الرئيسية / أبحاث / خطوات عملية لفهم النصوص الكتابية 10 – الأنبياء – تطبيق العهد في إسرائيل

خطوات عملية لفهم النصوص الكتابية 10 – الأنبياء – تطبيق العهد في إسرائيل

10 – الأنبياء – تطبيق العهد في إسرائيل

62900

·         طبيعة النبوة

·         وظيفة النبوة

·         مهمة التفسير الاستنتاجي

·         بعض الاقتراحات التفسيرية

·         المنظور النبوي للأحداث المتعاقبة

إن أسفار الكتاب المقدس التي تندرج تحتَ هذا النوع من أنواع النصوص يزيد عددها عن أسفار أي نصوص أخرى. فهناك أربعة أنبياء كبار (أشعياء، إرميا، حزقيال، دانيال) واثنا عشر نبياً صغيراً (آخر اثنا عشر سفراً بالعهد القديم) وقد كُتِبَتْ جميعاً ما بين 760 – 430 تقريباً ق.م.، وتحتوي على عدد كبير من الرسائل الإلهية. أما الأنبياء الصغار فقد تم تسميتهم كذلك لأن أسفارَهم جاءت قصيرةً نسبياً بالمقارنة مع أسفار الأنبياء الكِبار الطويلة. وهنا نقول بأن هاتين التسميتين لا علاقةَ لهما إطلاقاً بأهمية تلك الأسفار.

طبيعة النبوة

قبل البدء بدراسة مسألة النبوة وطبيعتها، علينا التنبيه أولاً إلى أن الأسفار النبوية تُعَدُّ من أكثر أجزاء الكتاب المقدس صعوبةً من حيث التفسير أو الفهم. وأسباب ذلك تعود إلى إساءة فهم وظيفة تلك الأسفار وصياغتها. وهنا يجدرُ بنا الانتباه إلى بعض الملاحظات الأولية قبل الخوض في بحث هاتين النقطتين.

من أهم مفاتيح فهمِنا للأنبياء هو أن نرى أنَّ نبواتِهم قد تَحَقَّقَتْ فعلاً.

معنى النبوة

إن أول صعوبةٍ تواجهُ معظم القراء اليوم عند قراءتِهم لأسفار النبوة عادةً تنشأ من عدم الدقة في الفهم المُسَبَّق لكلمة “نبوة” إن أن معنى هذه الكلمة عند أغلب الناس هو ما تورده معظم القواميس أولاً عند تعريف هذه الكلمة، وهو (التنبؤ أو التَكَهُّن بأمورٍ قبلَ حدوثِها)، لذلك فالكثيرون يميلون للرجوع إلى الأنبياء فقط من أجل الحصول أو الاطِّلاعِ على النبوات التي أَخْبَرَتْ عن مجيء السيد أو عن سمات عصرِ العهدِ الجديد فقط – وكأن هَمَّ الأنبياءِ الرئيسي كان التَكَهُّن بأحداثٍ بعيدةٍ في زمنِها عن يومهِم هم.

لكن الحقيقة أن التعامل مع الأسفارِ النبوية بهذه الطريقةِ لَهُوَ نوعٌ من الانتقائيةِ الكبيرة. وحول هذا الأمر، تأَمَّلْ الأرقامَ التالية: إن نبواتِ العهدِ القديمِ عن المَسِيَّا تَقِلُّ عن 2% من مجموعِ النبوات. أما النبوات التي تصِفُ عصرَ بشكلٍ خاص فتَقِلُّ عن 5% وما يتعلقُ بأحداثٍ مستقبلية فتَقِلُّ عن 1%.

لقد قامَ الأنبياءُ حقاً بإعلانِ المستقبل، لكنهُ كان مستقبلاً مباشراً لإسرائيل، ويهوذا، وللأمم الأخرى المحيطةِ بهما، ولم يكنْ المستقبل الخاص بنا نحنُ. لذلك، فإن واحداً من أهم مفاتيح فهمِنا للأنبياء هو أن نرى أن نبواتِهم قد تَحَقَّقَتْ فعلاً، بمعنىً آخر، علينا العودة والنظر إلى الأزمنةِ السابقةِ، التي مع كونِها ماضياً بالنسبةِ لنا فهي كانتْ مستقبلاً بالنسبةِ لهم.

الأنبياء كَمُتَحَدِّثينَ باسم

إن النظرَ إلى الأنبياءِ كَمُجَرَّد متنبئينَ عن المستقبل يجعلُنا نُغْفلُ عملَهم الأساسي، الذي يتمثلُ في التكلُّمِ إلى مُعاصرِيهم باسم . كما أنَّ ما يُسَبِّبُ الكثيرَ من الصعوباتِ لنا في فهم النبوات هو طبيعتها الكلامية أو الشفهية؛ إذ نحنُ نلاحظُ فقط تركيز هذه الأسفار على الرسائل الإلهية المكتوبة لنا من خلال الأنبياء في الوقت الذي لا يتمُّ فيه التركيز على سيرتِهم الذاتية.

في أسفارِ الأنبياء، نحنُ نسمعُ عن بواسطةِ الأنبياء، بينما لا نسمعُ إلا القليل عن سِيَرِ الأنبياءِ أنفسِهم.

مثلاً، إن من بين مئاتِ الأنبياء في إسرائيل، هناكَ ستَّةَ عشر نبياً فقط اختارهم ليتكلموا برسائل إلهية للناس تَمَّ فيما بعد جَمْعُها وكتابتٌها في أسفار. بالإضافةِ إلى أنبياء آخرين، مثل إيليا وأليشع، نعلم أنهم قد قاموا بدورٍ فَعَّالٍ في نقل كلمة إلى شعبِهِ وإلى أُمَمٍ أخرى غير بني إسرائيل. إلا أن ما نعرفٌه عن هؤلاء الأنبياء هو أكثر مِمَّا نعرفُهُ عن نَصِّ كلامِهِم. فما فعلوهُ وُصِفَ لنا بتفصيلٍ أكبرَ جداً مما قد قالوه، وما قالوه تَمَّ ورودُه بتحديدٍ وبوضوحٍ في قرينةِ عصرِهِم على يَدِّ كُتَّابِ قصص التي ظهرَ فيها هؤلاء الأنبياء. لكن، وبالنسبةِ لأنبياءَ قليلين فقط مثل “جاد” (1 صم 22، 2 صم 24) و”ناثان” (2 صم 7، 12؛ 1 مل 1)، أو “خلدة” (2 مل 22: 14)، نجدُ جمعاً ما بين النبوة والسيرة الذاتية ونرى نظيراً لهذا الأمر في حالة يونان النبي وبدرجةٍ أقل في حالة دانيال النبي. لكن، وبصورةٍ عامةٍ، فنحنُ نسمع في قصص عن الأنبياء ونسمع عن بواسطتِهم، لكن ما نسمعُه منهم أقل مما نسمعه عنهم وعن سيرتهم.

أما في أسفارِ الأنبياء، فنحنُ نسمعُ عن بواسطةِ الأنبياء بينما لا نسمعُ إلى القليل عن سِيَرِ الأنبياء أنفسهم. ولَعَلَّ هذا الفرق الوحيد يُفَسِّرُ معظم المشكلات التي يواجهها الناسُ عادةً عند محاولتِهم فهمَ ما تقوله الأسفارُ النبوية في .

علاوةً على ذلك، فهل لاحظتَ قبلاً مدى صعوبةِ قراءةَ أحد الأسفارِ النبوية الطويلة في جلسةٍ واحدةٍ؟ ما السبب في رأيك؟  أولاً، نحنُ نعتقدُ أن هذه الأسفار على الأرجح لم يُقْصَدْ بها أن تُقْرَأَ بتلك الطريقة. فهي في معظمِها تجميع لرسائل إلهية شفهية، وهي كثيراً ما تخلو مما يحدد لها بداياتٍ أو نهايات. كما أننا كثيراً ما نقرأُها بدون معرفةِ خلفيتها التاريخية، إضافةً إلى أن معظم الرسائل الإلهية الشفهية قد قِيلَتْ شِعراً، ونحنُ سنسهبُ في الحديث عن هذا الأمرِ لاحقاً.

مشكلة التاريخ:

إن مسألةَ البعدِ التاريخي تُعَدُّ مشكلةً أخرى تزيدُ في تعقيدِ فهمِنا للأسفارِ النبوية. فنحنُ – كقُرَّاء معاصرين – نجدُ صعوبةً في فهم كلمة في وقتنا الحاضر، كما تَكَلَّمَ بها الأنبياء، أكثرَ بكثيرٍ مما وجدَهُ بنو إسرائيل الذين سمعوا النبواتِ مباشرةً. فالأمورُ الواضحةُ عندَهم، مبهمةٌ عندَنا. لماذا؟ من ناحيةٍ، لأن للسامعينَ المباشرينَ لكلام النبي امتيازاً واضحاً على أولئكَ الذين يقرأونَ كلامَهُ منقولاً إليهم (انظرْ ما قُلناهُ عن الأمثالِ في الفصل الثامن). ومن ناحيةٍ أخرى فإن الصعوباتِ الحقيقية التي نواجهها ليستْ بسبب أننا لم نكن السامعين المباشرين لها فقط، ولكن لكونِنا بعيدين أيضاً عن الحياةِ الثقافيةِ والتاريخيةِ والدينيةِ لشعب إسرائيل القديم، الأمرُ الذي يسبب لنا صعوبةً كبيرةً جداً في وضع الكلماتِ التي نطقَ بها الأنبياءُ ضمن قرينتِها التاريخية؛ إذ كثيراً ما يصعُبُ علينا إدراكَ ما كانوا يشيرونَ إليه ولماذا.

وظيفة النبوة

لمحاولةِ فهم كلام الله لنا من خلال هذه الاسفار ذات الوحي الإلهي، يجدُرُ بنا أولاً أن نفهمَ وبوضوح دورَ ووظيفةَ النبي في إسرائيل قديماً. والتركيز الشديد على أمورٍ ثلاثة:

كان الأنبياءُ كوسطاء تطبيق العهد: لقد قَدَمْنا شرحاً في الفصل السابق عن أن ناموس بني إسرائيل كان قد شُكِّلَ كعهدٍ بين الله وشعبِهِ. وهو كعهدٍ، لم يحتوِ على مجرد قواعد ينبغي الالتزامُ بها، بل نَصَّ أيضاً على أنواع عقوباتٍ كان الله يُنزلها حتماً على شعبِهِ إن لم يحفظوا الناموس، إضافةً إلى الفوائد التي كانوا يجنونها إن هم حفظوه.

وكثيراً ما سُمِّيَتْ هذه العقوبات “بلعنات” العهد والفوائد “ببركاتِه”. لكن هذه التسمية ليستْ بذات أهمية، فالذي يهم هو أن الله لم يقُمْ فقط بمجرد إعطاء الناموس، لكنه كان ينفذه. لقد كان موسى النبي وسيط شريعة الله عندما أعلن الله أولاً عن هذه الشريعة. وبالتالي فهو نموذج للأنبياء باعتبارهم وسطاء الله أو المتحدثين باسمِه فيما يتعلق بالعهد. فبواسطتِهم يُذَكِّرُ الله الأجيال من بعد موسى بأنه إذا ما تَمَّ حفظُ الشريعة، فالبركة قادمةٌ وإلا فالعقابُ سَيَحِلُّ.

وأنواعُ البركات التي سَتَحِلُّ على بني إسرائيل لحفظِهم العهد نجدُها في سفر اللاويين 26: 1 – 13، التثنية 4: 32 – 40، 28: 1 – 14، مع وجود تحذير يرافقُ تلك البركات أنَّه إن لم يُطِعْ بنو إسرائيل شريعة الله فستنتهي تلكَ البركات. أما أنواع اللعنات التي عادةً ما ستنزل ببني إسرائيل إذا قاموا بانتهاك الشريعة فنجدها في لاويين 26: 14 – 39 وتثنية 4: 15 – 28، تثنية 28: 15 – 32 : 42).

لذا عليكَ أن تتذكرَ دائماً بأن الأنبياء لم يخترعوا البركات أو اللعنات التي أعلنوها. نعم، ربما قاموا بصياغة تلك البركات واللعنات بأساليب روائية، كما أوحى لهم الروح القدس. لكنهم وبكامل الصدق قاموا بنقل ما جاءهم من كلمة الله ولم يقدموا كلامهم هم.. فقد قام الله من خلالهم بإعلان قصدِه في تطبيق عهده للبركة أو للعنَّة بناءً على أمانة بني إسرائيل ودائماً وِفقَ أُسُس شروط البركات واللعنات الواردة في لاويين 26 وتثنية 4 وتثنية 28 – 32. إن قراءتَك لتلك الأصحاحات من أسفار الشريعة ستقودُكَ لفهمٍ أكبر للسبب الذي دعا الأنبياء لأن يقولوا ما قالوه.

باختصار، هذا ما ستكتشفه: إذ يحتوي الناموس على أنواعٍ معينة من البركات الجماعية الناتجة عن الالتزام بالعهد: وهي الحياة، والصحة والازدهار والوفرة الزراعية، والكرامة، والأمان. وتندرج معظم البركات المذكورة تحت إحدى تلك الفئات السِتِّ العامة. أما وفيما يتعلق باللعنات، فالناموس يصف عقوبات جماعية تنحصر في الأمور التالية: الموت والوبأ والقحط والمجاعة والخطر والدمار والهزيمة والسبي والعَوَز والخِزْي. ومعظم اللعنات عادةً ما تندرج في إطار تلك القائمة.

تنطبق هذه الأنواع على ما يُعلنُه الله من خلال الأنبياء. فعلى سبيل المثال عندما يعلن الله عن وعده بالبركة للشعب (وليس لأحد الأفراد) بواسطة عاموس النبي، فهو يفعل ذلك من خلال تشبيهات تتعلق بالوفرة الزراعية والحياة والصحة والازدهار والإكرام والأمان (عا 9: 11 – 15). وعندما يعلِنُ عن جزائه بالهلاك للأمة العاصية في أيام هوشع النبي، فهو يفعل ذلك مستنداً إلى اللعنات العشر التي ذُكِرَتْ سابقاً (انظر هو 8: 14؛ 9: 3). إذ كثيراً ما تكون هذه اللعنات مَجَازيةً مع أنها يمكن أن تكون حرفيةً أيضاً. لكنها دائماً جماعية أو مشتركة، أي تقع على الأمة ككل. فالبركات واللعنات لا تتضمن أي ازدهار أو مجاعة لأي فردٍ بالذات. وتاريخياً، فإن غالبية ما أعلَنَهُ الأنبياء في القرن الثامن والسابع ومطلع القرن السادس قبل الميلاد كان لعنةً، وذلك لأن الهزيمةَ الكُبرى والدمارَ اللذينِ لحقا بالمملكة الشمالية لم يحدُثا إلا عام 722 ق.م. وأما ما لحقَ بالمملكة الجنوبية (يهوذا) فقد حصلَ عام 587 ق.م. وهكذا كان العقابُ قريباً من بني إسرائيل شمالاً وجنوباً خلال تلك الحِقبة. لذلك فقد كان من الطبيعي أن تسبقَ تلك الأحداث كلماتُ اللعنةِ لا البركة، لأن الله كان يريد لهم أن يتوبوا. أما في فترة ما بعد الدمار الذي لحق بالمملكتين الشمالية والجنوبية، أي بعد عام 587 ق.م.، فكثيراً ما أوحى الله إلى الأنبياء بالتنبؤ بالبركات بدل اللعنات. والسبب في ذلك هو أن الله بعد ما أتَمَّ عقابَه لتلك الأمة، عاد فواصل خُطَّتَه الأساسية وهي إظهار الرجمة (انظر تث 4: 25 – 31) لعمل وصف إجمالي لهذا التسلسل.

قم أثناء قراءتِك للأسفار النبوية بتأملِها مستخدماً هذا النمط البسيط:

  • التعريف بخطية بني إسرائيل أو بمحبة الله لهم.
  • التنبؤ باللعنة أو البركةِ اعتماداً على حالة الشعب.

هذا النمط هو ما قام الأنبياءُ بنقلِهِ عادةً وفي أغلب الأوقات بحسب ما أُوحِيَ لهم من قِبَل الله.

رسالة الأنبياء هذه لم تنبُعْ منهم، بل من الله وحده: فهو الذي أقامهم (انظر خر 3: 1؛ إش 6؛ إر: 1؛ حز 1 – 3؛ هو 1: 2؛ عا 7: 14 – 15؛ يون 1: 1 … إلخ.). وإذاً ما تَجَرَّأَ نبيٌ بانتحالِ هذه الوظيفةِ لنفسِهِ، فهذا سببٌ كافٍ لجعلِهِ نبياً كَذَّاباً (انظر إر 14: 14؛ 23: 21). فالأنبياء كانوا يستجيبون لدعوة الله. والكلمة العبرية “نبي”، كما في العربية، مشتقةٌ من فعلٍ في اللغةِ السامية معناهُ “دعا”، وستلاحظُ أثناء قراءتِكَ لأسفارِ الأنبياءِ أنهم يَسْتَهِلُّونَ رسائلَهم أو يختمونَها أو يذكرونَ في سياقِها التذكيرَ التالي: “هكذا يقولُ الرَّبُ” أو “يقولُ الرَّبُ”. وفي غالبية الوقتِ كانت الرسائلُ النبويةُ تُنْقَلُ مباشرةً كما تَسَلَّمَها الأنبياءُ من الرَّبِ وبضميرِ المُتَكَلِّم كأن اللهُ يتحدث عن نفسِهِ باستخدام “أنا” أو “ياء المتكلم”.

في غالبيةِ الوقتِ، كانت الرسائلُ النبوية تُنْقَلُ مباشرةً كما تَسَلَّمَها الأنبياءُ من الرَّبِ بضميرِ المتكلم، كأن الله يتحدثُ عن نفسِهِ باستخدامِ “أنا” أو “ياء المتكلم”.

ولأخذ مثالٍ أوضح، اقرأ الأصحاحين 27 و28 من إرميا. تأمل في صعوبةِ مهمة إرميا المتعلقةِ بإيصال الرسالةِ إلى شعب يهوذا، تلك الرسالة التي تقتضي الخضوع لجيوش العدو البابلي، وذلك فيما إذا أراد الشعب إرضاء الرَّب. لقد اعْتَبَرَ معظم سامعي إرميا رسالتَهُ هذه بمثابةِ خيانةً لشعبِهِ. مع أن إرميا، وعند نقلِهِ الرسالةَ، أعلنَ لسامعيه وبكلِ وضوحٍ بأنهم لم يكونوا يستمعونَ إلى وجهةِ نظرِهِ هو في الأمر، بل إلى رسالةِ الله. بدأ إرميا بتذكيرهِم قائلاً: “هكذا قال الرَّبُ لي” (27: 2)، ثم اقتبسَ أمرَ الله له قائلاً: “أرسلْها” (27: 3) “وأوصِهُم …” (27: 4)، وعادَ فأكملَ قائلاً: “هكذا يقولُ الرَّبُ”، فكلمةُ إرميا إذاً كانت كلمةَ الله وقتد تم تسليمُها لهم بسلطان الله (28: 15، 16) وليس بسلطانِ إرميا.

وهنا جديرٌ بالذكرِ أن نقولَ بأن الأنبياءَ، وباعتبارِهِم وُسَطاءَ لنقلِ كلمةَ الله لبني إسرائيل ولأممٍ أخرى قد تَقَلَّدوا نوعاً من المنصبِ الاجتماعي، إذ كانوا بمثابةِ السفراءَ للبلاطِ السماوي، ناقلين المشيئةً الإلهية ذات السيادةِ العُليا إلى الشعب. ولم يكنْ الأنبياءُ بحدِّ ذاتِهم لا مُصْلِحينَ اجتماعيين، ولا مفكرين دينيين. فالإصلاحُ الاجتماعي والفكر الديني اللذانِ أرادَ الله أن ينقلَهُما إلى الشعب، كان قد تَمَّ إعلانُهما في ناموسِ العهد. وبصرفِ النظرِ عن الجماعةِ التي خالَفَتْ تلكَ الشرائعَ، كانت كلمةُ الله تحملُ العقابَ لها من خلالِ النبي. فإذا كانَ المذنبُ بانتهاكِ العهدِ من الملوك (2 صم 12: 1 – 14؛ 24: 11 – 17؛ هو 1: 4) أو من رجالِ الدين (هو 4: 4 – 11؛ عا 7: 17؛ ملا 2: 1 – 9) أو من أيِّ طائفةٍ أخرى، كان النبي ينقلُ رسالةَ الله باللعنةِ على الأمةِ أو على الشعبِ نقلاً أميناً. وفي الواقعِ لقد قامَ الأنبياءُ بموجبِ كلمة الله بتنصيبِ الملوكِ وخلعِهِم (1 مل 19: 16؛ 21: 17 – 22) وبإعلانِ الحربِ (2 مل 3: 18 – 19؛ 2 أخ 20: 14 – 17؛ هو 5: 5 – 8) أو بمقاومتِها (إر 27: 8 – 22).

رسالةُ الأنبياءِ ليستْ جديدةً: فلقد أوحى الله إلى الأنبياءِ بتقديمِ المضمون الجوهري للتحذيراتِ والوعود (البركات واللعنات) التي يتضمنها العهد. لذلك فإننا عندما نقرأُ كلماتِ الأنبياءِ، فما نقرأُهُ ليسَ عبارةً عن أمرٍ جديد في جوهرِهِ، لكنهُ الرسالةَ نفسَها التي نقلَها الله في الأصلِ ومن البدءِ بواسطةِ موسى. إلا أن الهيئةَ أو الصيغةَ التي تُنْقَلُ بها الرسالةُ قد تتغيرُ فعلياً. لقد أقامَ اللهُ الأنبياءَ لجذبِ انتباهَ الشعبِ الذي أُرْسِلوا إليه. وجذبُ هذا الانتباهِ قد يتطلبُ إعادةَ صياغةٍ، أو تركيبُ شيءٍ قد سبقَ للشعبِ وسمعوهُ مراتٍ كثيرةً حتى يتَّسِمَ هذا الشيءُ بنوعٍ من الجِدِّية. لكن هذا لا يُعني على الإطلاقِ أن اللهَ يبادرُ برسالةٍ جديدةٍ أو بإعلانِ تعاليمَ لم يسبقْ أن تضَمَّنَتْها أو أَعْلَنَتْها أسفارُ الشريعةِ الخمسة. ولأخذِ مثالٍ على هذا الحفظِ للرسالةِ الإلهيةِ الأصليةِ، تأمَّلْ في النصف الأول من هوشع 4: 2، لقد تَفَشَّى في الأرض “لعنٌ وكذبٌ وقتلٌ وسرقةٌ وفِسْقٌ”.

في هذا العددِ، الذي هو جزءٌ من وصفٍ مسهبٍ لخطيةِ بني إسرائيل أيامَ هوشع (750 – 722 ق.م.) نجدُ تلخيصاً لخمسٍ من الوصايا العشر، كلُّ واحدةٍ نجدُها في كلمةٍ من هذه الكلماتِ الأولى: “اللعنةُ”، وهي الوصيةُ الثالثةُ من الوصايا العشر “لا تنطقْ باسمِ الربِّ إلهِكَ باطلاً” (خر 20: 7؛ تث 5: 11). والثانية “الكذِب”، وهي الوصيةُ التاسعة “لا تشهد على قريبِكَ شهادةَ زورٍ” (خر 20: 16؛ تث 5: 20). الثالثة هي “”، وهي الوصيةُ السادسة “لا تقتل” (خر 20: 13؛ تث 5: 17). الرابعة “السرقة”، وهي الوصيةُ الثامنةُ “لا تسرقْ” (خر 20: 15؛ تث 5: 18). أما الخامسةُ والأخيرةُ فهي “الزنا”، وهي الوصيةُ السابعةُ من الوصايا العشر “لا تزنِ” (خر 20: 14؛ تث: 5: 18).

وما تجدرُ ملاحظتُه هنا أيضاً هو ما يفعلُهُ النبيُّ المُلْهَمُ وما لا يفعلُه. بمعنى أن هوشع لم يقتبسْ الوصايا العشر حرفياً. فهو يذكرُ خمساً منها فقط، وكلُّ واحدةٍ بكلمةٍ، بما يشبهُ إلى حَدٍّ كبيرٍ ما فعلَهُ السيدُ في لو 18: 20. لكنَّ مجردُ ذِكْر خمسٍ منها، حتى وإن لم تكُنْ حسَبَ ترتيبِ ورودِها في الأصلِ، يُعَدُّ طريقةً فعالةً جداً في إبلاغِ بني إسرائيل بأنَّهُم قد خالفوا الوصايا العشر. لأنَّهُ، وعند سماعِهِم للوصايا الخمس، سيتساءلون: وماذا عن بَقِيَّةِ الوصايا؟ ماذا عن ترتيبِها؟ فالوصايا كما جاءت في الأصل هي …. وهكذا سيبدأُ السامعون بالتفكيرِ في الوصايا العشر مُذَكِّرينَ أنفسَهُم بما قد دعاهم ناموسُ العهدِ إليه بشأن البِرِّ الأساسي. وهنا نرى أن هوشع لم يقُمْ بتغيير شيءٍ من الناموس، بل كما فعلَ السيدُ ، كَرَّرَ فقط خمساً من الوصايا من أجل إحداثِ التأثيرَ ذاتَهُ. ولكنه قامَ بطبعِ الناموسِ في أذهانِ سامعيه بطريقةٍ أحدَثَتْ أثراً ربما لم يَكُنْ ليحدُثَ فيما لو أنه أعادَ عليهم ذِكْرَ الوصايا كلمةً كلمةْ.

هناكَ أيضاً سؤالٌ ثانٍ يتعلقُ بالنبواتِ الخاصةِ بالمَسِيَّا: هل هذه النبواتُ جديدةٌ؟ لا، على الإطلاق. بالتأكيدِ، إن تفاصيلَ حياةِ ودور المَسِيَّا التي نجدها في قصائد العبد في إشعياء 42، 49، 50، 53 قدْ تُعَدُّ جديدةً. لكنْ لم تكُنْ هذه هي المَرَّةُ الأولى التي كشفَ اللهُ بها للناسِ عن فكرةِ المَسِيَّا من خلالِ الأنبياء. بل في الحقيقةِ كان هذا الكشفُ قد بدأَ أصلاً بالناموس. وإلا فكيفَ كان يمكنُ ليسوعَ ِ أن يَصِفَ حياتَهُ كإتمامٍ لما هو مكتوبٌ في ناموسِ موسى والأنبياءِ والمزامير (لو 24: 44)؟ إن من بين مقاطع ناموس موسى الأخرى التي تتكلمُ عن خدمةِ المَسِيَّا هناك مقطعٌ بارزٌ وشهيرٌ في تثنية 18: 18 “أقيمُ لهم نبياً من وسطِ إخوتِهمْ مثلك، وأجعلُ كلامي في فَمِهِ فيُكَلِّمُهم بكل ما أوصيهِ بهِ”.

وكما أن يوحنا 1: 54 أيضاً يُذَكِّرُنا أن الناموسَ قد سبقً وتكلَّمَ عن ، فلمْ يكُنْ جديداً أن يتكلمَ الأنبياءُ عنهُ. ولم يكُنْ يلزمُ للشكلِ أو الأسلوبِ أو الخصوصيةِ التي صاغَ بها أولئكَ الأنبياءُ ما أَوْحَى اللهُ لهم من نبواتٍ – لم يكن يلزم أن يكونَ محصوراً بما قد احْتَوَتْهُ أسفارُ الشريعةِ الخمسة. لأن الحقيقةَ الجوهريةَ هي في أن سيكونُ هناكَ عهدٌ جديدٌ سيأتي به نَبِيٌّ جديدٌ (على حَدِّ تعبيرِ سفر التثنية). هذه الحقيقةُ كانتْ في الواقع أمراً ليس بالجديد.

مهمة التفسير الاستنتاجي

الحاجةُ إلى المساعدةِ الخارجية

سبقَ أن ذَكَرْنا في الفصلِ الأول بأن هناكَ اعتقاداً شائعاً مُفادُهُ أن كلَّ ما في الكتابِ المقدس لابدَ وأن يكونَ واضحاً لكلِّ من يقرأه، بدونَ دراسةٍ أو مساعدةٍ خارجيةٍ من أي نوع. وأساس هذا الاعتقاد هو: إن كان اللهُ قد كتبَ الكتابَ المقدسَ من أجلِنا، فالمُفْتَرَضُ بنا هو أن نفهَمَهُ بالتمامِ من أولِ قراءةٍ له، طالما أن الروحُ القُدُس فينا. لكن مثل هذه الفكرةِ ليستْ صحيحةً. فبعْضُ الأجزاءِ من الكتابِ المقدس واضحةٌ ومباشرةٌ، وأجزاءٌ أخرى غيرُها ليستْ كذلك. وبموجبِ الحقيقةِ القائلةِ بأن أفكارَ اللهِ ليستْ كأفكارِنا نحنُ البشر (مز 92: 5؛ إش 55: 8)، فليسَ مستغرباً إن احتاجَتْ بعضُ مقاطعِ الكتابِ المقدسِ وقتاً ودراسةً متأنيةً لكي نفهمَها.

وهذا الوقتُ وهذا الجهدُ الدراسي هما ما تحتاجُهُ الأسفارُ النبويةُ. إذ كثيراً ما يقرأُ الناسُ هذه الأسفارَ قراءةً عابرةً وكأن القراءةَ السطحيةَ لكتاباتِ الأنبياءِ ستمنحَهُم مستوىً رفيعاً من الفهم. وطبعاً هذا الأسلوبُ لا ينفعُ مع الأسفارِ النبويةِ.

نحنُ نحتاجُ لأن نُكَرِّرَ هنا، وبصفةٍ خاصةٍ فيما يتعلقُ بتفسيرِ الأنبياءِ، أنواعَ المساعداتِ المتوفرةِ لك. مثل القواميسِ أو موسوعاتِ الكتابِ المقدس التي تُوْرُدُ مقالاتٍ على الخلفيةِ التاريخيةِ لكلِّ سِفرٍ وعن مواضيعِهِ الرئيسيةِ، أيضاً المعالمَ الخاصةَ التي يشتملُ عليها والنقاط التفسيرية التي يجب على القارئُ مراعاتُها. وهنا نوصيكَ بأن تَتَعَوَّدَ على القيامِ بهذا النوعِ من القراءةِ قبلَ أن تبدأَ دراستَكَ لأي سفرٍ نبوي. إذْ تحتاجُ لأن تعرفَ عن خلفيةِ الموضوعِ قبلَ أن تتمكنَ من فهمِ القصد من الكثيرِ مما قالَهُ النبي. لقد جاءتْ كلمةُ الله من خلال الأنبياءِ إلى الناسِ في ظروفٍ معينةٍ، ولَعَلَّ مقدارُ قيمةِ هذه النبواتِ بالنسبةِ لنا يعتمدُ جزئياً على مدى مقدرتِنا على استيعابِ تلك الظروفِ بحيثُ نستطيعُ بدورِنا نحنُ أن نُطَبِّقَ النبواتِ على ظروفِنا.

المصدرُ الثاني للمساعدةِ هو كُتُبُ التفسير، التي تتميزُ بإعطاءِ مقدماتٍ وافية لكلِّ سفرٍ، وهي مُكَوَّنةٌ بعضُ الشيء على نمطِ قواميسِ الكتاب المقدس، وإن كانت مراتٍ كثيرةٍ أقلَّ فائدةٍ من حيثُ تنظيم المعلومات. لكن الأهم من هذا أنها تقدمُ تفسيراً لمعنى كل آيةٍ على حِدّة. وقد تزيدُ أهمية هذه التفسيراتِ إن كنتَ تدرسُ، وبعنايةٍ، مقطعاً صغيراً من أحد الأسفارِ النبويةِ، جزءاً يَقِلُّ عن أصحاح، وذلك في جلسةٍ منفصلة.

أما المصدرُ الثالثُ للمساعدةِ فهو مقدماتُ الأسفارِ، وهي عادةً تعطي للقارئ نظرةً عامةً على الكتابِ المقدس. وما يميز هذه الكتب هو أنها تجمعُ بين ما تقدمه القواميسُ وكتبُ التفسير. لكن، بدونَ الدخولِ في تفاصيلٍ كثيرةٍ، سواءً في الخلفياتِ المختلفةِ لِلْنَصِّ أو في شرحِ النصِّ آيةً آيةْ. فمقدماتُ الأسفارِ هدفُها تقديم مساعدةٍ إرشاديةٍ في وقتٍ قصير.

القرينةُ التاريخية

هل تذكرُ دراستَنا للقرينةِ التاريخيةِ ليسوعَ ِ في الفصلِ السابع، والتي تناولَتْ كلاً من القرينةِ التاريخيةِ العامةِ التي أتى فيها السيدُ ُ، والقرينةِ التاريخيةِ الخاصةِ لأيٍ من أقوالِهِ أو أفعالِهِ؟ هكذا الأمرُ أيضاً مع دراسةِ الأسفارِ النبوية. فالقرينةُ التاريخيةُ العامةُ تتناولُ المجالَ الأوسعَ والأشملَ (حقبتها الزمنية)، بينما القرينةُ الخاصةُ تتناولُ ما يتعلقُ بكل رسالةٍ إلهيةٍ فردية.

            ولكي تتمكنَ من عملِ التفسيرِ الاستنتاجي جيداً، عليكَ فهمُ نوعي القرينةِ التاريخية لكل الأسفارِ النبوية

  1. القرينةُ العامة: تجدرُ الملاحظةُ هنا إلى أن أسفارَ العهدِ القديم النبوية السبعةُ عشر جاءتْ ضِمنَ نطاقٍ ضيقٍ من المشهدِ الشاملِ لتاريخِ بن إسرائيل (حوالي 760 – 430 ق.م.). وهنا نسألُ: ما السببُ في عدم وجودِ أسفارٍ نبويةٍ في ايامِ إبراهيم؟ ألَمْ يتكلمُ اللهُ إلى شعبِهِ وعالمِهم قبل 760 ق.م.؟ الجوابُ هو: نعم، بالطبعِ تكلَّمَ اللهُ ولدينا في الكتابِ المقدس أمورٌ كثيرةُ عن تلكَ العصورِ، إضافةً إلى الأمورِ التي تتعلقُ بالأنبياء (1 مل 17؛ 2 مل 13). علاوةً على ذلك، تَذَكَّرْ أن اللهَ قد تَحَدَّثَ إلى إسرائيلَ خصيصاً بواسطة الناموس، ذلك الناموسُ الذي كان من شأنِهِ أن يسودَ على كل ما بَقِيَ من تاريخِ الأمةِ إلى الوقتِ الذي حَلَّ فيه العهدُ الجديدُ مَحَلَّهُ (إر 31: 31 – 34).

وهنا نجدُ سؤالاً أخرَ يدركنا، وهو: إذن، لماذا هذا التركيزُ في تدوينِ الكلمةِ النبويةِ خلالَ القرونِ الثلاثةِ ما بينَ عاموس (حوالي 760 ق.م.)، وهو أقدمُ الأنبياءُ الكُتَّابُ، وملاخي (حوالي 430 ق.م.) وهو آخرهم؟ والجوابُ هو: إن تلكَ الحِقْبَةَ من تاريخ إسرائيل دَعَتْ، وبشكلٍ خاص، إلى إيجادِ وسطاء من أجل تطبيقِ العهد، وكان هذا عينُهُ هو مهمةُ الأنبياء. هناكَ عاملٌ آخرٌ واضحٌ، وهو أن الله رغِبَ في أن تُدَوَّنَ كلُّ تحذيراتِ اللعنةِ ووعودُ البركةِ التي أعلَنَها بواسطة الأنبياء أثناء تلك الحقبة البالغة الأهمية، وذلك من أجلِ التاريخِ اللاحق.

تميزت تلك السنونُ بأمورٍ ثلاثة:

  • تغيراتٍ سياسيةٍ وعسكريةٍ واقتصاديةٍ واجتماعيةٍ عنيفةٍ لم يسبقْ لها مثيل.
  • مستوىً رهيبٍ من الخيانةِ الدينيةِ والاستخفافِ بالعهدِ الموسوي الأصلي.
  • تنقلاتٍ سكانيةٍ وتغييراتٍ في الحدودِ الإقليمية. وهنا نرى أن الناسَ كانوا في حاجةٍ إلى كلمتهِ من جديدٍ في ظِلِّ تلكِ الظروف. لذا أقامَ اللهُ الأنبياءَ وأعلنَ كلمتَه.

عندما تستخْدِمُ القواميسَ والتفاسيرَ والمقدماتِ الكتابيةَ، ستلاحظُ أن إسرائيلَ كانتْ بحلول عام 760 ق.م. أمةً دائمةَ الانقسام بسبب الحربِ الأهليةِ الطويلةِ الأمَدْ. فقد كانت الاسباطُ الشماليةُ – واسمها إسرائيل، وأحياناً أفرايم – منفصلةً عن السبطِ الجنوبي المُسَمَّى يهوذا. فالمملكةُ الشماليةُ، التي فاقتْ بكثيرٍ في ارتدادِها عن عهدِ الله مملكةَ يهوذا، كانت آيلةً إلى السقوطِ بسببِ خطيئتِها قدامَ الله. وفيها قامَ كلٌّ من عاموس بدايةً (بحوالي 760) وهوشع بدايةً (بحوالي 755) بإعلانِ السقوطِ الوشيك. وفعلاً وقعَتْ المملكةُ الشماليةُ في براثنِ الدولةِ العُظْمى في الشرق الأوسطِ آنذاك وهي مملكة آشور في عام 722 ق.م.، بعدها ازدادَ إثمُ يهوذا بالتزامنِ مع قيامِ قوةٍ عُظمى أخرى، هي مملكةُ بابل. وشَكَّلَ هذانِ الأمرانِ المادةَ التي كتبَ عنها أنبياءٌ كثيرون بما فيهم إشعياء وإرميا ويوئيل وميخا وناحوم وحبقوق وصفنيا. ولقد تَمَّ أيضاً تدمير مملكةِ يهوذا لعدم إطاعتِها لله. وكان ذلك عام 587 ق.م. ثم قام بعدها كلٌّ من حزقيال ودانيال وحجي وزكريا وملاخي بإعلانِ مشيئة الله الخاصةَ بِرَدِّ الشعب (بدءاً من عودتِهم من السبي عام 538 ق.م.) وإعادةِ ترسيخِ العقيدة. وكان كلُّ هذا ينسجمُ مع ما جاءَ في تثنية 4: 25 – 31.

لقد تكلمَ الأنبياءُ مباشرةً عن هذه الأحداث وبشكلٍ مُطَوَّل. إن لم تُلِمّْ بهذه الأحداث وغيرِها التي وَقَعَتْ ضمنَ تلك الحقبة، والتي يزيدُ عددُها عن أن يُذْكَرَ في هذا المقام، فرما لن تتمكنَ من أن تتابعَ بشكلٍ جيدٍ ما قالَهُ الأنبياء، فقد تكلَّمَ اللهُ من خلال التاريخِ وعن التاريخ. ولكي نتمكنَ من فهمِ كلمة الله، علينا أن نعرفَ شيئاً عن هذا التاريخ.

  1. القرينةُ الخاصة: كل رسالةٍ إلهية نبوية قد سُلِّمَتْ أصلاً ضمنَ خلفيةٍ تاريخيةٍ معينة. فلقد تكلم الله من خلال الأنبياء إلى الناسِ في وقتٍ وزمانٍ معينين، وفي ظل ظروفٍ معينةٍ. فإذا ما استطعتَ تحديدَ ومعرفةَ التاريخ وهُوِيَّةِ المستمعين، والحالةِ التي كانت سائدةً، فستسهمُ هذه المعرفةُ جوهرياً في استيعابِ الرسالةِ الإلهية.

اقرأ هوشع 5: 8 – 10، فهو عبارةٌ عن رسالةٍ إلهيةٍ موجزةٍ وقائمةٍ بذاتِها إلى جانب رسائل إلهية أخرى. وإذا عُدْتَ إلى كتابِ ٍ جيد، فستجدُه قد وصفَ لك تلك الرسالة الإلهية باعتبارِها رسالةً من رسائل الحرب. وهذا النوع من الرسائل الإلهية هدفُهُ إعلانُ دينونة الله وإنزالُها من خلالِ المعارك. إليكَ مثلاً العناصر المعتادة لمثل هذا الأسلوب: التحذير، وصف الهجوم، والتنبؤ بالهزيمة. وبالإضافةِ إلى معرفتِكَ للأسلوبِ، فمن المفيدِ أيضاً أن تعرفَ وتحددَ المعركةَ المقصودة.

كان التاريخ هو 724 ق.م. تقريباً ومن سمعوا الرسالةَ الإلهيةَ هم شعب المملكةِ الشمالية (المدعوون أفرايم هنا) الذين تكلم إليهم هوشع. ولقد كانتْ رسالةُ الله موجهةً بالتحديد إلى مدن معينة على الطريق من أورشليم عاصمة يهوذا إلى مركز عبادة بني إسرائيل الزائف، بيت إيل (بيت أون). والحالة كانت حالة حربٍ حيث قامت مملكة يهوذا بالرد على الهجوم الذي قامت به عليها كلٌ من مملكة إسرائيل وسورية واجتاحتا خلاله مملكة يهوذا (انظر 2 مل 16: 5). وهنا نرى أنه قد تم صَدُّ المعتدين وردُّهم على أعقابِهم بمساعدة قوة أشور العُظمى (2 مل 16: 7 – 9). وقد قام الله بواسطة هوشع بإذاعة التحذير مجازياً في مدنٍ تقع ضمن أرضِ بنيامين (عدد 8)، هذه المدن كانت جزءاً من المملكة الشمالية. لقد كان الدمارُ أكيداً (عدد 9) لأن يهوذا كانت ستحِلُّ في الأراضي التي ستجتاحها (بإزاحةِ حجارة الحدود إذا جاز التعبير)، لكن يهوذا أيضاً ستنالُ ما تستحقه؛ لأن غضبَ الله سيقع عليهما معاً لأجل تلك الحرب ولأجل ممارستِها الوثنية (2 مل 16: 2 – 4). لقد كانت مملكتا إسرائيل ويهوذا في عهدٍ مع الله يُحَرِّمُ عليهما مثل تلك الحرب المُهلِكة للطرفين. وكان الله مزمعاً أن يعاقبهما على انهاكِهما للعهدِ معه.

إن الإلمامَ بهذه الحقائق البسيطة سيؤثرُ كثيراً على قدرتِكَ على فهمِ وتقدير الرسالةِ الإلهية الواردةِ في هوشع 5: 8 – 10. عُدْ إلى كتبِ التفسيرِ أو مقدماتِ الكتاب المقدس التي بين يديكَ أثناء قراءتِكَ لأسفارِ الأنبياء، وكما ينبغي دائماً، حاول اثناءَ قراءتِك لها أن تلاحظَ التاريخَ وهُوِيَّةَ المستمعين والحالة التي أحاطتْ بالرسالةِ الإلهية.

عزل النبوات الفردية عن بعضها البعض

وعندما تصل كدارسٍ إلى الدراسةِ الفعلية أو القراءةٍ الاستنتاجية الدقيقة لأسفار النبوة، فإن أولَ أمرٍ عليكَ فعلُهُ هو اعتبار الرسالة الإلهية بمثابةِ وحداتِ فكرٍ (تماماً كما تعلمتَ أن تُفَكِّرَ بحسب الفقراتِ أثناءَ دراستِكَ للرسائل). وهذه ليست بالمهمة السهلة دائماً، إل أن إدراكَ صعوبَتِها والحاجة إلى القيامِ بها هما البدايةُ لاستكشافاتٍ مثيرة.

ففي معظم الأوقاتِ ستجدُ أن ما قالَهُ الأنبياءُ عادةً يأتي في اسفارِهِم في شكلٍ متواصل، بمعنى أن الكلامَ الذي قالوهُ في أوقاتٍ وأماكنَ مختلفةٍ على مَرِّ سِنِيِّ خدمتِهم قد تم جمعُهُ وتدوينُه كله بدون أي تقسيماتٍ تشيرُ إلى بداياتِ أو نهاياتِ تلك الرسائل الإلهية. علاوةً على ذلك، فحتى عندما تتمكن من افتراض نقطة بداية وحدةٍ ما، وذلك من خلال التغيير الرئيسي للموضوع، يبقى هناك عدم وضوحٍ (من جهةِ عَنْوَنَةِ الأحداثِ ونقاط الانتقالِ مثلاً) مما قد يُحَيِّرُكَ فتتساءل: هل قيلتْ هذه النبوة إلى نفس المستمعين في اليومِ ذاته أم أنها قيلت بعد عدة سنوات – أو ربما قبل عدة سنوات – أو لجماعةٍ أخرى من المستمعين تحتَ ظروفٍ مختلفةٍ؟ إن الإجابةَ على مثل هذا السؤال ستؤثرُ على عملية فهمِكَ للنص.

أيضاً تتميز بعض أجزاء الكتب النبوية بالاستثناءات. ففي سفر حجي مثلا، وفي الأصحاحاتِ الأولى لسفر زكريا ستجدُ تاريخاً لكلِّ نبوة. وبمساعدةِ قاموس الكتاب المقدس أو كتب التفسير أو المقدمات ستتمكنُ من تتبع تَقَدُّم هذه النبوات بسهولةٍ وِفْقَ قرينتِها التاريخية. كما أن بعض النبوات التي قد تجدها في أسفارٍ أخرى وبشكلٍ خاص في سفرِ إرميا وسفر حزقيال قد تمَّ فعلاً تأريخها وترتيبها وِفْقَ خلفيةٍ معينة وضعَها النبي بوحيٍ من روح الله.

لكن، وللأسف، لا يكون الأمرُ كذلك في معظم الأوقات. فعلى سبيل المثال، اقرأ عاموس 5 واسأل نفسَكَ ما إذا كان هذا الأصحاح كلُّه نبوةً (رسالةً) أو وحدةً واحدة. فإن كانت النبوةُ واحدةً، لماذا نرى فيها إذن كل تلك التغييرات في المواضيع: رثاء لدمار إسرائيل (الأعداد 1 – 3)، الدعوة لطلب وجه الله حتى لا يموتوا (الأعداد 5 – 6، 14)، هجومٌ على الظلم الاجتماعي (الأعداد 7 – 13)، التنبؤ بالألم والشقاء – وصف يوم الرب (الأعداد 18 – 20)، انتقاد للعبادةِ المنافقة (21 – 24)، ونظرةٌ موجزةٌ على تاريخ إثم إسرائيل الذي سيصلُ إلى قِمَّتِهِ بالتنبؤ بالسبي (25 – 27)؟ وإن لم تكنْ نبوةً واحدةً، كيف يمكن فهمُ أجزاءها؟ هل كل منها منفصلٌ عن الآخر؟ هل ينبغي ضمُّ بعضَها إلى بعضِه؟ وإذا كان الأمر كذلك، فبأيةِ طريقةٍ؟ وما الوسيلة؟

في واقع الأمر، يحتوي الأصحاح 5 من عاموس على ما اتُّفِقَ في تقسيمه إلى نبواتٍ ثلاث. فالأعداد 1 – 3 تمثل نبوة أو رسالةَ رثاء، وحدة واحدة تعلن الدينونة، والأعداد 4 – 17 تُشَكِّلُ نبوةً (وحدةً) واحدة (مع كونِها معقدةً) للدعوةِ إلى البركةِ والتحذيرِ من العقاب. إذن التغيير الطفيف في الموضوعاتِ لا يُعني بدايةَ نبوةٍ جديدةٍ في كل حالة. ومن جهةٍ أخرى، فإن تقسيماتِ الأصحاح لا تناظرُ كلَّ نبوةٍ (وحدةٍ) على حِدَه، وهنا يمكننا فصل أو عزل النبوات (الوحدات) من خلال الانتباه إلى أشكالِها المعروفة والمختلفة (انظر أدناه). إن النبوات الثلاث جميعها في عاموس 5 قد قِيْلَتْ في أواخرِ عهد يربعام ملك إسرائيل (793 – 753 ق.م.) وقيلت إلى شعبٍ ظَنَّ أنَّ أمر هلاكِ الأمة مستبعدٌ بسبب الازدهارِ النسبي الذي كانت تتمتعُ به، وأن مجرد التفكير في عملية انتهاء وجود تلكَ الأمة خلالَ جيلٍ واحدٍ كان أمراً لا يخطرُ على البال. سيفيدكَ أثناء القراءة العودةُ إلى القواميس والتفاسير والمقدمات للكتابِ المقدس؛ لذلك لا تحاول إعاقةَ نفسك عبثاً بتحليل الأمور دونَ الرجوع إلى تلك المراجع.

أشكال الأقوال النبوية

ما أن عزل وفصل النبوات (الوحدات) أو الرسائل الفردية هو أحد مفاتيح فهم الأسفار النبوية، فمن المهن أن تعرف شيئاً عن الأشكال المختلفة التي استخدمها الأنبياء لصياغة نبواتهم. إن معرفة هذه الأشكال أو الأساليب مطلبٌ مُسْبَقٌ كي تتمكنَ من تحديد النبوات (الوحدات) تحديداً سليماً. وكما أن الكتاب المقدس كله مؤلفٌ من أنواعٍ مختلفةٍ من النصوص، هكذا أيضاً قام الأنبياء بتوظيف أشكالٍ أدبيةٍ متنوعةٍ في خدمةِ الرسائل الإلهية التي أوحى الله بها إليهم. يمكن لكتب التفاسير أن تبين وتشرح هذه الأشكال. ولقد قمنا بانتقاء ثلاثة من أكثر الأشكالِ شيوعاً لنساعدَ في تنبيهِكَ إلى أهمية إدراكِ الأساليب الأدبية المستخدمة وتفسيرها على نحوٍ سليم.

  1. المحاكمة: هنا نقترحُ عليكَ أولاً قراءةَ إشعياء 3: 13 – 26، فهذه الأعداد تتضمن صيغةً أدبيةً مجازيةً تُدعى “محاكمةُ العهد”، فهنا كما في الأعداد التي لا حصرَ لها من مجازات أدب المحاكمات في أسفارِ الأنبياء (مثل هوشع 2: 2 – 7؛ 4: 1 – 19 … إلخ)، يمكن أن تتخيل الله كالمُدَّعي أو المُدَّعي العام أو القاضي في محاكمة ضد إسرائيل التي تقف في قفص الاتهام. والصيغة الكاملة للمحاكمة عادةً ما تحتوي على استدعاءاتٍ واتهام ودليل وقرار بالحكم، رغم أن هذه العناصر قد تكون ضمنيةً أحياناً وليستْ صريحةً. في إشعياء 3 تتحد هذه العناصرُ على الشكل التالي: تجتمعُ هيئةُ المحكمة وتُقامُ الدعوى على إسرائيل (13، 14). تُتْلى لائحةُ الاتهام (14 ب – 16). وبما أن الأدلةَ تُثبتُ جُرمَ إسرائيل بوضوحٍ، يتم إعلان حكم الإدانة (17 – 26). وحيث أن العهد قد انتُهِكَ فستنزلُ بإسرائيل رجالاً ونساءً بعضُ العقوباتِ الواردةِ في العهد: الوبأ والعَوَز والحرمان والموت. وهنا نرى أن الأسلوب الرمزي لذلك المجاز كان طريقةً مثيرةً وفاعلةً في إبلاغ بني إسرائيل بأنهم سوف ينالون جزاءَ عصيانهم، وأن عقابهم سيكونُ شديداً. إن هذا الشكل الأدبي الخاص يساعدُ كثيراً في إيصال الرسالة.
  2. الويل: هناك شكلٌ أدبيٌ شائعٌ آخر هو “نبوة الويلات”. “الويل” كلمةٌ كان يصرخُ بها بنو إسرائيل القدامى عند حدوث الكارثة أو الموت، أو في أثناء نوحهم في الجنازات. فبواسطة الأنبياء يقوم الله بالتنبؤ بالهلاك الوشيك مستخدماً كلمة ويل، وما كان يمكنُ لأي إسرائيلي أن تفوته دلالة استخدام تلك الكلمة.

إن نبوات الويلات تحتوي، ضمنياً أو تصريحياً، على عناصر ثلاثة تُشَكِّلُ في مجملِها سمة هذا الأسلوب:

  • إعلان عن ضيق (ككلمة ويل على سبيل المثال)
  • سبب ذلك الضيق
  • نبوة الهلاك

اقرأ حبقوق 2: 6 – 8 لترى إحدى المرات العديدة التي يذكر فيها هذا السفرُ النبوي رسالةَ ويلٍ ضد البابليين. لقد كانت مملكة بابل تلك الدولة الوحشية والقوة الاستعمارية العُظمى في الهلال الخصيب قديماً، وكانت تُعِدُّ الخططَ لمحاربةِ مملكة يهوذا وسحقها في أواخر القرن السابع قبل الميلاد، عندئذٍ تكلم حبقوق بكلام الله ضدهم. وبعملية تصوير وتشخيص بابل كَلِصٍّ ومغتصِبٍ (السبب) تُعلنُ النبوةُ الويلَ، وتتنبأ بالكارثة (عندما يقوم على بابل كل الذين وقعوا في قبضتِها). هذه النبوة أيضاً مجازيةٌ (مع أنه ليست كل رسائل الويلات كذلك، انظر ميخا 2 – 1؛ صفنيا 2: 5 – 7).

  1. الوعد: على الرغم مما سبق، فهناكَ أيضاً أسلوبٌ أدبيٌ نبوي شائعٌ آخر هو رسالة الخلاص، أي الوعد. وستتمكن من تمييز هذا الأسلوب كلما صادفتك العناصر التالية:
  • إشارةٌ إلى المستقبل
  • ذِكرٌ لتغييرٍ جوهري
  • وذكرٌ للبركة

تُعَدُّ الفقرة من عاموس 9: 11 – 15 نموذجاً رائعاً لرسالة الوعد، إذ هي تتضمنُ العناصرُ التالية: ذِكرٌ للمستقبل كما في ذلك اليوم (عدد 11)، والتغيير الجوهري الموصوف بإعادة بناء مظلة داوود الساقطة (عدد 11)، وترقية إسرائيل إلى مركزٍ أعلى من ذلك الي لأدوم (عدد 12)، والعودة من السبي (العددان 14، 15). أما البركة فتأتي بواسطة عناصر العهد المذكورة: الحياة، الصحة، الازدهار، الوفرة الزراعية، الإكرام، الإيمان. إن جميع هذه العناصر مشمولةٌ في عاموس 9: 11 – 15 مع أن الصحة متَضمَّنةٌ وليس مُصَرَّحٌ بها. إن التشديد الرئيسي كان على الوفرة الزراعية. فالمحصول، على سبيل المثال، سيكون وفيراً بحيث لن يستطيع الحصادون إنهاء عملهم عندما يحين موعد الزراعة من جديد (عدد 13). ولمزيدٍ من الأمثلة على رسائل الوعد، اقرأ هوشع 2: 16 – 20؛ 2: 21 – 23؛ إشعياء 45: 1 – 7؛ إرميا 31: 1 – 9.

نأملُ ومن خلال هذه الأمثلة الموجزة أن تتمكنَ من تكوين فكرةٍ عن الكيفية التي يمكنكَ بها إدراك أشكال الأقوال النبوية بما قد يساعدك في استيعاب رسالة الله بدقةٍ أكثر. ويمكنك التعلم أكثر عن هذه الأساليب بالاستعانةِ بكتب التفسير الجيدة (انظر الملحق آخر الكتاب).

النبوات كأشعار

أما الشعر عند بني إسرائيل قديماً فقد كان وسيلةَ تَعَلُّمٍ واسعةَ الانتشار. فكثيرٌ من الأمور التي كان من المهم حفظُها كانت تُصاغُ في قالبٍ شعري. لقد وجدَ الإسرائيليون أن هذه الأمور التي تُكتَبُ شعراً عادةً ما تكون أسهل للحفظ والتذكر في عصر كانت فيه مهارات القراءةِ والكتابةِ قليلة، ولم تكنْ فيه المكتبات أو الملكية الخاصة للكتب معروفةً، ولقد تكلم الله كثيراً من خلال أنبيائه بواسطة الشعر. فقد كان الشعبُ معتاداً على الشعر، وبالتالي كان يمكنُه تذَكُّرُ النبوات التي كانت ترسِلُ رنينَها في الآذان.

حتى القصائد النثرية التي يستخدمها الأنبياء أحياناً كانت تحتوي على أسلوبٍ رسمي خاص يحملُ تلكَ الصفاتِ نفسَها، وإنْ أقلَّ تماسكاً وتناغماً. ولكون تلك القصائد النثرية ذات طابع أدبي منتظم ومميز أكثر من لغة الكلام المعتاد، فهي أيضاً سهلة الحفظ والتذكر. وعلى سبيل التبسيط، دعنا نتكلم عن هذا النوع من الأدب بإدراجِهِ تحت مصطلح الشعر.

وهنا، فمن المفيد أن تقرأَ مقدمةً للشِعْرِ العبري قبل قيامك بقراءة الأسفارِ النبوية، مثلاً قاموس الكتاب المقدس. وإن أردتَ نموذجاً للفوائدِ التي يمكنُ أن تجنيها من معرفة وظيفة الشعر العبري، فهناك ثلاثة ملامح من الأسلوبِ المتكرر لشعر :

  • التوازي المترادف، يقوم الشطرُ الثاني بإعادةِ أو تعزيز ما جاء في الشطر الأول، كما في إشعياء 44: 22

“قد محوتُ كغيمٍ ذنوبَكَ وكسحابةٍ خطاياكَ”

  • التوازي العكسي (الطِبَاق). وهنا يناقض الشطرُ الثاني الفكرةَ الواردةَ في الشطر الأول، كما في هوشع 7: 14.

” لا يصرخونَ إليَّ بقلوبِهِم حينما يولولون على مضاجِعهِم”

  • أما التوازي التركيبي فيقومُ فيه الشطرُ الثاني بعمل زياداتٍ على ما جاء في الشطر الذي سبَقَهُ، بحيثُ يُضْفي على المعنى معلوماتٍ جديدةٍ، كما في عوبديا 21:

“ويصعدُ مخلَّصونَ على جبلِ صهيونَ

            ليدينوا جبلَ عيسو

            ويكونُ للرَّبِّ المُلكُ”

تحذير: النبي كمُتَنَبِئٍّ عن المستقبل

لقد أشرنا في مطلع هذا الفصل إلى أن المهمةَ الأساسيةَ للأنبياء لم تكنُ التنبؤ بالمستقبل البعيد. ومع أنهم قاموا حقاً بالتنبؤ بأحداثٍ مستقبلية، إلا أن ذلك المستقبل، وفي أغلبِ الأحوال، هو الآن في طي الماضي. أي أنهم قد تنبأوا بالدينونة القادمة أو الخلاصِ العتيد المتعَلِّق بمستقبل بني إسرائيل القريب نسبياً، وليس بمستقبلِنا نحنُ. لذلك علينا الاحتراس لأنه إن كُنَّا نريدُ أن نرى نبواتِهم وقد تحقَّقتْ فعلاً، علينا العودة إلى الوراء، أي إلى الزمن الذي كان بالنسبةِ لهم مستقبلاً وقد صارَ الآن بالنسبةِ لنا ماضياً. غيرر أن هذا التفسير الحياتي يحتاجُ مِنَّا إلى توضيح.

وكمثالٍ على أن رسائل الأنبياء قد تَرَكَّزَتْ بالفعل على المستقبل القريب لا البعيد، نقترحُ عليكَ قراءةَ الأصحاحات 25 – 39 من سفر حزقيال. لاحظ بأن النبوات (الوحدات) المتنوعة المشمولة في هذا الجزء الكبير من السفر تتناول مصير الأمم الأخرى، مع أن أمة إسرائيل مشمولةٌ أيضاً فيها. وهنا تجدر ملاحظة أن الله يشير إلى مصير تلك الأمم، وأن تحقيق النبوات قد تم في خلال عقودٍ من وقتِ إعطائها، أي أن معظمها قد تحقق خلال القرن السادس قبل الميلاد. بالطبعِ هناك استثناءاتٌ خاصةٌ لذلك. فلقد وصفَ حزقيال 37: 15 – 28 عصرَ العهدِ الجديد، والبركاتِ التي سيسكبها الله على الكنيسة بواسطة المَسِيَّا، مع أن معظم النبوات، بما فيها نبوات الأصحاحين 38 و39 كانت تتعلق بأزمنةِ وأحداثِ (راجع كتب تفاسير حول هذه الأصحاحات).

إن حماسَكَ الشديد لرؤية أحداث في نبوات قد يؤدي بكَ إلى نتائج غريبة. فمثلاً، ما وردَ في إشعياء 49: 23 “بالوجوهِ إلى الأرضِ يسجدونَ لكَ” قد بدا فعلاً شبيهاً بما قد فعلَهُ المجوسُ الذين زاروا الطفلَ يسوع (مت 2: 1 – 11)، إلى حدٍّ جعلَ الكثيرين يفترضون أن كلماتِ إشعياء كانت عن المَسِيَّا. لكن مثل هذا التفسير للأسفِ مخفقٌ لتجاهلِه القرينة (فقد تم ذِكرُ ملوكٍ وملكاتٍ، وموضوعُ هذا المقطع هو عودةُ إسرائيل بعد السبي البابلي)، ولتجاهلِه القصدَ (إن لغةّ هذه النبوةِ – الوحدة – تهدفُ لإظهارِ عظمة إسرائيل عندما يَرُدُّها الله)، وتجاهلِه الأسلوب (لأن الشعرَ يرمزُ إلى احترام الأمم من خلال تصوير حكامِه كحاضنين لإسرائيل، يلمسون غبارَ رِجْلَيّ الأُمَّة)، وتجاهلِه للألفاظ (فقد كان المجوسُ حكماءَ أو علماءَ فَلَك، وليسوا ملوكاً). إذاً علينا الحذرُ من جعل النبوات، أو أي جزءٍ من أجزاءِ الكتابِ المقدس، تقول ما نريدُ نحنُ منها أن تقولُهُ. وعلينا بالأولى أن نُصغي لما يريد الله فعلاً قولَهُ.

وهنا نُنَوِّهُ إلى أن بعض النبوات المتعلقة بالمستقبل القريب قد صِيْغَتْ في إطارِ خلفيةِ المستقبل العظيمِ الذي يتعلق بالأيامِ الأخيرة، وأحياناً قد تبدو هذه النبوات ملائمةً لذلكَ المستقبل. بالطبعِ سنتحدثُ عن هذا الموضوع ثانيةً، لكن في الفصل 13 من هذا الكتاب. أما الآن، فدعنا ندركُ أن السببَ في ذلكَ يعودُ إلى تصوير الكتاب المقدس لله وهو يعملُ في التاريخِ الزمني في ضوءِ خُطَّتِهِ الشاملة لكامل التاريخ الإنساني. وعليه، ينبغي أخذُ الوقت الزمني في ضوء الوقتِ الأبدي. وقد يبدو الأمرُ كَمَنْ ينظرُ إلى قِصَّتين، الأصغرُ منهما أمام الأكبر، فيعطي في البدايةِ نظرةً من الأمام، ثم، ومن منظورِ التاريخِ اللاحقِ، ينظرُ إليهما من أحدِ الجوانبِ فيرى المسافةَ الزمنيةَ التي تفصلُ بينهما.

المنظورُ النبوي للأحداثِ المتعاقبة

نطرةٌ مستقيمةٌ من الأمام – نظرةٌ جانبية

هناكَ إذن في أسفارِ الأنبياء بعضُ الأمورِ التي قد تَخُصُّ الأحداثَ الأخيرةَ للدهر (انظر يؤ 3: 1 – 3؛ صف 3: 8 – 9؛ زك 14: 9). غير أن العقوباتِ الزمنية التي كثيراً ما تَرِدُ عادةً مقترنةً مع تلكَ الأحداثِ الأخيرة لا ينبغي أن نَزُّجَ بها في المستقبل.

أيضاً يجدرُ بنا الإشارةُ إلى نقطةٍ أُخرى، وهي أن اللغةَ المتعلقة بالأُخْرَوِيَّات كثيراً ما تكونُ مجازيةً في طبيعتِها. وقد تُعَبِّرُ هذه المجازاتُ أحياناً عن لغةِ أحداثِ الأيامِ الأخيرة بواسطةِ الشِّعْر، لكنها لا تهدفُ بالضرورةِ إلى التنبؤ عن تلكَ الأحداثِ فِعْلياً. يمكنُكَ أن تجدَ مثالاً على ذلك في حزقيال 37: 1 – 14.

فمثلاً باستخدام كلمة “قيامةُ الموتى” يمكننا أن نعرفَ أن هذا سيحدثُ في نهايةِ الدهر. أما أن يستخدم الله حزقيال للتنبؤ بعودة الشعب من السبي في بابل في القرن السادس قبل الميلاد (الأعداد 12 – 14) فإن حادثةً مثل هذه تُعَدُّ ماضياً بالنسبةِ لنا (كما هي موصوفةٌ في عزرا 1 – 2) يتم التنبؤ بها مجازاً بلغةٍ أُخْرَوِيَّة – أي الكلمات التي نقصدُ بها أواخر الأيام – كما لو أنها كانت حادثةً من أحداثِ وقتِ النهاية.

تنبيه: مدلولاتُ النبوة ومدلولاتُها الثانية

ستجدُ في مواضعٍ كثيرةٍ في إشاراتٍ إلى مقاطع قد لا تبدو بأنها تشيرُ إلى ما يقولُه عنها، أي أن هذه المقاطع قد تبدو ذاتَ معنىً واضحٍ ووثيقٍ بمحيطِها الأصلي في العهد القديم، ومع ذلك فهي قد تُسْتَخْدَمُ مرتبطةً بمعنىً مختلفٍ من قِبَلِ أحد كُتَّابِ .

كمثالٍ على ذلك، تَأّمَّلْ في قِصَّتَيّ إعطاء موسى وبني إسرائيل الماءَ مُعْجِزِيَّاً من صخورِ البرية، مَرَّةً في رفيديم (خر 17: 1 – 7) وأخرى في قادِش (عد 20: 1 – 13). تبدو هاتانِ القصتان في قرينتيهما الأصليتين بسيطتين وفي غايةِ الوضوح. لكنَّ بولس الرسول في 1 كورنثوس 10: 4 يُشَبِّهُ اختبارَ بني إسرائيل باعتبارِهِ لقاء مع ، إذ يقول “لأنهم كانوا يشربون من صخرةٍ روحيةٍ تابَعَتْهُم، والصخرةُ كانت ”. لكن العهد القديم، وفي كِلْتا القصتين، لم يُشِرْ إلى الصخرةِ إلا لكونِها مجرد صخرةٍ عادية. لقد أعطى بولس الرسول الصخرةَ مدلولاً ثانياً مُعَرِّفَاً إياها بأنها السيد . إن مثل هذا المدلول الثاني يُسَمَّى بالمعنى الأكمل.

فلو فَكَّرْنا بعمقٍ لوجدنا أن بولس الرسول قد رسمَ لنا تشبيهاً، وكأنه يقول: في الواقع إن الصخرةَ بالنسبةِ لهم كان كالمسيحِ لنا – كما أنها مصدر عونٍ لهم كذلك وبالطريقةِ نفسِها الأمورُ الروحيةُ هي مصدرُ عونٍ لنا. وهنا نجد أن لغة المجاز قد طَغَتْ على ما يقوله بولس الرسول في الأعداد 2 – 4.. لقد أرادَ لقُرَّائه أن يفهموا أن اختبار الإسرائيليين في البرية هي بمثابةِ استعارةٍ يمكن أن يشبه بها اختبارَهم الخاص بالمسيح، وخاصةً حول عشاء الرب.

من المُرَجَّحِ أننا نحنُ كقُرَّاء معاصرين لن نتمكنَ بأنفسِنا من ملاحظة كل التشبيه الذي وصفه بولس. فلو من يقُمْ بولس الرسول بكتابةِ تلك الكلمات، هل كان بمقدورِنا أن نُفَسِّرَ معنى السحابةِ والبحرِ بالمعمودية (عدد 2)؟ أو المسيح بالصخرة (عدد 4)؟ وبكلماتٍ أخرى، هل كان باستطاعتِنا وحدنا أن نحدد بيقين ذلك المعنى الأكمل أو المدلول الثاني؟ والجواب هو: كَلَّا، فلقد أَوْحَى الروحُ القدس إلى بولس بأن يقومَ بهذا الربطِ التشبيهي بين تجربة بني إسرائيل في البرية والحياة في المسيح دون اتِّبَاع القواعد العامة للقرينة والنِيَّة والأسلوب والألفاظ (راجع أعلاه عنوان: النبي كُمُتَنَبِّئٍ عن المستقبل). لقد قاد الروح القدس بولسَ الرسول لوصف حقيقة نوال الإسرائيليين للماء من الصخر أكثر من مَرَّةٍ وذلك بلغةٍ رمزيةٍ غير معتادة، حيث قال أن صخرةً روحيةً تابعتهم. كذلك يوجد الكثير من التفاصيل الأخرى المتعلقة باللغة التي يصف بها بولس الرسول أموراً في 1 كورنثوس 10: 1 – 4، وهي تُعتبرُ غيرَ معتادةٍ إلى حَدٍّ كبير (مثلاً عندما قال: أباءنا جميعهم (عدد 11) أو طعاماً وشراباً روحيين (عدد 3، 4). وهنا نقولُ: ولأننا بطبيعة الحال لسنا كُتَّاباً أُوْحِيَ لنا بكتابة الكتاب المقدس، فمن غير المسموحِ لنا بأن نعملَ ما قد عملَه بولس الرسول. فالروح القدس نفسه الذي أوحى لأحد كُتَّاب العهد القديم أن يكتبَ مجموعةً معينةً من الكلمات أو مقطعاً ما، قادرٌ على أن يوحي

لأننا بطبيعةِ الحال لسنا كُتَّاباً أُوْحِيَ لنا بكتابةِ الكتاب المقدس، فمن غير المسموح لنا أن نعمل ما قد عملَهُ بولس الرسول

لكاتبٍ من كُتَّابِ أن يتجاوز الاعتبارات المعتادة للقرينة والقصد والأسلوب والألفاظ وأن يعلنَ وجود معنىً أكمل لمقطع العهد القديم. أما نحنُ فلسنا ممن أُوحي لهم. ما لم يُضِف معنىً أشمل على مقطعٍ ما أو مجموعةٍ من الكلمات، فلا ينبغي لنا أن نفسرَ تلك المقاطع من العهد القديم هكذا وببساطةٍ بناءً على سُلْطَتِنا الخاصة.

أن وسائل دراسة الكتاب المقدس ككتب التفسير والموسوعات والقواميس الكتابية والكتب المقدسة ذات الشواهد الكتابية – كل هذه تميلُ إلى تحديد المقاطع النبوية في العهد القديم التي لها مدلولٌ ثانٍ في . وإليكَ بعض المواضيع الشهيرة التي يُضفي عليها العهدُ الجديدُ مدلولاً ثانياً: متى 1: 22 – 23 (إش 7: 14)، متى 2: 15 (هو 11: 1)، متى 2: 17 – 18 (إر 31: 15)، يوحنا 12: 15 (زك 9: 9).

سنكتفي الآن بعرض أحد تلك المقاطع النبوية لتوضيح ظاهرة المدلول الثاني: متى 2: 15، نقرأ في هوشع 11: 1 ما يلي:

            ” لَمَّا كان إسرائيلُ غلاماً أحببتُهُ، ومن مِصرَ دعوتُ ابني”

إن القرينةَ في هوشع هي إنقاذ بني إسرائيل من مصر بواسطةِ الخروج. والقصد هو إظهار كيف أن محبة الله لشعب إسرائيل هي مثل محبة الابن. والأسلوبُ كان أسلوباً ترادُفي، كالشعر المتوازي، بحيثُ يكون “ابني” مرتبطاً مع أُمَّة إسرائيل. والألفاظ كانت مجازيةً، فقد صَوَّرَتْ إسرائيل بلا شكٍ كابنٍ. أما الأُقْنومُ الثاني في الثالوث، أي المسيح، فلا إشارةٌ له بالمعنى الواضح المباشر لهذه الآية. ولم تكن الآية 2: 15 في مَتّى البشير موجودةً في الكتاب المقدس، لما خطرُ في بالِنا على الإطلاق اعتبار آية هوشع نبوةً عن يسوع الناصري. لكن كان لمَتَّى امتيازٌ لا نملكه نحن، فلقد حَظِيَ بوحيٍ ذي سُلْطان من الروحِ نفسه الذي أَوْحَى لهوشع بكتابة الآية 11: 1، ولقد قامَ الروحُ نفسه بقيادةِ مَتَّى إلى إعادة استخدام كلمات هوشع بقرينةٍ وقصدٍ وأسلوبٍ وألفاظٍ مختلفةٍ وإلى ربطِها مع كلماتٍ أخرى تختصُ بالمَسِيَّا. لقد قام الروح القدس بغرسِ تلك الكلمات في سفر هوشع استعداداً لإعادة استخدامِها بشأنِ الأحداثِ المختصة بحياة يسوع المسيح. والبشير مَتَّى لم يقُمْ باستخدام تلك الكلمات عن يسوع قياسياً على أساس مبدأ أو عملية التفسير والتفسير الاستنتاجي، لكنه استعارَ تلك الكلمات من قرينتها الأصلية وأعطاها مدلولاً جديداً كاملاً وهو صاحبُ سُلْطَةٍ بعملِ ذلك. أما نحنُ فلا يَسَعْنا إلَّا قراءة وقبول ما قام به.

فائدة التشديد الثنائي على المُعْتَقَدِ القويم والتطبيق العملي القويم:

الأرثوذكسية تُعني: المُعتقد القويم. والأرثوبراكسية تُعني: التطبيق القويم. فلقد قامَ الله من خلال الأنبياء بدعوةِ شعب إسرائيل ويهوذا القديم للموازنةِ ما بين المعتقد القويم والتطبيق القويم. وهذا الأمرُ بالطبعِ ظلَّ المبدأ الذي يُطالِب به أيضاً (انظر يع 1: 27؛ 2: 18؛ أف 2: 8 – 10). والذي أرادَهُ الله من إسرائيل ويهوذا هو بصورةٍ عامةٍ ما كان يريدُه مِنَّا. لقد ظل الأنبياء بمثابةِ مُذَكِّرين دائمين لنا بعزم الله على تطبيقِ عهدِهِ. فلأولئكَ الذين يطيعون شَرْطَي (محبة الله ومحبة القريب)، فإن النتيجة الأخيرة هي البركة على الرغم من عدم ضمان كون تلك النتائج في هذه الحياة مُشَجِّعَةً جداً. أما لمن لا يطيعون، فالنتيجةُ لن تكونَ سوى لعنة، بصرف النظر عن مدى تَنُعُّم الإنسان أثناء حياتِه على الأرض، وما زال تحذيرُ ملاخي سارياً (ملا 4: 6).

إقرأ أيضاً:

إقرأ أيضًا

مذيع مسلم: الله مات - هل تؤمن المسيحية بموت اللاهوت؟

مذيع مسلم: الله مات – هل تؤمن المسيحية بموت اللاهوت؟

مذيع مسلم: الله مات – هل تؤمن المسيحية بموت اللاهوت؟ مذيع مسلم: الله مات – …