مواضيع عاجلة

خطوات عملية لفهم النصوص الكتابية 4 – الرسائل – التفسير الحياتي

خطوات عملية لفهم النصوص الكتابية 4 – الرسائل – التفسير الحياتي

 

الرسائل الكتابية
الرسائل الكتابية
·       أساليبنا التفسيرية الحياتية المتداولة.

·       القاعدة الأساسية.

·       القاعدة الثانية.

·       المسألة الأولى: التطبيق الممتد.

·       المسألة الثانية: الأمور غير المشابهة.

·       المسألة الثالثة: النسبية البيئية أو الحضارية.

·       المسألة الرابعة: اللاهوت المقدم لمهمة محددة.

 

نعود الآن إلى ما كنا قد أشرنا إليه سابقاً حول أسئلة التفسير الحياتي، وإلى ما تعنيه لنا هذه النصوص؟ هذا السؤال هو النقطة الحاسمة لكل أمر، فبالمقارنة مع مهمتنا في تقديم حياتي جيد، تظل عملية التفسير الاستنتاجي سهلة نسبياً؛ لأن التفسير الاستنتاجي حتى وإن واجهتنا بعض الاختلافات في الرأي فيه حول عدد من النقاط، إلا أن معظم الناس على الأقل متفقون فيه على المعنى العام، حتى الاحتمالات الموضوعية والتي قد تفرضها القرينتان التاريخية والأدبية يمكن أن نجدها ضمن حدود معينة.

فعلى سبيل المثال: لا يمكن لبولس الرسول أن يكون قد قصد أمراً لم يسمع به هو أو قراؤه، وعلى هذا الأساس فالمعنى الذي أراده بولس الرسول لابد له من أن يكون معنى ممكناُ يتناسب مع القرن الأول الميلادي.

 

إن القضية الكبرى بين المؤمنين بالكتاب المقدس ككلمة تتمثل في مشكلات النسبية البيئية.

وهنا يلفت انتباهنا ما يلي: لا يوجد إجماع على الأمور التي تحدد معنى التفسير الحياتي والذي يعني تعلّم رؤية المعنى في بيئتنا وظروفنا المعاصرة. فجميع الناس يمارسون التفسير الحياتي حتى وإن كانوا لا يعلمون شيئاً عن التفسير الاستنتاجي. وهنا نقول: إنه لا عجب إذاً إن وجدنا اختلافات كثيرة في التفسير بين المسيحيين.

وما نريد فعله في هذا الفصل قبل كل شيء، هو تقديم وشرح مختلف أساليب التفاسير الحياتية الشائعة بين المسيحيين وإظهار حسناتها ومساوئها، ثم مناقشة وإعطاء إرشادات لعدة مجالات قد تبدو فيها هذه الأساليب الشائعة غير ملائمة؛ لأن القضية الكبرة بين المؤمنين بالكتاب المقدس ككلمة تتمثل في مشكلات النسبية البيئية، أو بمعنى آخر: ما هو بيئي من بيئة قُراء الكتاب المقدس الأصليين – يختص بالقرن الأول وحده، وما يسمو فوق البيئة غير محصور ضمن بيئة قُراء الكتاب المقدس الأصليين – هو كلمة تصلح لكل العصور. ونحن بدورنا سنولي هذه القضية العناية اللازمة.

أساليبنا التفسيرية الحياتية المتداولة

ما الذي نفعله جميعنا عندما نقرأ رسائل ؟ بكل بساطة، ترانا نستخدم فطرتنا السليمة في التعامل مع النص محاولين تطبيق ما نستطيع تطبيقه على حالتنا الشخصية، وما لا يبدو منطبقاً علينا نتركه ببساطة في حدود القرن الأول.

فعلى سبيك المثال ليس فينا مِنْ شعر يوماُ بدعوة الروح القدس إياه للسفر إلى ترواس كي يجلب رداءً لبولس الرسول من بيت كاربس وليحضره إليه في سجن رومية (2تي 4: 13) مع أن هذا المقطع يظهر لنا بوضوح ذلك الأمر. ولكن فهم معظم المسيحيين لمقطع آخر من نفس الرسالة هو أن يخبرهم بضرورة احتمال المشقات في أزمنة الضيق…. كجندي صالح ليسوع (2 تي 2: 3) وهنا لن يقوم أي منا بالتساؤل والجدال عما تم عمله بشأن هذه المقطعين – بل سيجاهد الكثيرون منا ساعين لطاعة المقطع الثاني طاعة حقيقة.

وهنا جدير بنا القول بأن معظم مشاكلنا – واختلافاتنا – تنجم عن تلك النصوص التي تقع بين اعتقاد البعض منا بوجوب الطاعة الكاملة لما دُون فيها بينما يظل الآخرون غي متأكدين تماماً من هذا الأمر.

أما الصعوبات التي تواجهنا في التفسير الحياتي فهي متعددة، لكنها جميعها ترتبط بأمر واحد وهو عدم ثباتنا على مبدأ واحد. وهذا بعينه سبب الخلل الكبير في أسلوبنا التفسيري الحياتي المتداول. فترانا ودون أن نقصد ذلك بالضرورة، نجلب إلى الرسائل ونضمنها حين قراءتنا لها تراثنا اللاهوتي، ومعاييرنا الثقافية والبيئية أو همومنا الراهنة. أما ما ينجم عن عملنا هذا فهو كل أنواع التفاسير الانتقائية الممكنة أو دوران حول نصوص معينة دون أخرى.

ومن المشوق على سبيل المثال، أن نلاحظ بأن الكثيرين من الإنجيليين الغربيين المحافظين، يوافقون على موقفنا المشترك من تيموثاوس الثانية 2: 2 و4: 13، غير أن البيئة الثقافية لمعظم أولئك المؤمنين أنفسهم تجعلهم يبدون حجتهم ضد طاعة ما جاء في تيموثاوس الأولى 5: 23 “لا تكن فيما بعد شرَّاب ماء، بل استعمل خمراً قليلاً من أجل معدتك وأسقامك الكثيرة”. وهم يقولون لنا عن هذا الأمر إنه متعلق بتيموثاوس فقط وليس بنا، بحجة أن الماء في ذلك الوقت لم يكن مأموناً للشرب، او قد يجادل البعض في أن الخمر في ذلك الحين كان يعني عصير العنب – مع أن الواحد منا لربما يتعجب كيف كان لهذا أن يحصل وأساليب الحفظ والتبريد الحالية لم تكن معروفة آنذاك!

وهنا نسأل: لماذا تعد هذه الكلمة في تيموثاوس الأولى 5: 23 محصورة بتيموثاوس نفسه، بينما الحث على الاستمرار والثبات في الكلمة في تيموثاوس الثانية 3: 14-16 عام وشامل، مع أن هذه الآية هي وصية موجهة إلى تيموثاوس فقط، لكنها صارت وصية لجميع الناس في كل زمان وكل مكان؟

انتبه قد تكون كدارس محقاً في تجاوز تيموثاوس الأولى 5: 23 بدعوى أن ليس لها تطبيق شخصي في حاضرنا. ولكن على أي أساس تفسيري حياتي يمكنك أن تبني هذا؟

خذ مثلاً آخر: المشاكل التي واجهها الكثيرون من المؤمنين التقليديين في أواخر عقد الستينات وبداية عقد السبعينات. آنذاك كان قد أصبح الشعر الطويل للشباب رمزاً لبداية حقبة جديدة. لكن أن يتخذ المسيحيون هذا الشكل كان بمثابة مخالفة لله نفسه في ضوء ما جاء في كورنثوس الأولى 11: 14 “أم ليست الطبيعة نفسها تُعلِّمكم أن الرجل أن كان يرخي شعره فهو عيب له”. ومع هذا فإن معظم الذين تمسكوا بهذه الآية ضد شكل الشباب هذا كانوا قد سمحوا للنساء بقص شعورهن قصيراً (على الرغم من عدد 15 من النص ذاته)، ولم يُصروا على ضرورة تغطية النساء لرؤوسهن أثناء العبادة.

هذان المثالان يعرضان ببساطة كيف يمكن للبيئة الثقافية أن تُملي علينا ما هي الفطرة السليمة. إلا أنه يوجد أمور أخرى تملي أيضاً علينا الفطرة السليمة كالتراث اللاهوتي، على سبيل المثال. فكيف يمكن أن نفسر منع النساء من التكلم في الكنيسة وفي كثير من الكنائس بناءً على ورد في 1كورنثوس 14: 34، 35 وفي الوقت نفسه يجادل كثير من الكنائس نفسها ضد كل شيء آخر ورد في الأصحاح 14 بحجة أنه لا يمت للقرن العشرين بصلة! كيف يمكن أن يكون العددان 34 و35 صالحين لكل زمان وحضارة أو ثقافة بينما الأعداد 1، 5 أو 26، 32 أو 39، 40 والتي تعطي تعليمات تتعلق بالتنبؤ والتكلم بألسنة تختص بكنيسة القرن الأول فقط؟!

والآن هل لاحظت كيف أن مفاهيمنا اللاهوتية المسبقة تجعل الكثيرين منا يرون مفاهيمهم في متى بعض النصوص الكتابية، بينما نقوم بالدوران حول نصوص أخرى والابتعاد عنها.

لاحظ أيضاً مدى السهولة التي يرى بها مسيحيو القرن العشرين تقاليد أنظمتهم الكنسية بين سطور رسالة بولس الأولى إلى تيموثاوس ورسالته إلى تيطس. ومع هذا فإن عدد الكنائس التي تمارس القيادة الجماعية قليل جداً (1تي 5: 17؛ تي 1: 5)، فتيموثاوس لم يكن راعياً للكنيسة هناك بل كان موفداً مؤقتاً من قبل بولس ليضع الأمور في نصابها ويصحح بعض المساوئ فيها. حتى الكنائس التي تقوم فعلياً بالاهتمام بالأرامل في الكنيسة يحسب النص الوارد في تيموثاوس الأولى 5: 3-15 أقل بكثير.

والآن هل لاحظت أن مفاهيمنا اللاهوتية المسبقة تجعل الكثيرين منا يرون مفاهيمهم في متي بعض النصوص الكتابية، بينما نقوم بالدوران حول نصوص أخرى والابتعاد عنها.

يفاجأ بعض المسيحيين تماماً لدى اكتشافهم أن مسيحيين آخرين يدعمون معمودية الأطفال من نصوص مثل كورنثوس الأولى 1: 16؛ 7: 14 أو كولوسي 2: 11-12، أو ان آخرين يجدون لهم برهاناً على مجيء الثاني على مرحلتين في تسالونيكي الثانية 2: 1، أو أن آخرين ما زالوا يجدون لأنفسهم دليلاً على أن التقديس هو عمل ثان للنعمة، بناء على تيطس 3: 5.

إن الذين يؤمنون بحرية إرادة المؤمن ومسؤوليته يصابون بنوع من الحرج عند قراءة رومية 8: 30؛ 9: 18-24، غلاطية 1: 15، أفسس 1: 4-5، وفي المقابل فالذين يؤمنون بالاختيار وسلطان المطلق لهم طرقهم في الدوران حول كورنثوس الأولى 10: 1-13، بطرس الثانية 2: 20-22، عبرانيين 6: 4-6. في الواقع، ومن خلال خبرتنا في التدريس نرى أن الطلاب الذين ينتمون إلى هاتين المدرستين اللاهوتيتين قلما يتساءلون عن معنى تلك النصوص، فهم فقط يريدون معرفة كيف يجيبون على هذه النصوص!

نحن نفقد الكثير من قرائنا بسبب ما قلناه في الفقرات القليلة السابقة، ومع ذلك فغايتنا هي محاولة توضيح عمق المشكلة فقط، وتبيان مدى احتياج الدارس إلى التكلم مع الآخرين حول هذه القضية الخطيرة.

وهنا نسأل: ما هي الإرشادات المطلوبة لتأسيس قواعد أكثر رسوخاً في الرسائل؟

 

القاعدة الأساسية

هل تذكر بأننا قد وضعنا مقدمة منطقية في بداية الفصل الأول على هيئة قاعدة أساسية تقول: “بأنه لا يمكن للنص أن يعني لنا أمراً إن لم يكن قد عناه فعلاً لقرائه الأصليين أو لكاتبه”. هذه المقدمة تفسر سبب وأهمية إتمام التفسير الاستنتاجي قبل أي أمر آخر. وتؤكد على ضرورة تكرارنا لها لأننا في ذلك قد نجد على الأقل ترسيخاً لما يحدد المعنى. ربما لن تخدمنا هذه القاعدة دائماً في إيجاد ما يعنيه النص، لكنها على الأقل ستساعدنا في وضع حدود لما نقوم بتفسيره فلا نعطي للنص ما لا يمكن أن يعنيه.

القاعدة الثانية

أما القاعدة الأساسية الثانية فنقول: “بأننا كلما اشتركنا أكثر مع خلفية أو محيط القرن الأول في مواقف حياتية مشابهة لحياتهم صارت كلمة لنا اليوم هي نفسها كما كانت لهم آنذاك”. هذه القاعدة عادة ما تجعل معظم النصوص والأوامر الموجهة للقراء الأصليين في الرسائل – تناسب قراء القرن الحالي على نفس مستوى قراء القرن الأول. فلا يزال صحيحاً أن “الجميع أخطأوا”… وأن “ مات لأجلنا”… وأن يقول: “فالبسوا كمختاري القديسين المحبوبين أحشاء رأفات ولطفاً وتواضعاً ووداعة وطول أناة” (كو 3: 12).

والتحذير هنا هو في ضرورة قيامنا بالتفسير الاستنتاجي بشكل جيد حتى تتكون لدينا تلك الثقة بأن أحوالنا وأمورنا هي مشابهة حقاً لأحوال وأمور القراء الأصليين.

فعلى سبيل المثال، من المهم جداً ولخدمة تفسيرنا ملاحظة أن الدعوى القضائية المذكورة في كورنثوس الأولى 6: 1-11 كانت بين أخين مؤمنين أمام قاض وثني في الساحة العامة في مدينة كورنثوس. وهنا يمكننا أن نجادل قائلين: إن القصد من النص لن يتغير فيما لو كان القاضي شخصاً مؤمناً أو لو كانت المحاكمة قد حدثت داخل دار المحكمة، النقطة التي يشير إليها بولس الرسول كخطأ هو أن يتخاصم أخان من الكنيسة لدرجة أن يلجأ إلى التقاضي خارج الكنيسة وهذا هو القصد من النص كما واضح تماماً في الأعداد 6-11. من جهة أخرى يحق للدارس أن يتساءل فيما إذا كان الأمر ينطبق على شخص مسيحي له دعوى قضائية على مؤسسة ما في عالمنا الحديث لأنه وفي هذه الحالة لن تكون جميع الأمور مشابهة لمثلنا. إذاً دارس النص في هذا الشأن يجب أن يأخذ بعين الاعتبار مناشدة الرسول بولس بالالتزام بعدم الانتقام (عدد 7) على مثال الرب يسوع.

حتى الآن قد يبدو أن كل ما قيل سهل إلى حد معين. إلا أن مسألة كيفية تطبيق نص مثل كورنثوس الأولى 6: 1-11 تطبيقاً يتجاوز حدود تفاصيله الخاصة تظل إحدى المسائل التي تحتاج إلى مناقشة وبحث. وقد خصصنا ما تبقى من هذا الفصل لمعالجة أربع من هذه المسائل.

المسألة الأولى:

التطبيق الممتد

هل يصح أن نقوم بمد تطبيق النص إلى قرائن أخرى، أو جعل نص ما ينطبق على محيط مختلف كلياً عن محيط وبيئة القرن الأول؟

مثال: قد يقال بأنه حتى وإن كان نص كورنثوس الأولى 3: 16-17 موجهاً إلى الكنيسة في كورنثوس فإنه يمثل المبدأ التالي وهو: أن ما خصصه لنفسه بسكنى الروح القدس هو مقدس، وأن مَنْ يُفسد هذا سيقع تحت دينونة الشديدة.

والسؤال هنا: ألا يمكن تطبيق هذا المبدأ اليوم على المسيحي كفرد، لإظهار أن سيُدين الشخص الذي يسئ إلى جسده؟

وأيضاً كورنثوس الأولى 3: 10-15 موجهة إلى أولئك المسئولين في بنيان الكنيسة، وفيها يحذر بولس الرسول من الخسارة التي سيلاقيها كل مِنْ يبني رديئاً. فبما أن هذا النص نفسه يتكلم عن الدينونة والخلاص كمَنْ سيخلص كما بنار، ألا يحق لنا استخدامه لتوضيح قضية ضماه سلامة المؤمن أبدياً؟

هنا نجيب بما يلي: إن كانت هذه التطبيقات تعد تطبيقات سليمة، فمعنى هذا أننا تلقائياً نقوم بتجاوز التفسير الاستنتاجي تجاوزاً كلياً. وفضلاً عن ذلك، فإنه من الخطأ تطبيق نص كورنثوس الأولى 3: 16-17 على شخص ما كفرد، وعلى هذا الأساس ما الفائدة من التفسير الاستنتاجي إذاً؟ ولماذا لا نبدأ ببساطة من هنا والآن؟! وإن كنا في كلتا الحالتين عرضة للخطأ.

وهكذا عندما تصادفنا أمور مشابهة لهذه الأمثلة السالفة، فإن كلمة الله لنا في مثل تلك النصوص ينبغي أن تنحصر دائماً بالنية والقصد الأصلي الذي كتبت من أجله. إلا أنه يجب التنبير على أن التطبيق الممتد عادة ما يحق إجراؤه إذا كان منصوصاً عنه بوضوح، ففي مقاطع كتابية أخرى يكون التطبيق فيها هو القصد من المقطع.

لكن في كورنثوس الثانية 6: 14 نجد حالة أكثر تعقيداً، وهي الآية التي تقول: “لا تكونوا تحت نير مع غير المؤمنين” وقد تم هذا النص بمنع زواج طرف مسيحي بطرف غير مؤمن. لكن من خلال التفسير الاستنتاجي قلما استُخدِم النير كمجاز أو كاستعارة لمسألة الزواج في القرن الأول الميلادي، ولا يوجد في النص أية إشارة أو قرينة تدل على أن الزواج هو المقصود هنا.

ومشكلتنا في هذا المثال تتلخص في عدم قدرتنا على معرفة الشيء الذي يمنعه النص الأصلي. الذي هو على الأرجح يشير وبطريقة ما إلى الوثنية أو ربما ينبه إلى منع حضور الاحتفالات الوثنية (انظر كورنثوس الأولى 10: 14-22)، إذن لا يمكننا أن نمد مبدأ هذا النص. إننا لسنا متأكدين من معناه الأصلي لكن قد يصح التطبيق الممتد في هذا النص لأن هذا المبدأ في الحقيقة هو مبدأ كتابي يمكن استخلاصه في نصوص أخرى بمعزل عن هذا النص.

المسألة الثانية:

الأمور غير المشابهة

لهذه المسألة علاقة بنوعين من النصوص في الرسائل: (1) النصوص التي تتعلق بأمور القرن الأول والتي لا نجد لها نظيراً في أغلب الأحوال في هذا القرن الحالي. (2) النصوص التي تعالج مشكلات يمكن أن تحدث في القرن الحالي لكن احتمال حدوثها نادر. إذاً ما الذي يمكن عمله بهذه النصوص، وكيف يمكن لها أن تتكلم إلينا؟

هذا مثال على النوع الأول نراه في كورنثوس الأولى 8-10 حيث يتحدث الرسول بولس عن مواضيع ثلاثة:

  • أ‌- مؤمنون يتجادلون بشأن حقهم في الاستمرار بالانضمام إلى جيرانهم الوثنيين في الولائم داخل المعابد الوثنية (انظر 8: 10؛ 10: 14-22).
  • ب‌- طعن مؤمني كورنثوس في سلطة بولس الرسولية (انظر 9: 1-23).
  • ت‌- الذبائح المقدمة للأصنام والتي كانت تباع في الأسواق العامة (10: 23-11: 1)

يشير التفسير الاستنتاجي السليم لهذه المقاطع بأن بولس الرسول قد عالج هذه المسائل كما يلي:

  • منعهم تماماً من المشاركة في ولائم الأوثان بسبب مبدأ حجر العثرة (8: 7-13)، لأن مثل هذه الأطعمة لا تليق مع الحياة في التي تعاش حول عشاء الرب (10: 16، 17)، ولأن الاشتراك في مثل هذه الأطعمة يعنى الاشتراك فيما هو شيطاني (10: 19-22).
  • يدافع بولس عن حقه في الدعم المالي كرسول، على الرغم من تخليه عن هذا الحق، ويدافع أيضاً عن تصرفاته حول المسائل التي لا تُحدث فرقاً في نظر الله (9: 19-23).
  • أما رأيه في المسألة الثالثة فهو: أنه يمكن شراء وأكل ما ذبح للأوثان إن كان معروضاً للبيع في الأسواق، ويمكن أكله بحرية في منزل شخص آخر. وفي القرينة الأخيرة يشير إلى أن المؤمن يستطيع رفض الأكل منه إن كان هذا يسبب عثرة لشخص آخر. وعلى هذا يمكن للإنسان أكل كل شيء لمجد الله، لكن لا ينبغي عمل أي أمر بقصد الإساءة إلى الآخرين.

لكن مشكلتنا في هذا النص هي أن هذا النوع من العبادة الوثنية غير معروف في كثير من البلدان المعاصرة مما يجعل المشكلتين رقم 1، 3 غير موجودتين. بالإضافة إلى أنه لم يعد لدينا رسل بمرتبة بولس ممن أسسوا الكنائس الجديدة، ومارسوا سلطتهم الرسولية عليها (9: 1-2 انظر أيضاً كورنثوس الثانية 10: 16)، وممن رأوا الرب المُقام فعلياً (9: 1 انظر أيضاً 15: 8).

أما النوع الثاني فيمكننا توضيحه من خلال النصين التاليين: النص الأول يتحدث عن قضية الرجل المتهم بزنا المحارم (1كو 5: 1-11) والنص الثاني يتحدث عن الناس الذين كانوا يسكرون في عشاء مرتبط بعشاء الرب (1كو 11: 17-22). وهنا نقول: إنه يمكن لهذه الأمور أن تحدث في مجتمعاتنا لكنها بعيدة الاحتمال إلى حد كبير. والسؤال هو: كيف يمكن لمشكلات القرن الأول هذه أن تفيد مسيحيي القرن الحالي؟

نحن نقترح أن تأخذ عملية التفسير الحياتي هنا خطوتين:

أولاً: إجراء عملية التفسير الاستنتاجي بانتباه خاص للتمكن من سماع ما قالته كلمة الله للقراء                  الأصليين حقاً ولما تقوله لنا. وفي معظم الحالات المماثلة، نرى أنه قد تم فعلاً تحديد مبدأ واضح، وهذا المبدأ نادراً ما يتعدى إطاره التاريخي الذي سبق أن طُبق فيه.

ثانياً: نقطة هامة جداً، إذ ينبغي علينا احترام مبدأ الزمن فلا يمكن لنا أن نطبق التفسير الاستنتاجي بشكل عشوائي على أي نوع أو على كل نوع من المواقف. إنما علينا الإصرار على ضرورة تطبيقه فقط في الحالات التي تنطوي على مشابهة أصيلة.

دعنا نوضح هاتين الخطوتين:

أولاً: مَنعَ بولس الرسول المشاركة في ولائم المعابد بناء على مبدأ حجر العثرة، لكن لاحظ أن هذا الأمر لا يشير إلى المنع لمجرد أن يستاء مسيحي آخر مما نفعله. إن مبدأ العثرة يشير إلى أمر يقوم به أحد المؤمنين وهو مرتاح الضمير، لكن بسبب عمله هذا وقناعته هذه، يدفع آخر لفعل نفس الأمر بدون راحة ضمير. وهكذا لا يظل الأمر مجرد إزعاج أو إساءة إلى المؤمن بل يسمى عملاً مدمراً لأنه يستميل إلى محاكاة عمل شخص آخر. ولهذا يجب تطبيق هذا المبدأ فقط عند وجود مشابهة حقيقية بين الحالات.

ثانياُ: مَنعَ بولس الرسول في النهاية منعاً كلياً المشاركة في الولائم المقامة في الهياكل الوثنية، لأن الاشتراك في هذه الولائم معناه المشاركة بما هو شيطاني. وعلى هذا الأساس يُعد هذا المنع معياراً للمشاركة في كل أشكال الروحانية الشيطانية كالسحر والشعوذة والتنجيم… إلخ. أما المبدأ القائل أن: “الذين ينادون بالإنجيل من الإنجيل يعيشون” (1كو 9: 14) فهو يظل بالتأكيد قابلاً للتطبيق على الخدام الراهنين كونه مذكوراً في آيات كتابية أخرى (انظر 1تي 5: 17-18).

المشكلة بالنسبة لنا هنا هي في مدى قدرة الدارس على التمييز بين المسائل الهامة والأخرى التي لا تُحدث فرقاً. وهي مشكلة عويصة لأن المتعارف عليه عادة في حضارة أو بيئة ما يختلف عن بيئة أخرى ويتغير من مجتمع مسيحي إلى آخر، تماماً كما في القرن الميلادي الأول.

ففي بعض مجتمعات القرن الحالي تشمل قائمة مثل تلك الأمور الثياب من حيث: الألوان، ارتداء النساء للبنطلون، طول ثياب النساء، أدوات التجميل، الحلي، المجوهرات، وسائل الترفيه والتسلية، الأفلام السينمائية، والتليفزيون والرقص ولعب الورق، والطعام والشراب.

فكما كان الأمر مع الذين أدانوا حرية بولس الرسول بشأن مسألة ما ذُبح للأوثان، كذلك الأمر مع الذين يظنون بأن الامتناع عن أي من هذه الأمور المذكورة أعلاه هو عنوان القداسة أمام الله، والسبب هو أن هذه الأمور في نظرهم هي مسائل ذات قيمة لدى الله.

لكن ما الذي يجعل أمراً ما غير ذي قيمة، ذا قيمة؟

نقترح التالي كمجرد إرشادات:

على الناس الذين يختلفون تماماً بشأن هذه المسائل أن لا يحكموا على بعضهم البعض أو يدينوا الآخرين.

يمكن الإبقاء على عدم أهمية المسائل التي قللت الرسائل بالفعل من أهميتها مثل: الطعام، الشراب، حفظ الأيام (كو 2: 16-32).

هذه المسائل ذات الشأن القليل ليست أدبية في صلبها، بل حضارية – حتى إن نشأت عن حضارة دينية، لذا فالمسائل التي تميل إلى التغيير بين حضارة وأخرى حتى بين المؤمنين الحقيقيين يمكن أن تُعد مسائل ثانوية (كالرّقص في بعض البيئات، ومنعه في غيرها، على سبيل المثال).

إن قائمة الخطايا المذكورة في الرسائل (انظر رو 1: 29-30؛ 1كو 5: 22؛ 6: 9-10؛ 2تي 3: 2-4) لا تشمل أبداً أموراً تختلف من بيئة أو ثقافة إلى بيئة أو ثقافة أخرى. علاوة على ذلك فإن ما يُقابل هذه المسائل قوائم متنوعة للوصايا المسيحية (أنظر رو 12؛ اف 5؛ كو3… إلخ) والتي لا تختلف من بيئة إلى أخرى.

ومع إدراكنا التام بعدم موافقة الجميع على تقييمنا للأمور ومع ذلك وبحسب رومية 14، فإن على الناس الذين يختلفون تماماً بشأن هذه المسائل أن لا يحكموا على بعضهم البعض أو يدينوا الآخرين، وعلى الشخص الحر أيضاً ألا يتباهى بحريته، وعلى مَنْ يتبنى قناعة راسخة بهذه الأمور ألا يدين غيره.

المسألة الثالثة:

النسبية البيئية أو الحضارية

هذا هو المجال الذي تقع فيه معظم صعوبات واختلافات أيامنا الحاضرة. هذه المشكلة تظهر بوضوح لأن كلمة الله السرمدية قد أُعطيت لنا ضمن إطار تاريخي مُحدد المعالم.

وتتلخص المشكلة في الخطوات التالية:

الرسائل كتبت في القرن الأول؛ ولذلك فهي مرهونة بلغة وثقافة هذا القرن الذي عالج حالات خاصة بكنيسة القرن الأول.

كثير من الحالات الخاصة في الرسائل مرهون بمحيط القرن الأول بحيث يدرك الجميع مدى قلة أو عدم وجود تطبيق شخصي ككلمة من الله موجهة إلى القراء اليوم، ماعدا ما يمكن استخلاصه منها من مبادئ يمكن أن تطبق في القرن الحالي.

هناك نصوص أخرى مرهونة جداً بظروف وموافق القرن الأول، لكن يمكن ترجمتها وتطبيقها في وقتنا الحالي إذا ما تشابهت الظروف والمواقف.

هناك نصوص أخرى تبدو وكأن لها أموراً مشابهة، وهنا نسأل ألا يمكن أن تكون هي الأخرى مرهونة بمحيط القرن الأول وتحتاج إلى أن تترجم في ضوء الأوضاع الجديدة أم ينبغي تركها ببساطة ضمن خلفية أو بيئة القرن الأول؟

والجوار هو أن المسيحيين يقومون إلى حد معين على الأقل بترجمة نصوص الكتاب المقدس إلى خلفيات جديدة دون أن يصرحوا بذلك.

ولعل هذا هو السبب الذي جعل الإنجيليين في القرن الحالي يبقون على ما ورد في تيموثاوس الأولى 5: 23 “استعمل خمراً قليلاً من أجل معدتك وأسقامك الكثيرة” في إطار القرن الأول، ولا يصرون على تغطية الرأس أو الشعر الطويل عند النساء، ولا يمارسون القبلة المقدسة. غير أن كثيرين من أولئك الإنجيليين أنفسهم يستاؤون لو دافع أحدهم عن قيام المرأة بالتعليم في الكنيسة (بحضور الرجال) بناءً على تلك الأسس.

كثيراً ما حاول بعضهم رفض فكرة النسبية البيئية بمجملها مما أدى بهم إلى تبني بيئة القرن الأول كمعيار إلهي؛ لكن رفضاً كهذا عادة ما يكون محدوداً في نجاحه.

قد نراهم يُبقون بناتهم في البيت وينكرون عليهن التعليم العالي ويقوم الأب بترتيب زواجهن، لكنهم عادة ما يسمحون لهن بتعلُّم القراءة والخروج بين الناس بدون غطاء رأس. والمراد قوله هنا هو أن أمر الثبات على المبدأ هو غاية في الصعوبة؛ إذ لا يوجد هناك ما يسمى بالبيئة التي رسمها الله. فالبيئات في الحقيقة متغيرة والتغيير قائم ليس فقط بين بيئة القرن الأول وبيئة القرن الحالي، لكن حتى بين مختلف البيئات في هذا القرن ذاته لأنها مختلفة عن بعضها البعض بلا حدود.

فبدلاً من رفض هذا المبدأ نقترح الاعتراف بوجود درجة من النسبية البيئية والحضارية. ولإتمام إجراء حياتي مقبول. فالنسبية البيئية والحضارة نتيجة طبيعية لا مفر منها ناشئة عن وجود أسباب لكتابة الرسائل، ولكي يكون التفسير الحياتي للشخص مقبولاً فلا بد له من أن يكون في إطار خطوط توجيهية محددة.

وهنا نرغب في اقتراح التوجيهات التالية للمساعدة على التمييز بين الأمور التي تتصل بالبيئة من جهة وتلك التي تتجاوز بيئتها أو محيطها الأصلي من جهة أخرى ليكون لدينا معيار يفيد كل المؤمنين في كل العصور.

على الشخص أن يفرق بين مركز رسالة الكتاب المقدس وبين ما يتبعه وما هو ملحق به. لا نقصد بهذا أن ننادي بلائحة قانونية أصغر ضمن اللائحة القانونية العامة لأسفار الكتاب المقدس (بمعنى أن نرفع شأن أجزاء من لتكون معياراً لأجزاء أخرى) بل ما نعنيه هو حماية الإنجيل من التحول إلى شريعة من خلال عادات حضارية أو دينية من جهة، والسعي لحفظ الإنجيل نفسه من التغيير حتى يتماشى مع كل تعبير بيئي يمكن تصوره من جهة أخرى.

وعلى هذا الأساس يكون سقوط الجنس البشري، والفداء من هذا السقوط كعمل نعمة الله بواسطة موت وقيامته، واكتمال عمل الفداء هذا بمجيء السيد مرة أخرى… إلخ، كل هذه الوقائع تكوِّن جزءاُ واضحاً من مركز رسالة الكتاب المقدس، أما القبلة المقدسة وغطاء رأس المرأة وخدمات ومواهب الروح القدس فهي تكوِّن الجزء التابع أو الملحق لهذا المركز.

وبالتالي على الشخص أيضاً ملاحظة الفرق بين ما يعده نفسه أمراً أخلاقياً بطبيعته وبين ذلك الذي لا يحسبه كذلك، فالأمور ذات الطبيعة الأخلاقية المتأصلة تكون مطلقة وسارية على كل حضارة أو بيئة، أما الأمور التي ليست أخلاقية في طبيعتها فتظل تعبيرات ثقافية خاضعة للتغير من بيئة إلى أخرى.

فقوائم الخطايا التي يسردها بولس الرسول على سبيل المثال، لا تحتوي أبداً على أمور ذات طبيعة بيئية. بالطبع، قد تكون بعض هذه الخطايا سائدة في مجتمع ما أكثر من شيوعها في مجتمع آخر لكن لا يوجد مطلقاً ما يمكن أن نعتبره تصرفات مسيحية. وعليه فالزنى والأوثان والسكر والشذوذ الجنسي والسرقة والطمع… إلخ (1كو 6: 9، 10) كأفعال تبقى دائماً خطية. والمسيحيون لم يضعوا أفضلية لأي من هذه الخطايا لأنها ليست خيارات أخلاقية.

فالرسول بولس يقول بوحي من الروح القدس: “وهكذا كان أناس منكم. لكن اغتسلتم بل تقدستم بل تبررتم باسم الرب يسوع وبروح إلهنا” (1كو 6: 11). كذلك إن نظرنا إلى الجهة الأخرى فسنرى أن عملية عسل الأرجل أو تبادر القبلة المقدسة أو الأكل مما ذبح للأوثان أو غطاء رأس المرأة عند الصلاة أو التنبؤ أو تفضيل بولس الرسول الشخصي للبتولية على الزواج أو تعليم المرأة في الكنيسة ليس كلها مسائل أخلاقية في الأساس لكنها أمور تتحدد فقط باستخدامها السليم أو سوء استخدامها في قرائن معينة كأن يكون الأمر متعلقاً بعدم الطاعة أو نقص المحبة.

وهنا على الشخص أن يراعي وبعناية بالغة الأمور التي يتحدث عنها باستمرار وأن يلاحظ الأمور التي يختلف فيها حكم . ومن المسائل التي يؤكد عليها بشكل ثابت ومستمر: المحبة كرد الفعل الأخلاقي الأساسي للمسيحي، وعدم الانتقام. أيضاً العهد يبيِّن مدى خطأ الحقد والقتل والسرقة والشذوذ الجنسي والسُكر وكل أنواع المفاسد الجنسية.

وبالتالي قد يختلف حكم على مواقف وأمور أخرى بسبب اختلاف البيئات مثل: خدمة المرأة في الكنيسة (انظر رو 16: 1، 2) حيث كانت فيبي خادمة في كنيسة كنخريا. وفي رومية 16: 7 حيث يرد اسم يونياس وهو اسم مؤنث وليس مذكراً – ضمن الرسل وفي رومية 16: 3 حيث كانت بريسكلا معاونة لبولس الرسول في الخدمة – وهي نفس الكلمة اليونانية التي أطلقها بولس الرسول في وصف أبلوس في: كورنثوس الأولى 3:9؛ فيلبي 4: 2-3؛ كورنثوس الأولى 11: 5.

ومن جهة أخرى ينادي بولس الرسول بصمت النساء في الكنيسة (1كو 14: 34-35). وفي تيموثاوس الأولى 2: 12 ينادي بأن لا تُعلِّم المرأة في الكنيسة في وجود الرجال.

كذلك الحال مع موضوع التقييم السياسي لروما (انظر رو 13: 1-5؛ 1بط 2: 13-14 وقابلها مع الأصحاحات 13-18 من سفر الرؤيا)، وموضوع احتفاظ الشخص بثروته (لو 12: 33؛ 18: 22 قابل هذه الأعداد مع تيموثاوس الأولى 6: 17-19)، أو أكل الطعام المقدم للأوثان (1كو 10: 22-29 بالمقابل مع أع 15: 29؛ رؤ 2: 14، 20). لأن هذه المسائل بالذات تبدو بيئية أكثر منها أخلاقية؛ إذاً لا ينبغي على الشخص الانزعاج لعدم وجود حكم موحد فيها. وهنا وخاصة في لا ينبغي على الشخص ممارسة التفسير الاستنتاجي كوسيلة لإثبات اتحاد المواقف.

من المهم في العهد الجديد أن تكون لدينا القدرة على التمييز بين ما هو مبدأ وما هو تطبيق خاص.

من المهم في العهد الجديد أن تكون لدينا القدرة على التمييز بين ما هو مبدأ وما هو تطبيق خاص. فبإمكان كاتب الرسائل مثلاً دعم تطبيق نسبي بمبدأ مطلق، غير أن عمله هذا لا يجعل من التطبيق أمراً مطلقاً. فمثلاً في كورنثوس الأولى 11: 2-16 يدعم بولس الرسول المبدأ القائل بأن على الإنسان ألا يفعل أي شيء يصرف الانتباه عن مجد الله (هو يشير بشكل خاص لموضوع الخروج عن العرف السائد) عندما تجتمع الكنيسة للعبادة (العددان 7، 10). ثم يضع هنا بولس الرسول تطبيقاً نسبياً (كغطاء الرأس) على المبدأ المطلق الذي هو عدم صرف الانتباه عن مجد الله، وهو يعيد ويكرر احتكامه إلى العرف والطبيعة (الأعداد 6، 13-14، 16).

فإن كان على المرأة في المجتمعات الغربية أن تُطيع النص حرفياً (غطاء الرأي الذي هو بمثابة تطبيق نسبي) فسيكون في معظم الكنائس الأمريكية هذا التطبيق وبتأكيد شبه كامل مسيء إلى روح النص، لأن تغطية الراس هذه ستؤدي إلى لفت الانتباه (عكس المبدأ تماماً) الذي هو مطلق حيث أن غطاء الرأس أمر غير معروف إطلاقاً في المجتمعات الأمريكية. مما قد يؤدي إلى تشكيل عثرة لبعض الناس أثناء العبادة.

على الشخص أن يبقى منتبهاً لماهية الاختلافات البيئية المحتمل وجودها بين القرنين الأول والحالي والتي لا يمكن لها أن تظهر بوضوح مباشرة. فعلى سبيل المثال: لتحديد دور المرأة في كنيسة القرن الحالي، على الشخص أن يأخذ في الحسبان قلة الفرص التعليمية التي كانت متاحة للنساء في القرن الأول بينما يعد تعليم النساء في مجتمعاتنا المعاصرة أمراً طبيعياً تماماً. وقد تؤثر معرفتنا للفروق والاختلافات بين القرنين الأول والحالي على فهمنا لنصوص مثل تيموثاوس الأولى 2: 9-15. مثال آخر تختلف الديمقراطية الحالية كثيراً عن نوع الحكومة التي تحدَّث عنها بولس الرسول في رومية 13: 1-7. فمن مسلمات الديمقراطية أن يتم فيها تغيير القوانين الرديئة وإقصاء المسؤولين الأردياء. إذاً من الضروري أن تؤثر معرفتنا للديمقراطية اليوم في كيفية فهمنا لرومية 13 في عالمنا اليوم.

المسألة الرابعة:

اللاهوت المقدم لمهمة محددة

تحدثنا في نصنا السابق بأن الرسائل هي رسائل مناسبات أو كتبت كرد على مناسبات، وبالتالي فإن اللاهوت المقدَّم في هذه الرسائل هو لاهوت مقدَّم لمهمة محددة.

وما نريد ذكره هنا هو بعض التحذيرات الواجب مراعاتها أثناء الخوض في هذا اللاهوت:

بما أن الرسائل هي رسائل مناسبات إذاً علينا الاعتراف ببعض القصور الذي ينتابنا أثناء فهمنا اللاهوتي. فعلى سبيل المثل ومن أجل جعل مؤمني كورنثوس يرون مدى سخافة أن يحتكم أخَّان مؤمنان إلى محكمة وثنية يقول بولس الرسول بأن القديسين سيدينون العالم والملائكة في أحد الأيام (1كو 6: 2-3)، لكن النصوص لا تذكر شيئاً أكثر من ذلك. وهكذا فإننا نؤكد وكجزء من الأمور الإسخاتولوجية المسيحية، (والتي تعني مفهومنا للأمور التي ستحدث عند انقضاء الدهر) بأن القديسين سيشاركون بالمحاكمة التي ستحدث في اليوم الأخير، لكننا وبكل بساطة لا نعلم ما الذي يعنيه هذا أو كيف سيتم تنفيذه فيما عدا التوكيد نفسه، كل شيء آخر يبقى من قبيل الحدس أو التخمين ليس إلا.

قد تنشأ بعض مشاكلنا اللاهوتية مع الرسائل أحياناً لأننا نقوم بطرح أسئلتنا على النصوص التي تقدم لنا أجوبة على أسئلتهم هم فقط باعتبار أن أسئلتهم هي سبب ومناسبة كتابة هذه الرسائل. فمثلاً لو طالبنا هذه النصوص بأن تُجيب مباشرة على قضية الإجهاض، الاستنساخ… إلخ. إذاً فنحن نسعى لجعل هذه الرائل تجيب على أسئلة تخص العصر الحالي. وهي قد تجيب أحياناً على تلك الأسئلة، لكنها غالباً ما لا تجيب وذلك لأن هذه الأسئلة لم تطرح في ذلك الزمان.

هناك مثل واضح على ذلك نجده في العهد الجديد نفسه. ويدور حول مسألة الطلاق. فبولس الرسول في هذا المثال يقول: “لا أنا بل الرب” (1كو 7: 10) قاصداً بذلك أن الرب يسوع نفسه قد أجاب على هذه المسألة مسبقاً، أما بالنسبة للسؤال المطروح في البيئة اليونانية حول ما إذا كان على المسيحي أن يطلق امرأته الوثنية فواضح بأنه لم تتح ليسوع مناسبة للتحدث عن هذا الأمر. لذا فالقضية بكل بساطة كانت خارج نطاق المجتمع اليهودي للمسيح. أما بولس الرسول فكان عليه أن يجيب على تلك المسألة بنفسه لذلك نراه يقول “أنا لا الرب” (ع12). إن إحدى المشكلات التي تواجهنا هي أننا نحن أنفسنا لا نملك سلطة بولس الرسولية ولا الوحي الذي حظي به. فالطريقة الوحيدة التي يمكننا بها معالجة مثل هذه القضايا قائمة على أساس لاهوت كتابي كامل، وهذا بدوره – أي اللاهوت الكتابي الكامل – يشمل فهمنا لعملية الخلق، السقوط، الفداء، وانتهاء الدهر. مما يعني بأنه علينا النظر إلى لاهوت الكتاب المقدس نظرة شاملة ككل. ولن نجد أي إثبات نصي طالما أنه ليس هناك أية نصوص مباشرة مختصة بالمسألة.

إذاً مما سبق وقدمناه، كان بعض اقتراحاتنا حول تقديم حياتي جيد عند قراءة وتفسير “الرسائل”، هادفين مباشرة إلى بلوغ مستوى أفضل من الدقة والترابط قاصدين دعوتنا جميعاً إلى مزيد من الطاعة لما نسمعه من كلمة الله ولما نفهمه.

إقرأ أيضاً:

إقرأ أيضًا

عبادة المسيح تاريخيًا - الأدلة الأثرية على لاهوت المسيح - ترجمة: أمجاد فايز

عبادة المسيح تاريخيًا – الأدلة الأثرية على لاهوت المسيح – ترجمة: أمجاد فايز

عبادة المسيح تاريخيًا – الأدلة الأثرية على لاهوت المسيح – ترجمة: أمجاد فايز عبادة المسيح …