الرئيسية / أبحاث / يسوع التاريخي – أبوكريفا العهد الجديد: تقاليد وأساطير حول يسوع

يسوع التاريخي – أبوكريفا العهد الجديد: تقاليد وأساطير حول يسوع

أبوكريفا : تقاليد وأساطير حول يسوع

يسوع التاريخي

تعتبر أبوغريفا جزءاً كبيراً من الكتابات المسيحية الأولى من نهاية القرن الأول حتى القرن التاسع. وتدّعي هذه الكتابات أنا كتبت بيد الحواريين أو أولئك المقربين منهم، حيث تم استخدام القليل من تلك الكتابات على نطاق واسع في الكنيسة. وقد رفضت الكنيسة الكبرى قانونية تلك الكتابات على مر الزمن، ومن ثم أصبحت هذه الكتابات أبوغريفا أي “كتابات مشكوك في صحتها” أو “كتابات خفية”. فقد قام مؤرخو الكنيسة الأولى بترتيب أبوغريفا بأساليب تحتوي على: أناجيل، وأصحاحات، ورسائل، وكتابات رؤيوية. وما تزال الدراسة العلمية لأبوغريفا في مرحلة متوسطة، إلا أن اكتشاف أدب نجع حمادي نفخ الحياة من جديد في تلك الدراسة. وعلى العكس من أبوغريفا ، التي يقر معظم المسيحين بأنها كنسية وقانونية، يتم أبوغريفا عالمياً ولا تعتبر جزءاً صحيحاً من العهد الكنسي الجديد. ومع ذلك، تشكل شاهداً رئيسياً لآراء مسيحية عن يسوع، تُقبل وترفض، في القرون الأولى للعقيدة. وبطبيعة الحال، ترج معظم آراء أبوغريفا عن في أناجيل مشكوك في صحتها.

أناجيل الطفولة

إن النوع الأول من الأناجيل المشكوك في صحتها والذي نتناوله هنا هو “إنجيل الطفولة”. وتدعى هذه الأناجيل بـ “أناجيل الطفولة” لأنها تحتوي على قصص يسوع، وإن كانت تلك القصص قصص سنواته الأولى فقط. ففي الأناجيل الكنسية، لا يورد مرقص أي شيء عن ولادة يسوع. أما متّى ولوقا فيورد كل واحد منهما فصلين كمقدمة لمهمة يسوع التبشيرية، كما أن يوحنا لا يورد شيئاً عن ولادة يسوع، ولإصدار حكم بناءً على هذه الكتابات، وبناءً على كل كتابات المسيحية الأرثوذكسية والمسيحية الغنوصية خارج ، يبدو أن المسيحيين كانوا يهتمون في المقام الأول بأقوال وأفعال يسوع الراشد. ومع مرور الوقت، ابتداءً من القرن الأول، زاد الكثير من المسيحيين اهتمامهم بولادة يسوع وبسنواته الأولى، حيث ظهرت التقاليد الشفهية لتكمل إنجيل متّى ولوقا، في أغلب الأوقات، بخيال مسيحي شعبي، وبأساطير يونانية رومانية وهندية حول ولادة الأطفال الخارقين.

لم يكن هدف أناجيل الطفولة ملء فجوات موجودة في الأناجيل. لقد كان لديها دافع عقائدي واعتذاري كبير، وهو: التعريف بنسب يسوع الذي يعود إلى داود عن طريق افتراض أن مريم من ذرية دواد، وصد الهجمات اليهودية المتزايدة التي تطعن في شرعية ولادة يسوع. إن أناجيل الطفولة في مراحلها الشفهية والمكتوبة استمدت أفكارها من إنجيلي متّى ولوقا، إلا أنها ذهبت إلى أبعد من ذلك. وكما ذكر أوسكار كولمان: “يزداد إلى حد كبير الاتجاه نحو الاستفادة من الأساطير الغريبة التي تم ملاحظتها مسبقاً في القصص السردية عن الطفولة الواردة في إنجيلي متّى ولوقا”. كما سنقوم بمسح مختصر على إنجيلي الطفولة الرئيسيين اللذان يتم دراستهما من حين إلى آخر من أجل التقاليد الأولى ليسوع التاريخي، وهما إنجيل يعقوب التمهيدي وقصة الطفولة لتوما.

إن إنجيل يعقوب التمهيدي، المعروف في العالم القديم بالعنوان الأكثر دقة ألا وهو: “ولادة مريم”، وهو عمل يعوج للقرن الثاني لكاتب مسيحي غير يهودي. وبما أنه يحظى بشعبية واسعة في مسيحية العصور القديمة والوسطى نظراً لأنه عمل نابع من الورع ونظراً لجماله الأدبي، بقي على قيد الحياة في العديد من المخطوطات في الأصل اليوناني وفي النسخ اللاحقة في ثماني لغات مختلفة. فهذا العمل يروي قصة مريم أم يسوع: والديها: يواخيم وأنا، حملها المعجز، لكن ليس الطاهر بعد، ولادتها، طفولتها ونشأتها في المعبد، خطوبتها من الكثيرين وصولاً إلى يوسف الشيخ الأرمل، وعذريتها الدائمة، وأخيراً حملها بيسوع.

يستخدم إنجيل يعقوب التمهيدي القصص السردية للطفولة الواردة في متّى ولوقا، ومن ثم يقوم بتوسيع هذه القصص وإكمالها لأغراض خاصة. إن الموضوع الرئيسي لهذا العمل هو الثناء على العذرية، الأمر الهام في حركات الزهد والرهبنة في المسيحية. ولأنه يركز على مريم العذراء، مستخدماً التنميق الأسطوري لسرد قصتها ومستمداً ما يقوله عن ولادة يسوع من الأناجيل الكنسية والأسطورة الشعبية، فإنه يتمتع بالقليل من الأهمية أو حتى لا يتمتع بأية أهمية بالنسبة لدراستنا ليسوع التاريخي.

نشأت قصة الطفولة لتوما في أواخر القرن الثاني، حيث تروي معجزات يسوع الغلام التي حصلت بين عامه الخامس وعامه الثاني عشر كما رواها تلميذ يسوع توما. كما توجد قصة الطفولة هذه اليوم في الأصل اليوناني، وفي خمس نسخ بلغات أخرى. كما أنها ليست متطورة من الناحية الأدبية واللاهوتية كإنجيل يعقوب التمهيدي، إلا أن قصة الطفولة لتوما تتصف بالتأكيد الصريح على المعجزات، حيث يملك يسوع حتى عندما كان غلاماً قدرة كلية ومعرفية ونفوذاً غير محدود، الصفات التي لا تنسبها الأناجيل الكنسية ليسوع الراشد خلال مهمته التبشيرية. ويقوم يسوع الغلام ببعض الأعمال الخيرة مستخدماً قوته الإعجازية، إلا أنه غالباً ما يستخدمها بقسوة، كما هو الحال مثلاً عندما قتل طفلاً آخر كان قد ضربه على كتفه (4: 12) ويُذهب ببصر أولئك الذين يتهمونه (5: 1)، حتى أنه وجه تهديداً خفياً ليوسف عندما كان يقوم بتأديبه (5: 2). وتتجه محتويات هذه الوثيقة إلى حد كبير نحو الورع الشعبي الذي جاء في وقت لاحق، حيث لا تشير إلى تقاليد القرن الأول حول يسوع.

إنجيل بطرس

في عام 1886، وجد فريق آثار فرنسي كان ينقب في مقبرة تعود لدير باتشوميان، الذي يبعد نحو 250 ميلاً جنوب القاهرة، كتاباً صغيراً في قبر راهب. فقد احتوت الصفحات من 2 إلى 10 من الكتاب، الذي يعود تاريخه إلى الفترة الواقعة ما بين القرن السابع والتاسع، وصفاً لموت يسوع وقيامته، حيث خلص العلماء بعد فترة قصيرة إلى أن هذا الكتاب هو جزء من إنجيل بطرس الذي ذكره آباء الكنيسة المبكرة من بداية القرن الثالث. ولم يتم العثور على أي أجزاء أخرى من إنجيل بطرس.

اهتم الباحثون في البداية اهتماماً كبيراً بإنجيل بطرس، لكن عندما تم التوصل بالإجماع إلى أن إنجيل بطرس كان عبارة عن تعميم وتعديل غنوصي للأناجيل الكنسية، لا سيما متّى، قاموا بتهميش هذا الأمر بعد فترة قصيرة. إلا أن العلماء في السنوات القليلة الماضية جددوا اهتمامهم بهذا الكتاب، فقام هيلموت كوستر وجون دومينيك كروسان بإثارة هذا الاهتمام من خلال ادعائهم بأن مصدر القصص السردية للآلام الواردة في إنجيل بطرس كان أيضاً مصدر القصص السردية للآلام الواردة في الأناجيل الكنسية.

وهذه ترجمة حرفية إلى حد ما للقصص السردية للآلام في إنجيل بطرس:

(1: 1) ولم يغسل أحد من اليهود يديه، ولا هيرودس ولا أحد من قضاته، وحيث أنهم لم يريدوا أن يغسلوا (2) قام بيلاطس. وبعد ذلك أمرهم هيرودس أن يأخذوا السيد في أيديهم، وقال لهم: ما أمرتكم أن تفعلوا به فافعل

(2: 3) في هذا الوقت كان يقف هناك يوسف صديق بيلاطس والرب، وهو كان يعلم أنهم على وشك أن يصلبوه، فذهب إلى بيلاطس وتوسل إليه أن يقبر جسد يسوع. (4) وأرسل بيلاطس إلى هيرودس يتوسل إليه في جسد . (5) وقال هيرودس: يا أخي بيلاطس حتى ولو لم يتوسل أحد له كنا سوف ندفنه، لأنه أيضاً السبت يبدأ، لأنه مكتوب في الناموس لا يجب أن تغرب الشمس على المقتول (في جريمة).

وسلمه للشعب قبل اليوم الأول للفطير، حتى في عيدهم. (3: 6) بعد أن أخذوا السيد دفعوه وهم يجرون، وقالوا: هلم نسوق ابن ، فنحن الآن لدينا السلطة في شأنه. (7) ووضعوا عليه ثوباً أرجوانياً، وأجلسوه على كرسي الحكم قائلين: احكم بالعدل يا ملك إسرائيل. (8) وأحضر أحدهم إكليلاً من الشوك ووضعوه على رأسه. (9) وآخرون وقفوا وبصقوا في عينيه، وآخرون لطموه على خده، وآخرون وخزوه بقصبة، وآخرون جلدوه قائلين: بهذه الكرامة دعونا نكرم ابن .

(4: 10) وأحضروا مجرمين اثنين وصلبوا السيد وسطهم. ولكنه ظل صامتاً كما لم يشعر بألم. (11) وعندما نصبوا الصليب كتبوا عليه “ملك إسرائيل”. (12) وطرحوا ملابسه عنه وقسموها بينهم، ووزعوا نصيبهم عليهم. (13) ولكن أحد المجرمين وبخهم قائلاً: هكذا نعاني من الآثام التي فعلناها، ولكن هذا الرجل الذي أصبح مخلص الرجال، أين ألحق بكم ضرراً؟ (14) وكانوا غاضبين جداً منه، وحكموا ألا تقطع رجلاه حتى يموت في عذابه.

(5: 15) في ذلك الوقت كان منتصف النهار، وساد الظلام كل مدن اليهود، وكانوا قلقين وفي جهاد عنيف خشية أن تغيب الشمس عليه وهو لا يزال حياً لأنه مكتوب يجب ألا تغيب الشمس على المقتول (في جريمة). (16) وقال أحدهم أعطوه ليشرب خلاً وخمراً: ومزجوه وأعطوه ليشرب. (17) وحققوا وأتموا خطاياهم على رؤوسهم.

(18) وأشعل العديد قناديل مفترضين قدوم الليل، وبعضهم سقط. (19) وصرخ السيد عالياً قائلاً: إلهي إلهي لماذا تركتني. وعندما قال ذلك كان قد قُبض. وفي نفس الساعة انشق حجاب الهيكل بأورشليم إلى نصفين.

(6: 21) وبعد ذلك قلعوا الأظافر من يد الرب، وطرحوه على الأرض، وارتجت كل الأرض وأتى على الجميع خوف عظيم. (22) وأشرقت الشمس، وكانت الساعة التاسعة. (23) وابتهج اليهود وأعطوا جسده ليوسف ليدفنه لأنه شاهد كل الأعمال الجيدة التي صنعها. (24) وأخذ الرب وغسله ولفه في كتان ووضعه في قبره الذي يدعى بستان يوسف.

(7: 25) وبعد ذلك أدرك اليهود والشيوخ والكهنة كم هو عظيم الشر الذي فعلوه بأنفسهم، وبدأوا يندبون ويقولون: لقد جلبنا البلاء بخطايانا، لقد اقتربت الدينونة ونهاية أورشليم. (26) ولكن كنت مع رفقائي في حزن، وكنا مصابين في عقولنا، فكنا مختبئين لأنهم كانوا يروننا مجرمين كما لو كنا نفكر في إشعال حريق بالهيكل. (27) بالإضافة إلى ذلك كنا صائمين، وظللنا في حزن وبكاء نهاراً وليلاً حتى السبت.

(8: 28) ولكن الكتبة والفريسيين والشيوخ اجتمعوا مع بعضهم لأنهم سمعوا أن الناس يدمدمون ويضربون على صدورهم قائلين: إذا كانت هناك آيات عظيمة حدثت عند موته انتبهوا كل كان هو صالحاً. (29) وكان الشيوخ خائفين، وذهبوا إلى بيلاطس وتوسلوا إليه قائلين: أعطنا جنوداً حتى نحرس القبر ثلاثة أيام خشية أن يسرق التلاميذ جثته فيظن الناس أنه قام من بين الأموات، ويلحقوا بنا الضرر. (31) وأعطاهم بيلاطس بيترونيوس قائد المائة وجنوداً لمراقبة القبر، وذهب معهم الشيوخ والكتبة إلى المقبرة. (32) ودحرجوا هم وقائد المائة والجنود صخرة كبيرة لحبسه. (33) ووضعوا سبعة أختام عليه، ووضعوا خيمة وظلوا يحرسون.

على الرغم من أن الدراسات البحثية في البداية وصفت إنجيل بطس بالغنوصي، إلا أن الدراسات التي أجريت مؤخراً اعتبرته مساوياً لما جاءت به المسيحية الأرثوذكسية. فإنجيل بطرس يشترك حقاً في العديد من خصائص الأدب المسيحي الأرثوذكسي للقرن الثاني. فهو يعمم التقاليد التي يعمل بها. كما هو ملاحظ في كل من أسلوبه، الذي يفتقد إلى حروف عطف إلى حد ما، ومضمونه. كما أن يشدد على المعجزات أكثر من تشديد الأناجيل الكنسية على ذلك، حيث يجعل من المعجزات تبدو وكأنها براهين قاطعة على الإيمان. كما يحتوي على بعض الروابط القوية، شفهية ومكتوبة، مع الأناجيل الكنسية. مثل أعمال بيلاطس، القصة السردية الرئيسية الأخرى عن الآلام في ذلك الوقت، ويحتوي إنجيل بطرس على جدلية قوية مناهضة لليهود. وقد يكون هذا ذا صلة مع أوساطه الشعبية، حيث كانت معاداة اليهودية لليهود. وقد يكون هذا ذا صلة مع أوساطه الشعبية. حيث كانت معاداة اليهودية أقوى في الأوساط الشعبية من أوساطه الشعبية، حيث كانت معاداة اليهودية أقوى في الأوساط الشعبية من أوساط الدوائر الرسمية. أخيراً، يحتوي إنجيل بطرس على عنصر تعبدي واضح، لا سيما ذاك الملاحظ في استخدامه الدائم لكلمة “الرب” بدلاً من “يسوع”.

ومع ذلك، يمكن قراءة إنجيل بطرس على أنه على الأقل وبصورة أولية غنوصي ويروق للمسيحيين الغنوصيين. فالعبارة “ولكنه ظل صامتاً كما لم يشعر بألم.” (4: 10) تروق للمسيحيين الغنوصيين الذين يقللون أو ينكرون معاناة السيد . كما ستروق صرخة الهجران ” إلهي إلهي لماذا تركتني” (5: 19) للغنوصيين الذين اعتبروا أن العنصر الإلهي ليسوع هجره قبل وقت قصير من صلبه. فإنجيل بطرس يروق للمسيحيين الأرثوذكس والغنوصيين اللذين يستخدمانه أيضاً، وهذا أمر لا ينبغي أن يفاجئنا. رغم كل ذلك، كلا الفريقين يستخدمان إنجيل يوحنا ورسائل بولس.

إن القضية الأكثر إثارة للجدل في الدراسات البحثية الحالية حول إنجيل بطرس تركز على ما إذا كان الشكل الأول لقصصه السردية عن الآلام كان أيضاً مصدر القصص السردية للآلام الواردة في الأناجيل الكنسية. فهيلموت كوستر وجون دومينيك كروسان يعتبران من أبرز المدافعين عن هذا الموقف، إلا أنهما أخفقا في إقناع جمهور العلماء بذلك. كما تفتقد الرواية الرئيسية لغرضية كروسان الواردة في كتابه “الصليب الذي نطق”، إلى هذا النوع من التحليل النقدي المفصل للمصدر، الأمر الذي طالب به الكثير من العلماء. إلى أن يطابق أولئك الذين يدعمون مثل فرضية المصدر هذه الخاصة بإنجيل بطرس، مع حجج المصدر النقدية لأولئك الذين يعارضونها أمثال: جويل بي غرين، ريموند ي براون، آلان كيرك، وسوزان ب شيفر. وستبقى هذه الفرضية المثيرة تتمتع بدعم الأقلية. كما تتوافق القصص السردية للآلام الواردة في إنجيل بطرس مع القرن الثاني تماماً، والحجة التي تعارض احتواء هذه القصص على مصدر للآلام قبل الفترة الكنسية تبدو في الوقت الراهن أقوى بكثير من الحجة التي في صالح تلك القصص.

إنجيل مرقص السري

في عام 1958، عثر مورتون سميث في دير مار سابا الأرثوذكسي اليوناني الواقع بالقرب من القدس على نسخة مجتزأة لرسالة مجهولة من إكليمندس الإسكندري إلى تيودور. وقد كتبت نسخة مخطوطة رسالة إكليمندس باللغة اليونانية في القرن الثامن عشر على الأغلب، على ظهر نسخة لرسائل أغناطيوس النوراني التي تعود للقرن السابع عشر. في هذه الرسالة، يعلم إكليمندس تيودور بإنجيل مرقص “السري”، قائلاً له إنه النسخة “الروحية” الثانية لإنجيل مرقص وإن نفس المبشر هو الذي كتبه. ويقول إكليمندس إن طائفة غنوصية معروفة باسم الكاربوكريتيين كانت قد أساءت واستخدام هذا الإنجيل، ولتوضيح وجهة نظره، قام إكليمندس باقتباس فقرة واحدة من إنجيل مرقص السري:

“ثم جاؤوا إلى بيت عنيا، فحضرت إليه امرأة هناك مات أخوها وسجدت أمامه قائلة: يا ابن داود ارحمني. فانتهرها التلاميذ. ولكن يسوع غضب ومضى معها إلى البستان حيث القبر الذي دُفن فيه. ولدى اقترابه نّدَت من داخل القبر صيحة عظيمة. فدنا يسوع ودحرج الحجر عن مدخل القبر ودخل لفوره إلى حيث الفتى فمدّ ذراعه إليه وأقامه ممسكاً بيده. لما رآه الفتى أحبّه وتوسّل إليه البقاء معه. وبعد خروجهما من القبر توجهوا إلى بيت الفتى لأنه كن غنياً. وبعد ستة أيام لقّنه يسوع ما يتوجّب عليه فعله. وفي المساء جاء إليه الفتى وهو يرتدي ثوباً من الكتان على جسده العاري وبقس معه في تلك الليلة، لأن يسوع كان يعلمه أسرار ملكوت . وعندما قام عاد إلى الجهة الأخرى من الأردن.

(الجزء 2) وجاءوا إلى أريحا. وكانت أخت الفتى الذي أحبه يسوع وأمه وسالومة موجودات هناك، إلا أن يسوع لم يستقبلهن”.

على الرغم من أن العلماء المستقلين ليم يتمكنوا حتى الآن من دراسة هذه الوثيقة، قبلت الدراسات البحثية بالإجماع تقريباً بأصالة هذا الاكتشاف، وقبلت الأغلبية بأن هذه الفقرات هي حقاً من رسالة إكليمندس. ومع ذلك، فإن صحة إنجيل مرقص السري، الذي كُتب بيد المبشر نفسه الذي كتب إنجيل مرقص الكنسي، هي موضع جدل على نطاق واسع.

وقد قال مورتون سميث، ثم تلاه كروسان وكوستر وغيرهم، إن إنجيل مرقص السري كان مصدراً للقصص السردية الواردة في إنجيل مرقص الكنسي. ورغم ذلك، لا يمكن الدفاع عن هذا الموقف لعدة أسباب:

أولاً، على الرغم من الإجماع الحديث، إلا أنه لم يتم استبعاد إمكانية أن تكون الرسالة رسالة مزورة في القرن الثامن عشر.

ثانياً، لا يمكن في أغلب الأوقات التعويل على استخدام إكليمندس للمصادر، حتى لو كانت رسالته أصلية، هذا لا يعني أن كل ما يقوله عن إنجيل مرقص السري صحيحاً.

ثالثاً، ما نملكه من هذه الوثيقة مجرد رسالة مجتزأة.

رابعاً، لا يوجد إجماع بين أولئك الذين يرون في هذه الوثيقة مصدراً لمرقص.

لذلك، فمن المستبعد أن يكون إنجيل مرقص السري، إن وجد أصلاً، مصدراً لإنجيل مرقص الكنسي. إن جهود سميث لإعادة بناء تاريخ المسيحية المبكرة على هذا الأساس غير المؤكد، حيث يقول إن تقاليد الأناجيل الكنسية اللاحقة أعادت يسوع الساحر والفاجر جنسياً، تعتبرها الغالبية الساحقة من العلماء ضرباً من الخيال.

وتسهم مخطوطة إجرتون 2 المكتوبة على ورق البردي، التي تسمى أحياناً “إنجيل إجرتون” في دراسة ، حيث يعود تاريخها إلى نحو عام 200 م ونشرت لأول مرة في عام 1935، كما أنها غير كاملة وتالفة إلى حد بعيد. وتُبرز القصة السردية الأولى والمجتزأة الواردة في هذه المخطوطة نزاعاً بين يسوع وخصومه المحامين بشأن انتهاك يسوع لشريعة موسى. ويروي قسمها الثاني قصة شفاء الأبرص، وجدلاً حول دفع الضرائب. تُختتم بمعجزة ليسوع في نهر الأردن لا تؤكدها الأناجيل الأخرى. إن قيمة مخطوطة إجرتون 2 المكتوبة على ورق البردي محل نزاع، لكن يخلص معظم الباحثين من طبيعتها المجتزأة ودمج قصصها السردية بين عناصر غنوصية وعناصر خاصة بيوحنا أنها عمل معاد صياغته في وقت لاحق لتقاليدهم. من ناحية أخرى، يقول هيلموت كوستر إن هذه المخطوطة تشهد على المرحلة المبكرة لتقاليد يسوع حيث لا ينفصل التيار الغنوصي والتيار الخاص بيوحنا عن بعضهما بعضاً.

صعود يعقوب

بين مسيحيي القرن الثاني والثالث الذين جمعوا ما بين المسيحية واليهودية فيما عُرف باسم “المسيحية اليهودية”[1]، كان أدب الأناجيل شائعاً في تلك الفترة. ونعرف ثلاثة أناجيل أساسية عنت طريق استشهاد كتّاب مسيحيين بها: إنجيل الناصريين، وإنجيل الإيبونيين، وإنجيل العبرانيين. ولسوء الحظ لم تحفظ الكنيسة العظيمة هذه الأناجيل، وبقي منها النزر اليسير من خلال الاستشهاد بها في كتب أخرى، مما يجعل من معرفتنا بها أمراً صعباً غير مؤكد. وحسب “إ. ف. جيه. كلين” الذي يقول: رغم الإشارات العديدة للأناجيل المسيحية اليهودية في الأدب القديم وأدب العصور الوسطى، فقد بقي الكثير منها غامضاً وبالأخص فيما يتعلق بالأرقام والأسماء التي عرفت بها أصلاً، واللغة التي كتبت بها.

لقد كان إنجيل الناصريين ذا صلة وثيقة بإنجيل متّى، والذي ظنّ الكثير من المسيحيين القدامى خطأ أنه كتب أصلاً بالعبرية أو الآرامية. ويشهد على أشهر إنجيل مسيحي يهودي معروف لكتّاب الكنيسة العظيمة، ثلاثة وعشرون اقتباساً من العصور القديمة، وثلاثة عشر اقتباساً من العصور الوسطى مما يدل على أقدمية الاهتمام بهذا الإنجيل.

وسمي إنجيل الإبيونيين على اسم المجموعة المسيحية اليهودية. وقد بقيت سبع إشارات لهذا الإنجيل فقط، وكلها من مُلاحق المهرطقين إبيفانيوس الذي عاش في القرن الرابع. وقد بقيت سبع إشارات لإنجيل اليهود أيضاً. وعند الحكم من خلال هذه العينة الصغيرة من الإثباتات، نجد أن هذا الإنجيل كان على الأرجح مستقلاً أدبياً عن الإنجيلين الآخرين، وعن الأناجيل الكنسية الأربعة، حيث تعود هذه الأناجيل الثلاثة بالزمن إلى منتصف القرن الثاني. وبحكم تاريخها المتأخر وتوجهاتها المسيحية اليهودية وطبيعتها المجتزأة، تترك لنا هذه الأناجيل القليل أو لا شيء مما من شأنه إفادتنا في دراسة شخصية .

وبقيت وثيقة مسيحية يهودية واحدة فقط سلمت من التلف، وهي مذكورة في كتاب وثقه إبيفانيوس تحت اسم “صعود يعقوب” يعود إلى منتصف القرن الثاني. وتمّ دمج “صعود يعقوب” الآن بصورة مجتزأة بمجموعة كبيرة من المواد الأدبية تدعى الاعترافات الكليمنتية الكاذبة، ويُزعم أنها قصة إكليمندس وهو من أوائل أساقفة روما وشريك بطرس. وكتبت هذه الوثيقة في الأصل باليونانية وبقي منها إلى هذا الحين النسخ اللاتينية والسريانية فقط. إن “صعود يعقوب” هو وثيقة مسيحية يهودية تخبرنا قصة أتباع من أيام إبراهيم إلى الكنيسة المبكرة. وتصور يسوع كنبي مثل موسى والمسيح المنتظر. ويشير العنوان اليوناني للوثيقة “أناباثموي لاكوبو” إلى رحلات “الصعود” إلى المعبد لعقد مناظرات مع الكاهن الأعلى حول يسوع، وهي مناظرات كان بإمكانها جذب كامل الأمة اليهودية إلى المسيحية، ما لم يتدخل “الأعداء” (بولس المتخفي).

يحوي “صعود يعقوب” سرداً قصيراً لآلام يسوع يمثل مجموع المحتويات ككل، والنسخة اللاتينية، التي يختلف عنوانها قليلاً عن النسخة السريانية، وهي كما يلي:

(1-41-2) هذا النبي مثل موسى والذي تنبأ بصعوده بنفسه، ورغم شفائه لكلّ مرض وعلّة أصابت الناس، واجتراحه لمعجزات لا تحصى، ونشره لتعاليم حول الحياة الأبدية، إلا أن الأشرار اقتادوه إلى الصليب. لكن هذا الصنيع تحول إلى شيء خيّر بفضل قوته. (3) وأخيراً عندما عانى، شاركه المعاناة كل العالم. حيث أظلمت الشمس، واضطربت النجوم، وهاج البحر، وتحركت الجبال، وانفتحت القبور، وانشق ستار المعبد، كما لو كان يبكي الدمار الحاصل في المكان. (4) ورغم هذا وذاك، ومع أن العالم بأكمله اهتز، إلا أنهم أنفسهم لم يتأثروا بهذه الأحداث العظيمة…. (ويأتي بعد ذلك نقاش مختصر عن مهمة من مهام المسيحيين من أجل “تلبية الرقم” الذي ظهر لإبراهيم).

(43-3) وفي هذه الأثناء، وبعد معاناته وبعد أن لفّ الظلام العالم بأسره من الساعة السادسة إلى التاسعة، وعندما عادت الشمس إلى وضعها الطبيعي، عاد الأشرار مجدداً إلى طبيعتهم وعاداتهم القديمة، لأن خوفهم انتهى. (4) وبعضهم قام بعد حراسة المكان بعناية شديدة بوصفه بالساحر، الذي لم يتمكنوا من منعه من الصعود، وادّعى البعض أن جسده سُرق[2]. (الاعترافات الكليمنتية 1-41-2-4، 43-3-4).

إن سرد الآلام هذه أقصر بصورة ملحوظة من ذاك الوارد في الأناجيل الكنسية، لكنه رغم قصره يُظهر ثلاثة مجالات للاعتماد على مواد سردية للآلام يتصف بها إنجيل متى بصورة حصرية. ونظراً لعدم وجود النسخة اليونانية من “صعود يعقوب” فلن نستطيع التأكد من الكلمات الأصلية، لذا فمن المستحيل أن نحدّد بكامل الثقة كون هذا الاعتماد حرفياً أو شفهياّ.

أولاً، يأخذ نص “صعود يعقوب” كلمات متى “اهتزاز الأرض” (27: 51) ويضيف عليها “وهاج البحر” (اعترافات 1-41-3). حيث يضيف هذه الكلمات للدلالة على اشتراك كل العالم المحسوس في أعجوبة موت ، كما يؤكد القسم (1-41-3) بذكره الجملة التالية: “عندما عانى، شاركه العالم بأكمله المعاناة”.

ثانياً، “صعود يعقوب” يربط ما بين اهتزاز الجبال (متى 27: 51 تزعزعت الصخور) وانفتاح القبور، وهو حدث ورد في إنجيل متّى على أنه حصل عند قيامة من موته.

ثالثاً، يحاكي نص “صعود يعقوب” التقليد المستخدم في إنجيل متّى حول حراس قبر (متّى 27: 62 إلى 66، 28: 11 إلى 15). وبصورة عامة، يتبع نص “صعود يعقوب” نظام إنجيل متّى في هذه الأعجوبة. ويطوّر النص لأغراض خاصة به مواد سردية للآلام الخاص بإنجيل متى، رغم عدم تماثلها بالشكل الذي يمكننا فيه اعتبارها مستمدة من المصدر “م”.

وهناك ميزة أخرى للقصص السردية للآلام في “صعود يعقوب” وهي النظرة غير الخلاصيّة أو الفدائية لهذه الآلام، فبالنسبة للجمهور الذي قرأ هذه الوثيقة، لم يجلب لهم الخلاص، ولم يُصوّر موت يسوع كتضحية عن الخطيئة، إذ لم يكن هناك أي ذكر لكون يسوع حمل الرب ولا تأكيد على براءته، ولم يُذكر أن لموته سلطة تكفّر عن الذنوب والخطايا، وبالأحرى يأتي الخلاص عبر المعمودية باسم يسوع، وهي معمودية جاء بها يسوع ليستبدل بها الأضاحي في المعابد (اعترافات 1. 39. 1-2، 1. 55. 3-4، 1. 69. 8-1. 70. 1). حيث يأتي الخلاص من خلال المعمودية التي علّمنا إياها يسوع وليس من خلال موته.

إن افتقار هذه الوثيقة إلى التأكيد على أهمية الخلاص في موت يسوع تتوافق مع كثير من كتابات المسيحية اليهودية المبكرة. وهذا يوضح لنا السبب وراء وجود اهتمام بالغ في “صعود يعقوب” انصبّ على الأعاجيب التي رافقت موت يسوع، إنها أعاجيب مثير للإعجاب طالما أنها تدوم، ولكنها تفقد هذه الخاصية حالما تنتهي. وهذا يعني أن الأعاجيب التي رافقت الصلب تشكّل الموضوع الحقيقي لهذا القسم، لا بل ويُمكن لنا أن ندعوه سرداً للأعاجيب بدلاً من سرد للآلام. إن هذا يُشكل تبايناً مثيراً للاهتمام مع إنجيل بطرس، والذي يروّج لفكرة القوة الواضحة والمقنعة للأعاجيب بصورة دائمة. وتطلّب إقناع الشعب اليهودي أن يسوع هو المنتظر قدرة يعقوب أخ يسوع في الإقناع. كما أن افتقار النص إلى خاصية الإقناع الدائم بالأعاجيب يشرح التناقض الكبير في سرد هذه الوثيقة لآلام يسوع. فلم يعتنق الشعب اليهودي الدين الجديد عند معاينته لصلب يسوع، فتوجب عندها على المسيحيين أن يأخذوا على عاتقهم مهمة التعويض عن حالة النقص تلك. وربما كانت تلك أول حالات التفكير المنطقي للكنيسة المسيحية اليهودية المبكرة متمثّلة بمهمة المسيحيين تلك.

النتيجة

وجدنا أن الأغرافا لديها عدد محدود من الشهود على تعاليم . ورغم أن النتائج شحيحة على نحو يثير الإحباط، تظهر لدينا بعض الأقوال المعزولة والمرشّحة للتمتع بالموثوقية. وقد قمنا بطرح المسألة المنهجية للتعميم، أي أن ما يعتبر صحيحاً وموثوقاً في “الأغرافا” معلّق بوجود تحديد مسبق لما يعتبر صحيحاً وموثوقاً في الأناجيل الكنسية، مع التوصل إلى نتيجة أن “الأغرافا” الموثوقة تميل لنسخ الأقوال المذكورة في النصوص الكنسية بحرفيتها. ويجب على البحث المستفيض أن يوضّح فيما لو كان اتباع هذا المنهج سيؤدي إلى التوصّل إلى نتائج تكون محافظة زيادة عن اللزوم.

ثانياً، هل تأتي مصادر إنجيل بطرس وإنجيل مارك السري تباعاً بعد الأناجيل الكنسية؟ إن هذا، كما رأينا، أمرٌ غير مرجّح كثيراً. قد تُذكر فيها بعض الأفكار المتبصّرة والمتفرقّة والمساهمات البسيطة، ولكن كونها براهين صحيحة على شخصية ، هو برمتّه، أمرّ واهٍ يتعذّر الدفاع عنه.

ثالثاً، يمثّل إنجيل توما حالة متفردّة. فهو كوثيقة، يعود للقرن الثاني في أيام المسيحيين الغنوصييّن. كما أن العديد من الأقوال المفردة المذكورة فيه قد تمّ اعتبارها بدقّة أقوالاً مهمّة في البحث عن تعاليم يسوع. بيد أنه لا يمكن النظر إلى أسلوب توما على أنه يدعم بصورة مقنعة عمليات إعادة صياغة “ق” التي تجعل من يسوع رجلاً حكيماً فحسب. إن المعلومات التي وردت عن يوحنا المعمدان في “ق”، ومراجعه الواضحة حول أعاجيب يسوع وسرده لأعجوبة واحدة ومراجعه القوية المصدر عن موت ومجيء يسوع، كلّ هذه الأمور، تميّز هذه “ق” عن إنجيل توما. ورغم اختلاف الأسلوب ووجود موقف متباين إزاء الأعاجيب في “ق” وفي إنجيل مرقص، إلا أن “ق” أقرب في وجهة نظره إلى إنجيل مرقص أكثر من إنجيل توما.

رابعاً، هل نجد في القرنين الثاني والثالث أية معلومات تاريخية قيّمة ومستقلّة عن يسوع تمكّننا بصورة ملحوظة من مراجعة وتعديل فهمنا لشخصيّته؟ أو بكلام آخر، هل تخبرنا الكتابات الأدبية التي تعود إلى تلك الحقبة أي معلومة تاريخية عن يسوع لم نكن نعرفها مسبقاً عنه مع وجود بعض الأمور التي تؤكد هذه المعلومة من الأناجيل الكنسيّة؟ إجمالاً، وعلى الأرجح هذه ليس بصحيح، يسوع لم يكن معادياً للساميّة، كما يلمح إلى ذلك إنجيل بطرس، ولم يكن “رجل أقوال وكلام تافه” كما صورّه إنجيل توما، ولم يكن بالتأكيد فاسقاً ماجناً كما صوره إنجيل مرقص السري. فلم تكن مصادر القصص السردية لآلام يسوع من القرنين الثاني والثالث على الأرجح المصادر الكنسيّة للقصص السردية لآلام يسوع.

وأخيراً وليس آخراً، إن القيمة التاريخية الأساسية لهذه الوثائق مترسّخة في زمانها ومكانها. وينطبق الأمر ذاته بالطبع على الأناجيل الكنسيّة، إلا أنها أقرب زمنياً من فترة كهنوت يسوع العام ومن المرجح أنها خضعت للنقد والتصحيح من جانب أتباع يسوع من الجيل الأول من المسيحيين. وبذلك، وباتباع القواعد المقبولة عموماً للإثبات التاريخي، تكون الأناجيل الكنسية ذات قيمة أكبر في فهم شخصية يسوع التاريخي. وإن الكتابات التي تأملنا فيها أعلاه تعطينا منظوراً غنياً عن تنوّع المسيحيّة بعد حقبة . كما تعكس تلك الوثائق الآراء المتنوعة ضمن المذهب الغنوصيّ، وعمق الميول الشعبيّة في الأرثوذكسية الناشئة والشاهد المميّز للمسيحية اليهودية. ففي بعض النقاط المحدّدة، تقدم لنا هذه الوثائق بعض المعلومات القيّمة عن يسوع والمسيحية المبكرة. ورغم الاقتراحات الصارخة التي تدعو إلى إعادة صياغة يسوع والمسيحية المبكرة على أساس وثائق القرنين الثاني والثالث، الحقيقية منها والافتراضيّة، ترى الدراسات الحالية عموماً قيمة تلك الكتابات في أنها في المقام الأول شهود على العصور التي كتبت فيها، وعلاقتها مع ، رغم أن تلك مسألة مهمّة ودائمة، قد قلّ مستوى الاهتمام بها، في حين يتمّ إيلاء الجانب الأكبر من الاهتمام على دورها في إعادة تركيب التاريخ الديني والاجتماعي للمسيحيّة في القرنين الثاني والثالث. ويمكن ملاحظة هذه النزعة في الدراسات والبحوث، على سبيل المثال، في مقدّمة وليم ستروكر عن “الأغرافا” وفي النسخة الإنكليزية المنقحّة للعمل المرجعي المؤثر لفيلهلم شنيميلتشر بعنوان “أسفار الأبوغريفا المنتحلة في ”.

ما هي الخطوط العريضة التي ستتكشّف أمامنا من خلال هذه الدراسة عن يسوع خارج إطار ؟ إن دليل الكتّاب غير المسيحيين يعامل وبنفس الشكل يسوع على أنه شخصيّة تاريخية، إذ لم يكن معظم المؤلفين والكتّاب غير المسيحييّن مهتميّن بتفاصيل حياته وتعاليمه، وراحوا ينظرون إلى شخصيتّه من خلال المسيحية التي عرفوها حينئذ، فقدّموا برهاناً مؤكّداً لكن موجزاً لتقاليد تاريخية محدّدة في تتعلّق بخلفية عائلة يسوع والفترة التي عاشها وكهنوته وموته، كما وقدّموا دليلاً على محتوى الوعظ والتبشير المسيحي المستقل عن . ويبقى الإثبات الوثني ليسوع شيقاً وساحراً، رغم وصوله إلى استنتاجات ثابته نسبياً في البحث المعاصر. ويقدّم الإثبات اليهودي صورة أكمل ليسوع، أيضاً مع وصول البحث إلى استنتاجات ثابتة. وفيما يخصّ الإثبات المسيحي من خارج الأناجيل الكنسية، فإن البحث هو في وضع مغاير تماماً لما ذُكر سابقاً. إذ يتمّ بذل جهود جبارة لإدراك مصادر الأناجيل، لا سيما “ق” لكن البحث المتواصل في “ل” ومصدر إشارات يوحنا سيساهم في وضع صورة أكمل وأكثر توازناً ليسوع. بالنسبة لعدد كبير من الباحثين، تحمل الكتابات الأدبية من القرن الثاني بين ثناياها الوعد في إعادة اكتشاف الأصول الحقيقية ليسوع وللكنيسة المبكرة، وقد رأينا أن بعض أهم المعلومات عن التقاليد الأولى المتعلّقة بيسوع قد نشأت عن دراسة هذا الأدب. إلا أن الاقتراحات الأكثر تطرفاً تكون بعيدة الاحتمال، ويعتمد ذلك على تطبيقها على الافتراضات المتعدّدة وعلى النقد الجدلي للمصدر وعلى عمليات إعادة الصياغة التي تطلبت بذل جهد كبير لتاريخ التقليد المتعلق بيسوع. لذا لم يبق أمامنا إلا الخطّان الرئيسان لنتأمل فيهما والتفاصيل حول حياة يسوع وتعاليمه مع . كما ستشير دراستنا ليسوع خارج نطاق إلى نهاية وجود يسوع داخل نطاق .

[1] لا يمكن الخوض بصورة كاملة في القضية الجدليّة المتعلقة بتعريف “المسيحية اليهودية”. ولكننا يمكن أن نفهمها على نحو غير رسمي على أنها: ذلك القسم من المسيحيّة المبكرة التي غلب على المنضميّن إليها اليهود بالولادة أو الاعتناق. وفي الممارسة، على الأخص التقيّد بشريعة موسى، وفي الاعتقاد والإيمان، كمحاولة التعبير عن المسيحية بمفاهيم يهودية. وكما اقترح عدد من الباحثين، فإن التسمية “اليهود المسيحيون” هي غالباً أدقّ من تسمية “المسيحيون اليهود”.

[2] فان فورست، صعود يعقوب، 56-58.

إقرأ أيضاً:

إقرأ أيضًا

مذيع مسلم: الله مات - هل تؤمن المسيحية بموت اللاهوت؟

مذيع مسلم: الله مات – هل تؤمن المسيحية بموت اللاهوت؟

مذيع مسلم: الله مات – هل تؤمن المسيحية بموت اللاهوت؟ مذيع مسلم: الله مات – …