الرئيسية / أبحاث / يسوع خارج العهد الجديد – هل وجِدَ يسوع فعلاً؟

يسوع خارج العهد الجديد – هل وجِدَ يسوع فعلاً؟

خارج – هل وجِدَ فعلاً؟

يسوع خارج العهد الجديد
خارج

حتى مؤخرً، لم يكن للتيار السائد في أبحاث تأثير كبير على البحث في شخصية ضمن مصادر خارج . على أية حال، فقد كان هنالك تيّار جانبي طويل المدى حمل مثل هذا التأثير. إنه السؤال الجدليّ، هل وجد فعلاً؟

قد يدهش بعض القرّاء ويصدمون بوجود العديد من الكتب والمقالات التي رفضت وبشدّة حقيقة وجود ، مع أنها أكثر من مائة كتاب ومقالة في المائتي عام المنصرمة حسب احصائياتي. وبشكل نمطي، فقد رأى الباحثون المعاصرون في حججهم تلك ضعيفة وغريبة حيث أنهم قاموا بإرجائها إلى حواشي الكتب وغالباً ما تجاهلوها بشكل كامل[1].

وتبعاً لذلك، فإن دارسيّ ليسوا على ألفة بها. وفي هذا القسم، الذي يعدّ تابعاً لمخططنا عن تاريخ البحث، سوف نعاين بشكل موجز تاريخ ودلالات النظرية القائلة بعدم وجود يسوع.

وكما سنرى، فقد كان لقضية وجود يسوع التأثير الكبير على البحث في شخصية يسوع في المصادر غير المسيحية، وما زال تأثيرها اليوم ظاهراً في بعض المفاهيم الشائعة للعهد الجديد. على سبيل المثال “جون ميير”، أحد قادة البحث الثالث، قال: في حواراتي مع الصحفيين والمحررين الذين كانوا يسألونني في مختلف الأوقات أن أكتب عن ، كان السؤال الأول دائماً: لكن هل تستطيع إثبات وجوده؟[2]

ويزدحم الإنترنت بنقاشات تتناول هذا الموضوع. وبالبحث عن هذا الموضوع “هل وجد يسوع” عبر محرك البحث “ألتا فيستا” في 1 حزيران 1999، تمّ الوصول إلى 62 صفحة على الشبكة الرئيسية، و2580 مشاركة على “يوزنت” القناة الأساسية للنقاش.

تشكّل قضيّة عدم تاريخّية يسوع التيارَ الجانبيّ في دراسة ، وبالرغم من ذلك، فإن أولئك الذين يؤيدونها غالباً ما يشيرون إلى عمل الباحثين في التيار السائد، وبذلك يكون من الأفضل أن نميّز دراسة التيار السائد على أساس مصداقية الأناجيل ووجود يسوع. ومنذ ظهور النقد الإنجيليّ، اختلف الباحثون حول مستوى تاريخيّة الروايات التي تناولت يسوع في الأدب المسيحيّ القديم، وذلك حول كلّ من أحداث حياة يسوع وكلمات تعاليمه ومعانيها. ففي أحد طرفي الطيف البحثي، خلُص البعض إلى أن الأناجيل الكنسية القانونية هي روايات تاريخيّة عن يسوع يعوّل عليها بشكل كامل، وبذلك يمكننا أن نعرف الكثير عنه. ونادراً ما يشير أولئك الذين ينكرون تاريخيّة يسوع إلى أعمال التقليديين إلاّ من أجل وصفها بالسذاجة.

وفي منتصف هذا الطيف يوجد الباحثون الذين يرون الأناجيل: على أنها مزيج من المواد التاريخيّة ذات المصداقية، والتأويلات اللاهوتية عن يسوع، مع تطورها بين زمنه وزمن المبشرين[3].

يعمل هؤلاء الدارسون، وهم الغالبية العظمى من الباحثين، على فهم التفاعل بين هذه العناصر، ويدركون “ّ” مع القليل من الثقة. يبدون أولئك الذين ينكرون وجود يسوع، وخاصّة شكّاكي القرن العشرين، على أنهم يهملون هذا الموقع المتوسط. فهم يفضّلون التعامل مع التطرف في هذا المجال.

وفي الطرف الآخر من هذا الطيف، يرى البعض أن الأناجيل الكنسيّة والأدب المسيحيّ الأول يحتوي الكثير من التأملات اللاهوتيّة والابتكارات حيث لا يمكننا معرفة إلاّ القليل عن حياة يسوع وتعالميه. وعلى الرغم من التقليل من شأن شخصيّة يسوع، فلم يجادل أيّ من أفراد هذه المجموعة الأخيرة بكون يسوع مجرّد ابتكار من قبل الكنيسة. وغالباً ما استخدم أولئك الذين ينكرون وجود ّ حججهم تلك.

وعلى أية حال، فإن أولئك الذين ينكرونه قد توصّلوا إلى نتيجة مفادها أن يسوع لم يوجد أصلاً، أمّا المجموعة الأخيرة من الطيف فلم تفعل ذلك[4].

وبالتحوّل إلى تاريخ هذا الموضوع، فإن الجدل حول وجود يسوع يعود إلى بداية الدراسة النقدية للعهد الجديد، ففي نهاية القرن الثامن عشر بدأة بعض التابعين للمتأله المتطّرف اللورد البريطاني “بولينغبروك” بنشر فكرة أن يسوع لم يوحد أبداً. وقد رفض “فولتير” هذه الفكرة بشدّة، مع أنه لم يكن مؤيداً للمسيحية التقليديّة، وعلّق أن أولئك الذين ينكرون وجود يسوع يظهرون أنفسهم “أكثر حذقاً من كونهم متعلمين”[5]. على الرغم من ذلك، في فترة 1790، كتب بعض مفكري عصر التنوير الفرنسيين الراديكاليين أنّ المسيحيّة ومسيحها كانت مجرّد أساطير، وقد نشر كلّ من “قسطنطين فرانسوا فولني” و”شارلز فرانسوا ديبوا”، كتباً تروج لهذه الأفكار، قائلين: إن المسيحيّة كانت مزيجاً غير محدّث من الأساطير الفارسية القديمة والبابليّة، وأنّ يسوع هو شخصيّة أسطورية بشكلٍ ممتاز.

بقيت هذه الفرضية لا تثير ضجة حتى جاء “برونو بور” (1809-1882)، كان “بور” أكثر كتّاب القرن التاسع عشر حدّةً في مواجهة تاريخيّة يسوع، ففي سلسلة من الكتب من عام 1840 إلى عام 1855، هاجم “بور” القيمة التاريخيّة لإنجيل يوحنا والأناجيل السينوبتيّة، محتجاً بكونها مجرد اختراعات من القرن الثاني. ولكنها بالمقابل تعطي رؤية جيّدة لحياة الكنيسة الأولى لكن بدون أن تقدم شيئاً عن حياة يسوع. لقد حاول بور أن يُظهر في كتاباته الأولى أن النقد التاريخيّ يمكن أن يستعيد الحقيقة الأساسيّة للإنجيل من الكمّ الكبير لإشكالاته التاريخية، حيث يبيّن أن الوعي الذاتي الإنساني هو أمرٌ إلهيٌ، وأنّ الروح الإلهية يمكن أن تندمج مع الروح البشريّة لتصبح روحاً واحدة. كان “بور” أوّل من ناقش فكرة عدم وجود يسوع بشكلٍ منهجيّ، ورأي أن الأناجيل الكنسيّة لم تكن فقط عديمة القيمة التاريخيّة، بل أن كافّة الرسائل التي كتبت تحت اسم “بولس” والتي كانت لها أن تكون دليلاً على وجود يسوع، كانت من محض الخيال، كما كانت الشواهد الرومانية واليهودية لوجود يسوع ثانويّة أو ملفّقة. وبإقصاء هذه الشواهد، يتلاشى الدليل على وجود يسوع، ويتلاشى معه يسوع. الذي أصبح نتيجة المسيحية وليس مُنتجها. ويقول “بور”: إن المسيحية ومسيحها ولدا في روما والإسكندرية عندما اجتمع مناصرو الرواقيّة الرومانيّة، والأفلاطونية المحدثة اليونانيّة واليهوديّة، لتشكيل دين جديد احتاج مُوجداً له.

ووضع “بور” أسس الجدل التقليديّ ثلاثي الشعب، الذي يتبعه كافّة الرافضين لوجود يسوع، حتى لو لم يعتمدوه بشكل مباشر. أولاً: استنكر “بور” قيمة العهد الجديد، وخاصّة الأناجيل الكنسيّة القانونيّة ورسائل بولس الرسول، في اثبات وجود يسوع. ثانياً: يرى “بور” أن الافتقار لذكر يسوع في الكتابات غير المسيحيّة من القرن الأول يُظهر أن يسوع لم يوجد أصلاً. كما أنّ الذكر القليل ليسوع في الكتابات الرومانيّة في بداية القرن الثاني لا تثبت وجوده. ثالثاً: قام بدعم فكرة أن المسيحية في بدايتها كانت تعتمد على التوفيق بين المعتقدات القديمة والأساطير.

تمّ مهاجمة أفكار “بور” حول أصول المسيحية، بما فيها آرائه حول عدم وجود يسوع، من قبل السلطات الكنسيّة والأكاديميّة، كما تمّ دحضها بشكل فعّال من عقول الغالبية. فلم يكن لهذه الأفكار تأثير طويل الأمد على الدراسات اللاحقة، وخاصة في التيّار السائد. وقد يرتبط أكثر إرث “بور” أهميّة بشكل غير مباشر ببحثه الإنجيليّ، فعندما أقصته حكومة بروسيا عن منصبه في جامعة برلين 1839 بسبب أفكاره، أدى ذلك بأحد تلامذته “كارل ماركس” إلى راديكاليّة أكبر. حيث سيقوم “ماركس” بضم أفكار “بور” حول الأصول الأسطورية ليسوع إلى أيديولوجيته، وإلى الأدب السوفيتي والدعاية الشيوعيّة التي نشرت معتقداته فيما بعد[6].

قام البعض بنقل استنكار وجود يسوع لكل من جمهور العامّة والباحثين، فعلى سبيل المثال، عام 1841 تمّ نشر عدد من الكتيّبات، مجهولة الكاتب، في إنكلترا، ثم جمعت في كتاب واحد يدحض وجود بدلائل دامغة، وذلك عبر سلسلة من الرسائل موجّهة من يهودي ألماني إلى المسيحييّن من كافة الطوائف، حيث يرفض الكاتب روايات العهد الجديد، والروايات اليهوديّة والرومانيّة التي تتناول يسوع، ويرى أنّ: الدين المسيحيّ قد استُمِدّ من الأديان القديمة، وأنه كان في الأصل مجردّ رواية من أساطير عبادة الشمس.

وفي سبعينات وثمانينيات القرن التاسع عشر، قام عدّة أعضاء من “المدرسة الهولندية الراديكالية”[7]بإعلان إنكارهم لوجود يسوع، وكان لهذه المجموعة، التي تمركزت في جامعة أمستردام، شكوك كبرى حول القيمة التاريخيّة للإنجيل، وبكل بساطة أنكر زعيم هذه المجموعة “آلارد بيرسون” وجود يسوع، وتبعه في ذلك: ي. لومان و”دبليو. سي. فان مانن” ببساطة. وقد تمّت مهاجمة وجهة نظرهم هذه بحدّة في هولندا، وبالأخص من قبل الباحثين الآخرين، لكنها أُهملت تماماً في الخارج. وقد كانت كتابتهم حصرياُ باللغة الهولندية غير الشائعة، بصفتهم مدرسة تهتم بالعهد القديم، ولقيت نقاشاتهم النافية لوجود يسوع قلّة من الأتباع الملحوظين في العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر والسنوات الأولى من القرن العشرين، لكنّها تلاشت بعد ذلك تدريجياً[8].

ومع تلاشي آراء المدرسة الهولندية الراديكاليّة، أخذ انبعاث فرضية أخرى يلقى اهتماماً أوسع، وهي فرضية “عدم تاريخية يسوع”. وقد بدأت مع “جون. م. روبيرتسون” البريطانيّ المؤيد لحريّة الاعتقاد والمذهب العقلانيّ، والذي نشر كتاب “المسيحيّة والأسطورة” عام 1900، وكان الكتاب الأول لـ “روبيرتسون” في مهاجمة المسيحيّة من خلال مهاجمة تاريخية موجدها. وحسب آراء “روبيرتسون” العقلانيّة فإن الأديان تتطوّر من خلال إيجاد آلهة جديدة تناسب أزماناً جديدة. كما يرى “روبيرتسون” أن طائفة يشوع اليهودية القديمة، التي رمز إيمانها: الحَمَل، قد عبدت الإله يشوع بوصفه الوريث المسيحي للدين التوحيديّ اليهودي. ويكاد يكون ذلك من ناحية أسطورية بالكامل مرتبطاً بعبادات تمّوز وأدونيس، وقد ثابرت هذه الطائفة حتى أوجدت إلهاً “مسيحياُ” جديداً، هو يسوع . إن الأثر الوحيد الذي يمكن تقفّيه في الديانة المسيحيّة لـ “ّ” قد يكون بإعادة تشكيل مبهمة للشخصية التلموديّة “يسوع بن بانديرا”[9]، الذي أُعدم بأمر “ألكسندر جانيوس”[10](106-79 قبل الميلاد)، لكن يسوع العهد الجديد ليم يوجد أبداً.

إن روايات الأناجيل الكنسية القانونية هي عبارة عن مجموعة من الأساطير الوثنية القديمة والحديثة. على سبيل المثال: حكاية الإنجيل عن العشاء الأخير، العذاب، الخيانة، الصلب، الانبعاث، فهي ليست رواية أصيلة، بل دراما غامضة… ويمكن الاستنتاج أنها تطوّر لتقاليد فلسطينية عن التضحية بالبشر، كان الضحيّة السنويّة فيها هو “يسوع، ابن الآب”. فرسائل بولس الرسول تذكر موت “يسوع بن بانديرا” وليس يسوع الناصرة.

كانت آراء “روبيرتسون” حول الدين ومواضيع أخرى، آراء جدليّة في زمنه، وقد عبّر الباحث البريطاني في العهد الجديد “ف. سي. كونيبير” عن أكبر ردّ فعل تجاه آراء “روبيرتسون” عبر كتابه “ التاريخيّ”[11]. وهناك ردّ فعل آخر أكثر شيوعاً تجسدّ بكتاب “إتش. ج. وود” بعنوان: “هل عاش فعلاً؟”، وكغيرهم ممن عارضوا “روبيرتسون”، فقد رأى كلّ من الكاتبين أنّ محاولة تشويه المسيحية من خلال إظهار أن مخلّص المسيحيين كان مجرّد أسطورة، يعني تجاهل “روبيرتسون” الطرق التاريخيّة السليمة. وقد أشاروا إلى الكُتاب غير المسيحيين القدماء، رومانيين ويهود، لإثبات تاريخيّة يسوع.

على الساحة الأمريكية، أكثر المناصرين لعدم تاريخية يسوع كان أستاذ الرياضيات في جامعة تولين “وليم بينجامين سميث” (1850-1934)[12]. وقد شرح اعتقاده بوجود يسوع على أنه خليط من طائفة يسوعيّة سابقة للمسيحيين، وهي إحدى طوائف عبادة الشمس، مع ارتباط بين يسوع بوصفه حَمَل “آغنوس” وإله النار الهندي “آغني”. كما ناقش مبيناً عدم قيمة الشواهد اليهودية والرومانية على وجود يسوع، وخاصة كتابات “يوسيفوس” و”تاسيتوس”.

في ألمانيا، جرى الترحيب بآراء “سميث” وتمّ تعزيزها من قبل “آرثر دروز” (1865-1935)، أستاذ الفلسفة في “جامعة كارلسرو للتكنولوجيا”. فقد قاد “دروز” حملة شعبية تضمنت خطابات وكتابات ضدّ تاريخيّة يسوع، وهو ما رآه آخر عائق للوصول إلى نظرة وحدوية حول الحياة والإيمان. وقام هو مناصروه، وخاصة “آلبرت كالثوف” و”بيتر جينسين”، بنشر كرّاسات وكتيّبات وكتب شعبية وتوزيعها على نطاق كبير. وقاموا برعاية مناظرات مع أبرز معارضيهم في مدن الجامعات عبر ألمانيا. وغالباً ما جمعت هذه المناظرات حشوداً كبيرة، ونُشرت خطوطها العريضة في الصحف.

كان هجوم “دروز” على تاريخيّة يسوع يفتقر للترابط الذي وجد فيما سبقه من هجمات، وخاصة هجوم “باور”. وكما هو حال هجوم “سميث”، كان هجوم “دروز” مزيجاً من نقاشات سابقة. لكن من بين كل المؤيدين لعدم تاريخيّة يسوع فقد كان “دروز” أكثر مهاجمي المسيحيّة صخباً. من أقواله: يسوع الذي ابتدعته المسيحية امتلك “أخلاقيات ذاتيّة زائفة”، و”وطنية ذات توجّه محدودة”، و”باطنية مبهمة”

رغم ضعف حجج “دروز” إلاّ أنّ شعبيته الكبيرة هو وحلفائه جعلت منهم أول من أثار دحضاً مستمراً من جانب الباحثين ومنهم بعض البارزين. وقد تناول بعض هذا الدحض الأدلة المستقاة من خارج العهد الجديد على وجود يسوع. وتمثل الفترة التي قام بها “دروز” بكتاباته، وهي العقود الأولى من القرن العشرين، ذروة موضوع اللاتاريخيّة.

أكثر النقّاد المعاصرين لتاريخية يسوع إصراراً وأغزرهم كتابةً كان “جورج أي ويليمز” (1926-) البروفسور المخضرم في اللغة الألمانية في جامعة “بيركبيك” بلندن[13]. اعتمد “ويلز” في هجومه على معلومات من آخر دراسات للأناجيل الكنسية، والتي خلصت إلى أن الأناجيل الكنسية القانونية كانت قد كُتبت بعد أكثر من أربعين عاماً من يسوع، من قبل كتاب غير معروفين لم يكونوا شهود عيان ليسوع. ويرى “ويلز” أن الأناجيل الكنسية تحتوي الكثير مما يُعتبر أسطورياً، كما أنها موجهة بأهداف لاهوتية وليس تاريخيّة. فالأجزاء الأولى من العهد الجديد، وبشكل ملحوظ رسائل بولس الرسول، تفترض مقدماً وجود يسوع، لكنها لا تؤمّن أدلة تفصيلية يمكن أن تثبت وجوده. وبناء على ذلك، يرى “ويلز” أننا نحتاج تعاوناً مستقلاً من مصادر موضوعية أخرى لتؤكّد وجوده. وقام “ويلز” بدراسة دقيقة لهذه المصادر المقترحة، من كتابات “تاسيتوس” إلى التلمود، فوجد أنها لا تحتوي أي معارف مستقلة عن يسوع، وبالتالي، فهي ليست مصادر جديرة بالقبول، بل إنها تزيد من احتمال عدم وجود يسوع أصلاً.

يفسّر “ويلز” شخصيّة يسوع على أنها شخصية خيالية ظهرت من صوفيّة بولس الرسول، وكان على بعض المسيحيين من القرن الأول أن يفبركوا لها قصّة حياتها. ولذلك كان “ر. جوزيف هوفمان” محقاً بدعوته “ويلز” بـ “أكثر المدافعين المعاصرين عن قضية اللاتاريخيّة بلاغة”. فـ “ويلز” كان يكتب بنبرة ثقافية هادئة، بعكس آخرين سبقوه في هذا المضمار. على أية حال، فإن ما علق به “ريتشارد فرانس” على طريقة “ويلز” هو صحيح أيضاً، حيث قال: “دائماً يختار “ويلز” تلك المواقف المتطرفة من مختلف دراسات العهد الجديد، والتي تناسب موضوع بشكل أفضل، ومن ثمّ يحبكها مع بعضها ليشكّل رواية جديدة لا يتفق معها أيّ من أولئك الذين اقتبس منهم”. إن ما خلُص إليه “فرانس” يلقى موافقة كبيرة، حيث أن معظم دارسيّ العهد الجديد لا يتناولون حجج “ويلز” على الإطلاق، أما أولئك الذين يتناولونها فلا يدخلون بعمقها. وعلى الرغم من أن “ويلز” كان على الأرجح أكثر مؤيديّ نظرية اللاتاريخيّة قدرة. إلاّ أنه لم يكن أكثرهم إقناعاً، كما أنه الآن الصوت الوحيد تقريباً لهذه النظرية[14].

فنظرية عدم وجود يسوع هي الآن قضيّة ميّتة بحقّ[15].

لكن على أية أسس رفض باحثو العهد الجديد وغيرهم من المؤرخين فرضية عدم وجود يسوع؟ هنا سنلخّص الحجج الرئيسيّة المستخدمة ضدّ نظرية “ويلز” من هذه الفرضية، حيث أنه معاصر ومشابه لمن سبقه.

أولاً، يخطئ “ويلز” بتفسير عدم ذكر بولس الرسول لبعض تفاصيل حياة يسوع، مثل: الدقيق لحياته، المكان الدقيق لدعوته، حقيقة أن بيلاطس البنطي[16] قد أدانه، وغيرها من الأمور.

وكما يعرف كلّ دارس جيّد للتاريخ، فمن الخطأ الافتراض بأن كل ما لم يُذكر أو ما لم يُفصل لم يوجد، وهكذا فالاعتماد على خلو القديم من إشارات إنجيليّة وغير إنجيليّة عن يسوع كحجّة هو أمر فيه مخاطرة. علاوة على ذلك، يجب علينا ألا نتوقع إيجاد إشارات تاريخيّة في الأدب المسيحيّ الأول، فهي لم تكن مكتوبة لمقاصد تاريخيّة. ويفترض معظم قراء بولس الرسول، على أساس الدليل المقنع، أنه يعتبر يسوع شخصية تاريخيّة وليس شخصيّة خرافيّة أو غامضة.

ثانياً، يرى “ويلز” أن المسيحيين قد أبدعوا شخصية يسوع عندما كتبوا الأناجيل خارج فلسطين حوالي عام 100م، هذا ليس فقط ببعيد عن إنجيل مرقص، الذي كُتب حوالي العام 70م، وإنجيليّ متى ولوقا، اللذين يعودان إلى فترة الثمانينات، بل لا يستطيع أيضاً أن يفسّر كون الأناجيل الكنسية تشير إلى تفاصيل عن فلسطين أغلبها دقيق.

ثالثاً، يدّعي “ويلز” أن الإشكاليات التاريخيّة في تطوّر الأحداث المذكورة في الأناجيل الكنسية تُظهر أن يسوع لم يوجد أصلاً. على الرغم من ذلك، ليس بالضرورة أن يعني التطوير إبداعاً كاملاً ولا تثبت الإشكاليات عدم وجوده. وقد يأخذ بعض قرّاء “ويلز” انطباعاً أنه في حال لم يكن هنالك تباين بين الأناجيل، فسيجد “ويلز” ذلك دليلاً على زيفها!

رابعاً، لم يستطيع “ويلز” أن يشرح السبب الذي منع أي وثنيّ أو يهوديّ، ممن عارضوا المسيحية، أن ينكر الوجود التاريخيّ ليسوع، أو أن يتساءل عنه في حال كان المسيحيون قد أبدعوا ّ قرابة العام 100[17].

خامساً، كان “ويلز” وأسلافه شكاكين جداً فيما يخصّ الشواهد غير المسيحيّة ليسوع، وخاصة كتابات “تاسيتوس” و”يوسيفوس”. فقد أشاروا إلى مشاكل تتعلق بالنص ومشاكل تتعلق بالمصدر في هذه الشواهد، وجادلوا أن هذه المشاكل تلغي قيمة هذه النصوص بكاملها، متجاهلين الإجماع الكبير على أن معظم هذه النصوص جديرة بالثقة.

سادساً، يبدو أن “ويلز” وآخرين قد طوّروا فرضيّة اللاتاريخية لأهداف غير موضوعيّة، بل من أجل مقاصد متحيّزة غير دينية. لقد كانت سلاحاً لأولئك الذين عادوا الإيمان المسيحيّ بكلّ أشكاله تقريباً، من الربوبيين الراديكاليين[18]، إلى مناصري حريّة الاعتقاد، وصولاً إلى العلمانيين الراديكاليين والملحدين الفاعلين، مثل: “مادلين موراي أوهير”. فلقد افترضوا بشكل صحيح أن إثبات هذه الفرضيّة سيقرع ناقوس الموت للدين المسيحي كما نعرفه، لكن النظريّة تبقى غير مثبتة.

أخيراً، فشل “ويلز” وأسلافه بتقديم فرضيات أخرى للتصديق لتفسّر ميلاد المسيحيّة، وتشكيل مسيحها التاريخي. إن الفرضيات التي قدّموها، المبنية على فهم خاص لعلم الأساطير، كانت تحمل القليل من الدلائل المؤيدة كي توصي بها إلى الآخرين. لطالما كان موضوع اللاتاريخيّة مثيراً للجدل، ولطالما فشل في إقناع الباحثين في عدّة مجالات ومن عقائد دينيّة مختلفة. زيادة على ذلك، لقد فشل دائماً بإقناع العديدين ممن ظُنّ أنهم قد يأخذونها بعين الاعتبار لأسباب من الشك الديني، من “فولتير” إلى “بيرتراند رسل”[19]. والآن يعتبر الباحثون الإنجيليون والمؤرخون الكلاسيكيون إنها قد فشلت بحق. ومع ذلك، فقد لفتت الانتباه بشكل مستمر إلى سؤال هامّ بحدّ ذاته: ما هو المعنى والقيمة التاريخيّة للدلائل القديمة خارج العهد الجديد؟

[1] يجسد النقص في دراسة هذه القضية اثنان من أكثر التواريخ تأثيراً في ، هما:

  1. رون رجي كميل، في كتاب “العهد الجديد، تاريخ التحقيق في مشاكله”، ولكنه يذكر هذه المشكلة ضمن الحواشي السفلية فقط، ويعلل ذلك بقوله: “إن الإنكار لوجود يسوع… اعتباطي ومبني على أسس خاطئة”. (367-447).
  2. نيل واريت، في كتاب “التفسير”، وهما لا يذكران هذه المشكلة على الإطلاق. وتبعاً لـ “بورنكام”: “أن تشكّ بالوجود التاريخي ليسوع بالمطلق… كان أمراً متروكاً لنقد مقصود من الوقت المعاصر، وهو أمر لا يستحق الذكر هنا”. (يسوع، 28)

[2] ميير، اليهودي الهامشي، 1: 68، انظر أيضاً: النعي الساخر ليسوع في أهم المجلات البريطانية، ذا إيكونميست، 3 نيسان 1999، 77. وعلى الرغم من معاملة حياة وموت يسوع على أنها تاريخية بالكامل، لكن يبدو أنه كان مجبراً على القول: إن الدلائل من مصادر قديمة غير مسيحية يؤمن تأويلات غير متحيزة، وشبه عصرية تقول: إن يسوع قد وجد بالفعل.

[3] المبشرون: هم أصحاب الأناجيل الأربعة: متى، مرقص، لوقا، يوحنا.

[4] على سبيل المثال: خلص رادولف بالتمان، الذي شكك بالعديد من أعراف الأناجيل الكنسية، إلى أنّ: “الشك بوجود يسوع لا أساس له، ولا يستحق الدحض. حيث لا يستطيع إنسان عافل أن يشك بأن يسوع هو مؤسس حركة تاريخية تتمثل مرحلته الأولى بالمجتمع الفلسطيني، (يسوع والكلمة، 13)

[5] ف. م. فولتير، يسو: من والإنسان، في الأعمال الكاملة لفولتيير. 279.

[6] يتحدث وود في كتابه: “هل عاش فعلاً؟” ص 7، عن رؤيته عام 1931 ملصقات مضادة للدين في نادي شيكاغو للعمال الروس، يساوون فيها بين يسوع وإله الشمس الفارسي ميثرا وإله الأرض المصرى إيزيس. (للمزيد عن بور وماركس، انظر زفاي روزن، “برونو بور وكارل ماركس”. (هيغ، 1977).

[7] أعطى الألمان هذا الاسم للمجموعة التي جعلت من مدرسة توبينغن تبدو معتدلة.

[8] دي فريز، الكتاب المقدس وعلم اللاهوت في هولندا، 54، يشير إلى أن “فولتير” و”إتش. يو. ميبوم” و”ج. ي. فان دي بيرغ”. على أنهم امتداد القرن العشرين لهذه المدرسة.

[9] ورد في التلمود البابلي: أن فيفوس بن يهوذا كان يقفل الباب على زوجته مريم ويخرج كي لا يراها الناس، فكرهته وخانته مع جندي روماني اسمه يوسف بانديرا، وبانديرا تعني نمر باللاتينية، وتلفظ أحياناً “بانثيرا”. فعوقبت مريم بتهمة الزنا، وطلقت من زوجها، مما أجبرها على تربية ابنها لوحدها، ومن ثم هاجر ابنها يشوع بن بانديرا إلى مصر وهناك تعلم المعجزات وعاد.

[10] ألكسندر جانيوس: ملك من السلالة المكابية، وسع مملكته في فلسطين، وبعد وفاته اختلف أبناؤه، فتدخل العرب الأنباط لمساعدة ابنه هيركانوس.

[11] كونيير، التاريخي (لندن 1914). كان كونيير، مثل روبيرتسون، عضواً قيادياً في الجمعية الصحفية العقلانية. لكنه كان يعرض آراء روبيرتسون للنقد اللاذع.

[12] سميث، الدين عند الآلهة (جينا 1906)

[13] ويلز، يسوع المسيحية الأولى (لندن 1971). مرجع سابق. هل وجد يسوع؟ (لندن 1975). مرجع سابق، الدليل التاريخي لوجود يسوع (بوفالو: 1982)، مرجع سابق، أسطورة يسوع (شيكاغو: 1996).

[14] دافع الفيلسوف “مايكل مارتن” من جامعة بوسكن عن “ويلز” في جدله بأن يسوع لم يوجد. وتبعه بمعظم ما قال في الفصل الأول من كتابه الدليل ضد المسيحيّة (فيلاديلفيا: 1991). ومن النقاد الذين يرفضون فرضيات ويلز: مايكل غرانت في كتابه: “يسوع: مراجعة تاريخية للأناجيل الكنسية”. (نيويورك: 1977) وإيان ويلسن في كتابه: “يسوع: الدليل” (سان فرانسيسكو: 1984)، وغراي هاييرماس في كتابه: الدليل القديم لحياة المسيح (ناشفيل: 1984)، الذي يقول في ص 67: إن ما يعيب حجج “مارتن” هو اعتماده على “ويلز” في معلوماته حول أبحاث العهد الجديد، مع ذلك فإن “مارتن” يعتبر حجج “ويلز” موثوقة، ويضيف: “إلا أنن لن أعتمد عليها في بقية الكتاب حيث أنها جدلية وليست مقبولة بشكل كبير”.

[15] انظر: موراي هاريس، ثلاثة أسئلة جوهرية عن يسوع (غراند رابيز: 1994)، حيث أن السؤال هو: “هل وجد يسوع؟” فإن هذا الأمر جوهري من أجل الإيمان بيسوع، لكنه لم يعد جوهرياً من أجل دراسته.

[16] بيلاطس البنطي: كان الحاكم الروماني لمنطقة “اليهودية” بين عامي 26 إلى 36م. وحسب ما هو وارد في الأناجيل المعتمدة، فإنه هو الذي تولى محاكمة المسيح، وأصدر الحكم بصلبه، وذلك في عهد الإمبراطور الروماني طيباريوس قيصر، وقد أصدر بيلاطس الحكم بصلب المسيح خوفاً من اليهود الذين هددوا برفع الأمر إلى الإمبراطور واتهامه بالخيانة إذا قام بتبرئة المسيح الذي صرّح بأنه ملك، وهي تهمة سياسية خطيرة بالنسبة للرومان.

[17] المحاولة الوحيدة المعروفة في هذا الجدل تتمثل بكتاب “يوستنيوس الشهيد، حوار مع ترايفو”، المكتوب منتصف القرن الثاني الميلادي.

[18] الربويين: فلسفة تؤمن بوجود خالق عظيم خلق الكون، وبأن هذه الحقيقة يمكن الوصول إليها باستخدام العقل، ومراقبة العالم الطبيعي وحده دون الحاجة إلى أي دين، فيختلفون بذلك عن الملحدين.

[19] علماً بأن رسل، في كتابه: “لماذا لست مسيحياً” (نيويورك 1957) يقبل بشكل ضمني تاريخية يسوع.

إقرأ أيضاً:

إقرأ أيضًا

مذيع مسلم: الله مات - هل تؤمن المسيحية بموت اللاهوت؟

مذيع مسلم: الله مات – هل تؤمن المسيحية بموت اللاهوت؟

مذيع مسلم: الله مات – هل تؤمن المسيحية بموت اللاهوت؟ مذيع مسلم: الله مات – …