الرئيسية / أبحاث / خطوات عملية لفهم النصوص الكتابية 13 – الرؤيا – صور عن الدينونة والرجاء

خطوات عملية لفهم النصوص الكتابية 13 – الرؤيا – صور عن الدينونة والرجاء

13 – الرؤيا – صور عن الدينونة والرجاء


سفر الرؤيا

·     طبيعة سفر الرؤيا.

·     ضرورة عمل التفسير الاستنتاجي.

·     القرينة التاريخية.

·     القرينة الأدبية.

·     قضايا التفسير الحياتي.

عندما ينتقل الشخص من باقي أسفار إلى سفر الرؤيا، يشعر وكأنه قد دخل بلاداً أجنبية. فبدلاً من القصص والرسائل ذات البيانات المباشرة عن الحق وبدلاً من الوصايا، يأتي الشخص إلى كتاب مليء بالحديث عن الملائكة والأبواق والزلازل والوحوش والتنانين والهاوية.

إن مشاكل التفسير الحياتي هنا هي مشاكل متعلقة بصُلب السفر. فسفر الرؤيا سفر قانوني وبالتالي فهو كلمة الموحى بها لنا من الروح القدس. ومع ذلك، عندما نحاول الإصغاء إلى هذه الكلمة، يصعب على معظمنا، في كنائس اليوم، معرفة ما ينبغي عمله من جهتها.

فالكاتب أحياناً يتحدث صراحة “أنا يوحنا أخوكم وشريككم في الضيقة وفي ملكوت يسوع وصبره، كنت في الجزيرة التي تدعى بطمس من أجل كلمة ومن أجل شهادة يسوع ” (1: 9). وهو يكتب إلى سبع كنائس في مدن كانت معروفة وفي ظل أحوال القرن الأول المعروفة.

 

لا ينبغي لأي إنسان أن يتعامل مع سفر الرؤيا دون أن يمتلك قدراً معقولاً من التواضع.

ومع ذلك، فهناك رمزية غزيرة وعميقة بالسفر، بعضها يمكن فهمه (دينونة في هيئة زلزلة 6: 12-17)، في حين يظل البعض الآخر غير مؤكد ويدور حوله الكثير من التفسيرات (الشاهدان 11: 1-10) ومعظم المشاكل تنبع من الرموز بالإضافة لكون السفر يتعامل مع أحداث مستقبلية وفي نفس الوقت يقوم باستخدام قرينة يسهل إدراك انتمائها لبيئة القرن الأول.

ويبدو ضرورياً القول في مستهل حديثنا أنه لا ينبغي لأي إنسان أن يتعامل مع سفر الرؤيا دون أن يمتلك قدراً معقولاً من التواضع. هناك كتب كثيرة تهدف إلى “تبسيط سفر الرؤيا”، ولكنه ليس بسيطاً. وكما هو الحال في المقاطع الصعبة “بالرسائل” على الشخص ألا يكون جازماً هنا، خاصة وأن هناك على الأقل خمس مدارس رئيسية للتفسير، ناهيك عن الاختلافات البارزة بين هذه المدارس.

لكننا نتجاسر على الاعتقاد بأن لدينا ما هو أكثر من مجرد معرفة طفيفة لما كان يرمي إليه يوحنا الرسول. لذا سنقودك أيها القارئ العزيز لبعض الاقتراحات التفسيرية الحياتية التي نعتقد بصحتها. لكن التفسير الاستنتاجي يأتي أولاً، وفي هذه الحالة بالذات يلعب دوراً حاسماً، وذلك لأنه قد تم كتابة ونشر الكثير من الكتب والنبذ المعروفة عن هذا السفر. وفي كل حالة تقريباً، لا تقدم لنا هذه الكتب أي استنتاجي. فهي تقفز إلى التطبيق مباشرة، وهو يتخذ عادة شكل التخمينات الخيالية التي ما كان يمكن ليوحنا أن يكون قصدها أو فهمها على الإطلاق.

طبيعة سفر الرؤيا

 

سفر الرؤيا فريد من نوعه، وهو خليط من ثلاثة أساليب أدبية مميزة: هي الأدب الرؤيوي والنبوة والرسالة.

كما هو الحال في معظم أنواع النصوص الأخرى، فإن مفتاح التفسير الاستنتاجي الأول لسفر الرؤيا هو فحص نوع الأدب الذي كُتب به. إلا أننا في هذه الحالة، نواجه نوعاً مختلفاً من المشاكل، لأن سفر الرؤيا فريد من نوعه، وهو خليط من ثلاثة أساليب أدبية مميزة: هي الأدب الرؤيوي والنبوة والرسالة. علاوة على ذلك، فإن الأسلوب الأساسي هو الأدب الرؤيوي، هو ضرب أدبي لم يعد مستخدماً في أيامنا هذه. في الحالات السابقة، وحتى وإن كانت الضروب الأدبية تختلف نوعاً ما عن الأمثلة الكتابية، إلا أنه كان لدينا فهم مبدئي لماهية الرسالة أو القصة أو المزمور أو المثل. ولكننا هنا لا نرى شيئاً مثل هذا إطلاقاً. لذا فإن رؤيتنا بوضوح للأسلوب الأدبي الذي نتعامل معه في هذه الحالة هو أمر في غاية الأهمية.

سفر الرؤيا كأدب رؤيوي:

إن سفر الرؤيا بالدرجة الأولى هو أدب رؤيوي. فمع كونه خاصاً جداً، فهو بالتأكيد واحد من عشرات الكتابات الرؤيوية التي كانت معروفة عند اليهود والمسيحيين في فترة ما بين 200 ق.م إلى 200 م. هذه الكتابات الرؤيوية الأخرى، التي لم تكن قانونية بطبيعة الحال، اختلفت أنواعها، مع أنها، بما فيها سفر الرؤيا، تتشارك في بعض الخصائص. وتلك الخصائص هي كما يلي:

1-إن الجذر الرئيسي للكتابات الرؤيوية هو النصوص النبوية في ، خاصة ما نجده منها في سفر حزقيال، ودانيال، وزكريا، وأجزاء من أشعياء. وكما كان الحال في بعض النصوص النبوية، كان اهتمام الأدب الرؤيوي مُنصباً على الدينونة والخلاص الآتيتين. لكن الكتابة الرؤيوية برزت في أزمنة الاضطهاد أو أزمنة الضيق العظيم. لذا، لم يعد اهتمامنا العظيم ينصب على نشاط في إطار الأحداث التاريخية. لقد كان الكُتّاب الرؤيويون يتطلعون فقط إلى الوقت الذي سينهي في التاريخ نهاية عنيفة وجذرية بشكل يعني انتصار الحق والدينونة النهائية للشر.

2-على غير ما دأبت عليه معظم الكتب النبوية، فإن الكتب الرؤيوية هي أعمال أدبية من البداية. فقد كان الأنبياء في الأساس ناطقين باسم يهوه، ثم تم جمع وتدوين أقوالهم النبوية في كتب. لكن الكتابة الرؤيوية هي شكل من أشكال الأدب. فلها صيغة وبنية كتابية محددة. فعلى سبيل المثال، يقال ليوحنا: “فاكتب ما رأيت” (1: 19)، بينما قيل للأنبياء أن يتكلموا بما سمعوه أو رأوه.

3-تظهر محتويات الكتابة الرؤيوية، في أكثر المرات، على شكل رؤى وأحلام، وتكون لغتها خفية ورمزية، لذا فقد احتوت معظم الكتابات الرؤيوية – غير القانونية – على عناصر أدبية بقصد إضفاء روح العصر العتيق على السفر. ولعل أهم تلك العناصر الأدبية هو الأسماء المستعارة، الي جعلت الأسفار تبدو وكأنها مكتوبة بيد أحد المشاهير القدماء من الكُتاب (أخنوخ، باروخ… إلخ)، الذين طُلب منهم أن “يختموا” كتاباتهم إلى يوم تأخر، وهذا اليوم المتأخر بطبيعة الحال هو العصر الذي تمت فيه فعلياً كتابة السفر.

4-كثيراً ما تكون صور الكتابات الرؤيوية زاخرة بالخيال، بدلاً من الواقع. وعلى عكس ذلك، نجد أن الأنبياء غير الرؤيويين والمسيح قد قاموا باستخدام اللغة الرمزية كثيراً، لكنها كانت في معظم الأحيان تحتوي على صور حقيقية، مثل الملح (مت 5: 13)، النسور والجثة (لو 17: 37)، الحمامة الرعناء (هو 7: 11)، خبز الملة (هو 7: 8) … إلخ. لكن معظم صور الكتابات الرؤيوية تتسم بالخيال، فعلى سبيل المثال، هناك وحش بسبعة رؤوس وسبعة قرون (رؤ 13: 1)، امرأة تلبس الشمس (رؤ 12: 1)، جراد أذنابه كأذناب العقارب ورؤوس بشرية (رؤ 9: 10) … إلخ. ليس من الضروري أن يظهر الخيال في الاستعارات نفسها، فنحن ندرك معنى الوحوش والقرون والرؤوس، لكن في كون تركيبة هذه الكائنات معاً غريبة على الصور الأرضية المألوفة.

5-ولأن الكتابات الرؤيوية كانت أدبية، فقد تم تشكيلها بأسلوب خاص بها. كانت هناك نزعة قوية لتقسيم الزمن والأحداث إلى أقسام منتظمة، وكان هناك أيضاً ولع عظيم بالاستخدام الرمزي للأرقام. ونتيجة لذلك، يكون الناتج النهائي عادة مليئاً بالمشاهد المرتبة بعناية، والكثيرة الترقيم. وكثيراً ما تكون هذه المشاهد، إذا ما اتصلت ببعضها، تعبيراً عن أمر (مثل الدينونة) دونما ضرورة لمحاولة الإيحاد بأن كل مشهد منفصل يسير على خطى المشهد الذي سبقه.

تسري على رؤيا يوحنا الرسول كافة ميزات الكتابات الرؤيوية إلا واحدة. وهذا الفارق الوحيد مهم جداً إلى درجة أنه يجعل سفر الرؤيا عالماً مستقلاً. لا يحمل سفر الرؤيا اسماً مستعاراً، فلم يشعر يوحنا الرسول بحاجته إلى اتباع الأسلوب المعهود في استعارة اسم أحد المشاهير هنا. فلقد عرَّف نفسه إلى قرائه، ومن خلال الرسائل السبع (الأصحاحان 2-3)، قام بمخاطبة الكنائس المعروفة في آسيا الصغرى، والتي كان مؤمنوها معاصرين له و”رفقاءه في الضيق”. علاوة على ذلك، قيل ليوحنا الرسول ألا يختم على أقوال نبوة هذا الكتاب، لأن الوقت قريب (22: 10).

سفر الرؤيا كنبوة:

ربما يتعلق السبب الرئيسي لعدم استخدام يوحنا الرسول اسماً مستعاراً على الأرجح بإيمانه بأن النهاية قد حلت ولكن ليس بعد (انظر الجزء الأخير من الفصل السابع). لم يكن يوحنا الرسول، مع أسلافه اليهود، مجرد مترقب للنهاية. بل كان يعلم أنها قد بدأت بمجيء . وتعد قضية مجيء الروح القدس هامة لهذا المفهوم. فالكُتّاب الرؤيويون الآخرون قد سجلوا كتاباتهم وعزوها إلى أنبياء سابقين لأنهم عاشوا منتظرين الوعد النبوي بالروح القدس المنسكب في العصر الجديد. من جهة ثانية عاش يوحنا الرسول في زمن يخص ، فقد كان في الروح عندما قيل له أن يكتب ما رأى (1: 10-11). يسمي يوحنا سفره “هذه النبوة” (1: 3؛ 22: 18-19)، ويقول إن “شهادة الرب يسوع” التي عانى هو والكنائس من أجلها (1: 9؛ 20: 4)، هي روح النبوة 19: 10).

إن ما يجعل رؤيا يوحنا مختلفة عن غيرها هو أنها في المقام الأول تجمع ما بين عنصري النبوة والرؤيا. فمن جهة يظهر لنا السفر بقالب رؤيوي ويحتوي على معظم المميزات الأدبية للكتابات الرؤيوية. فقد ظهر هذا السفر في زمن اضطهاد ويهدف إلى إيضاح النهاية بانتصار وكنيسته، كما أنه يعد قطعة أدبية مبنية بعناية، وزاخرة باللغة المبهمة، وغنية بالرموز كالخيال والأرقام.

من جهة أخرى، يتضح أن يوحنا كان يهدف إلى أن تكون رؤياه كلمة نبوية للكنيسة. لم يكن على سفره أن يظل مختوماً للمستقبل، فقد كان السفر رسالة للناس لتعالج قضاياهم الراهنة. لعلك تتذكر ما جاء في الفصل العاشر أن التنبؤ لا يعني التكهن بالمستقبل فقط، لكنه يعني التحدث بكلمة في الوقت الحاضر، وهذه كلمة تتضمن عادة الدينونة العتيدة أو الخلاص المستقبلي. وحتى الرسائل السبع في سفر الرؤيا تحمل هذا الطابع النبوي. لدينا هنا إذاً، كلمة النبوية لبعض الكنائس في الجزء الأخير من القرن الأول، تلك الكنائس التي كانت تجتاز اضطهاداً من المحيطين بها، وكانت تعاني بعض الفساد من داخلها.

سفر الرؤيا كرسالة:

أخيراً ينبغي ملاحظة أن هذا الجمع بين العنصرين الرؤيوي والنبوي قد خرج إلينا على شكل رسالة. فعلى سبيل المثال، اقرأ رؤيا 1: 4-7؛ 22: 21 وستلاحظ أن كافة خصائص صيغة الرسالة موجودة هناك. علاوة على ذلك، يتحدث يوحنا إلى قرائه بصيغة المتكلم/ وصيغة المخاطب… (أنا… أنتم). وهكذا، يظهر الشكل النهائي لسفر الرؤيا على هيئة رسالة من يوحنا إلى كنائس أسيا الصغرى السبع.

تكمن أهمية هذا الأمر، كما هو الحال مع كل الرسائل، في وجود مناسبة لسفر الرؤيا (انظر الفصل الثالث). فمناسبة كتابة الرؤيا كانت جزئياً سد حاجات الكنائس التي أُرسلت إليها. علينا إذاً لكي نفهم السفر، أن نحاول استيعاب القرينة التاريخية الأصلية لسفر الرؤيا.

ضرورة عمل التفسير الاستنتاجي

إن السرد التالي تكرار لبعض مبادئ التفسير الاستنتاجي الأساسية التي سبق وذكرناها في هذا الكتاب، ابتداء من الفصل الثالث، على أن نفعل ذلك واضعين سفر الرؤيا في أذهاننا.

1-إن المهمة الأولى في التفسير الاستنتاجي لسفر الرؤيا هي معرفة القصد الأصلي للكاتب، وبالتالي للروح القدس. وكما هو الحال مع الرسائل، يكون المعنى الأساسي لسفر الرؤيا هو ما قصد يوحنا أن يعنيه، والذي بدوره يجب أن يكون شيئاً كان باستطاعة قرائه أن يفهموا معناه. والحقيقة تقال، إن قراء يوحنا يمتازون علينا بكونهم مطلعين بطبيعة الحال على القرينة التاريخية التي عاشوا فيها (والتي كانت السبب المباشر لكتابة السفر)، ولكون أشكال وصور الكتابات الرؤيوية مألوفة عندهم أكثر مما هي بالنسبة لنا.

2-بما أن سفر الرؤيا كان أيضاً سفراً نبوياً، فعلى الشخص أن يقبل إمكانية وجود معنى ثانوي، بوحي من الروح القدس، لم يستطع الكاتب أو القراء أن يدركوه كاملاً. لكن معنى ثانوياً كهذا يقع في ميدان أبعد من التفسير الاستنتاجي ويقع ضمن إطار التفسير الحياتي الأوسع. لذا، فعملية التفسير الاستنتاجي هنا تتلخص في فهم ما أراد يوحنا لقرائه الأصليين أن يسمعوه ويفهموه.

3-على الشخص أن يكون حذراً جداً من المبالغة في استخدام مفهوم التناظر الكتابي عند قيامه بتفسير استنتاجي لسفر الرؤيا. يعني هذا المفهوم أن على آيات الكتاب المقدس أن تُفسر في ضوء آيات الكتاب المقدس الأخرى. ونحن نعد هذا التناظر أمراً لا يحتاج لإيضاح إذ أننا نؤمن أن كل الكتاب المقدس هو كلمة وأن هو المصدر النهائي لهذا الكتاب. إلا أننا في تفسيرنا للآيات بالآيات، لا ينبغي أن نبتعد بحيث نجعل من بعض الآيات مفاتيح تفسيرية تحل غموض سفر الرؤيا.

وهكذا، فإن إدراك استخدام يوحنا للصور من الرؤيا في ، أو الكتابات الرؤيوية غير الكتابية أمر طيب ولكن لا ينبغي أن نفترض، كما تفعل بعض مذاهب التفسير، أنه توجب على قراء يوحنا أن يقرأوا إنجيل متى أو رسالتي تسالونيكي وأنهم كانوا جراء قراءتهم لتلك النصوص عارفين بعض المفاتيح التي تساعدهم على فهم ما كتبه يوحنا؛ لذا فإن أي مفتاح من مفاتيح سفر الرؤيا يجب أن يكون موجوداً داخل سفر الرؤيا ذاته، أو أن يكون في متناول مستلمي الرسالة الأصليين من خلال قرينتهم التاريخية.

4-بسبب طبيعة السفر الرؤيوية / النبوية، هناك صعوبات إضافية على المستوى الاستنتاجي وبخاصة ما يتعلق منها باللغة المجازية. إليك بعض الاقتراحات بهذا الخصوص.

( أ ) على الشخص أن يكون مرهف الحس من جهة الخلفية الثرية بالأفكار التي لعبت دوراً عند كتابة سفر الرؤيا. ولعل هو المصدر الرئيسي لتلك الأفكار والصور، غير أن يوحنا اقتبس صوراً من الكتابات الرؤيوية غير الكتابية. إلا أن استعارة هذه الصور على اختلاف مصادرها لا يعني بالضرورة أنها كانت تفيد المعنى ذاته في تلك المصادر. فلقد تم تفكيكها وإعادة تشكيلها بوحي الروح القدس، وهكذا امتزجت معاً في خليط من النبوة الجديدة.

(ب) يتألف المجاز الرؤيوي من عدة أنواع، ففي بعض الحالات تكون الصور ثابته. فالوحش الخارج من البحر، على سبيل المثال، يبدو كصورة ثابته لإمبراطورية عالمية، وليس لحاكم بشري واحد. من جهة أخرى، هناك صور كثيرة المرونة، فالأسد الخارج من سبط يهوذا يتحول في حقيقة الأمر إلى خروف (رؤ 5: 5-6) وهو الأسد الوحيد المذكور في سفر الرؤيا. أما المرأة في الأصحاح الثاني عشر فهي صورة إيجابية واضحة، لكن المرأة في الأصحاح السابع عشر شريرة.

وبالمثل تشير بعض الصور إلى أمور معينة. فالمنائر السبع في 1: 12-20 هي الكنائس السبع، والتنين في الأصحاح الثاني عشر هو الشيطان. من جهة أخرى، قد تكون كثير من الصور عامة، فعلى سبيل المثال، لا يشير الفرسان الأربعة في الأصحاح السادس إلى أي تعبير معين عن الانتصار والحرب، والمجاعة والموت؛ ولكنهم يمثلون تعبيراً عن السقوط البشري كمصدر لمعاناة الكنيسة (6: 9-11) التي ستتسبب بدورها في حلول دينونة (6: 12-17).

خلاصة القول هي أن الصور المجازية تُعد الجزء الأكثر صعوبة لمهمة التفسير الاستنتاجي. ولهذا السبب فمن الجدير ملاحظة نقطتين إضافيتين هامتين:

(ج) عندما يقوم يوحنا نفسه بتفسير الصور المجازية، يجب أن نتمسك بقوة بهذه الصور المفسرة كنقطة بداية لفهم غيرها. ولدينا ست من هذه الصور المفسرة: إن شبه ابن الإنسان (1: 13؛ 17-18) هو ، الذي وحده كان ميتاً وهو حي إلى أبد الآبدين. إن المنائر الذهبية (1: 20) هي الكنائس السبع. إن الكواكب السبعة (1: 20) هي الملائكة السبعة، أو الرسل السبعة للكنائس (مع الأسف ما زال الغموض يشوب هذا الأمر نظراً لاستخدام كلمة ملاك الذي قد يكون بدوره صورة أخرى). التنين العظيم (12: 9) هو الشيطان. الرؤوس السبعة (17: 9) هي الجبال السبعة التي تجلس عليها المرأة (تماماً مثل الملوك السبعة، وهكذا تتحول إلى صورة مرنة). أما المرأة (الزانية) (17: 18) فهي المدينة العظيمة، التي تشير بوضوح إلى روما.

 

ومع أن الكنيسة ستختبر الآلام والاستشهاد، فإنها ستنتصر في الذي سيدين أعداءه ويُخلِّص شعبه.

(د) على الشخص أن يرى الرؤى رؤية شاملة، وألا يشدد رمزياً على كل التفاصيل. وعليه، فإن تفاصيل إظلام الشمس كمسح من شعر، وسقوط النجوم كساقط شجرة التين قد لا تعني أي شيء. فهذه الصور تقدم الرؤيا الكاملة للهزة الأرضية بطريقة أكثر تأثيراً. أما في 9: 7-11 فإن الجراد ذا الأكاليل شبه الذهب والوجوه الشبيهة بوجوه الناس والشعر الشبيه بشعر النساء، كلها تساعد في ملء الصورة بطريقة تجعل صعباً على القراء الأولين أن يخطئوا ذلك المشهد، حشود البرابرة على الأطراف الخارجية للإمبراطورية الرومانية.

5-ملاحظة واحدة أخيرة: قلما تهدف الكتابات الرؤيوية عامة، وسفر الرؤيا خاصة، إلى إعطاء سرد زمني مفصل عن المستقبل. فرسالة هذا النوع من الكتابات تميل إلى تجاوز هذا الأمر. أما اهتمام يوحنا الأكبر، بالرغم من المظاهر الحاضرة فهو أن الله يسيطر على التاريخ والكنيسة. ومع أن الكنيسة ستختبر الآلام والاستشهاد، فإنها ستنتصر في الذي سيدين أعداءه ويُخلِّص شعبه. لذا يجب النظر إلى هذه الرؤى في ضوء هذا الاهتمام الأشمل.

القرينة التاريخية

كما هو الحال مع أنواع النصوص الأخرى، فإن الذي يجب أن نبدأ به عملية التفسير الاستنتاجي لسفر الرؤيا هو عمل استرجاع مؤقت أو إعادة تخيل للموقف الذي كُتب فيه السفر. ولكي تفعل هذا جيداً، عليك أن تقوم هنا بما سبق واقترحناه في مكان آخر:

  • حاول قراءة السفر من أوله إلى آخره في جلسة واحدة.
  • اقرأ من أجل الحصول على الصورة الإجمالية
  • لا تحاول أن تستنتج كل شيء.
  • دع قراءتك نفسها تكون موضع التركيز.
  • أي دع المشاهد تتدفق أمامك كتدفق الأمواج على شاطئ البحر، واحدة تلو الأخرى إلى أن تبدأ بإدراك مناخ السفر ورسالته.
  • مرة أخرى، وبينما تقرأ، قم بملاحظة أو تدوين الملاحظات القصيرة عن الكاتب وقرائه.
  • ثم عد ثانية ولاحظ بالتحديد كل الإشارات التي تشير إلى أن قراء يوحنا كانوا شركاءه في الضيقة (1: 9). فهذه هي المؤشرات التاريخية الهامة.

فعلى سبيل المثال، انتبه إلى المواضع التالية في الرسائل السبع 2: 3، 8-9؛ 3: 10، لاحظ أيضاً تكرار التعبير “مَنْ يغلب”. إن الختم الخامس (6:9-11)، الذي يتبع الدمار الذي أحدثه الفرسان الأربعة، يبين لنا الشهداء المسيحيين الذين قُتلوا من أجل كلمة الله ومن أجل الشهادة (وهذا بالضبط هو سبب وجود يوحنا في المنفى في 1: 9).

وفي 7: 14 نرى أن الجمع الكثير الذي لن يعاني فيما بعد (7: 16)، قد “أتوا من الضيقة العظيمة””. هنا أيضاً نرى العلاقة بين الضيق والموت من جهة و”شهادة يسوع المسيح” في 12: 11، 17 من جهة أخرى. وفي الأصحاحات 13: 20، يُعْزي الألم والموت إلى “الوحش” على وجه الخصوص (13: 7؛ 14: 9-13؛ 16: 5-6؛ 18: 20، 24؛ 19: 2).

يعد هذا الأمر هو المفتاح لفهم القرينة التاريخية، وهو يوضح تماماً مناسبة كتابة السفر وهدفه. ولقد كان يوحنا نفسه في المنفى بسبب إيمانه. وكان آخرون أيضاً يعانون الضيق، لدرجة أن أحدهم استشهد (2: 13) من أجل “شهادة يسوع”. عندما كان يوحنا في الروح، أدرك أن معاناتهم الحاضرة لم تكن سوى بداية الويلات التي ستنزل على الذين سيرفضون “السجود للوحش”. وفي الوقت نفسه، لم يكن يوحنا متأكداً من استعداد الكنيسة كلها لمواجهة ما كان ينتظرها. وهذا ما دعاه إلى كتابة هذه النبوة.

إن الأفكار الرئيسية واضحة تماماً بسفر الرؤيا: الكنيسة والدولة في حال صدام وصراع ويبدو النصر الأولي حليفاً للدولة. وها هو يحذر الكنيسة أن الألم والموت ينتظرانها وسوف تزداد الأمور سوءاً قبل أن تبدأ في التحسن (6: 9-11). ونرى يوحنا مهتماً جداً بأن لا يستسلموا في أزمنة الضيق (14: 11-12؛ 21: 7-8). لكن هذه الكلمة النبوية هي كلمة تشجيع أيضاً حيث أن الله يسيطر على كل الأمور. فمفاتيح التاريخ بيد المسيح، وهو يمسك الكنائس بيديه (1: 17-20). وهكذا ستنتصر الكنيسة حتى من خلال الموت (12: 11). وفي النهاية، سيسكب الله غضبه على الذين تسببوا في هذا الألم والموت وسيمنح أولئك الذين ظلوا أمناء الراحة الأبدية. وبحسب تلك القرينة، أو السياق كانت روما هي العدو العتيد أن يُدان.

جدير بنا الانتباه هنا إلى أن أحد مفاتيح فهم سفر الرؤيا هو معرفتنا للفرق الذي يراه يوحنا بين كلمتين أو فكرتين هما: الضيقة والغضب. إن الخلط بين هاتين الكلمتين وجعلهما تقولان الشيء ذاته من شأنه أن يربك الشخص ويجعله يائساً من معرفة قصد الكلام الوارد.

إن الضيقة (المعاناة والموت) جزء واضح مما كانت تمر به الكنيسة ومما كانت عتيدة أن تمر به. أما غضب الله من جهة أخرى، فهو دينونته التي سيسكبها على الذين اضطهدوا شعب الله. واضح من كل أنواع القرائن في سفر الرؤيا أن شعب الله لن يكون عليه أن يتحمل غضب الله العظيم عندما يسكبه على أعدائهم، لكنه واضح أيضاً أن شعب الله سيعانون الكثير على يد أعدائهم. يجب التنبير على أن هذا الفرق يتماشى تماماً مع بقية . انظر على سبيل المثال، تسالونيكي الثانية 1: 3-10، عندما يفتخر بولس بأهل تسالونيكي في الاضطهادات والضيقات، ولكنه يذكر أيضاً أن الله سيقوم في النهاية بإدانة الذين يضايقونهم.

عليك أن تلاحظ أيضاً كيف أن فتح الختمين الخامس والسادس (6: 9-17) يثير السؤالين الهامين في السفر. ففي الختم الخامس، يصرخ الشهداء المسيحيون قائلين: “حتى متى أيها السيد القدوس والحق لا تقضي وتنتقم لدمائنا من الساكنين على الأرض؟” والجواب ذو شقين:

  • عليهم أن ينتظروا (زماناً يسيراً) لأنه سيكون هناك عدد أكبر من الشهداء.
  • إن الدينونة مع ذلك أكيدة، كما يصرح الختم السادس.

وفي الختم السادس، عندما تأتي دينونة الله، يصرخ مَنْ أصابتهم الدينونة “مَنْ يستطيع الوقوف؟” والأصحاح السابع يحمل الجواب: الذين ختمهم الله، الذين “غسلوا ثيابهم وبيضوا ثيابهم في دم الخروف”.

القرينة الأدبية

لكي نفهم أية رؤيا الخاصة بسفر الرؤيا من المهم جداً ليس فقط أن نجاهد لفهم خلفية الصور ومعانيها (المسائل الخاصة بالمحتوى)، بل أيضاً أن نسأل عن وظيفة هذه الرؤيا الواحدة بالنسبة إلى مجمل سفر الرؤيا.

وفيما يتعلق بهذا الخصوص، فإن سفر الرؤيا يشبه كثيراً الرسائل وليس أسفار الأنبياء. فالأسفار النبوية عبارة عن مجموعات من الأقوال النبوية، ولكننا لا نحظى دائماً بهدف واضح لوظيفتها فيما يتعلق بعلاقتها مع بعضها البعض. أما في الرسائل، كما تذكر، فعلى الشخص أن يفكر بحسب الفقرات، لأن كل فقرة تعد لبنة في البناء الكلي للموضوع. هكذا هو الحال مع سفر الرؤيا أيضاً. فالسفر قد بني بناءً كاملاً بديعاً، وكل رؤيا فيه تعد بمثابة جزء مُكمِّل لذلك الكل.

بما أن سفر الرؤيا هو الوحيد من نوعه في ، فسنحاول إرشاد خطاك فيه من أوله إلى آخره، بدلاً من أن نكتفي بتقديم نموذج أو اثنين. وعلينا التنبيه بأن البنية الأساسية للسفر واضحة وليست محل نقاش، أما الاختلافات فهي حول الشخص لهذه البنية.

يتكشف لنا السفر كما تتكشف مسرحية عظيمة، بحيث تقوم المشاهد الأولى بإعداد خشبة المسرح وتوزيع أدوار شخصيات المسرحية، وتكون المشاهد اللاحقة معتمدة على كل المشاهد السابقة، وذلك لكي تتمكن من متابعة حبكة المسرحية.

تقوم الأصحاحات 1-3 بإعداد المسرح وتقديم أبرز الشخصيات لنا:

أولاً: هناك يوحنا نفسه (1: 1-11) الذي يقوم بدور الراوي إلى النهاية. لقد تم نفيه جراء إيمانه بالمسيح، وكان يمتلك البصيرة النبوية ليرى أن الاضطهاد الحالي كان مجرد مقدمة لما كان سيتبع.

ثانياً: هناك المسيح (1: 12-20) الذي يصفه يوحنا بتصاوير رائعة اشتقها جزئياً من دانيال 10 كرب التاريخ ورب الكنيسة. إن الله ليم يفقد السيطرة على التاريخ، فبالرغم من الاضطهاد الحالي، فإن المسيح وحده يمسك بمفاتيح الموت والهاوية.

ثالثاً: هناك الكنيسة (2: 1-3: 22) من خلال الرسائل إلى سبع كنائس حقيقية على كونها تمثل غيرها أيضاً، يقوم يوحنا بتشجيع الكنيسة وتحذيرها.

فالاضطهاد حاضر بالفعل ويتم وعد الكنيسة بالمزيد منه. ولكن هناك أيضاً مساوئ داخلية تهدد كيان الكنيسة. وهناك أيضاً وعود بالمجد الأبدي للذين يغلبون.

يقوم الأصحاحان 4-5 أيضاً بإعداد المسرح. فبمشاهد فريدة غايتها العبادة والتسبيح يعلن السفر للكنيسة أن الله يحكم بسيادة مطلقة (أصحاح 4)، وبالنسبة إلى المؤمنين الذين يتساءلون عما إذا كان الله حاضراً معهم يعمل لخيرهم، ويقوم يوحنا بتذكيرهم أن أسد الله هو خروف افتدى بنفسه بني البشر بواسطة الآلام (أصحاح 5).

يبدأ الأصحاحان 6-7 بالكشف عن المسرحية نفسها. يتم تقديم الرؤى خلال السفر كله ثلاث مرات بترتيب سباعي مبني بعناية (أصحاحات 6-7، 8-11 15-16). وفي كل حالة، تنسجم العناصر الأربعة الأولى معاً فتقوم برسم صورة واحدة. وفي 6-7 و8-11 يقوم العنصران التاليان معاً بتقديم جانبين من حقيقة أخرى.

ويتم فصل هذه الأحداث بفاصل يتألف من رؤيتين، وذلك قبل أن يتم الكشف عن العنصر السابع. أما في الأصحاحين 15-16 فيتم جمع العناصر الثلاثة الأخيرة دونما فاصل. لاحظ كيفية قيام الأصحاحين 6-7 بذلك:

1-الفارس الأبيض = غلبة.

2-الفارس الأحمر = حرب.

3-الفارس الأسود = مجاعة.

4-الفارس الأخضر= موت.

5-سؤال القديسين الشهداء: “حتى متى؟”.

6-الزلزلة (دينونة الله): “مَنْ يستطيع الوقوف”؟

    أ -ختم 144000 شخص.

    ب-جمع كثير.

7-غضب الله: الأبواق السبعة (الأصحاحات 8-11).

يُعد الأصحاح الثاني عشر المفتاح اللاهوتي للسفر. فبمشهدين اثنين يتم إخبارنا بمحاولة الشيطان لتدمير المسيح وبهزيمة الشيطان نفسه أثر ذلك.

تكشف الأصحاحات 8-11 ما تتضمنه دينونة الله. تشير الأبواق الأربعة الأولى أن جزءاً من هذه الدينونة يتضمن اضطرابات هائلة في الطبيعة. ويشير البوقان الخامس والسادس إلى الاضطراب الذي ستحدثه الحشود البربرية وإلى حرب عظيمة. وبعد الفاصل الذي يُعبَّر عنه تعظيم الله لشهوده حتى وإن كانوا يموتون، يعلن البوق السابع نهاية المطاف “قد صارت ممالك العالم لربنا ومسيحه”.

وهكذا يفضي بنا الأمر إلى معاناة الكنيسة ودينونة الله لأعداء الكنيسة، وصولاً إلى انتصار الله النهائي. لكن الرؤى لم تنته بعد، ففي الأصحاحات 8-11 يتم تعريفنا بالصورة الشاملة، أما الأصحاحات 12-22 فتقدم لنا تفاصيل تلك الدينونة وذلك النصر. فالذي حدث يشبه النظر إلى اللوحة المسماة كنيسة سيستين للفنان مايكل أنجلو، فلأول وهلة يشعر الشخص بالهيبة وهو ينظر إلى الكنيسة بأكمله ولكنه سرعان ما يبدأ بإمعان النظر في الأجزاء ويتمتع بالروائع التي تناولت أدق التفاصيل.

يُعد الأصحاح الثاني عشر المفتاح اللاهوتي للسفر. فبمشهدين اثنين يتم إخبارنا بمحاولة الشيطان لتدمير المسيح وبهزيمة الشيطان نفسه أثر ذلك. وهكذا وضمن إطار المتكرر والمتعلق بحالة بالفعل “ليس بعد” يظهر لنا الشيطان كعدو مهزوم (تمت هزيمته) لكن نهايته الأخيرة لم تأت بعد. لذلك هناك فرح لأن الخلاص قد تم ولكن مازال هناك ضيق للكنيسة لأن الشيطان يعرف أن له زماناً يسيراً ولذا يصب جام نقمته على شعب الله.

ثم يبين الأصحاحان 13-14 كيف أنه بالنسبة إلى كنيسة يوحنا جاءت هذه النقمة في هيئة الإمبراطورية الرومانية مع أباطرتها الذين كانوا يطالبون بالولاء الديني. لكن الدينونة تأتي على الإمبراطورية وأباطرتها (الأصحاحان 15-16). وينتهي السفر بقصة مدينتين (الأصحاحات 17-22). تتم إدانة مدينة الأرض (روما) للدور الذي قامت به في اضطهاد شعب الله، ثم تأتي بعد ذلك مدينة الله حيث يسكن شعب الله إلى الأبد.

ضمن هذه البنية العامة، تشكل بضعة رؤى صعوبات لا يستهان بها، وذلك من حيث معنى مضمونها ووظيفتها في سياق القرينة. وللإجابة على هذه الأسئلة، ستحتاج كثيراً إلى مراجعة أحد كتب التفسير الجيدة.

قضايا التفسير الحياتي

كثيراً ما تشبه صعوبة التفسير الحياتي لسفر الرؤيا تلك التي رأيناها في الأسفار النبوية التي تناولناها في الفصل العاشر. وكما هو الحال مع سائر أنواع النصوص الأخرى، وإن أردنا أن نعرف ما هي كلمة الله لنا، علينا أولاً أن نجدها في كلمة الله لهم. ولكن على عكس الضروب الأدبية الأخرى، فإن الرؤيا وأسفار الأنبياء كثيراً ما تتحدث عن أمور كانت بالنسبة لمَنْ كتبت إليهم لا تزال عتيدة أن تحدث.

فالكثير من ذلك الذي كانت عتيداً أن يحدث كان له علاقة زمنية مباشرة (في زمن كتابته). أما من موقعنا التاريخي فهو قد حدث بالفعل. وهكذا فإن مملكة يهوذا قد أُخذت للسبي، وتم رد سبيها، تماماً كما تنبأ إرميا وإن الإمبراطورية الرومانية قد وقعت فعلاً تحت الدينونة الدنيوية، التي كانت جزء منها على يد القبائل البربرية، كما رآها يوحنا بالتمام. لذلك فإن الصعوبات التفسيرية الحياتية المتعلقة بهذه الوقائع ليست كبيرة جداً، فما زال باستطاعتنا الإصغاء إلى أسباب الدينونات بصفتها كلمة الله. فكما أنه يحق لنا الافتراض بأن الله سيدين (الذين يدوسون المساكين بأقدامهم)، يحق لنا أيضاً الافتراض بأن الله سيدين السلطات التي تضطهد المسيحيين، كما كان الحال مع روما.

علاوة على ذلك، ما زال باستطاعتنا سماع ما تقوله كلمة الله ويجب علينا الإصغاء حقيقة إلى أن التلمذة تأخذ طريق الصليب، وأن الله لم يعدنا بحياة خالية من الألم والموت، ولكنه وعدنا بالغلبة من خلال هذه المعاناة. فمهما بلغت شرور الشيطان فإننا لا نخشاه لأنه قد يفلح في قتل الجسد وأما الروح فلا. ذلك أن حق الله لا ينتهي وملكه إلى أبد الدهر.

وهكذا فإن سفر الرؤيا هو كلمة الله المعزية والمشجعة للمؤمنين الذين يتألمون، ويعانون الاضطهادات أينما كانوا. فإن الله مالك زمام الأمور.

فكل هذا هو بمثابة الكلمة التي ينبغي تكرار الإصغاء لها في الكنيسة – في كل بيئة وكل عصر. إذا ما فاتتنا هذه الكلمة فقد فاتنا السفر كله.

لكن مشاكلنا الخاصة بالتفسير الحياتي لا تكمن في الإصغاء إلى هذه الكلمة، أي كلمة التحذير والتعزية التي هي هدف هذا السفر. إن مشكلتنا تتمثل في ظاهرة أخرى هي ظاهرة النبوة وبالتحديد لأن الكلمة الزمنية كثيراً ما تكون مرتبطة بالوقائع الإسخاتولوجية النهائية. وهذا الأمر يصح في سفر الرؤيا على وجه الخصوص. يبدو أن سقوط روما في الأصحاح الثامن عشر هو بداية فصول الختام النهائية، والكثير من صور الدينونة (الزمنية) تتضافر مع الكلمات والأفكار التي تشير أيضاً إلى النهاية الأخيرة كجزء من تلك الصورة. ويبدو أن ليس هناك سبيل لتجاهل أو إنكار حقيقة ذلك الأمر. والسؤال هنا هو، ما الذي نفعله بهذا الصدد؟ لقد قمنا بمعالجة ذلك السؤال في الفصل العاشر. أما هنا فسنقدم بعض الاقتراحات:

1-نحتاج أن نتعلم أن الصور الخاصة بالمستقبل هي مجرد صور. إن الصور تُعبِّر عن الواقع ولكن لا يجب خلطها مع الواقع، كما لا ينبغي الظن أن كافة تفاصيل تلك الصور يجب أن تتحقق بالضرورة بطريقة محددة.

2-إن بعض الصور، التي كان القصد الأساسي منها التعبير عن حتمية دينونة الله، لا ينبغي أن نفسرها لتعطي معنى الوشوك بمفهومنا القاصر. وهكذا عندما يُهزم الشيطان من خلال موت المسيح وقيامته ويُطرح إلى الأرض ليجلب الدمار على الكنيسة فهو يعلم أن وقته قصير. لكن كلمة قصير لا تعني بالضرورة أن الوقت وشيك جداً لكن ربما تعني زماناً محدوداً. في الحقيقة، سيأتي وقت حين يُربط الشيطان إلى الأبد، أما يوم وساعة حدوث ذلك فلا أحد يعلم بهما.

3-على الرغم من احتمال وجود مواقف كثيرة تحتوي على بعد ثان لتلك الصور، لم يتحقق بعد، فإن ليس لدينا أي دلائل لتعقب ذلك. وفي هذا الصدد، يعرض لنا نفسه مقداراً من الغموض. فإن شخصية ضد المسيح، على سبيل المثال، أمر صعب على نحو خاص. ففي كتابات بولس الرسول (2تس 2: 3-4) نراه شخصية محددة. أما في رؤيا 13-14 فهو يأتي على هيئة الإمبراطور الروماني. وفي كلتا الحالتين يبدو ظهوره إسخاتولوجياً أي مرتبطاً بالأمور الأخيرة. ولكن في رسالة يوحنا الأولى، نقابل أضداد للمسيح ليشيروا إلى الغنوسيين الذين كانوا يجتاحون الكنيسة. إذن كيف ينبغي أن نفهم الشخصية فيما يتعلق بمستقبلنا نحن؟

فمن الناحية التاريخية، عاينت الكنيسة (من زاوية ما) عدداً من حكام العالم الذين كانوا تعبيراً عن ضد المسيح. ومن هذه الزاوية، فإن أضداد المسيح مستمرون في الظهور (1يو 2: 18). ولكن ماذا عن شخصية عالمية محددة يرافق ظهورها الأحداث الأخيرة لنهاية العالم؟ هل هذا هو ما يخبرنا به الأصحاحان 13-14 من سفر الرؤيا؟ جوابنا هو ليس بالضرورة ولكننا منفتحون لتقبل مثل هذا الاحتمال.

إن الغموض في نصوص العهد الجديد نفسها يقودنا إلى توخي الحذر وإلى الافتقار إلى اليقينية من جهة مثل هذا الاعتقاد.

4-إن الصور التي كُتبت بقصد أن تكون اسخاتولوجية تماماً يجب أن تؤخذ على هذا المحمل. وعليه فإن الصور الواردة في 11: 15-19 و19: 1-22: 21 هي صور اسخاتولوجية كلية في غرضها. وعلينا أن نؤكد بأنها صور تمثل كلمة الله التي لم تتحقق بعد.

تماماً كما أن بداية كلام الكتابة المقدس تتحدث عن الله والخليقة، هكذا أيضاً تتحدث كلمة الله الأخيرة عن الله وعن الاكتمال. فإن كان هناك غموض عندنا من جهة كيفية حدوث كل التفاصيل فليس هناك غموض حول اليقين بأن الله سينجز كل شيء في توقيته هو وبحسب طريقته هو. وعلى هذا اليقين أن يفيدنا كما افادهم بهدف التحذير والتشجيع.

فإلى أن يأتي الرب، سنعيش المستقبل وكأنه تحقق بالفعل، وإنما نفعل هذا بسماع كلمة الرب وإطاعتها. ولكن سيأتي يوم حين لا نعود نحتاج إلى كتب كهذا الكتاب، لأنهم “لا يعلمون بعد كل واحد صاحبه… لأنهم كلهم سيعرفونني” (إر 31: 34). ونقول مع يوحنا، ومع الروح ومع العروس آمين تعال أيها الرب يسوع.

إقرأ أيضاً:

إقرأ أيضًا

مذيع مسلم: الله مات - هل تؤمن المسيحية بموت اللاهوت؟

مذيع مسلم: الله مات – هل تؤمن المسيحية بموت اللاهوت؟

مذيع مسلم: الله مات – هل تؤمن المسيحية بموت اللاهوت؟ مذيع مسلم: الله مات – …