الرئيسية / أبحاث / ثالوس – يسوع التاريخي في المصادر القديمة

ثالوس – يسوع التاريخي في المصادر القديمة

في المصادر القديمة

الجزء الأول – ثالوس

سنناقش في هذا الفصل الإشارات إلى يسوع في كتابات سبعة من الكتّاب الكلاسيكيين من فترة ما بعد الميلاد، وهناك عدد كبير ومتزايد من الأدب الأكاديميّ الذي يدْرُس هؤلاء الكتّاب الكلاسكيين وخاصّة: “تاسيتوس” و”بليني الأصغر”. ويشير “رونالد ميلر” بناءً على ملاحظاته أن الكتّاب الأكاديميين الذين تناولوا “تاسيتوس” قد تجاوزوا الآن بكتابتهم قدرة القارئ الأكاديميّ، وبذلك يستطيع المرء قراءة جزء واحد من أبحاث “تاسيتوس”. علاوة على ذلك، فإن تلك النصوص التي تذكر يسوع والمسيحيّة هي بشكلٍ نمطيّ من أكثر النصوص التي تُدرس بشموليّة من هذه الكتابات. ويمكن لنا أن نتطرّق إلى العديد من المواضيع الثانوية المرتبطة بهذا الموضوع مثل نمو الكنيسة، والثقافة المناهضة للمسيحيّة، والاضطهاد الروماني للمسيحييّن. على أية حال، يجب أن نبقي تركيزنا على ما تقوله هذه النصوص عن يسوع فقط.

الكتّاب الذين سنتناولهم هنا هم “ثالوس“، “بليني الأصغر“، “سوتونيوس”، “تاسيتوس”، “مارابارسيربيون”، “لوقيان السميساطي”، “كلسس”. وسنتابع هؤلاء الكتّاب حسب الترتيب الزمنيّ، على الرغم من أن التاريخ الدقيق غير مؤكّد غالباً. وسنعرض مع كلّ كاتب، بشكلٍ مختصر، السياق التاريخي والأدبيّ لنصوصه عن يسوع، وسنسرد هذه النصوص نفسها بترجمةٍ مباشرة، ونتعامل مع أي قضايا نقدية للنصّ، ونتحقق من مصادره ومن ثمّ نلخّص نتائج دراسته بشكلٍ مختصر.

ثالوس: الكسوف عند موت

تعود الإشارة الأولى المحتملة ليسوع إلى منتصف القرن الأول، فحوالي عام 55 بعد الميلاد، كتب مؤرّخ باللغة اليونانية يدعى “ثالوس” كتاباً من ثلاث أجزاء، يؤرّخ أحداث المنطقة الشرقيّة لحوض المتوسّط منذ سقوط طروادة وحتّى حوالي عام 55 بعد الميلاد. وكما هو حال أغلبية الأدب القديم، فإن أكثر أجزاء هذا الكتاب قد أتلفت، لكنّ ليس قبل أن يقتبسه الكاتب المسيحيّ “سيكستوس يوليوس الإفريقي” حوالي 160-240 م في كتابه “تاريخ العالم” حوالي 220 م. وقد فقد هذا الكتاب أيضاً، لكنّ واحداً من اقتباساته “لثالوس” كانت قد أًنقذت من قبل المؤرّخ البيزنطيّ “جورجوس سينسلوس” الذي أوردها في كتابه ” التأريخ” حوالي عام 800 م. ووفقاً “لسينسلوس” عندما يكتب “يوليوس الإفريقي” عن الظلمة التي حلّت عند موت يسوع، فقد أضاف:

في الجزء الثالث من كتبه التاريخيّة، يدعو “ثالوس” هذه الظلمة بأنها كسوف للشمس، وهو ما بيدو لي أمراً خاطئاً.

ويأتي هذا الجزء من “ثالوس” الُمستخدم من قبل “يوليوس الإفريقي” في القسم الذي يذكر فيه “يوليوس” الإشارات التي حصلت عند . ويرى “يوليوس” أن “ثالوس” كان مخطئاً في رؤيته أن تلك الظلمة كانت كسوفاً شمسياً فحسب، لأن الكسوف الشمسيّ في فترة القمر المكتمل هو أمرّ مستحيل، وعيد الفصح اليهوديّ يحدث دائماً في فترة القمر المكتمل. ويردّ “يوليوس” دائماً بأن الكسوف كان معجزةً “ظلمةّ أحدثها ”.

حيث أنه كان بإمكان “ثالوس” أن يذكر الكسوف دون الإشارة ليسوع. لكنّه مرجّحٌ أكثر أنّ “يوليوس” الذي عرف سياق الاقتباس في “ثالوس” والذي كان معروفاً، من خلال أجزاءٍ أخرى، بحرصه عند استخدام مصادره، كان محقاً في قراءته لهذه الإشارة على أنها إشارة عدائيّةٌ لموت يسوع. ويوضح السياق في نصّ “يوليوس” أنه يدحض رأي “ثالوس” القائل بأن الظلمة لم تكن ذات دلالةٍ دينيّة. ويشير “موريس غوغل”: أنه في حال كان “ثالوس” يكتب بوصفه مؤرّخاً فحسب يذكر كسوفاً حصل في السنة الخامسة عشر من حكم “تيبريوس”[1]، فإن “يوليوس الإفريقي” ما كان ليقول عنه انه كان مخطئاً، بل لكان استخدم دلائله لإثبات العرف المسيحيّ. وكما يوضّح كتاب “سوتونيوس” حياة القياصرة، فإن العالم الروماني القديم غالباً ما كان مأخوذاً بإشارات البشائر والنُذُر التي تحدث عند موت أحد الشخصيّات البارزة، معتقدين أنها تشير إلى تغيير الحكم. وعلى الأرجح فإن “ثالوس” كان يرى أن هذه الظلمة لم تكن إشارة ذات معنى بل مجرّد حدثٍ طبيعيّ. مع أنه لا يمكن التأكد من الأمر، إلاّ أن معظم الدلائل تشير إلى معرفة “ثالوس” بموت يسوع وبإشارة الظلمة التي يقول المسيحيّون بأنها صحبته (متّى 27:45، مرقص 15:33، لوقا 23:44).

من هو “ثالوس”؟ قد يكوه هو نفسه “ثالوس” الذي يشير إليه المؤرّخ اليهوديّ “يوسيفوس” وهو مواطنٌ سامريّ[2] من روما، وكان مقرباً إلى “أغريباس”[3] (تاريخ اليهود 18.6.4 §167)، وربّما كان سكرتيراً لـ”أوغسطس”[4]. لكنّ هذا يعتمد على تخمينين متتابعين، أحدهما نصيّ والآخر تاريخيّ: فكلمة “ثالوس” هي تعديلٌ نصيّ تخمينيّ تبنِّاه كافّة محرريّ “يوسيفوس” المحدثين ماعدا “نيس”، وتقرؤها كافّة النصوص القديمة: “سامريّ آخر”، وهو أمرٌ محيَرٌ بالفعل! لأن “يوسيفوس” لم يذكر أيّ سامريّ في سياق نصّه. على أية حال، فقد كان هذا التفسير مقبولاً بشكلٍ كافٍ لتجنّب هذا التعديل من قبل الكتبة. فالتعديل المقترح يضيف حرفاً إلى الكلمة ليحوّلها إلى “ثالوس”. أمّا التخمين الثاني فيربط “ثالوس” المذكور في “يوسيفوس” مع “ثالوس” الذي يذكره “يوليوس الإفريقي” و”يوسبيوس”. ويمكن اعتبار هذا التعريف بـ”ثالوس” محتملاً على الأقلّ لأن المصدرين يعودان إلى القرن الأول حيث أن هذا الأسم لم يكن شائعاً. ولسوء الحظّ، ليس لدينا أي نصّ آخر عن “ثالوس” هذا بوصفه كاتباً.

في حال كان هذا التعريف بـ”ثالوس” دقيقاً، فإن هذا الشاهد على موت يسوع كان في روما في منتصف القرن الأول، وتبقى صحّة هذا التعريف أمراً محتملاً، لكن في حال لم يكن التعريف صحيحاً، فإن “ثالوس” هذا يبقى كاتباً آخر غير معروف. وليس هنالك صلّة قوية بين دقّة هويّة الكاتب ومسألة مصادر معلومات “ثالوس”، وذلك لأن الأعراف المتعلقة بموت يسوع كانت ستصل رومانياً كما كانت ستصل سامرياً، كما أنها لا تقدّم أي توضيح للنصّ نفسه.

كما أن تاريخ “ثالوس” وأعماله غير مؤكّدين إلى حدً ما، ويوضّح كتاب “يوسبيوس” “التأريخ” الذي لم يبق منه إلا جزء باللغة الأرمينيّة، أن “ثالوس” كتب عن الفترة الممتدّة من سقوط طروادة وفقط، حتّى عام 167 للأولمبياد أي ما بين 112-109 ق.م. على أية حال، فإن أجزاء أخرى من تاريخ “ثالوس” المحفوظة في العديد من المصادر الأخرى تشير إلى أنه كتب عن أحداثٍ جرت حتّى موت يسوع على الأقلّ. يتمثّل أحد الحلول باعتبار أن “ثالوس” قد كتب بالفعل حتى عام 109 ق.م فقط، وأن “يوسبيوس” قد اعتمد هذه النسخة الأولى، لكنّها وسّعت من قبل كاتب آخر لتصبح النسخة التي عرفها “يوليوس الإفريقي” واستخدمها عام 221 للميلاد. ونجد حلاً آخر باعتبار أن السرد الذي لدينا من الأجزاء الأرمينيّة لكتاب “التأريخ” ليوسبيوس هو سردٌ خاطئ. ويعدّل “سي.مولر” وبعده “ر.أيسلر” القراءة المحتملة للأصل اليونانيّ المفقود ليغيّرها من عام 167 للأولمبياد الواقع بين عامي 112-109 ق.م إلى 207 للأولمبياد، الواقع بين عامي 49-52 للميلاد. وفيما يبدو، فإن هذا الحلّ يلقى قبولاً لدى معظم الباحثين، لكن من المستحيل معرفة ما إذا كان هذا التغيير قد حصل عند نقل النصّ اليوناني، أو عند ترجمته من اليونانية إلى الأرمينيّة، أو أنه حصل عند

ثالوس - يسوع التاريخي في المصادر القديمة
ثالوس – في المصادر القديمة

نقل النصّ الأرمينيّ. بالمجمل، فإن الحلّ الثاني مرجّحٌ أكثر، مما يرجع “ثالوس” إلى حوالي العام 50م.

وبما أن “ثالوس” يبدو هنا أنه يدحض وجهة نظرٍ مسيحيّة. فالأرحج أنه عرف بأمر الظلمة التي حدثت عند موت يسوع من مسيحيّين، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، وليس من مصدرٍ مستقلّ. لا يمكننا الجزم فيما إذا كان “ثالوس” قد استقى معلوماته من مصدرٍ شفهيّ أو مكتوب. ربّما كانت بعض الروايات المكتوبة عن آلام تُنشر في ذلك الوقت، إلاّ أنه لا يوجد في كلمات “ثالوس” ما يدفعنا للاعتقاد بأنه كان يستقي معلوماته من مصدر مسيحيّ مكتوب. وقد كانت الظلمة عند موت يسوع مجرّد عنصرٍ من عناصر الدعاية المسيحيّة. وكما يُشير “كريغ إيفانز” فإن هذه الإشارة لا تُثبت أن الظلمة قد حدثت بالفعل أثناء ، لكن لا بُدّ من تفسيرها هنا. وبالاحرى، فإنها دليلً على العرف المسيحيّ المبكّر للظلمة أثناء موت .

ما الذي يمكن استخلاصه من “ثالوس”؟ لا يزال بعض الغموض يلفّ رواية “ثالوس” ويعود هذا إلى إيجازها الشديد، اقتباسها غير المباشر، وعدم الدقة في تحديد هويّة الكاتب وتأريخه. وبينما يمنعنا هذا الغموض من إدعاء إثبات معلوماتنا، إلاّ أننا حصلنا على معلومة عن موت يسوع. وبما يوافق العرف المسيحيّ الموجود في الأناجيل السينوبتيّة، فإن “ثالوس” يقول بحصول ظلمة عند موت يسوع. لكن خلافاً لذلك العرف، فإنه يفسّرها على أنها كسوف طبيعيّ للشمس. ويمكننا أن نخلص إلى أنّ هذا العنصر من المعارف المسيحية كان معروفاً خارج المحيط المسيحيّ، وأن “ثالوس” شعر بضرورة دحض هذا العرف، إلا أنه بذلك كشفه بشكلٍ أكبر. ربّما كان “ثالوس” على اطلاع بتفاصيل أكثر من العرف المسيحيّ عن موت يسوع، فمن غير المحتمل أنه علم بهذا الجزء الصغير من قصّة موت يسوع دون معرفة السياق العام، لكنّ بقايا كتاباته لا تُقدّم أي تأكيدٍ لهذا الأمر. إن رأيه هذا، إذا كان تأريخاً صحيحاً، يجعل منه أقدم كاتبٍ معروفٍ يُعرب عن معارضةٍ مكتوبةٍ للمسيحيّة. علاوةً على ذلك، فإن “ثالوس” هو الكاتب غير المسيحيَ الوحيد الذي كتب عن معلومة تخصّ يسوع قبل أن تُكتب هذه المعلومات في الأناجيل الكنسية القانونية.

لقراءة بقية السلسلة:

بليني الاصغر – يسوع التاريخي في المصادر القديمة

سوتونيوس – يسوع التاريخي في المصادر القديمة

[1] تيبريوس: قيصر أوغسطس، ولد عام 42 ق.م، وهو الأمبراطور الروماني الثاني. وكان ابناً لأوغسطس بالتبني وصهره. بنى هيردوس أنتيباس حاكم الجليل مدينة طبرية على اسمه، وفي عهده . وقد توفى عام 37 م، وخلفه كاليغولا.

[2] السامرة: طائفة دينية يرجع أصلها إلى بني إسرائيل، وينسبون إلى مدينة شامر أو سامر، ولهم توراتهم الخاصة. وقد ظهر الخلاف بين السامريين واليهود بعد العودة من السبي البابلي حيث تمسك كل منهم بتوراته على أنها التوراة الصحيحة.

[3] أغريباس: هيرودس أغريباس الأول ابن ارسطوبولس، وحفيد هيرودس الكبير. كان يعيش في روما، ثم عين حاكماً على قسم من فلسطين سنة 39 م، زمن الإمبراطور كاليجولا. يقول الكتاب المقدس إنه ذبح يعقوب أخا يوحنا المعمدان وسجن بطرس. مات أغريباس سنة 44 م.

[4] أوغسطس: 27 ق.م-14 م، هو جايوس أوكتافيوس وقد تبناه عمه يوليوس قيصر، وبعد مقتل يوليوس اشترك أوكتافيوس مع أنطونيوس في الحكم ثم أصطدما في معركة إكتيوم البحرية سنة 31 ق.م. حيث انتصر أوكتافيوس، وانتحر أنطونيوس وكليوباترا بعد حصار الإسكندرية، فانفرد أوكتافيوس بالحكم. وفي سنة 27 ق.م منحه مجلس الشيوخ لقب أوغسطس ومعناه: الجدير بالاحترام كإله. وأعلن أوغسطس قيصر الإمبراطورية سنة 23 ق.م وفي مدة حكمه وُلِدَ السيد .

إقرأ أيضاً:

إقرأ أيضًا

مذيع مسلم: الله مات - هل تؤمن المسيحية بموت اللاهوت؟

مذيع مسلم: الله مات – هل تؤمن المسيحية بموت اللاهوت؟

مذيع مسلم: الله مات – هل تؤمن المسيحية بموت اللاهوت؟ مذيع مسلم: الله مات – …