني بين الشعوب اليوم. كل هذا الواقع الجديد، بلغناه بفعل العلوم وتطور وسائل النقل والاتصال على أنواعها. لقد صغر العالم بفعل التكنولوجيا وتقدم العلوم.

وفي هذا الخضم الرهيب، وهذا الاندماج القائم، والتفاعل الحاصل، ما نزال نرقب تنامي تيارات غايتها التجزئة وتفكيك الجغرافيا التقليدية. العالم المعاصر يعود من جديد إلى ظاهرة الاقليات وفلسفتها. في نهاية هذا القرن بتنا نشهد تنامي النزعة التي تطلق الأقليات. الغريب حقاً ان هذا القرن بدأ بحرب عالمية أولى كانت الاقليات إحدى أسبابها. وها هو اليوم يعيد إلينا، مع أفوله واقتراب موعد رحيله، صورة الحرب الأولى إلى الاذهان. ان حركة اقليات كانت وتقوم في مطلع ونهاية هذا القرن.

وتقوم ظاهرة الاقليات على مبدأ التمسك بالحضارة أو التراث المحلي. الاقليات تتمسك بماضيها وتراثها لأنها تخشى الامحاء والذوبان. وكل ذلك لأن مبدأ “السمكة الكبيرة تأكل السمكة الصغيرة”، ما يزال قائماً وفاعلاً، وسيبقى هكذا حتى نهاية العالم.

وبروز تيار الاقليات، هو ضمناً، تعبير عن إنكماش وإنغلاق وتقوقع في الاسرة الانسانية عامة. فالنزوع هذا هو إشارة إلى مرض قائم وفاعل في جسم الانسانية رغم القول ان التمايز قائم بين الشعوب أيضاً. وهكذا، فيما نرى حتى الساعة دولاً تستمر على حالها، محتفظة بخريطتها الجغرافية والسياسية، وباختصار، فرادتها، فإننا ننشد في الوقت نفسه ظاهرة يتعرّض لها عدد من الدول الصغيرة على المسرح العالمي. ثمة دول تتعرض لرياح التفكك والتجزئة. وكأن تاريخها الذي كانت تحتضن حتى الأمس القريب، ومبادئها وشرائعها، قد أصبحت الآن حبراً على ورق، ومجرد أمور قد عفا عليها الزمن، وصارت طي النسيان في نظر الدول الأخرى. لكن الغريب أن رياح التفكك والتفكيك لا تطال صغار الدول وحسب بل الكبيرة منها أيضاً. وفي هذا علامة على ان البقاء ليس حكراً على الكبار.

لقد أوشك التاريخ المعاصر أن يكون مشدوداً إلى مصير واحد. والكلام عن مصير واحد للإنسانية، ليس بالأمر الغريب، رغم ان للدول المختلفة توجهات مختلفة، وتطلعات مختلفة، ومشاريع مختلفة. لكن من الأكيد انه بات من الصعب ان ترقب اليوم حدثاً عالمياً ينقسم حوله الشعوب إلى متفرج وممثل ومحايد. الكل متفرجون وممثلون وتحت السندان. وفي النهاية يكون البقاء للأقوى. من هنا فإن العنف باق رغم كثرة الكلام عن السلام. لقد تعرّى الحياد الذي قرأنا عنه في الكتب المدرسية قبل عقدين أو أكثر من الزمن. والحق ان الحياد العالمي سراب، ولم يكن قائماً في يوم من الايام.

وعليه، فإن محصّلة هذه الصورة المقتضبة تدفعنا إلى تلمّس حالة من تضامن وتعاطف أو قل مشاركة في هموم الدول المختلفة.

ونستنتج من هذا، ان قيام النزعات الاستعمارية عند الدول، كثيراً ما كان وراء مباديء وشعارات وإيديولوجيات. لا بل ان الاستعمار – باقٍ اليوم – رغم حصول عدد من الدول على الاستقلال وحق تقرير المصير، تطور الإستعمار رغم ازدياد عدد الدول المستقلة والمنتمية إلى هيئة الامم المتحدة. لقد تطور الاستعمار وتطوّر خبثه وشرّه وفتكه، الامر الذي يشير إلى ان عدداً من الاستقلالات التي نالتها الدول، ليس سوى سراب. لقد تطور الاستعمار وتطورت بتطوره أشكال العبودية أيضاً.

بإختصار، ما أريد أن أقوله هو ان العالم اليوم لا يحتمل سماع عبارة “الشعب المختار”. لأن من شأن هذه المقولة أن تجعل الجميع يشعرون ان واحداً مختار وآخرين مظلومون. وأين هو المختار إذا كان الجميع عرضة للزوال؟

الاختيار والمختارون:

الاختيار موضوع قديم ترقى جذوره إلى أعماق التاريخ الانساني، لا بل تتجاوزه إلى ما قبل وجود الانسان على الأرض. وهذا ما نلمسه بوضوح في المقطوعة الكنسية التالية: “السر الخفي منذ الدهور وغير المعلوم عند الملائكة. بك ظهر يا والدة الاله، للذين على الأرض، إذ تجسد الإله باتحاد لا تشوّش فيه، وقبل الصلب طوعاً من أجلنا، وبه أقام المجبول أولاً، وخلّص من الموت نفوسنا”. تجسّد الله سر قديم خفي على الملائكة أنفسهم.

تشير المقطوعة إلى محبة الله للإنسان منذ الأزل. نحن منذ القديم محبوبون من الله. الله أحبنا، ونحن في الوجود ثمرة محبته. وبعد الخطيئة، استمر حبه لنا فأرسل ابنه الحبيب من أجلنا، فمات على الصليب وقام من بين الأموات من أجلنا.

ويقول الكتاب الإلهي: “… لأني أشاء الكل أن يخلصوا، وإلى معرفة الحق يقبلوا…”، الأمر الذي يعني ان الخلاص ممنوح للجميع، وبالتالي فإن الشعب المختار، ليس المختار (أبداً).

يستدعي الاختيار فرزاً وانتقاء. الله ينتقي الجزء ليكون له الكل تباعاً. الله واهب الوجود للجميع. ترى أيحق لنا أن نسأله لماذا خلقتنا؟ كيف يحق لنا إذاً ان نعترض على مشيئته في أن يكون له شعب مقدس؟ من منّا يتفلسف على من يحسن إليه؟ من قوّاك أيها الانسان لتقف في وجه الحق تضارعه وتحاكمه وتكيل له التهم؟ أليس من السخف أن يقول الأبناء لوالديهم: لماذا جئتم بنا إلى الوجود؟

الاختيار بادرة حب إلهي مبثوثة في أعماق المخلوق. انه هبة مجانية: “أنا الرب إلهك… لصق بكم واختاركم” (تثنية 7:7). “لستم أنتم الذين اخترتموني بل أنا اخترتكم[2]. هذه العبارة الالهية تلغي كل المزاعم المتصلة بالكفاءة والاهلية والاستحقاق والامتيازات والهيمنة. الله يختار الجزء دون أن يحتقر الكل. وفي اختياره لا يميز، لأنه من الجزء يدعو الكل إليه. من الشعب المكرّس له، يدعو سائر الأمم إلى محبته وحياته.

وعليه، الله هو الخالق ونحن مخلوقاته. أيحق لنا أن نسأله لما خلقتنا؟ “هل يقول الطين لجابله ماذا تصنع؟” (أشعيا 9:45). “ألسنا نحن كالطين بيد الفخاري؟” (ارميا 4:18). وأيضاً: “من أنت أيها الانسان الذي تجاوب الله؟ ألعل الجبلة تقول لجابلها لما صنعتني هكذا؟ أم ليس للخزّاف سلطان على الطين أن يصنع…؟” (رومية 21:9).

المبادرة الالهية لا تستدعي مؤهلات وامتيازات و مواهب في الانسان، لا سيما وان كل إنسان قد نال ما هو الأثمن في الوجود، أعني صورة الله المطبوعة في أعماق كل واحد منا. لنسمع ما يقوله الكتاب الالهي بهذا الصدد: “لأنك أنت شعب مقدس للرب الهك. إياك قد اختار الرب الهك لتكون له شعباً أخص من جميع الشعوب الذين على وجه الأرض. ليس لكونكم أكثر من سائر الشعوب التصق الرب بكم واختاركم،لأنكم أقل من سائر الشعوب، إنما من محبة الرب أياكم وحفظه القسم الذي أقسم لآبائكم، أخرجكم الرب… ” (تثنية 7: 6-8).

إختيار الجزء، لا يلزم الله في شيء، فهو يختار بدافع محبة إفراغية كاملة. لا يختار ليتحامل. هذا شأننا نحن الضعفاء. من هنا، فالمختارون مدعوون إلى التجاوب والاستجابة لهذا الحب الكبير. كيف؟ أولاً بتكريس القلب لله، والدنو منه طمعاً في حياته. الله يشاء ان تعبرإرادته من هذه البوابة الضيقة، بوابة الشعب، المختار إلى رحاب الأمم. من هنا اقتران الاختيار الالهي بمسؤولية المختارين. المختارون ليسوا رواداً وجهابذة. إنهم مسؤولون عن رسالة السماء. ودعوتهم عبء كبير، ويتوجب عليهم أن يعرفوا لماذا كان اختيار الله لهم، وإلاّ بطلت فرادة دورهم، والغي معنى اختيارهم.

ويحتاج المختارون إلى مؤزارة الروح، كي لا يكون اختيارهم عبثاً، وذلك لأن الاختيار ليس مدعاة للعجب والزهو والغرور. لقد اختار الله الدون، والمختار سيبقى في الحضيض إذا ما أراد أن تعبر مشيئة الله من خلاله إلى الأمم.

الاختيار، هو الطريقة التي ارتضاها الله في مقاصده من أجل خلاصنا. ويهدف إلى تكوين شعب يتكرّس لله ويتقدّس به. والاختيار هذل سيؤول إلى إنتشار قداسة الله بين الناس (تثنية7: 1-6).

من هنا، فإن المختارين هم باكورة القديسين وخميرة الحياة. إنهم نموذج يحتذى لا نخبة إجتماعية تسود وتستعلي. ولكن لماذا كان الشعب المختار الذي وقعت عليه يد الله، الأدنى مرتبة ومكانة وتحضراً بين الأمم؟ ترى كيف يكون الأدنى مختاراً ومرشداً، بينما يكون الأكثر تحضراً مهملاً ومنبوذاً؟ كيف يكون الأدنى مرتبة مرشداً لمن هو في مرتبة أعلى؟

السؤال في ذاته يشير إلى ان المختارين ليسوا جماعة بدون عيوب أو خطايا. وسيرتهم لا تخلو من ترهات ونقائص. وهكذا فإنهم في مسيرة تنقيٍة دائمة حتى تكتمل مختاريتهم أو حتى يبلغ ملئه اختيار الله لهم. ان فعل الاختيار ينعكس بالخير والبركات على من يفتح قلبه لله (يوحنا 16:15). والاختيار ليس في التحليل الأخير عملاً إلهياً بحتاً. المختارون يلتزمون دعوتهم لأن الله اختارهم. لماذا؟ لأن الله لا يفعل في قلوب من حجر. لهذا فالمختارون الحقيقيون هم الذين يطيعونه وينجذبون إليه ويستلهمونه. ان شعباً يسلك هكذا، قادر ان يؤلّف جماعة أو مملكة أو أمة لله: “لأنكم ان أمتثلتم لأوامري وحفظتم عهدي تكونون لي مملكة أو أمة مقدسة” (خروج 19: 5-6)، (1بطرس 2: 9-10).

حتي الآن، نحن نتكلّم عن معاني الاختيار، لكننا لم نذكر من هو الشعب المختار الذي أنيطت به هذه المهام التقديسية؟ انه إسرائيل. وعن أي إسرائيل نتكلّم؟ أهو الذي بطش واستبد وذبح وفتك وانتهك واقتحم واقتطع وقضم وضمّ وتمرّد على الشرائع الدولية؟ هل هو إسرائيل الفسيفسائي الروسي والبولوني والاثيوبي والمغربي والروماني والاميريكي والانكليزي؟ وإذا كان الجواب: نعم، عندها فإن هذه الأمواج والدفعات من المهاجرين اليهود ليسوا من المختارين، وإلاّ كان يجب أن نقول بأن البلدان التي أتوا منها تحمل خميرة الاختيار. الاسرائيليون اليوم هم خليط أو مزيج من الشعوب. هناك تزاوح دائم بين الاسرائيليين وسواهم. من هنا، وتحت أي معنى وتحديد، سيكون الاسرائيلي الحامل للجنسية الاسرائيلية، مختاراً؟

ثم إن لفظة إسرائيل في الكتاب المقدس، تشير إلى واحد من أمرين: 1- شعب. 2- فرد. إسرائيل الحقيقي هو شعب العهد الإلهي. أما الفرد، فهو يعقوب كما سنرى في الاقتباسات الكتابية التالية:

“وقال له الله: لا يدعى اسمك بعد يعقوب، بل يكون اسمك إسرائيل. فدعا اسمه اسرائيل” (تكوين 10:35). وأيضاً: “فنصب يعقوب عموداً على قبرها. وهو عمود قبر راحيل إلى اليوم. ثم رحل اسرائيل ونصب خيمته وراء مجدل عدل” (تكوين 35: 20-21). وأيضاً: “وقال يهوذا لاسرائيل أبيه ارسل الغلام…” (تكوين 8:43). وأيضاً: “وأمر يوسف عبيده الاطباء أن يحنطوا أباه. فحنط الاطباء اسرائيل” (تكوين 2:50).

إسرائيل اسم مقدس. اللفظة تشير إلى شعب أيضاً. لنسمع: “كلّما كل جماعة اسرائيل قائلين…” (خروج 3:12). وأيضاً: “ودعا موسى جميع اسرائيل وقال لهم…” (تثنية 1:5). إلاّ أن إسرائيل هو شعب القبائل الاثني عشر “فكتب موسى جميع أقوال الرب. وبكّر في الصباح وبنى مذبحاً في أسفل الجبل واثني عشر عموداً لأسباط إسرائيل الإثني عشر…” (خروج 4:24). ولئن كانت قائمة الاسباط قد تعرّضت لتغييرات طفيفة (تكوين 49)، (قضاة 5)، (رؤيا 5:7)، إلاّ ان عددها هو مقدس كونه يتصل بالخدمة العبادية خلال أشهر السنة الأثني عشر.

الله يدخل تاريخ الانسان عبر بوابة شعب اسرائيل وذلك ليستودعه تدبير قصد الخلاص. لهذا السبب بالضبط نسمع في الكتاب ان هذا الشعب هو خادم الله (اشعيا 21:44)، ومختار الله (اشعيا 4:45)، وابنه البكر (خروج 22:4)، وميراثه (اشعيا 25:19)، وعروسه (هوشع 4:2). اسرائيل، على هذا الأساس، لا ينحصر بتاريخ الانسانية العام، إنما هو، بفعل اختيار الله له، مركز للتاريخ المقدس.

وعليه، فالشعب الاسرائيلي، ليس محوراً للتاريخ المدني، لمجرد انه الشعب المختار. انه محور تاريخ الخلاص لأنه خميرة الخلاص، فهو كشعب، في أسفل المراتب بين الشعوب: “متى أتى بك الرب إلهك إلى الأرض التي أنت داخل إليها لتمتلكها، وطرد شعوباً كثيرة من أمامك الحثيين والجرجاشيين والاموريين والكنعانيين والغرزيين والحويين واليبوسيين سبع شعوب أكثر وأعظم منك…” (تثنية 7: 1-3). وهذا الشعب الأضعف بين الشعوب، قد تحوّل بفعل إختيار الله له، إلى مركز لكل التاريخ المقدس، وإلى نواة تنطلق منها بركات الله ونعمه إلى سائر الشعوب. لهذا السبب، وبهذا المعنى، نفهم قول الرب: “إلى خاصته جاء…” (يوحنا 11:1).

الكتاب المقدس لا يشير إلى استعلاء اسرائيل على الأمم، إنما يرى، وفي نور الله، ان إسرائيل فُرز كشعب، من أجل نفسه أولاً، ومن أجل الأمم ثانياً، إلى أن يأتي فيجمع المتفرقات: “لأنه هو سلامنا، الذي جعل الاثنين واحداً، ونقض حائط السياج المتوسط، أي العداوة، مبطلاً بجسده ناموس الوصايا في فرائض وذلك كي يخلق الاثنين في نفسه إنساناً واحداً جديداً، ويصالح الاثنين في جسد واحد مع الله بالصليب، قاتلاً العداوة به…” (افسس 2: 14-16).

الإنتماء إلى إسرائيل القديم، لا يكفي: “انظروا اسرائيل حسب الجسد. أليس الذين يأكلون الذبائح هم شركاء المذبح؟ فماذا اقول؟ هل الوثن شيء. بل أن ما يذبحه الأمم فإنما يذبحونه للشياطين لا لله. فلست اريد ان تكونوا انتم شركاء الشياطين…” (1 كور 10: 18-22). وايضاً: “قال له فيلبس تعال وانظر. ورأى يسوع نثنائيل…هوذا اسرائيلي حقاً لا غش فيه…” (يوحنا 47:1).

يوحنا الإلهي يميّز بين اسرائيليين: واحد حق، وهو ما يجب ان يدوم ويبقى، وآخر، وقد عتق وشاخ. لقد عتق إسرائيل التاريخي وشاخ. تخلّف عن ركب دعوته الإلهية واقتصرت شؤونه وأعماله على الذبائح، الأمر الذي ادى به إلى النفخة والإعتداد بالذات. وكل ذلك لأنه رضخ لتجربة الإكتفاء بالذات. كل شعب يكتفي بذاته ولا ينفتح على الحياة، ينغلق ويهتريء ويبلى. اسرائيل التاريخي دعي إلى الحياة ليبقى، لكنه انزوى فتحجر ومات. لقد قسي قلب إسرائيل. وهذه القساوة لن تزول قبل اهتداء الأمم حتي ينال الخلاص إسرائيل بأجمعه: “وهكذا سيخلص جميع إسرائيل كما هو مكتوب سيخرج من صهيون المنقذ ويردّ الفجور عن يعقوب” (رومية 26:11).

وعليه، فالشعب المدعو مختاراً، ليس شعباً معصوماً عن الخطأ، او منزّهاً عن العيوب. انه عرضة على الدوام، وفي كل حين، للوقوع تحت الضعف والتقصير. ومن كانت هكذا حاله، فهو عرضة لتأديب الرب، كي لا يذوب أمام الغواية وفي تيار الأمم غير المتعبدة للرب. وكل هذا لأن الإختيار الإلهي لهذا الشعب، ليس حدثاً جامداً، ولا طرساً ابدياً، ولا منشوراً لا يتغير او يتبدل، او تاريخاً دوّن بحروف من ذهب إلى الأبد. الإختيار الحقيقي، كما يجب أن يفهم، لا ينحصر بإطاره التاريخي. انه مدعو ان يكون اختياراً حياً وفعالاً على مر العصور. الإختيار الحقيقي هو دفق من الإختيار يدوم ويدوم إلى أن تُفتدى صورة الله الضائعة والممزقة والمدفونة تحت ركام الآثام وغبار الاهواء.

والكتاب المقدس يعلًمنا ان الاختيار هذا لم يكن اعلاناً إلهياً لا يتغير once and for all ، وانه يبقى إذا ضمن مقومات البقاء. لنسمع: “وصلّوا قائلين: ايها الرب العارف قلوب الجميع، عيّن انت من هذين الاثنين ايّاً اخترته ليأخذ قرعة هذه الخدمة والرسالة التي تعدّاها يهوذا…” (اعمال 1: 24-26). لماذا يصلي الرسل إلى الله كي يختار خلفاً ليهوذا الجاحد إذا كان الإختيار التاريخي قائماً وفاعلاً وثابتاً في كل ظروف الحياة؟

لن يثبت المختارون إلا إذا تحلّوا بالصلاة، وكانوا رجال صلاة. لن يبقوا مختارين من الله، ولله، إذا هّمشوا الله من صميم حياتهم وعميق قراراتهم. كي تبقى مختار لله، فهذا يعني ان الله[3] سيّد عليك واختيارك هذا لا يجعلك الهاً على الله، انما يقيمك، ان رسخت على حبه، اميناً له. بهذا يدوم اختيارك، والا كنت من المرذولين.

ولكن كيف نتكلم عن شعب مختار، وقد سبق الله ففطر الناس من اصل واحد؟ لنسمع: “وصنع من آدم كل امة من الناس يسكنون على كل وجه الأرض، وحتم بالآوقات المعيّنة وبحدود، مسكنهم” (اعمال 26:17)؟ إذا كان الجميع من اصل واحد، ألا يعني هذا ان الإختيار هو دعوة عامة موجهة لكل خلائق الله؟

الإختيار لا يعني قطعاً حجب الثقة عن شعوب الأرض وأممها، بالاكتفاء بشعب واحد مغناج. الشعب المختار ليس الشعب المدلل، وإلاّ لا يعود من قيمة ومعنى لهذه الأعداد الهائلة المتزايدة من الأنام. الأمم واقع قائم كما هو الشعب المختار، والإختيار لا يعني ارتباط الله بشعب واحد على حساب الشعوب الأخرى. ان كان الأمر هكذا، كان لزاماً علينا القول ان الله ظالم، وغير عادل، وعديم المحبة. إذا كان الإختيار المذكور يُلزم الله بالشعب المختار فقط، كان الله تباعاً دمية في يد مختاريه لأنه لا يستطيع الخروج على مشيئتهم، وهذا مستحيل. ان الهاً دمية ومطية، يدفعنا إلى التفتيش عن البديل.

هكذا، ومن جديد، نقول ان الإختيار ليس حدثاً توقّف بُعيد حدوثه، ولا هو جزئي بحيث يُلزمنا بالقبول بشعب واحد مختار. على حساب الشعوب الأخرى. الإختيار الجزئي يتنافى ومحبة الله الشاملة والكونية. انه يلغي شمولية الحب الإلهي. الإختيار يبدأ بالجزء – وليس في هذا غضاضة – بيد انه كالخميرة تماماً يخمر عجينة الأمم بالحبّ الإلهي: “قال لهم مثلاً آخر: يشبه ملكوت السموات خميرة اخذتها امرأة وخبأتها في ثلاثة اكيال دقيق حتى اختمر الجميع” (متى 33:13). وايضاً: “يشبه ملكوت السموات حبة خردل اخذها انسان وزرعها في حقله. وهي أصغر جميع البذور. ولكن متى نمت، فهي اكبر البقول. وتصير شجرة حتى أن طيور السماء تأتي وتأوي في اغصانها” (متى 13: 31-32). الإختيار الجزئي مدعو إلى الإنتشار والا افرغ من معناه.

ولما كان الإختيار جزئياً في الأساس، ولا يُفهم إلا على اساس المد والنمو والإنتشار، فهو ليس حكراً على شعب او أمة او فئة، ولا هو امتياز لا ينتزع. اسوق مثلاً لتبيان ذلك. لنفترض ان صفاً في المدرسة قوامه 30 تلميذاً. واحد منهم فقط يكون الأول على الدوام. ماذا نقول؟ هل نعلن هذا التلميذ المتفوق، متفوقاً على الدوام وبدون امتحان يخضع له؟ كلا. قد يمرض في يوم من الأيام، او يدب الكسل إلى نفسه وعقله، فيتراجع في الإمتحان. قد يستكين بحجة انه متفوق. وهكذا لا يعود هذا التلميذ النجيب، صالحاً للإحتفاظ بالتفوق. نعود إلى الخط الرئيسي. يهوذا الإسخريوطي كان مختاراً، لكنه سقط، فاختير ماثيّاً بدلاً منه. لص الصليب كان ملعوناً، فصار من المختارين. الإختيار قد ينتزع من صاحبه، إذا ثبت عجزه عن حمل تبعية الإختيار على الدوام.

الإختيار ليس امتيازاً الهياً يمنح لفئة دون فئة: “دفع إلي كل سلطان في السماء وعلى الأرض، فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم…” (متى 28: 18-20).

الإختيار ليس لدولة، او شعب، او امة، او قارة، او طائفة، او دين. وهذا ما يؤكده على نحو رائع، القرآن الكريم: “لو شاء ربك لجعل الناس امة واحدة” (سورة هود، آية 118).

والكلام عن اكثر من امة، لا يتناقض البتة مع الإختيار الجزئي. والآن نأتي إلى السؤال: اين لنا الدليل الكتابي على إستمرارية الإختيار؟

هناك اختيار الرب للرسل، واختيار الرسل لماثّيا (اعمال 44:1) ( اعمال 24:1)، واختيار الرب لشاوول (اعمال 9: 1-22). كذلك هناك اختيار الجماعات المسيحية لأناس ينتدبونهم من اجل نشر بشرى الخلاص في ارجاء الأرض (اعمال 5:6).

وهكذا، فالكلام عن اختيار جزئي، او شامل، هو في العمق كلام عن سلسلة لا تنتهي من الإختيارات.

يستحيل على أساس الكتاب المقدس والرؤية اللاهوتية ان نقبل بإختيار واحد جامد محدّد. ليس في الكون امة تتميز عن غيرها، الا بالتقوى ومحبة الله. وهذا مبدأ تأخذ به كل الأديان السماوية: إلا أن الله يتدخل ليحمي المختارين من اتون العالم الشيطاني: “لو لم يقصر الرب تلك الأيام، لم يخلص احد. ولكن لأجل المختارين الذين اختارهم، قصر الأيام…” (مرقس 20:13). هل يعني هذا الكلام ان الله يقصر الأيام كي يخلّص مختاريه من الهلاك؟ إذا كان هذا هو المعنى المقصود كان من الضرورة بمكان ان ينجم عنه شيء من الظلم بحق المختارين. إذ كيف يكون تقصير الأيام سبباً لخلاص البعض دون البعض الآخر؟ ألا نستطيع ان نقول : لو اطال الله الأيام لكان بالأمكان خلاص عدد اكبر؟

اولاً لابد من القول ان التقصير والتطويل لا معنى له بالنسبة لأحباء الله. لأن احباء الله اوفياء له ما عاشوا. والقول بتقصير الأيام من اجل خلاصهم، من شأنه ان يجعل حبهم لله ضعيفاً وقابلاً للانكسار. وهذا لا يجوز، لأن الكتاب المقدس يعلّمنا ان المحبة اقوى من الموت. الزمن يفتدى ويقصر عند احباء الله. كل شيء يرخص ويهون عند الذين يحبّون الله. إذا ما معنى تقصير الأيام بالنسبة للمختارين؟

الله يتدخل في حياتنا، كما يتدخل الأباء الناضجون في حياة ابنائهم. الأب الناضج لا يقرر عن ابنائه بل يقود خطاهم إلى النضج والرشد والحرية. وتقصير الأيام هو مزيد من تعزية الله لأحبائه كي يثبتوا، لأن صعوبات الحياة وتجارب ابليس من شأنها ان تضغط عليهم: اصحوا واسهروا لأن ابليس خصمكم كأسد زائر يجول ملتمساً من يبتلعه” (1 بطرس 8:5). تقصير الأيام ليس شكلاً من اشكال الإستعباد، بل هو وجه من وجوه الحبّ الإلهي. اما من جهة الأمم، فالله يحنو عليهم حنو الأب علي ولده، ويطيل اناته علّه يحظى بهم ويستردهم لملكوته.

ثم ان الكلام عن شعب مختار قائم ومحقق، هو كلام عن عصر ذهبي يعيش فيه هذا الشعب. ولكن اين هو الشعب الذي يعيش في ذرى المجد والرقي؟ اين هو الشعب الذي بلغ حد العصر الذهبي في حياته؟ هل هو وهم ام حقيقة؟ أليست اماني البشر وتطلعات البشر في صورة الحلم والسراب؟ عندما يزداد حنين البعض إلى الكمال، تكثر شعاراتهم. ولكن شتان بين الشعارات وواضعيها. ان الفارق بين حياة الناس وأحلامهم، هو كالفارق بين الثريا والثرى.

وحصر الإختيار في شعب او آمة، دون ان يكون للجميع الحق في ان يكونوا من المختارين، يؤول بالضرورة إلى وجوب الأقرار بعدم جدوى سائر الشعوب، من منظار الله اولاً، ومن منظار الناس ثانياً، الأمر الذي يعني، ان حصل، ان الخالق خلق الكثيرين ليكتفي بالجزء. تعب كثيراً ليكتفي بالقليل. يملك الكل، لكنه يكتفي بالجزء فقط.

إسرائيل كشعب، ليس في أعلى قائمة الشعوب. ليس هو الأكثر تحضراً. لقد سبقته إلى واجهة المدنية والتحضر شعوب كثيرة فاقته بكثير، فسادت ومادت وأسهمت حضارياً على نحو يدفعنا إلى رؤية اسرائيل في ظلال احداث الشرق القديم. لم يكن الشعب الإسرائيلي في دائرة الضوء. لم يكن مبرّزاً ولامعاً على مستوى حضارات الشرق. اين مكانه الشعب الإسرائيلي إذا ما قيس بالسومريين والاكاديين والبابليين والاشوريين والحثيين واليونانيين والفرس وغيرهم؟ اين حضارة الإسرائيليين إذا ما قيست ببابل وبمصر الفرعونية؟

وهكذا، فإن رؤية الأمر من الزاوية المدنية، تجعلنا نسرع إلى إهمال اسرائيل كشعب غرس شجرة حضارة في هذا الشرق. ان اختيار اسرائيل، لا يفهم على هذا النحو. نستطيع إذا اردنا، ان نفهمه على غرار إختيار الرب للرسل لاحقاً. من هم الذين اختارهم الرب لينقلوا الإنجيل إلى كل الأرض؟

انهم جماعة من البسطاء سبق ان زاولوا صيد السمك. اختيار الله للشعب الإسرائيلي، هو من هذا المنظار ايضاً. لماذا؟

الله يختار جماعة لتشهد له، لا لتشهد لنفسها. الشعب المختار هو رسول الله لا داعية لنفسه. الله اختار اناساً بسطاء، كي يكون انتشار البشارة بفضل قوة نعمة الله، لا بفضل الإنسان: “وفضل قوة الله لا منّا”. إذا انتشرت البشارة على يد اناس عظماء، هناك تجربة كأن يظنّ العظيم انه هو الأساس في نجاح البشارة. يستطيع المبشر ان يكون ذكياً ومتعلماً وفهيماً وغيره.

ولكن يجب ان يكون بسيطاً ايضاً ومتواضعاً ومتكلاً على الله في كل شيء لئلا ينسب الفضل في كل شيء لنفسه. الإنسان البسيط المحب لله، يصبح جذاباً، لأن الله جميل وجذاب. المبشر لا يعتد بنفسه ولا ينسب الفضل لذاته عندما يحمل رسالة الخلاص للاخرين. ان من يتباهى انه من الشعب المختار، او انه الشعب المختار يكون متكبراً ومتغطرساً وتافهاً إذا نسي انه خادم ارادة الله الذي يشاء الكل ان يخلصوا وإلى معرفة الحق يقبلوا.

التركيز على الإختيار الجزئي، والتوقف عنده، من شأنه ان يؤكد غلطتين: 1- الله الذي يختار الجزء، وحسب، انما يعلن نفسه ظالماً، وغير محبّ، لأنه يهتم بالجزء دون الكل. 2- الكلام عن شعب مختار متميز عن سائر الشعوب، من شأنه ان يجعل هذا الشعب معياراً لسائر الشعوب، دون ان يكون هناك من هو معيار لهذا الشعب.

الشعب الإسرائيلي ليس غاية الإختيار، ولا ينحصر فيه معنى الإختيار. لم يكن اختيار الله له كهدف بحد ذاته، بل كأداة وكخميرة، اولاً ليتقدس هذا الشعب، ومن ثم ليتحول إلى اداة بها تتقدس سائر الشعوب الأخرى. الشعب المختار هو اداة تتقدس بها سائر الشعوب الأخرى. الشعب المختار هو اداة لتقديس الخليقة كلها. والا لا معنى للإختيار الجزئي. الشعب المختار هو القناة التي تنتقل عبرها ارادة الله وقداسته إلى الشعب. المختار هو اداة لتقديس الإختيار الإلهي الجزئي، ولا يكتمل بمجرد اختيار اسرائيل، انما كماله هو في قداسة الأمم. من خلال اسرائيل، يصبح الكل متلهفاً لاقتبال السيد: “الآن تطلق عبدك ايها السيد حسب قولك بسلام، لأن عيني قد ابصرتا خلاصك الذي أعددته امام وجه كل الشعوب نوراً لاستعلان الأمم ومجداً لشعبك إسرائيل” (لوقا 2: 29-30).

يسوع هو المختار الأوحد الثابت الذي لا يتبدل، وكل ما هو عداه متغير وقابل للصيرورة. يسوع الرب والمخلص هو معيار الإختيار، لأنه مولود من الآب قبل كل الدهور، ومساو لللآب في الجوهر. يسوع وحده فقط، هو من قال عنه الآب: هذا هو ابني الوحيد الذي به سُررت. كي تكون مختاراً يجب أن تكون من الذين يسر بهم الله.

في يسوع فقط نفهم الإختيار: اختار ابراهيم مثلاً. في يسوع فقط، ينتهي رذل الأمم واقصاؤهم. لأنه في يسوع فقط، يتصالح اليهود والأمم: “ولكن الآن في يسوع انتم الذين كنتم قبلاً بعيدين، صرتم قريبين بدم . لأنه هو سلامنا الذي جعل الإثنين واحداً ونقض حائط السياج المتوسط، اي العداوة، مبطلاً بحسب الناموس الوصايا في فرائض لكي يخلق الإثنين في نفسه انساناً واحداً جديداً…” (افسس 2: 13-14).

يسوع فقط هو معيار الإختيار وصورته ومعناه وملؤه. الحمل في سفر الرؤيا هو مركز وقطب المئة والأربع والأربعين ألفاً (رؤيا 7: 1-17). صحيح أن المواعيد قد أعطيت بإبراهيم وبنسله، غير أن هو معنى المواعيد وغايتها. يسوع هو نسل ابراهيم الحقيقي وكل ما هو عداه، فمائت: “وأما المواعيد فقيلت في ابراهيم ونسله، لا يقول وفي الأنسال كأنه عن كثيرين، بل كأنه عن واحد وفي نسلك الذي هو ” (غلاطية 16:3). الذي هذا هو المعنى الذي أشار إليه متى الانجيلي، وبه افتتح إنجيله: “كتاب ميلاد يسوع ابن داوود ابن ابراهيم…” (متى 1: 1-17).

لقد سرّ الله أن يكون كل الملء في يسوع الحبيب ابنه الوحيد: “لأنه فيه سرّ ان يحل كل الملء” (كولوسي 19:1). ماذا بعد؟ ماذا يقول العهد الجديد غير ذلك؟

يتبين لمن يطالع العهد الجديد أن بين المختارين اناساً لن يعرفهم يسوع: “أخيراً جاءت بقية العذارى أيضاً قائلات: يا سيد افتح لنا. فأجاب وقال: الحق أقول لكم اني لا اعرفكن” (متى 25: 11-12). بالطبع هذا لا يعني ان قول الرب في متى مناقض لقوله في عاموس: “إياكم فقط عرفت من جميع قبائل الأرض…” (عاموس 2:3). التناقض الظاهري بين متى وعاموس يزول إذا أدركنا أن الاختيار ليس إمتيازاً أبدياً – يدوم عبر الأزمان – ، إلاّ إذا ثبت المختارون على التوبة ومحبة السيد: “توبوا فقد اقترب ملكوت السموات”. ولكي يبقى المرء في جماعة المختارين، ينبغي أن يرسخ كياناً على التوبة ومحبة السيد: (احبب الرب إلهك من كل قلبك…).

والآن ماذا نتعلم من رسائل الالهي بولس على هذا الصعيد؟

مع العظيم بولس نأتي إلى وجه جديد للمختارية: : “لست استحي بإنجيل ربنا يسوع لأنه قوة الله للخلاص، لكل من يؤمن، لليهودي أولاً، ثم لليوناني” (رومية 16:1). من هذا نتعلّم ان الأمم أيضاً يندرجون في نطاق الحب الإلهي. الأمم أيضاً هم في قائمة المختارين إذا استجابوا للنداء ولبّوا الدعوة. الدعوة الإلهية كانت لليهود أولاً، كي تعبر من خلال اليهود إلى الأمم. وهذا ينسجم مع ما جاء في نهاية إنجيل متى حيث يطلب الرب أن تنطلق هذه الرسالة الخلاصية إلى أقاصي الأرض (متّى). وكل هذا لأن المدعوّين كثيرون، والمختارين قليلون. الدعوة للجميع، أما الذين يلبونها من كل قلوبهم، فقليلون. الاسرائيلي الحق، ليس هو من كان في الانتماء إسرائيلياً أو يهودياً. الاسرائيلي الحقيقي، هو الطاهر القلب الذي مديح الله له هو مطلبه ومبتغاه. “اليهودي في الظاهر، ليس يهودياً… اليهودي في الخفاء هو اليهودي” (رومية 2: 28-29). إذاً ما فضل اليهودي على سواه (رومية 1:3)؟.

البشر جميعهم، في كل بلد، وفي كل زمان، في القرى وفي المدن، على الساحل وفي الجبال، الامّيون والمتعلمون، الزراعيون منهم والصناعيون، كلّهم دون استثناء، متشابهون ومتماثلون ومتساوون في القامة والطبيعة والدعوة. عند الجميع غنى المواهب. وكل ذلك لأن الانسان في كل زمان ومكان، مخلوق على صورة الله. الانسان وحده بين خلائق الارض والسماء مخلوق على صورة الله. صورة الله مطبوعة في الانسان فقط، وفي كل إنسان.

إلاً أن الناس يتّحدرون بحسب الجسد من آدم، وقد صاروا بعد الطوفان يتحدرون من نوح بمثابة مصدر آخر (تك 18:9). ورغم وحدة الجنس البشري، فإن بين الناس فوارق كانت وستبقى. الجميع هم على صورة الله، لكن الجميع لا يحملون نفس الوزنات. كذلك فإن التمايز والفوارق بين الشعوب، قائمة لا بسبب تفوق بعض الناس على البعض الآخر، ولا بسبب امتيازات في شعب ما بإزاء شعب آخر. الفوارق بين الناس ترقى إلى صميم الحكمة الالهية. الكل متساوون أمام ربهم، ألاّ انهم متمايزون. ليس أحد أفضل من سواه، لأن الجميع يحملون صورة الله في أعماقهم مطبوعة في كيانهم. إذا لماذا الفوارق بين الناس؟ لماذا بكلام آخر اختلاف المواهب بين الناس؟

إختلاف المواهب بين الناس يأتي ليكشف فرادة كل إنسان وكل شعب رغم تساوي الجميع في احتضان الصورة الإلهية.

واختلاف المواهب بين الناس، لا يكشف فرادة كل إنسان وحسب، بل هو دعوة ترمي في العمق إلى اكتشاف المحدودية أيضاً بحيث ان ما عندك يختلف عما هو عند سواك. وما عند سواك ليس تماماً كالذي عندك. الاختلاف في المواهب يعلن – من منظار الحكمة الإلهية – ان الناس يحتاجون إلى بعضهم interdependent. وهكذا فاختلاف المواهب أو الوزنات بين إنسان و إنسان، هو حافز على التواضع، ودعوة موجهة للجميع كي يكون الكل مخدومين وخادمين، فالكمال لله.

إلاّ أن الفوارق بين الشعوب، باتت، بفعل الخطيئة المستشرية، حافزاً على الاحقاد والضغائن (تك 4: 1-16). لقد تحوّلت الفوارق بفعل الخطيئة إلى علامة لغياب الوحدة الروحية بين الناس، بدل ان تحفزهم هذه الفوارق بعد الخطيئة إلى الاتضاع والخدمة (تك 7:11).

وإسرائيل – المدعو مختاراً، لا من الله ، بل من ذاته، – لا ينكر قرابته بحسب الطبيعة لبعض الأمم المجاورة. فهناك سلالات أجداد بالنسبة لإسماعيل (تك 16)، وأهل مدين (تك 1:25)، وموآب وعمورة (تك 30:19)، والآراميين (تك 29: 1-14)، وأدوم (تك 36).

ولنا في (1مكابيين 7:12) دليل على أن اليهود شرعوا يبحثون عن قرابة مع اسبرطة. وفي يشوع (2:24)، نجدهم يتحدّرون من أجداد وثنيين. وهذا كله ليس إلاّ علامة ضياع وانحراف، لأن دور إسرائيل هو غير هذا، رغم انه يعود من جديد ليرى لنفسه دوراً مع أبيفانيوس انطيوخس وذلك بتطعيم اليهودية بالهلينية (1 مكابيين1: – ). وهنا سؤال: إذا كان إسرائيل شعباً مختاراً، عندها ما مصير الأمم؟ هل من خلاص لغير اليهودي؟ وإذا كان الخلاص حكراً على اليهودي، عندها يكون ظالماً. حاشا. الخلاص ليس حكراً على اليهودي، وليس هو محصوراً به. فإذا كانت الخطيئة الأولى قد حطّمت منذ البدء وحدة الجنس البشري، فإن اهتداء الأمم سيؤول إلى رأب الصدع وجمع الشمل من جديد. وإذا كان إسرائيل أمّة متميزة ومميزة، فأين مكانة الخراف الضالة؟

يسوع لم يرسَل ألاّ إلى الخراف الضالة من بني إسرائيل (متى 24:15). في مرقص نسمع الرب يقول : “… لا يحسن أن يُعطى خبز البنين للكلاب”. (مرقص 27:7)، لكننا سرعان ما نجده في موضع آخر يمتدح الغرباء (متى 10:8)، (لوقا 17: 17-19)، والكنعانية (متى 28:15). ترى هل من تناقض في هذه الباقة المختلفة من الإقتباسات؟ هل من إنسجام؟ وإذا كان من إنسجام، فلماذا أيضاً؟ إذا كان الرب قد أتى من أجل اليهود فقط، فالتناقض يبرز لدى اهتمامه بالغرباء والأمم. وإذا كان قد جاء من أجل اليهود فقط، فلماذا أجاب الكنعانية إلى طلبها؟ إذا كان الرب جاء من أجل اليهود فقط، فكيف نفسّر تعميم الكرازة على كل الأرض في نهاية متى؟ هل يلغي اهتمامه بالغرباء محبته لليهود؟ هل يُنبذ اليهود بفضل محبة الرب للغرباء؟ ألم يسمع القارىء أن شمس الله على الصالحين والطالحين بآن معاً؟ ترى ماذا لو حصرنا الرب باليهود؟ لا يعود الله ألهاً كونياً. وبالتالي تنتفي عنه صفة الخلق الشامل. إنّ حصر الله باليهود يجعل منه زعيم قبيلة صغيرة لا محباً للجميع وإلهاً كونياً للجميع.

ومن الأكيد أن المرأة الكنعانية هي من رعيل بيت الله أيضاً، وذلك بفعل موقفها (متى 18:15). وما من شك ان السامري الشفوق بات من المختارين لمحبته ورحمته وحنانه. بينما اللاوي واليهودي صارا من المنبوذين. ما من شك أنّ لص الصليب هو من ورثة الملكوت، بينما براباس مآله إلى موضع آخر. وما من شك أنّ لص الصليب خير من يهوذا الأسخريوطي. ما من شك أن كثيرين من أهل البيت يصبحون غرباء، وكثيرين من الغرباء يصيرون من أهل البيت. أجل فالمدعوون كثيرون لكن المختارين قليلون.

إن إسرائيل بحسب الجسد والمولد مستبعد (لوقا 13: 28-29). يا للتناقض. إنّ كرمة الرب ستنزع من إسرائيل بحسب الجسد، لتسلّم إلى كرامين آخرين (متى 43:21). وهنا يبرز سؤال: هل ثمة شعب مميّز في الكتاب الإلهي؟

لقد أراد الله أن يجعل خلاصه بدءاً من إسرائيل، رغم أن دمه الطاهر وجسده الكريم هما عن الكثيرين ومن أجل الجميع (متى 28:26). هذا أكيد، فالبشارة باسمه ستكون إلى سائر أنحاء المعمورة (متى 19:28) و (أعمال 8:1). من هنا فإن امتيازات إسرائيل المزعومة تدخل في غياهب العدم. ومجمع أورشليم الرسولي هو وجه مشرق يأتي ليؤكد تخطّي اليهودية المتقوقعة والمتزمّتة والدخول إلى رحاب الأمم أيضاً.

إلاّ ان هذا لا يعني أن الأمم ليسوا تحت غضب الله، انهم مسؤولون كمسئولية إسرائيل أمام الله: “لأن الأمم الذين ليس عندهم ناموس، متى فعلوا بالطبيعة ما هو في الناموس، فهؤلاء إذ ليس لهم الناموس، هم ناموس لأنفسهم” (رومية 2: 14-15). بهذا يصبح إبراهيم أباً لأمم كثيرة (رومية 4: 1-25). إبراهيم ليس أباً للمختونين بالجسد وحسب، بل للذين ختنوا شهواتهم وأهوائهم وخطاياهم أيضاً، ومن ثم قاموا مع المسيح كي يحيوا معه (رومية 4). وبولس الرسول يؤكّد شمولية أبوّة إبراهيم على غير اليهود أيضاً، إذ يقول : “لايهودي ولا يوناني…” (غلا 28:3). وهكذا ندرك أن للبشر رأساً واحداً هو المسيح (أفسس 2: 11-22) و (غلا 3: 22-9).

في سفر الرؤيا عندنا صورة جديدة عن المختارين (رؤ 14: 1-5). ما هي؟ ربنا يسوع المسيح هو الحمل المذبوح كما يشير في موضع آخر من السفر، وهو قائم على الجبل وسط جموع غفيرة. ويُشار إلى هذه الجموع برقم (مئة وأربع وأربعين ألفاُ). هذه الجموع شاخصة إلى الحمل المذبوح، فالمذبوح عن أخوته جدير بالحب والتأمّل والإعجاب. إنّ جملة من أسئلة نستطيع أن نطرحها حول هذه الصورة الواردة في الرؤيا: هل يعقل أن يكون هذا الرقم بحرفيته رقماً نهائياً أم هو رمز للكثرة الكثيرة من البشر؟ هل أحباء الحمل هم هذا العدد فقط؟

في الواقع هذا ليس ذا شأن وقيمة في حدّ ذاته، فملكوت الله يتّسع لأعداد غفيرة لا تُعد ولا تُحصى. ويسوع نفسه يؤكّد ذلك بقوله : “لأن في بيت أبي منازل كثيرة…” (يوحنا 2:14). لو كانت “كثيرة” تشير حصراً إلى العدد المذكور، لكان من الواجب أن يأتي يوحنا على ذكرها. ترى كيف يعقل أن يكون عدد المختارين دون المئتي ألف، والمسيحيون في العالم يناهزون المليار نسمة؟ ألا يطرح هذه العدد على أذهاننا التزايد السكاني وعدم جدواه؟ ألا يدفعنا هذا إلى السؤال عن معنى هذه المليارات الكثيرة التي تعيش على الأرض؟ ألا يدعو الرقم في حرفيته إلى اليأس من خلاص الكثيرين؟ ألا يدعو إلى اليأس والقنوط من خلاص الكثيرين من المسيحيين وسواهم من خلائق الله؟ ألا يدعو ذلك إلى القنوط عند الأمم؟ ألا يدعو عدد كهذا إلى تفاهة الإستمرار في البشارة نظراً لعدم جدواها، فعدد المخلّصين قد اكتمل؟

وإذا تأمّلنا في الإصحاح السابع من الرؤيا (7: 4-9) نجد أنّ عدد المختونين من كل قبيلة هو (12 ألفاً). فإذا كان هذا العدد يشير إلى اسباط إسرائيل الإثني عشر، هل يجوز أن نستنتج أن أحباء الحمل (أمنوس) هم من اليهود فقط؟ من أخبرنا ان عدد اليهود ينحصر بـ 144 إلفاً؟ الذين هاجروا إلى إسرائيل في السنوات الأخيرة، أكثر من هذا العدد؟ ثم إذا كان عدد الشعب المختار، اليهود، كما يحلو للبعض أن يقولوا، يربو على خمسة عشر مليوناً، فكيف يكون المخلّصون دون خمس المليون؟ كيف يكون المخلّصون من اليهود فقط؟ والرب قالها صراحة على لسان يوحنا: “إلى خاصته جاء وخاصته لم تقبله” (يوحنا 11:1)؟ كيف سيخلص اليهود ماداموا قد رفضوا الرب؟ بهذا المعنى كيف نفسّر قول الرب : “إذهبوا إلى كلّ الأمم وتلمذوهم…” (متى 28: 19-20)؟ ألا تعني الآية المذكورة أنّ رسالة المسيح على الجميع؟ وإذا كان عدد المخلّصين دون الخمس مليون، فكيف نفهم جدوى الكرازة في كل العالم؟ ألا يعني هذا الحصر انه من الواجب وقف العمل البشاري والشروع في أمر يقودنا إلى فرز هذه الآلاف من ربوات هذه الملايين؟ ألا يعني العدد في حرفيته أن الشعب المختار هو مسألة وهمية؟

لكن المصيبة ان هذا العدد من المختارين هو من الابكار (برثاني)، الأمر الذي يصعقنا عندما نستنتج أنّ المتزوجين هم خارج دائرة الخلاص، أو بكلام آخر، خارج إطار الحب الإلهي. إذا صدق هذا الكلام، عندها يكون حضور الرب في قانا الجليل عديم المعنى (يوحنا 2: 1-1). كيف سيكون كلام الرسول صحيحاً عندما يقول : “والمضجع غير دنس”؟ كيف سنفهم رسالة العرس (أفسس 5: 22-33)؟ والمصيبة أن بطرس نفسه كان متزوجاً، فالرب سبق أن شفى حماته. كيف يكون بطرس المتزوج خارج دائرة الخلاص وهو الصخرة حسب قول الرب (متى 18:16)؟ والطامة الكبرى تبرز عندما نتبين أن الرب يجعل حدود الزوجية في إطار الحياة الدنيا، إذ في الملكوت لا يزوّجون ولا يتزوّجون بل يكونون كملائكة الله… (متى 30:22).

ويشير نصّ الرؤيا، إلى تنجّس النساء. والنجاسة في العرف الشرقي ملازمة للمرأة ومقرونة بها. وهذا يعني في ذاته أن المرأة هي خارج دائرة الخلاص. فإذا كانت حوّاء لا تخلص، ولا مكان لها في الملكوت عندها فإن تبشيرها هو في ذاته لا معنى له ولا يجدي، لاسيما والمرأة في التلمود اليهودي لا روح لها وهي أشبه بالحيوانات، وبالتالي فهي أدنى مكانة من الرجل. وإذا كان هذا الإستنتاج صحيحاً، فإين تثبت مكانة مريم العذراء والدة الرب، إذا كانت حوّاء لا تخلص؟ وكيف نفهم توبة المجدلية؟ وما قيمة حاملات الطيب؟ ما قيمة مريم ومرتا أختَيْ لعازر اللتين عُرفتا بالخدمة والتأمل؟

الحقيقة أن إسرائيل العتيق الذي شاخ، لا يعي أنّ الإختيار لا ينحصر به رغم أنه مُنح له وبدأ به. ان وعي حقيقة الإختيار، يُلزم المختارين بأعباء ثقيلة على صعيدَي المسؤولية، والخدمة والحب. المختارون ذكوراً واناثاً، هم اناس مكرّسون للرب، وإلاّ، لا معنى لهذه المختاريّة. في تكريس القلب يكمن معنى اختيارهم، وفيه تقوم فرادتهم ومكانتهم. المختارون هم من العالم، لكنهم ليسوا من هذا العالم.

وعتق إسرائيل القديم قبل ودون أن يعي أنّ الإختيار بدأ به لكنه أُفلت من يديه. وعند الذهبي الفم نسمع صراحة بأن اليهود خرجوا من مقاصد الله إلاّ إذا عادوا وتابوا.

من هنا فالإختيار ليس حكراً على شعب أو أمّة أو دين، الكهنوت الملوكي أو الأمّة المقدسة ( 1 بطرس 9:2) ليس حكراً على بلد، نامياً كان أم متحضّراً. المسألة ليست في الكم بل في النوع. إذاً من هو مختار الله؟

مختار الله، بالمطلق، هو الرب يسوع الذي كان ويكون وسيكون، الألف والياء في الكون، والذي فيه يقوم كل معنى الوجود (عب 10:2). وهنا نسأل لاستكمال صورة المختارية: ولكن ما معنى اختيار إبراهيم؟

ان اختيار إبراهيم حلقة في حلقات، وجزء من الإختيارات المتتالية والمتلاحقة إلى أن نبلغ الملء في يسوع المسيح ربنا: “لما حان ملء الزمان أرسل الله ابنه” (غلا 4:4). لقد أساء إسرائيل العتيق الفهم عندما اعتبر ذاته خير أمة. الإختيار الممنوح للجميع، لا يبقى إلا في من هم جديرون به، فالله يريد الكل أن يخلصوا وإلى معرفة الحق يقبلوا. ولكن نتعلّم من الكتاب أن إمكانية التخلّي عن تدبير الله للخلاص أمرٌ ممكن في عالم البشر. ولكي تكون مختاراً من الله، فهذا يعني أن تجعل نفسك له مع كل أحلامك ومشاريعك وسعيك ومواهبك وعائلتك وعواطفك.

ليس من شعب مختار بالمطلق. الإختيار الأخير لا ينحصر في شعب. المختار هو من يؤثر الله على الجغرافيا والتاريخ بكل معانيها. والرب يؤكد ذلك في معرض كلامه إلى المرأة السامرية : “ستأتي ساعة تعبدون فيها الآب لا في هذا الجبل ولا في أورشليم…” (يوحنا 4: 21-22). الرب ليس للسامريين ولا لليهود ولا للمسيحيين ولا لسواهم من الذين يحبونه من شفاهم، أما قلوبهم فبعيدة عنه. أنه مات من أجل الكلّ لأنه خالق الكلّ وفيه ولأجله يقوم الكلّ (عب).

ترى ماذا يتوجّب علينا أن ندرك كي يبقى المرء مختاراً؟ إنّ بقاء الإختيار في شعب أو فرد، يستدعي الغربلة. والإسرائيليون عرفوا هذه الغربلة، وهذا الإمتحان، لكنهم لم يتّعظوا. لقد اختبروا مرارة فراق الله لهم وهجرانه إياهم. لقد عرفوا الذوبان بين الأمم على مرّ الأيام.

وإسرائيل الحالية ليست دولة مقدسة، وليس شعبها مقدساً بالجملة، إلاّ من كان منهم ذا قلب أودعه في حضن الآب. إسرائيل الحق هو أفق طاهر وشريف ترنو إليه عيون الأمم وتعرّج به ومعه إلى السماء. إسرائيل الحق هو البقية التي نذرت ذاتها لله كي تجتذب الكلّ إلى حظيرة المسيح. والرب يؤكد ذلك بقوله : “لي خراف أخرى ليست من هذه الحظيرة ينبغي أن آتي بتلك أيضاً…” (يوحنا 1:10). الكتاب المقدّس غير متعطش إلى إسرائيل، لأنه يشدّنا إلى الله لا إلى إسرائيل. الكتاب المقدّس يرنو إلى إسرائيل جديد، فالقديم شاخ وعتق (اشعيا 8:41).

يسوع وحده يحوّلنا إلى أمّة مختارة. وهو وحده المختار الواجب الوجود وغير الخاضع للصيرورة والتحوّل. (لوقا 35:9)، (يوحنا 43:1). هو وحده حجر الزاوية وبدونه لا يقوم بناء.

يسوع لا يتباهى بمختاريته رغم وعيه لها وعياً مطلقاً. وعيه لها يتجاوز بكثير وعي الأنبياء لدورهم ورسالتهم. يسوع يعرف انه المختار لكنه يتكلّم عن نفسه بهدوء وقوّة (لوقا 27:24)، (يو 5).

وعندما نطالع العهد الجديد يلفتنا شخص يسوع وأقوال يسوع. فهو قد شاء أن لا يعلن مسيانيته: “آه ما  لنا ولك يا يسوع ابن الله أأتيت لتعذبنا…فانتهره يسوع…ولم يجعلهم يتكلمون لأنهم عرفوه (مرقص 25:1)، (مرقص 11:3)، (مرقص 43:5)، (36:7)، (مر 30:8). ويشير إلى ذلك لوقا أيضاً: راجع لوقا (41:4)، و (متى 4:8)، و (مرقس 9:9)، (لو 36:9). يسوع هو المختار الأوحد. لهذا ولد، ولهذا أتى إلى العالم ليشهد للحق، وسوف يسمع له كل من كان من الحق (يو 37:18).

الإختيار حقيقة انطلقت من أعماق التاريخ، من قلب الله الذي أحبّنا أولاً. لم يستقرّ الإختيار في العهد القديم، فحركته تنزع إلى ذروتها التي هي المسيح. أنت أيها الإنسان كائناً من كنت، أنت من رعيل القديسين ومن أصفياء الله في رب الأرباب وملك الملوك. أنت من المختارين إن كنت تحب الله من كل قلبك، وتحب كل الناس كمحبتك لنفسك. وهنا نأتي إلى السؤال: مادمنا نتكلّم عن الإختيار والمختارين، فكيف نفهم الكنيسة؟ ما هي الكنيسة؟ أين موقعها من المختارية

لقد استبدل الله الشعب المختار التاريخي، إسرائيل القديم، بالكنيسة. الكنيسة هي الشعب المختار. الكنيسة هي الجماعة المحبة لله ولكل الناس. الكنيسة هي كل الناس. إنها الخليقة جمعاء التي أبدعها الله على صورته ومثاله. كل الناس في كل أنحاء العالم هم كنيسة الله، الجماعة المختارة. الله بروحه القدّوس يعمل في كل الناس. إنّ موت الرب وقيامته لم تكن لجزء دون الكل، أو لشعب دون شعب آخر. وهكذا، فالكنيسة هي كل البشرية كما يبدو في إنجيل متى (إذهبوا وتلمذوا كلّ الأمم) (متى 19:28)، (مرقس 19:16)، (لوقا 47:24)، (يوحنا 21:4).

شعب الله المختار ليس هو دولة ثيوقراطية يعيش فيها مواطنون يُسمون مختارين لمجرّد انتمائهم إلى هذه الدولة. شعب الله المختار ليس مجرّد طائفة متقوقعة على ذاتها، فالله ليس ملكاً لطائفة. شعب الله ليس في دين، وإلا بطل كل معنى في من ليسوا من هذا الدين. شعب الله ليس هو من تقتصر ممارساته على الإشتراك في تناول جسد المسيح ودمه. وكلامي هذا يعني ان المسيح الكوني هو للجميع لا للجزء.

الكنيسة هي شعب الله، لأن المسيح هو الذي يوحّد المتفرّقات في ذاته. شعب الله الكنيسة هو الأمر المركزي في سّر الفداء الذي أتمه الرب. في إبراهيم أطلق الله نواة المختارين، وكان المسيح المعنى الأخير والوحيد لكلّ الأنسال المرتبطة بابراهيم. الكنيسة مدعوّة إلى توحيد الجميع ليفرح قلب الله (غلا 28:3).

بولس في العهد الجديد، يكثر الكلام عن كنيسة الله ( 2 كور 1:1). وإذا كانت الكنيسة في كورنثوس، وفي افسس وفي غلاطية وفي أورشليم وفي بيروت وغيرها…فهذا يعني ان كل الكنائس المحلّية تؤلف جسد المسيح الواحد. كذلك فإن جسد المسيح هو كنيسة أهل البيت أيضاً (رومية 5:16)، ( 1 كو 19:16)، (كولوسي 15:4)، (2 سا 4:1)، (1 تيمو 5:3)، (1 كور 2:1). إنّ لفظة كنيسة وكنيسة الله تتماهيان في العهد الجديد: ( 1 كور 32:10) ، (غلا 13:1)، (1 تيمو 15:3)، ( 1 كور 28:12)، (فيليبي 6:3).

لقد ظن العالم Cerfaux ، إن عبارة “كنيسة الله” تشير في الأساس إلى أورشليم التي تكلّم بولس في (1 كور 9:15)، (غلا 13:1)، (فيليبي 6:3) عن اضطهاده لها[4].

ولكن، لما كان الكلام واضح عن كنيسة في كورنثوس (1 كور 32:10)، ( 1 كور 22:11)، لهذا لا يعود من شك ان الكنيسة تتخطّى حدود أورشليم. وبهذا تكون الأسماء المختلفة هي إشارة إلى كنائس محلّية.

الكنيسة في العهد الجديد تحظى بأهمية كبيرة، لأنها إجتماع ديني (1 كور 18:11). وهذا ما نلمسه بوضوح عندما نطالع (1 كور 22:11) حيث يقول الرسول: “أفليس لكم بيوت لتأكلوا فيها وتشربوا أم تستهينون بكنيسة الله وتخجلون الذين ليس لهم”؟

ويتضح لدي مطالعة العهد الجديد، لا سيما رسائل بولس، ان هناك أكثر من معنى لكلمة كنيسة. فبالإضافة إلى كنيسة، وكنيسة الله، هناك عبارة بيت الله (1 تيمو 15:3). الكنيسة بمفهوم العهد الجديد متعدّدة الأسماء، وما عبارة كنيسة الله إلاّ إشارة واضحة إلى أنها المعنى الأخير لشعب الله التاريخي. إذ لابدّ أن تسأل عن الفارق بين “شعب الله”، و”كنيسة الله”.

في الواقع ليس من فارق أبداً على هذا الصعيد. وعندما يشير بولس إلى وحدة الكنائس المحلّية فإنه يراها في جسد المسيح الواحد (1 كور 12: 12-31)، و(رومية 12). الكنائس المحلّية هي في الصميم شعب الله الحقيقي الحي بفعل اتحاده بالمسيح.

بيد أن العهد الجديد لا يكتفي بتحديد الكنيسة على انها كنيسة الله، أو شعب الله، أو كنيسة البيت، وغيرها، إنما يتطرّأ إلى عبارات أخرى فيها وجهاً عميقاً وأصيلاً من وجوه الكنيسة. الكنيسة هي أيضاً جماعة القديسين، والمختارين، والمحبوبين، والمدعوّين. الكنيسة هي جماعة القديسين كما نجد لدى مطالعة (رومية 7:1)، (1 كور 2:1)، (2 كور 1:1)، (افسس 1:1)، (فيليبي 1:1)، (كولوسي 2:1)، (رومية 15:16)، (2 كور 12:13)…التسميات القائمة على هذا الصعيد هي كلها مترادفة ومتشابهة. ولهذا ما يدعمه، حيث ان إسرائيل دعى الشعب المقدس لله (خروج 6:19)، (لاويين 44:11)، (تثنية 3:33)، (عدد 3:16). وهكذا فإسرائيل التاريخي يتغربل ويتمّ فرزه، إلى جماعة مكرّسة لله، وأخرى تنحرف لتجد ملاذها في مشابهة الأمم. الأدب الرؤيوي  Apocalyptic Literature يشير إلى قدسية شعب الله وهذا ما اكتشفناه لدى مطالعة مخطوطات قمران. ولما كانت القداسة وتكريس القلب شرطاً لشعب الله، كان إسرائيل التاريخي مدعواً كي يكون شعباً إنقضائياً Eschatological ينمو إلى قامة الله. بهذا نتعلّم أن الكنيسة هي شعب الله التاريخي، إلاّ انها في الوقت نفسه أصبحت جماعة إنقضائية. وهذا نلمسه عند سماعنا كلاماً عن أورشليم الأرضية وأورشليم السمائية.

أمّا عبارة “المختارين”، فمرادفة للمحبوبين (رومية 7:1)، (1 سا 4:1)، (2 سا 13:2)، (كولوسي 12:3). وهذه التسمية تعود بنا إلى صورة العلاقة بين الله وإسرائيل لا سيّما لدى قراءة سفر هوشع.

وشعب الله هو أيضاً جماعة المدعوين (رو 6:1)، (رومية 28:8)، (1 كور 2:1). ألم يسبق الله ان دعا إسرائيل أيضاً (اشعيا 9:41)؟ مفاد القول ان الله إختار شعبه ودعاه إليه من الأمم. والذين اختارهم الله هم محبوبون منه. وفي هذا ما يدعو إلى تماهي شعب الله التاريخي والكنيسة. والآن نأتي إلى سؤال: ما هي طبيعة المختارين الذين يؤلّفون شعب الله، وكنيسة الله؟

ان وعود الله لإبراهيم ولنسله، ليست حكراً على المختونين، بل اعطيت في الأساس لإبراهيم المؤمن. لهذا فإن أبوّة إبراهيم تنسحب على كل من يحمل إيمان إبراهيم، فيكون بالتالي إبناً لإبراهيم. ومعيار الإنتماء لجماعة إبراهيم، هو روحي أصلاً. وبالتالي فإن نسل إبراهيم ليس هو مجرّد مواليد النساء، إنما هو كل الذين حملوا إيمان إبراهيم. وهذا ما نجده لدى مطالعة (غلاطية 16:3)، حيث ان نسل إبراهيم يُقاس على أساس المسيح. وكل من كان في المسيح، هو أيضاً من نسل إبراهيم. وهذا هو معنى القول: “ليس يهودي ولا يوناني…” (غلا 28:3). وهكذا نفهم أن نسل إبراهيم هو من ارتبط بإيمان إبراهيم، لا من تحدّر من إبراهيم بالجسد. أي ان أبناء إبراهيم هم من كل أمم الأرض. وهذا يؤكده قول الرسول: لا يوناني ولا يهودي…(غلا 28:3). إسماعيل كان إبناً بالجسد، أمّا إسحاق فكان إبناً بالموعد، حسب الوعد (غلا 28:4). منذ البداية كان اختيار الله لشعبه لا على أساس امتيازات، بل على أساس الوعد (رومية 11:9). وفي هذا يكون الله صاحب المبادرة لا إسرائيل. بعد هذا، ماذا نقول عن مصير إسرائيل التاريخي، إسرائيل القديم؟

قلنا ان الكنيسة هي الشعب المختار. الكنيسة حلّت مكان الشعب المختار التاريخي. وعند بولس الرسول، الضليع في العهد القديم، المسيح يسوع هو المقياس لكل من يحسب نفسه من شعب الله. لأن نسل إبراهيم الحقيقي هو كل من ينتمي إلى المسيح. ثم يسأل بولس: وما نفع اليهودي وفضله إذا لم يفهم انه استؤمن على أقوال الله… (رو 3: 1-18)؟ يتوجب عليه ألاّ يخدع نفسه لمجرد انه يمتلك كلام الله. فالخلاص غير ممكن، إلاّ بالبر في المسيح (رومية 9: 1-5). ويأتي كلام العظيم بولس إلى الذروة حين يقول:

“لأني أشهد ان لهم غيرة الله ولكن ليس حسب المعرفة. لأنهم إذ كانوا يجهلون برّ الله ويطلبون أن يثبتوا برّ أنفسهم…لأن غاية الناموس هي المسيح للبرّ لكل المؤمنين…” (رومية 10: 1-10). ثم بعد ذلك يتساءل عن إمكانية رفض الله للإسرائيليين له، إذا كان هذا الشعب صاحب غيرة تخلو من المعرفة (رومية 1:11). وللحال يجيب: كلا، فأنا نفسي إسرائيلي من نسل إبراهيم من سبط بنيامين (رومية 1:11).

بولس، كما يبدو في رومية 11، يرى ان إسرائيل الحاضر، غير مؤمن. هذا ما يأتي إليه القاريء بعد مطالعة الرسالة المذكورة. لكن مع هذا هناك دائماً البقية التي استبقاها الله لنفسه، والتي يعتبر بولس برهاناً عليها. لكن هذه البقية هي بحسب اختيار النعمة لا بحسب الجسد.

بولس لا ينكر إسرائيل التاريخي، لكنه يراه عقيماً خارج يسوع المسيح. وهكذا ليس من تناقض البتّة بين رومية (9) و(11)، لأن حنان الله هو للجميع: “…أدعو الذي ليس شعبي شعبي، والتي ليست محبوبة محبوبة…” (رومية 25:9).

والآن إذا كان رفض الله لإسرائيل التاريخي من أجل المصالحة العامة، فكيف سيكون قبوله لإسرائيل اللاحق؟إن عصيان إسرائيل أصبح علّة لخلاص الأمم. لهذا فالأمم أيضاً سوف يكونون الحافز لتحريك غيرة إسرائيل. وذلك لأن رحمة الله لا تقتصر على اليهود فقط، كذلك فإنه لا يهبها للأمم فقط. وكما أن الجميع في البدء قد أغلق عليهم تحت العصيان، هكذا يكون الكل تحت رحمة الله (رومية 11: 11-32).

الله يرغب في إسترجاع إسرائيل إلى البنوة الحقة من خلال الإنجيل، وهذا لن يكون حكراً على إسرائيل الجسد، بل إسرائيل القلب.

لقد دخل إسرائيل في طريق الأمم، ونعمة الله تنسكب على الجميع، ولا تفعل إلاّ في من يقبلها. كل الأمم ستتبارك بإبراهيم. ستبقى الخميرة الصغيرة، العنصر الذي يخمّر العجين كلّه…(رومية 24:11). بإختصار هناك إختيار مستمر للذين يحبّون الله من كل الأمم والشعوب.

بولس يرى أن الأمم أيضاً هم من رعيل القديسين ولهم البركات والمواعيد. وكل ذلك لأن المسيح هو المعنى الأول والأخير لكل ذرّية إبراهيم. في المسيح، تتألف الكنيسة من إسرائيل ومن الأمم، لتكون جسده.

2– الكنيسة جسد المسيح:

أنّ خير وصف للكنيسة في العهد الجديد هو، انها جسد المسيح. وإذا ما توسّعنا في قراءة العهد الجديد، نجد برهان هذا الكلام في صورة الكرمة والأغصان (يوحنا 15). إن كون الكنيسة قائمة في المسيح، ومن خلال صورة الكرمة، فإنه يجعل العلاقة عضوية بين الله وشعبه في العهد القديم. لهذا السبب كان الله أباً، وكان إسرائيل إبناً.

وجسد المسيح هو إسم جديد للكنيسة. أي ان العلاقة صميمية بين المسيح والكنيسة. ترى كيف نفهم ان الكنيسة هي جسد المسيح؟

جسد المسيح ليس هو مجرد الجسد التاريخي الذي اتخذه المسيح. الكنيسة هي جسد المسيح أي أحبّاء المسيح. لهذا كان من البديهي أن الكنيسة هي البشر لا الحجر.

بولس الإلهي يحب أن يستعمل صورة الجسدSoma . في رسالته إلى أهل رومية، والأولى إلى أهل كورنثوس، نراه يجعل الكنيسة جسداً واحداً مع المسيح المصلوب. ويقول في أفسس: :”وأخضع كل شيء تحت قدميه وإياه جعل رأساً فوق كل شيء للكنيسة التي هي جسده ملء الذي يملأ الكل في الكل” (أفسس 22:1). وأيضاً: “الذي الآن أفرح في آلامي لأجلكم وأكمل نقائص شدائد المسيح في جسمي لأجل جسده الذي هو الكنيسة…” (كولوسي 1: 24-25).

وفي رومية 3:12 يحضّ بولس كافة المؤمنين كي يعرف كل منهم مكانه في الكنيسة، وهذا كله يتمّ على أساس صورة الجسد. لنسمع: “…فإنه كما في جسد واحد لنا أعضاء كثيرة، ولكن ليس جميع الأعضاء لها عمل واحد، هكذا نحن الكثيرين جسد واحد في المسيح وأعضاء بعضنا لبعض…” (رومية 12: 3-5). يتوجب على المؤمنين أن يحسنوا السلوك والتصرف، لأنهم جسد المسيح. راجع أيضاً: (1 كور 14:12). ومن هذا نستدل أنّ وحدة الكنيسة نابعة من التصاقها بالمسيح، أولاً، ومن كونها جسد المسيح ثانياً. ونعود إلى السؤال: وما المقصود بعبارة “جسد المسيح”؟

بولس يشدّد في (رومية 5:12) على أن المؤمنين هم جسد المسيح. المسيح هو الذي يجعل الكثيرين واحداً، والمختلفين، في انسجام ووئام. وفي 1 كور 13:12 نسمع: “لأننا جميعنا بروح واحد اعتمدنا إلى جسد واحد يهوداً كنا أم يونانيين عبيداً أم أحراراً…” (1 كور 13:12). وتكتمل الصورة ويتضح معناها عندما نطالع التالي: “كأس البركة التي نباركها أليست هي شركة دم المسيح. الخبز الذي نكسره أليس هو شركة جسد المسيح؟ فإننا نحن الكثيرين خبزٌ واحد، جسدٌ واحد أننا جميعاً نشترك في الخبز الواحد” (1 كور 10: 16-17).

ونأتي إلى الذروة عندما نسمع الرسول يقول: “واما انتم فجسد المسيح وأعضاؤه أفراداً” (1 كور 27:12). المؤمنون هم أعضاء جسد المسيح، وهم واحد فيه (رومية 5:12)، (1 كور 15:6).

إلاّ أن الكنيسة ليست مجرد جسد المسيح وحسب، للكنيسة رأس: المسيح هو رأسها. وفي رسالته إلى أفسس يذكر الرسول أمراً مهماً: “والأمم أيضاً شركاء في الميراث والجسد ونوال الموعد في المسيح بالإنجيل” (أفسس 6:3). الكنيسة جسد المسيح. والمسيح هو رأس الكنيسة (كولوسي 18:1)، (أفسس 15:4)، (كولوسي 10:2). وهذا يعني أن رسالة الكنيسة تقوم في بنيان جسد المسيح بقيادة المسيح ورئاسته (أفسس 12:4).

ورئاسة المسيح على الكنيسة تشير إلى قيادته لها وسلطانه عليها، وذلك، لأنه حافظها وحاميها.

الغاية من كون المسيح رأس الكنيسة هي للتأكيد أنّ الخلاص حاصل للجميع من خلال الواحد الذي هو يسوع المسيح المخلص.

ألاّ أننا نقف في العهد الجديد على معنى آخر لرئاسة المسيح حيث يقول الرسول الإلهي بولس في رسالة إلى أهل كولوسي: “فإنه فيه خلق الكل ما في السماوات وما على الأرض ما يُرى وما لايُرى سواء كان عروشاً أم سيادات…وهو رأس الجسد الكنيسة…أنه فيه سّر أن يحلّ كل الملء…” (كولوسي 1: 16-20).

3- المسيح هو الرأس، والكنيسة الملء:

المسيح هو الرأس لكل شيء. هذا المعنى نجد صداه مدوياً في الإقتباس التالي: “يسوع هو رأس الجسد الكنيسة. الذي هو البداءة بكر من الأموات لكي يكون هو متقدماً في كل شيء. لأنه فيه سرّ ان يحل كل الملء. وأن يصالح به الكلّ لنفسه…” (كولوسي 18:1).

بيد أن مجد المسيح كرأس لكل شيء، هو الأمر الذي يقرر رئاسته على الكنيسة كونه ربها وإلهها. وفي أفسس (19:3) نجد أنّ غاية سكن المسيح في الكنيسة هي: “لتعرفوا حكمة المسيح الفائقة المعرفة لكي تمتلئوا إلى كل ملء الله”. ولابد من التنويه بما ورد في موضع آخر: “ولكن لكل واحد منا اعطيت النعمة حسب قياس موهبة المسيح” (أفسس 7:4)، بحيث يكون الرب قد زيّن كنيسته بالمواهب ليكون البعض رسلاً والبعض أنبياء والبعض الآخر… المسيح هو الذي يملأ الكل من مجده (أفسس 23:1)، (أفسس 10:4). وهكذا تكون الكنيسة ملء المسيح  pleroma، أي النطاق الذي يملأه المسيح (أفسس 19:3)، (كولوسي 10:2).

4– الكنيسة شعب الله:

أن تكون الكنيسة جسد المسيح، وأن يكون المسيح رأس هذا الجسد، فهذا يعني:

  • أنّ وحدة شعب الله قائمة على اتصاله بالمسيح. وهذه الوحدة هي ثمرة الفداء الذي أتمّه يسوع.
  • الصلة بين جسد المسيح، من جهة، وشعب الله، من جهة ثانية، كبيرة جداً.
  • إبراهيم وإسحاق ويعقوب، وموسى أيضاً هم من أعضاء شعب الله (رومية 1:4)، (رومية 7:9)، (1 كور 2:10)، (غلاطية 16:3).
  • الأمم أيضاً يمكنهم أن ينضووا تحت لواء المسيح، فيكونوا أعضاء جسده. إلاّ أنّ شعب الله يرقى إلى ما وراء إبراهيم نفسه، لهذا كان يسوع آدم الثاني والخليقة الجديدة (غلاطية 15:6)، (أفسس 15:2).

الكنيسة لابدّ أن تدرك وحدتها وتنوّع مواهب أفرادها، وحددوها، وكونيتها، وذلك على أساس انها جسد المسيح. لا يهودي ولا يوناني، لا ذكر ولا أنثى، لا عبد ولا حرّ…(غلا 28:3). الكل واحد في المسيح.

[1] الدكتور ناصيف نصار، مفهوم الأمة بين الدين والتاريخ   للاستزادة، راجع

[2] راجع أيضاً (يوحنا 16:15)

[3]… ليتقدّس إسمك، ليأتِ ملكوتك، لتكن مشيئتك…

[4] L. Cerfaux, the Church in the Theology of St. Paul, p: 109, 1959.

إقرأ أيضاً:

إقرأ أيضًا

مذيع مسلم: الله مات - هل تؤمن المسيحية بموت اللاهوت؟

مذيع مسلم: الله مات – هل تؤمن المسيحية بموت اللاهوت؟

مذيع مسلم: الله مات – هل تؤمن المسيحية بموت اللاهوت؟ مذيع مسلم: الله مات – …