القلب الجديد والروح المستقيم – الخليقة الجديدة

القلب الجديد والروح المستقيم – الخليقة الجديدةالقلب الجديد والروح المستقيم – الخليقة الجديدة

 

+ قلباً نقياً أخلق فيَّ يا الله، وروحاً مستقيماً جدد في داخلي (مزمور 51: 10)
هذه صرخة داود النبي حينما أراد ان يخلصه الله من ثقل خطيئته التي أخطا بها، إذ شعر أنه لن ينفعه سوى خلق قلب جديد وزرع روح مستقيم يتجدد باستمرار داخله، فيقدر أن يلتصق بالله التصاقاً ولا يعوقه شيء أو يمنعه مانع من أن يثبت في علاقته مع الله في طاعة إيمان بحفظ الوصية، لأن من يحب أحد يحفظ كلامه وينفذ وصاياه.

لكن الإنسان بطبيعته الساقطة مهما ما وصل من درجات عظيمة من المعرفة الروحية ونال من مواهب إلهية إلى أن يصل لدرجة النبوة التي لن تمنعه من أن يقع أسيراً لشهوة أو هفوة أو سقطةٍ ما، لأنها لن تسعفه أمام ضغوطات الخطية ومعوقات المسيرة الروحية بسبب عبوديته تحت سلطان الموت الذي يعمل فيه بالشهوات التي تغلبه باستمرار، وذلك لأنه مثل ملك متوج على مدينة عظيمة، لكنه بسبب عدم احتراسه واستهتاره عبث أعدائه بالمدينة واخذوا منها كل ما هو غالي وثمين وتركوها خراباً، وخلعوه من ملكه وأخذوه أسيراً وأذلوه ولم يعد له أي سلطان حتى على نفسه، هكذا الإنسان حينما سقط فَقَدَ سلطانة وتمردت عليه الخليقة كلها إذ لم تعد ترى صورة الله فيه، وبذلك ضاع المثال المُعبِّر عن الله وسط الخليقة، التي لم تعد تطيعه فأصبح غير قادراً على أن يُخضعها أو يتسلط عليها كما أعطاه الله في الخلق الأول:

+ “وقال الله نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا فيتسلطون على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى البهائم وعلى كل الأرض وعلى جميع الدبابات التي تدب على الأرض. فخلق الله الإنسان على صورته، على صورة الله خلقه ذكراً وأُنثى خلقهم. وباركهم الله وقال لهم: اثمروا وأكثروا واملأوا الأرض واخضعوها وتسلطوا على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى كل حيوان يدب على الأرض” (تكوين 1: 26 – 28)
+ “الله خلق الإنسان خالداً وصنعه على صورة ذاته. لكن بحسد إبليس دخل الموت إلى العالم. فيذوقه الذين هم من حزبه” (حكمة 2: 23 – 25)

ولذلك نجد في سفر القضاة تكرار لجملة غريبة تأتي دائماً في مقدمة الأحداث بتكرار ممل ومستمر لازال كل من لم ينال قوة التجديد بالروح القدس يعانيه إلى اليوم، إذ أن مطلع كل حدث في السفر تكتب هذه الجملة: “وعاد بنو إسرائيل يعملون الشرّ في عيني الرب” (قضاة 3: 12، 4: 1، 10: 6)
وطبعاً في بدايات السفر وفي الإصحاح الثاني أول افتتاحيته يتكلم عن عدم سماع شعب إسرائيل صوت الله والعمل حسب حكمتهم الشخصية فصار عملهم فخاً لهم ووقعوا تحت نفس ذات فساد الأمم الغرباء عن الله، فتغرَّب إسرائيل عن الله ولم يعد ذلك الشعب المثال المُعبِّر عن الله أمام جميع الشعوب:

+ “وصعد ملاك الرب من الجلجال الى بوكيم وقال: قد أصعدتكم من مصر وأتيت بكم إلى الأرض التي أقسمت لآبائكم وقلت لا أنكث عهدي معكم إلى الأبد. وأنتم فلا تقطعوا عهداً مع سكان هذه الأرض، اهدموا مذابحهم، ولم تسمعوا لصوتي، فماذا عملتم. فقلت أيضاً (كنتيجة لعملكم) لا أطردهم من أمامكم، بل يكونون لكم مُضايقين وتكون آلهتهم لكم شركاً. وكان لما تكلم ملاك الرب بهذا الكلام إلى جميع بني اسرائيل أن الشعب رفعوا صوتهم وبكوا، فدعوا اسم ذلك المكان بوكيم وذبحوا هناك للرب” (قضاة 2: 1 – 4)

ومع أن الشعب بكى لكن يقول السفر أن بعد موت يشوع:

+ “وفعل بنو إسرائيل الشرّ في عيني الرب وعبدوا البعليم. وتركوا الرب إله آبائهم الذي أخرجهم من أرض مصر وساروا وراء آلهة أُخرى من آلهة الشعوب الذين حولهم وسجدوا لها وأغاظوا الرب. تركوا الرب وعبدوا البعل وعشتاروث” (قضاة 2: 11 – 13)
ثم الرب يتدخل وينقذهم ولكن تظهر نفس ذات المشكلة عينها في التمرد وزيغان القلب عن طريق الحق والحياة ويعاود الشر ظهوره مرة أخرى بلا ضابط أو مانع:
+ “وأقام الرب قُضاة فخلصوهم من يد ناهبيهم. ولقضاتهم أيضاً لم يسمعوا، بل زنوا وراء الهة أُخرى وسجدوا لها، حادوا سريعاً عن الطريق التي سار بها آباؤهم، لسمع وصايا الرب لم يفعلوا هكذا. وحينما أقام الرب لهم قضاة كان الرب مع القاضي وخلصهم من يد أعدائهم كل أيام القاضي لان الرب ندم (أي أشفق وتحنن) من أجل أنينهم بسبب مضايقيهم وزاحميهم. وعند موت القاضي كانوا يرجعون ويفسدون أكثر من آبائهم (الذين فسدوا وتركوا الرب) بالذهاب وراء آلهةً أُخرى ليعبدوها ويسجدوا لها، لم يكفوا عن أفعالهم وطريقهم القاسية” (قضاة 2: 16 – 19)

وما هوَّ السرّ وراء هذا كله سوى فقدان طبيعة البراءة الأولى والتورط في حياة الفساد، لأن ما فسد لا يُمكن إصلاحه إلا بإحلاله وخلقه جديداً، ومن هنا كانت صرخة داود النبي الذي أدرك فساد الإنسان وعدم إصلاح ما فعله سوى بخلق آخرٍ جديد، لذلك مكتوب في ارميا النبي:

+ “هل يغير الكوشي جلده، أو النمر رقطه، فأنتم أيضاً تقدرون أن تصنعوا خيراً أيها المتعلمون الشرّ” (ارميا 13: 23)
فأن كان الكوشي أو الحبشي يستطيع أن يُغير لون جلده والنمر يستطيع أن يُغير شكل رقطة، فأنتم أيضاً تقدرون أن تصنعوا خيراً بعد أن آلفتم الشرّ وصار طبعكم غريب عن البرّ والحياة الإلهية، فمن المستحيل المتغرب عن حياة الله وصار فاسداً يقدر على أن يضبط نفسه بإرادته قط، لذلك الوعظ الذي يتكلم عن قوة الإرادة للحياة مع الله، عملياً فاشل بكل المقاييس، لأن من منا لا تخونه إرادته مهما ما كانت جبارة، ثم أنهي إرادة تقدر أن تجدد حياة الإنسان وتجعله بريء أمام الله:
+ فإني أعلم أنه ليس ساكن فيَّ أي في جسدي، شيءٌ صالح، لأن الإرادة حاضرة عندي وأما أن أفعل الحسنى فلستُ أجد (رومية 7: 18)

فمن هوَّ إذاً هذا الإنسان القادر أن يُتمم وصايا الله بكاملها؟، ومن هو الذي يستطيع أن يثبت فيها ولا يتعوق أو يتعثر في حياته أو يخون أو يتراجع أو يسقط؟، بل ومن هو قادر أن يقول إني بلا خطية؟، أو مَنْ يقدر أن يقول مَنْ يُحاكمني على خطأٍ ما لأني بريء بلا إثم!!!

لذلك صرخة الإنسان الصادق مع نفسه وعارف حقيقتها المُرة هي: “ويحي أنا الإنسان الشقي، من يُنقذني من جسد هذا الموت!!! (رومية 7: 24)، أرحمني يا الله كعظيم رحمتك، أغسلني كثيراً من إثمي وطهرني من خطيئتي، لك وحدك أخطأت والشر قدام عينيك صنعت، قلباً نقياً أخلق فيَّ يا الله…

لذلك يا إخوتي علينا أن نعي ما أُعطي لنا في المسيح يسوع، لأن الرسول قال لا كلام بل شهادة خبرة واقعية لأنه شاهد عيان:

+ إذاً أن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة، الأشياء العتيقة قد مضت، هوذا الكل قد صار جديداً (2كورنثوس 5: 17)
+ لأنه في المسيح يسوع ليس الختان ينفع شيئاً ولا الغُرلة، بل الخليقة الجديدة (غلاطية 6: 15)

فمسيح القيامة والحياة لم يأتي ليرتق ثوب قديم، ولا يرمم ما هُدِمَ، ولا ليطلب من بشرية ساقطة أعمال برّ وصلاح، ولا يُعطي وصيته لإرادة بشرية خارت قواها وتيقنت عملياً – على مستوى الواقع المُعاش – أنها فاشلة في طريق القداسة، ولا لكي يكون مجرد مثال لكي نقلد أعماله خارجياً، ولا صار مجرد مُعلِّم مثل باقي المُعلمين يعطي مبادئ سامية أو يضع فكر أو مبدأ فلسفي خاص، بل أتى متجسداً ليصنع خليقة جديدة تُشابهه في كل شيء، خليقة لها إرادتها الخاصة الحُرة التي عندها سلطان أن تدوس الحيات والعقارب وكل قوات العدو وتنتصر وتغلب قوى الشر والفساد لأنها تحمل في باطنها قوته الخاصة، خليقة تثبت فيه ويكون خلاصها مؤكداً ثابتاً لا يستطيع أن ينزعه أحدٌ قط، حتى لو ضعف الإنسان وسقط فأنه يعاود القيام بقوة أعظم مما كانت.

لذلك كل من يحاول وهو في إنسانيته الضعيفة الساقطة والتي ليس فيها قوة الله، لأن صورة الله مشوهة فيها، أن يحيا بالوصية ويتمم أعمال البرّ فانه يفشل فشلاً ذريعاً، أو لو نجح مجرد نجاح بسيط يتكبر وينتفخ، أو قد يخور تماماً أو يتمزق نفسياً، وهذا كله نتاج أنه حاول أن يضع قطعة من ثوب جديد على ثوب عتيق ليرتق تمزقه، وبذلك يتمزق أكثر ويصير إلى أردأ أكثر كثيراً جداً مما كان.

لذلك ليس لأحد إلا أن يؤمن ويصدق أن شخص ربنا يسوع هو حياته الجديدة، شفاء نفسه وقيامته الوحيدة، ويتوسل إليه – ليلاً ونهاراً، لا يسكت ولا يدعه يسكت – أن يكسيه بره الخاص، ويُنشِّط فيه الإنسان الجديد الحاصل عليه منه بالمعمودية، وأن يسأل روح الله أن يعمل في داخله ويشكله على صورة شخص ربنا يسوع الذي له المجد والكرامة مع أبيه الصالح والروح القدس آمين