الرئيسية / أبحاث / اباء الكنيسة والكتاب المقدس – تراثهم، سلطتهم، منهجيتهم، الإحتكام إليهم

اباء الكنيسة والكتاب المقدس – تراثهم، سلطتهم، منهجيتهم، الإحتكام إليهم

والكتاب المقدس – تراثهم، سلطتهم، منهجيتهم، الإحتكام إليهم

اباء الكنيسة والكتاب المقدس - تراثهم، سلطتهم، منهجيتهم، الإحتكام إليهم
والكتاب المقدس – تراثهم، سلطتهم، منهجيتهم، الإحتكام إليهم

والكتاب المقدس – تراثهم، سلطتهم، منهجيتهم، الإحتكام إليهم

كانت هناك بعض الإشارات إلى أفكار ومساهماتهم في مناقشتنا مختلف أوجه الكتاب المقدّس واستعماله وتفسيره في مضامين تفسيريّة مختلفة. معروف أنّ كانوا تلامذة مكرّسين للكتاب المقدس. بالنسبة إليهم، سلطة الكتاب وقيمته على أنه السجل الأكثر قيمة للوحي الإلهي كانتا غير قابلتين للجدل وكبيرتين. موقف جازم بخاصّة في ما يتعلّق بتقليد الكنيسة ولاهوتها. من الأساس إذاً نتفحّص التراث التفسيري. هدف هذا الفصل هو تقديم صورة شاملة عن عمل في التفسير عبر النقاط التاليّة:

  • الإنجاز العام للتراث الآبائي التفسيري.

  • النظرة الأبائيّة إلى سلطة الكتاب.

  • معنى اللجوء إلى

  • عرض المنهجيّة الآبائيّة بشكل عامّ.

التراث التفسيريّ الآبائي:

في الجيلين الأخيرين، وثّق عدد من الباحثين عمل الأدبيّ واللاهوتيّ بإسهاب. من هؤلاء الباحثين Warner Jaeger،  Hans Von Campenhausen، G. L. Prestige ،   F. L. Cross،  G. W. H. Lampe،  Henry Chadwick، J. Quasten، P.Chrstou.  لقد أصلح عمل هؤلاء العلماء الآراء الخاطئة حول هلنيّة (Hellenzation) المسيحيّة في القديم، ومن جهة أخرى، وضع الأساس لتقدير أكثر عمقاً وسعةً للتراث الآبائي. من ناحية البحثّ الكتابي، فقد كان للتراث التفسيريّ لآباء الكنيسة انتباه واسع وإيجابي من قبل باحثين أمثال: J. Danielou، K. H. Schelkle، R. P. C. Hanson، R. M. Grant، Rowan A. Greer، ومؤخرّاً يوحنّا باناغوبولوس John Panagopoulos. الدراسة المستمرة للتفسير الآبائيّ أدت إلى عدد من الكتب[1]. كما ظهر بين الحين والآخر في أماكن عدّة عدد من المقالات حول المقاربات الآبائية للكتاب المقدّس[2].

ومع هذا، رغم عودة الشباب إلى الدراسات الآبائية في القرن العشرين ما زالت تسيطر على عقول العلماء الكتابيّين غيمة حول عمل التفسيريّ. مجرّد سماع أنّ الكنيسة مارسوا التفسير المجازي والرمزي والروحيّ كاف لرفع شكوك هؤلاء العلماء المعاصرين المطبوعة في المنهجيّات والمغالاة الأفلاطونية موجودان عند بعض المفسّرين القدماء، كأوريجنس، إلا أنّ الدراسات الكتابية المعاصرة متقدّمة بشلك لا يُقارن في التحليل الأدبي التاريخيّ. أمّا البحث عند عن مناقشات موازية للمسألة الإزائيّة، أو أصول الأسماء الخريستولوجيّة وغيرها من الإشكاليات الأدبية والتاريخية المصقولة في الدراسات الكتابيّة المعاصرة، قد يكون عملاً بلا جدوى بقدر ما هو منطوٍ على مغالطات تاريخيّة. في أيّ حال، الانطباع السائد هو أنّ أغلب الدارسين الكتابيّين يهملون عمل بمجمله بسرعة. كما يظهر أيضاً أنّ قلّة من الباحثين الكتابيّين تخطّوا بعملهم مقاربة أوريجنس المجازية إلى التفسير الوقور عند أثناسيوس وباسيليوس وكيرلس الإسكندري الذين يتّكلون بشكل ثابت على الفهم القرينيّ والنحوي[3] كما على الفهم العقائدي واللاهوتيّ. البحث الكتابيّ المعاصر، بسبب انشغاله بالطريقة التاريخيّة، يبدو وكأنه أظهر صمماً إزاء قيمة تراث التفسيريّ. هذا مؤسف لأن التفاعل مع الدراسات الكتابيّة الآبائية ممكن أن يؤدّي إلى نتائج مثمرة بخاصّة في الحقول حيث كان الأقوى: شهادة الكتاب اللاهوتيّة وإحياء رسالته الخلاصيّة للكنيسة والمجتمع.

في السنوات الأخيرة، انهمك الباحث اليونانيّ يوحنا باناغوبولوس في دراسة منهجيّة للنتاج الكتابيّ عند اليونانيين، وقد ظهر الجزء الأول من هذا العمل المتوقّع أن يكون في ثلاثة أجزاء، تحت عنوان “ في كنيسة ”[4]. في هذه الدراسة البارعة، يناقش باناغوبولوس أنّ الاعتقاد الخاطئ الأساس لدى الباحثين الكتابيّين المعاصرين حول التراث الآبائي التفسيري يقوم على نظرة ضيّقة مستبدّة للمنهجيّة التاريخية – النقديّة وفشل في استيعاب مجمل رؤية التفسيرية. هذه النظرة الآبائية الأساسية تتضمن: 1) مهمّة اللاهوت، 2) طبيعة الحقيقة الكتابيّة، و3) حياة الكنيسة[5]. بالنسبة إلى الكنيسة ، بحسب باناغوبولوس، لا تنشأ مشاكل التفسير الأساسية من منهجيّة محدّدة ولا من تحليل نصوص معينة، كما أنها لا تُحَلّ بهذه المنهجية أو بتفسير هذه النصوص. بالأحرى، تتعلّق هذه المشكلات بأمور جوهريّة حول الربط الكيانيّ كما الفهم العقليّ للهدف الرئيسي من وميزته الشخصيّة وذهنه. التحدي ليس في مجرد النص المكتوب إنّما في فهم مقاصد وعطاياه التي يشهد لها النصّ وتفعيلها. من هذا المنظار، يبرهن باناغوبولوس أنّ مساهمة الكنيسة هي إنجاز لاهوتيّ وتفسير ضخم. إنّها تدمج الدراسة الكلامية بنظرة واقعية للحقيقة التاريخية التي خلف شهادة وبالاستجابة الكيانيّة إلى أعمال المنعمة، وبتفعيل الكتابات القانونيّة في حياة الكنيسة العباديّة.

لا يجهل باناغوبولوس المسافة التي تفصل بين الدراسة المعاصرة والتقليد الآبائي فيما يتعلق بممارسة النقد التاريخيّ والتحليل الأدبيّ. تدرب في ألمانيا وكتب أعمالاً عدّة حول أساس المعايير العلميّة، بما فيها دراسة نقديّة عن يسوع عنوانها “النبي الذي من الناصرة”[6]. وفيما هو عالم بالفروقات في المنهجيّة والبحث التاريخيّ، يقوم باناغوبولوس القيمة الثابتة للتراص الآبائيّ التفسيريّ عبر المواضيع التالية الملخّصة هنا:

  • الارتباط المتكامل بين الكتاب وشخص المسيح وعمله. فالكتاب المقدّس هو شهادة للتجسّد: روحيّاً بطريقة متوازنة ومتكاملة. ما يحدّد بشكل قاطع جوهر التفسير وأهمية العمل التفسيريّ هو ملء الإيمان بالمسيح عبر المحتوى والقيمة النهائيّة للعمل.
  • التفسير المتمحور حلول المسيح. المسيح، لكونه إتمام وملء الإيمان التاريخيّ، هو الهدف الأول والموضوع الرئيسي من ، وتالياً هو بدء التفسير الكتابي ووسطه ونهايته. في كلا الإعلان والتفسير الكتابيين، يظهر المسيح الحي نفسه على المفسّر الأول بقوة الروح القدس. بطريقة مهمّة، التفسير هو ثمرة الإعلان الإلهي الشخصيّ للمسيح الكلمة المفسّر.
  • العلاقة العضويّة بين العهدين القديم والجديد. بناءً على الأسس التي وضعها كتّاب فيما يخص الآب والمسيح والكنيسة، حدّد الكنيسة وحدة الكتاب المقدّس غير المنفكّة، وتالياً وحدة تاريخ العهد تجاه اليهوديّة والغنوصية اللتين أنكرتا الشرائع القديمة أو الجديدة.
  • وحدة التفسير واللاهوت. التفسير الأصيل هو لاهوت واتّباع الهدف الرئيس ومعنى مخطّط وعمله الخلاصيّين للبشريّة. بغض النظر عن قيمة الكلمات والقواعد، يمضي التفسير الكتابيّ إلى أبعد بكثير من التمرين الكلاميّ. إنه يغذي ضمير الكنيسة اللاهوتيّ بشرح العمق الروحيّ وصياغته لشهادة الكتاب الخلاصية، أيّ جوهر اللاهوت.
  • وحدة الكلمة الكتابيّة والحياة اليوميّة. الكلمة الكتابيّة هي كلمة مُعاشة بالروح ومثَبَّتة على أحداث الإعلان التاريخية ومفَعَّلة بشكل ديناميكي في حياة المؤمنين. رغم المجازيّات الزائدة الساعية إلى قيم أخلاقية مجرّدة خالدة، فالتفسير الآبائي مؤسّس كلياً في عمل الخلاصيّ كما يُرى على ضوء مركزه أيّ المسيح. مثلاً، الخروج من مصر هو حدث تاريخيّ وفي الوقت ذاته تصوير مسبق لموت المسيح وقيامته، كما أنّه دعوة إلى خروج جديد للمؤمن من عبوديّة الخطيئة إلى حريّة نعمة .
  • الارتباط الكامل بين الكلمة الكتابيّة والحياة الأسراريّة في الكنيسة. التفسير في هدفه الرئيس، هو سعي إلى سرّ حضور المسيح، أي أنه عمل صلاتيّ ليتورجي. في أسرار الكنيسة، تُعاش أعمال الإعلان الكتابيّ العظيمة ويُحتَفَل بها. مجمل قصّة الخلاص وقوّة الكلمة الكتابيّة تأتي حيّة في الاستذكار في عبادة الكنيسة.
  • قابلية تعديل المنهجيّة التفسيريّة. لم يحصر الكنيسة التفسير الكتابيّ في ممارسة أسس وطرائق محدّدة شكليّاً وكانت مسألة الطريقة دائماً مفتوحة بالنسبة إليهم. فالأفضليّة أُعطيت لا للطريقة بل للمحتوى الخلاصيّ في الشهادة الكتابيّة حيث أنّ تفعيل حقيقة الخلاص ديناميكيا بقوة الروح القدس هو المهم وليس الفهم اللغويّ والفكريّ للنص. إن مشاهدة سرّ المسيح في هي دائماً عمل روحيّ.
  • خطأ تقويم عمل التفسيريّ على أساس مقومات البحث العلميّ المعاصر المحض. تقويم عمل الآباء التفسيريّ فقط بالمعاير العلميّة المعاصرة هو مفارقة تاريخية. فالآباء استعملوا منهجيات عصرهم العلمية وأغلب تفاسيرهم تظهر، بحسب المعايير المعاصرة، وهميّة ومبالغ فيها. على أي حال، هناك عناصر مهمة في رؤاهم التفسيريّة ما تزال تُكتَشَف بشكل مستمر وبتكافؤ مع نتائج البحث الحديث. إلى هذا، فالتفاسير الآبائية، حتى المتطرفة منها، غالباً ما تعكس رؤية روحيّة في تقليد كنسيّ ولاهوتيّ مهم.
  • حسن تمييز الأمور الحسّاسة في التفسير الكتابيّ. عرف الكنيسة الأمور الحسّاسة في التفسير الكتابيّ كالأساس الخريستولوجيّ للتفسير، طبيعة الوحي والإعلان، قيمة الإيمان والتقليد التفسيريّة، العلاقة بين الكتاب والكنيسة، وتفعيل قيمة الكتاب في حياة الفرد والجماعة. بالإضافة إلى هذا، فالآباء الكبار، لكونهم أصحاب معرفة وخبرة بالفلسفة وعلم الكلام المعاصرين، أوجدوا بعض الأسس التفسـيريّة التي سـبقت عناصر التأويل الحديث الأسـاسية. هذه الأسـس تتعلق بـ: أ) لغة الكتـاب الاصطلاحية، ب) حـدود اللغة والجـدل في السـعي لفهم سـرّ والتعبير عنه، ج) الأهمية الرئيسية للسعي نحو الهدف المركزيّ في التفسير أو غاية النصّ الكتابيّ.

عمل باناغوبولوس مؤثّر في مداه وعمقه، وإن كان يبدو أحيانً مركّزاً على قضيّته بروح من المعارضة المفترضة للبحث المعاصر، فهو نجح في تقديم القيمة الروحيّة واللاهوتيّة لعمل الآباء التفسيريّ. الحاجة هي إلى الوضوح في تحديد مجالات الارتباط الأساسيّة بين الدراسات الآبائية والبحث الكتابيّ المعاصر. التفاعل بين هذين الحقلين يعد بالكثير طالما يتمّ التعرّف إلى نقاط القوة والضعف لدى كلّ منهما. الدراسات الكتابيّة الحديثة هي الأقوى في التحليل الأدبيّ والتاريخيّ. أما العمل التفسيريّ الآبائيّ فهو الأقوى في الشرح الروحيّ واللاهوتيّ. إمكانيات مثيرة للبحث الكتابيّ المستمر وحياة الكنيسة الحقيقيّة تستتبع عمل النظرتين معاً.

سلطة الكتاب المقدّس:

في كل مكان، يُظهر اباء الكنيسة احتراماً كبيراً لسلطة الكتاب المقدّس ككتاب الله[7]. غالباً ما يستشهد يوستينوس الشهيد في “الحوار مع تريفن” بعبارات: “يقول الله” أو “يتكلّم الله”، من دون الإشارة إلى كتّاب بشريين. بالنسبة إلى يوحنا الذهبيّ الفم، المسيح نفسه يتكلّم عبر الرسول بولس لأنّ للرسول فكر المسيح (1كورنثوس 2: 16). يكرّر مفسّرو الآباء التشديد على أن كلّ كلمة في الكتاب المقدّس تستحقّ انتباهاً شديداً كونها موحى بها. فالكتاب المقدّس، محتوياً العهدين القديم والجديد، هو وحدة متكاملة عضوياً ذات علاقات تكامليّة وجوهرية لكون الله هو الكاتب المطلق لها. الكتاب المقدّس بكامله هو أغلى كنز للحقيقة المكشوفة والذي يقدّم التعليم الغنيّ والغذاء الروحيّ لحياة شعب الله وإرشاده.

سلطة الكتاب المقدّس أمنّت مركزيته في حياة الكنيسة اليوميّة. القديس باسيليوس، في الرسالة 22، يقدّم وصفاً مستفيضاً لحياة الكمال المسيحي مستوحى بكامله من . دور الكتاب في صياغة العقيدة الثالوثية والخريستولوجيّة معروف جداً. التعليقات الآبائية والعظات حول الكتاب غزيرة جداً. الكتاب المقدّس هو المصدر الأساس للفكر الآبائي وهذا واضح ليس فقط في الأعمال التفسيرية بل في كلّ كتاباتهم. فآباء الكنيسة هم قبل كل شيء لاهوتيون كتابيون رأوا في كتاب الله والكنيسة. الأفلاطونيّ اللامع أوريجنس نفسه كان لاهوتياً كتابياّ بشك أساس. ومع كونه خيالياً في بعض تفاسيره لكنّه كان ملتزماً بوحي الله التاريخيّ ومستعداً لإخضاع حكمه لسلطة الكنيسة العالمية.

في أيّ حال، علو سلطة الكتاب المقدس ومركزيّته في التقليد الآبائيّ لم يؤديا إلى جعله مطلقاً كنوع من الكتاب الإلهي المستمد مباشرة من السماء. والصحيح هو أنّ نظرة الآباء إلى سلطة الكتاب الإلهية ودقّته التاريخيّة، حتّى بدون امتلاكهم المعرفة النقديّة المتعلّقة بتأليف أسفار الكتاب، هي أكثر علواً من نظرة الباحثين واللاهوتيّين المعاصرين. ولكن من جهة أخرى، لم تتوصّل نظرة آباء الكنيسة للكتاب إلى الأصولية الموجودة اليوم عند البروتستانت التقليديّين. نستطيع القول أنّ الآباء في شهادتهم الكاملة كانوا بالواقع أصيلين وليسوا أصوليّين فيما يتعلق بالكتاب المقدس، إذا اعترفوا بطرائق مهمّة بصفته البشريّة كما بصفته الإلهية.

من المنظار الآبائي، سلطة الكتاب مؤهّلة بعدد من الاعتبارات من بينها معرفة لغته المجازيّة التي لا يمكن أخذها دائماً بحسب معناها الظاهر. استناداً إلى المعنى اللغوي والشكلي فقط، تؤدّي نصوص كثيرة إلى مفاهيم غير مقبولة حول الله وعمله الخلاصيّ. مثلاً، بحسب الذهبي الفم، عدم الإيمان بالمسيح، مع أنه متوقّع بالكتاب، ليس محتَّماً بضرورة تحقيق نبوءة أشعياء كما ترد حرفيّاً في بعض النصوص (يوحنا 12: 39-40، مرقص 4: 11-12). يذكر الذهبي الفم أنّ أعداء المسيح ليم يؤمنوا ليس لأن أشعياء هكذا تكلّم بل لأن أشعياء تكلّم لأنهم لم يكونوا في وارد أن يؤمنوا. فالنبيّ يرى مسبقاً ويصف ليس إلا ولا يحتّم عدم الإيمان أو يسبّبه. يستنتج الذهبي القم أنّ الكتاب المقدّس فيه بعض المجازات (idioms) ومن الضروري التحسب لقوانينه[8].

اباء الكنيسة ، كما هو معروف، قاربوا الكتاب المقدّس بقدر من الحرية والجرأة. كان تركيزهم على الروح أكثر من الحرف. هناك أمثلة عديدة ممكن تقديمها حول رفض الآباء التوقّف عند التعليم الكتابي الصرف عندما يتهاون هذا التعليم بمجمل الفهم لله. النصوص الكتابية المتعلّقة بالقدريّة بالمعنى الكلامي (روما 8: 29، 9: 11، 16-17) لا يمكنها، بحسب الآباء، أن تؤخذ بمعناها السطحي ومن دون أن تؤدي إلى استنتاجات غير مقبولة حول الله المحب والعادل وغير المستبدّ[9]. كتاب الرؤيا قد يعلّم حلو ألفيّة حرفية (رؤيا 20: 4)، والرسالة إلى العبرانيين تنفي إمكانية التوبة مرة ثانية بعد خطيئة كبيرة (10: 2-27، 12: 16-17). رغم أنّ بعض المفسرين الأوائل دافعوا عن هذه الأفكار، مثل كاتب راعي هرماس والقديس يوستينوس والقديس إيريناوس، فإن هذه العقائد لم تصبح جزءاً من تعليم الكنيسة النموذجيّ.

في مثال مميّز عن التحرر من الحرفيّة الكتابيّة، القديس إسحق السرياني الذي يُعتَبَر أعظم النسّاك في تقليد المسيحية الشرقية، ينزع الخرافة قصداً عن صورة الجحيم[10]. فرغم أنّه لا ينكر أبداً حقيقة الجحيم، إنما يفسّرها على أنها انفصال عن محبة الله الخالدة وانعدام القدرة على المشاركة في هذه المحبّة، كما أنه يراها انفصالاً أكثر إيلاماً من أيّ جحيم حسّي. بالنسبة إلى القديس اسحق، لم يكن الجحيم موجوداً قبل الخطيئة كما أنّ نهايته غير معروفة. فهو ليس مكاناً للعقاب خلقه الله، إنما وضعية روحية من الألم المبرح أوجدتها المخلوقات الخاطئة التي انفصلت إرادياً عن الله. بحسب هذا القديس، الخطأة في هذا الجحيم ليسوا محرومين من محبة الله إنما هم يتألمون من عمق إدراكهم أنهم أساؤوا إلى المحبة ومن عجزهم عن المشاركة فيها. فالجحيم ليس سوى ذلك الإدراك المرّ للانفصال والندامة أي ما يسميّه القديس اسحق “سوط المحبة”. إذاً، الحب الإلهي عينه الذي يشع نحو الجميع هو نعيم للأبرار وعذاب للخطأة. بالتأكيد، لا يمكن اتهام التقليد الآبائي، المعروف بتفسيره الروحي، بالحرفية الخاضعة لكلمة مقدسة مطلقة. بالنهاية، كما لاحظ H. Chakwick، عرف اباء الكنيسة أنّ المسيحيّة ليست دين كتاب بل دين شخص[11].

الاعتراف الواضح بضرورة الكتاب المقدس هو عامل أساس آخر يميّز النظرة الآبائية لسلطة الكتاب. فلا الآباء ولا الهراطقة تساءلوا حول سلطة الكتاب أو مركزيته. المسألة المهمة كانت تفسيره الصحيح بخاصة فيما يتعلق بالأمور العقائدية. كما يصف Mark Santer، كفاءة الكتاب المقدس المتعلقة بحقيقة الخلاص كانت محدّدة بعدم كفاءتها العملّية[12]. مَن هو صاحب الحق في الكتاب المقدس وعلى أي أساس؟ بالمقابلة مع الاستعارة المضرّة من الغنوصيّين الفالنتيين، أوريجنس العظيم نفسه كان منشغلاً بتفادي الأوهام الخاصة غير المضبوطة. وقد قدم المبادئ التالية لضبط التفسير: 1) أن يؤخذ الكتاب المقدس بكامله وليس تدريجياً، 2) المقاطع الغامضة بالمقابلة مع المقاطع الأكثر وضوحاً، 3) استشارة المفسرين الآخرين في الكنيسة، 4) الاعتبار، بشكل دائم، أن المسيح هو مفتاح وحدة الكتاب المقدس وتفسيره[13].

الاحتكام إلى الآباء:

تطورت نصيحة أوريجنس بالمراجعة مع المفسرين الكتابيين الآخرين إلى احتكام معياري إلى المفسرين السابقين في تقليد الكنيسة. أصلاً، القديس إيريناوس كان قد استعان بيوستينوس الشهيد واستحضر قانون إيمان الكنيسة كقاعدة توجيهية. هذا كان بشكل رئيس احتكاماً إلى الإجماع العقائدي الناشئ للتقليد الكنسيّ الحيّ حول المسائل الرئيسة التي تناقش كطبيعة الخليقة، وحدة العهدين، النعمة وحريّة الإرادة، وعلاقة الآب بالابن[14]. فمثلاً سلطة بطرس الواردة في متى 16: 18، لم تنشأ خلافات واسعة حولها في الكنيسة القديمة لكن يمكن ملاحظة تحول شاسع في التفسير من ترتليان إلى الذهبي الفم[15]. يظهر التقليد الآبائي أن استحضار قانون الإيمان واللجوء إلى سلطة المفسرين الآخرين لم يؤخر بأي شكل من الأشكال الإبداع من طريق السعي الصارم إلى وحيد لكل آية كتابية. لقد تمتّع المفسّرون القدامى بتنوع التفسيرات وأظهروا حريّة في مناقشة الخيارات التفسيرية.

من جهة أخرى، الاحتكام إلى المفسرين الموقّرين عبر عن اهتمام بالتكامل العقائدي ودلّ على البعد الكنسي للتفسير الكتابيّ، هذا البعد الذي يؤكد أن الكتاب المقدس هو قبل كل شيء كتاب الكنيسة. فهو لا ينتمي إلى أي كان وحده. وبكلام أصحّ، إنه ينتمي إلى الكنيسة، الجماعة المؤمنة التي أنتجت الكتابات وتحمل سلطتها. فيما ينبغي للمفسّرين التزام الموضوعيّة العلّمية والمناظرة، لا يستطيع أي مفسّر أن يتعاطى مع الكتاب على أنه مقدس، هو بالنهاية، خدمة للكنيسة. من المفترض أنّ هناك حريّة البحث التاريخي كما أن هناك مقاربات عديدة للكتاب واستعمالاته بحسب الأطر الخاصّة والأهداف، إلا أنّ المعنى العقائدية الأعمق لتقليد الكنيسة يجب ألا يُنتَهك.

لقد أدى التقليد التفسيري في فترة الآباء العظماء، لغاية الذهبيّ الفم، إلى مجموعة الأنثولوجيا (florilegia)، وهي سلسلات من التفاسير الآبائية لمقاطع كتابيّة[16]. يُقال غالباً أن هذه المجموعات تدل على نقص في الإبداع وفي هذا شيء من الصحة. ومع ذلك، فالقساوة الخانقة لم تكن الحالة السائدة. هذه السلسلات من التقاليد التفسيريّة ذاتها تعكس تنوعاً من التفاسير وتستدعيه. لم يكن هدفها خنق الإبداع إنّما إفادة المؤمنين عبر عرض الميراث الآبائي لهم وحفظ التفسير ضمن روح تعليم الكنيسة. المجادلات النظاميّة الثالوثية والخريستولوجية أنمت الخوت من الهرطقة والانقسام. الإنجاز التفسيري الذي قام به الآباء كان مقدّراً وقد حُفظ كأساس للوحدة والحقيقة.

فيما يخصّ الإبداع، لا يفتخر كلّ عصر بمفكرين مبدعين. فهم يظهرون مواهبهم عندما يظهرون، كما في حالة القديس فوتيوس الكبير أحد أوائل الشخصيات الفكرية في بيزنطيّة. يعالج القديس فوتيوس في مؤلّفه أمفيلوخيا (867م) عدداً من المسائل الكتابيّة الصعبة. ما معنى مخلوق على صورة الله؟ ما معنى أن الله قسّى قلب فرعون؟ من كانوا إخوة يسوع؟ كيف نتعاطى مع غموض الكتاب؟ في جوابه عن هذه الأسئلة، قدمّ فوتيوس مثالاً عن مهارات عالِم الكلام آخذاً في الاعتبار مجازيات الكتاب المقدّس ومشاكل الترجمة من العبرانية إلى اليونانيّة كما الأخطاء في نشر المخطوطات[17].

من هذه الزاوية أيضاً، ينبغي للمرء أن يقوّم هدف القانون 19 من المجمع الخامس – السادس في ترولو (691) الذي يذكر قادة الكنيسة بالتعليم والوعظ بكلمة الله الكتابيّة، لا بحسب آرائهم بل بحسب تفاسير الآباء المحدّدة[18]. إن قراءة هذا القانون بتأن تظهر أهدافه القرينيّة: 1) التفسير الصحيح في الأمور المتنازع عليها، 2) إمكانية نفس الخبرة أو المهارة عند الواعظ في الكنيسة، 3) خطر الخروج عن عقيدة الكنيسة. لا يستبعد القانون أبداً العمل المبدع في وجود المفسّرين المهرة الذي يبقون ضمن إطار تقليد الكنيسة العقائدي. في التقليد اليوناني، الآباء اللاحقون والقديسون، أمثال سمعان اللاهوتي الحديث (1022)، نيكولا كاباسيلاس (القرن الرابع عشر) وقوزما الإيتوليّ (1779)، لا يظهرون أي تردد في قراءة الكتاب وتفسيره مباشرة من دون أيّ إشارة إلى اباء الكنيسة السابقين، ومع هذا فهم يبقون مخلصين لضمير الكنيسة العقائديّ.

في حالة القدّيس سمعان نلاحظ مفسّراً مبدعاً وموهوباً في إطار التقليد. على أساس قراءته المباشرة للكتاب المقدس، بخاصة إنجيل يوحنا ورسائل بولس، كما على أساس خبرته النسكيّة، هزّ سمعان لغوياً المؤسسة الدينيّة في القسطنطينية ونُفي بسبب ذلك[19]. محتكماً إلى شهادة ، شدّد القديس سمعان على أن كل المسيحيّين، ولا سيما الإكليروس واللاهوتيّون الذين يمارسون القيادة والتعليم، يجب أن يكونوا أصحاب خبرة رسوليّة في الخلاص وبالواقع خبرة تجدّد بالله على أساس معمودية الروح القدس، حتى يتمّموا مسؤولياتهم حسناً. وقد كان القديس سمعان مثيراً للجدل في زمانه، بينما يُعتَبَر اليوم واحداً من أعظم اللاهوتيّين في التقليد الأرثوذكسي.

المنهجيّة التفسيريّة:

كُتبت دراسات كثيرة حول المقاربات المختلفة والطرائق في التفسير الآبائي، بما فيها التفسير اللغويّ، المجازيّ، الرمزيّ، ومفهوم الثايوريا (“نفاذ البصيرة الروحيّ” أو “الرؤية الروحية”)[20]. يجب النظر إلى هذه المقاربات والطرائق على ضوء أهدافها وعلاقتها الداخلية في مجمل مهمّة التفسير كخدمة كنسيّة. التفسير المجازي الذي مورس بشكل خاص في الإسكندرية، سعى إلى معنى روحي أكثر عمقاً في كلمات الكتاب المقدس، بهدف: 1) تخطي الصعوبات في النص الكتابي، 2) تقديم مسيحي للعهد القديم، أو 3) تقديم تنوّع في التعاليم المقدسة ضمن إطار الوحدة العقائدية في الكنيسة. قد يكون المثال الأكثر تضخيماً رسالة برنابا التي من القرن الثاني وممكن أنّها من الإسكندرية. بالنسبة إلى كاتب النص المجهول، لا قيمة لكل نظام الطقوس اليهودي إلا الروحيّة. الوصية بالصوم عن الأطعمة تعني الإمساك عن الشرّ. الختان هدف إلى ختان القلب الروحيّ. عدم أكل لحم الخنزير وغيره من الحيوانات الدنسة والطيور كان تحريماً عن الانسجام مع الناس الذين يسلكون على طريقة هذه المخلوقات. لم يكن هيكل أورشليم صاحب القيمة الحقيقية بل هيكل القلب وحده[21]. هذه المجازيّات تطورت بطريقة أكثر تعقيداً مع إقليمندس الإسكندري وأريجنس اللذين ميّزا مستويات عدّة من التفسير من دون أن ينكرا بالضرورة المعنى اللغوي والتاريخي في النص الكتابي[22]. هذا المفسران وغيرهما من بعدهما استعملوا التفسير المجازي ليس فقط لتخطي الصعوبات في الكتاب إنما أيضاً للاحتفال بأسرار الإعلان المدركة واستنتاج ملاءمتها غذاء المسيحيّين. قيمة هذه التفاسير، حتى ولو كانت أحياناً خيالية، تكمن ليس في دقتها كتفسير تاريخي بل في منفعتها لتقديس المسيحيين ضمن إطار الكنيسة العقائدي وحياتها المشتركة.

يختلف التفسير الرمزي في أنه لا يسعى إلى معنى روحي غير محدد الزمان بل يستخدم المنظار التاريخي بحسب نموذج الكتاب المقدس في الوعد والتحقيق. إنّها طريقة لاهوتيّة وتاريخيّة لتأكيد وحدة العهدين القديم والجديد وكيفية تحقق أحداث الأول وصوره في الأخير، وقد مورس في التقليد الأنطاكي بوجه خاص. مثلاً، يكتب كاتب الرسالة إلى العبرانيّين أنّ طقوس الناموس الموسوي لم تكن إلاّ ظلاً للحقائق المستقبليّة التي سوف تكون بالمسيح (عبرانيين 10: 1). في رمزيّ، يُدعى “الظلّ” أو التصوّر المسبَق الذي في رمزاً. إن تحقيق هذا الرمز هو حدث أو شخص في وهو يُدعى المرموز إليه (Antitype) أي الحقيقة. يقدم يوستينوس الشهيد، من بين آباء القرون الأولى، تفسيراً رمزياً ضخماً للعهد القديم في الأمور الجوهريّة والعاديّة. مثلاً، حمل الفصح في الخروج (12) هو رمز يتحقّق بالمسيح في موته على الصليب[23]. لكن الأجراس الاثني عشر في ثوب رئيس الكهنة (خروج 39: 25) هي أيضاً رمز يتحقّق في العدد ذاته من الرسل. إدراج الأمم في الكنيسة بالإيمان بالمسيح كان متوقّعاً من الأنبياء ولكن على المقدار عينه عبر هذه التفاصيل الدقيقة كذكر الحيوانين في تكوين 49: 11 وزكريا 9: 9 (حمار أنثى ومهرها)، وهي رموز تحقّقت باليهود والأمم أتباع المسيح[24].

لقد ثبّت التفسير الرمزي ككتاب مسيحيّ، كما أكد وحدة الكتاب المقدّس وخَدم أيضاً كتفنيد فعّال ضدّ ماركيون وأتباعه الذين رفضوا بأكمله. الرمزيّة هي أقرب إلى صورة الوعد والتحقيق التاريخية في الكتاب، وقد مارسها اباء الكنيسة بشكل واسع، شخصيات البارزة، كيعقوب وموسى ويوشيا، كان يُنظر إليها كرموز تحقّقت في المسيح، لقد فُهِمَت أحداث مثل الخروج، عبور البحر الأحمر، تيهان إسرائيل في الصحراء، ودخول أرض الميعاد، كرموز تحقّقت في أحداث جرت خلال بشارة المسيح وحياة الكنيسة في العصور الأولى. صلوات المسيحية الشرقية وترانيمها مُفعَمة بالصور الرمزية والنماذج المأخوذة من التراث الآبائي التفسيريّ. ترتبط قيمة التفسير الرمزي بالمعنى اللاهوتي للعهد القديم على أساس المسيح والإنجيل، وهذا أمر لا مفرّ منه في تقديم الكتابات العبرانيّة مسيحياً وقبولها.

ويجب ذكر عدد من المؤهلات المهمة تساعد الآباء على استعمال المجاز والرمزية.

أولاً، هذه المنهجيات كانت وسائل تفسيريّة استخدمها الإغريق والعبرانيون في عصر ما قبل المسيح. كما لدينا أمثلة مهمّة عنها في (متى 2: 15 و13: 18، يوحنا 3: 14-15 وعبرانيين 10: 1)[25]. يستعمل الرسول بولس عبارتي “المجاز” و”المثال” في ربط شخصيات وأحداثه بنظائرها في (غلاطية 4: 22-27، 1كورنثوس 10: 1-13، وروما 5: 14). لهذه التفاسير أصل رسولي ولم تكن مجرد ابتكارات اخترعها اباء الكنيسة . بالأحرى، اتّبع المفسّرون المسيحيون اللاحقون خطوطاً مفيدة للتفسير وطوّروها وهي أصلاً موضوعة في .

ثانياً، استنتاج فروقات حادّة بين المجاز والرمزية في التفسير، أو بين التقليدين الأنطاكي والإسكندري، هو استنتاج خاطئ. تكمن الفروقات في التشديد وأحياناً بشكل متطرف ولكنها ليست دوماً من دون التقاء. كلتا المقاربتين مجازية ورمزية وكلاهما تسعيان إلى استخراج أعلى القيم الروحية واللاهوتية من الكتاب المقدس ككتاب مسيحي لأهداف عقائدية وللتنوير الرعائي. فعلى يدي أفضل المفسرين، لم تكن أي من المقاربتين تهدف إلى التخلي عن الأساس الأدبي والتاريخي للكتاب، ولا الكنيسة كانت مهيأة لأمر مثل هذا. فالإسكندري مثل أوريجنس كان يستعمل المجاز ولكنه كان أيضاً عالماً كلامياً، في حين أن الأنطاكي مثل الذهبي الفم كان يمارس التفسير الأدبي الحرفي بشكل أساس ولكنه كان قادراً على استعمال التفسير الرمزي وأحياناً المجازي.

ثالثاً، يتجه التقليد الذي نشأن بين عظماء المفسرين نحو التفاسير الحرفية الأدبية، كما يظهر من أعمال الإسكندريين، أمثال أثناسيوس وكيرلس والأنطاكيين، أمثال يوحنا الذهبي الفم وثيوذوروس الموبسويستي وثودوريتوس القورشي. هذا التيار كان إجمالاً بسبب الحاجة، التي لا مفر منها، إلى الدقة في محاضرات المجادلات العقائدية[26]. تظهر نظرة شاملة لكتابات الآباء أن المحاضرات العقائدية تعكس التفسير الحرفي والأدبي، بينما المحاضرات الرعائية والعظات تطلق العنان بحريّة للتفاسير المجازية والرمزية. يشكل القديس باسيليوس الكبير، بدون منازع، أفضل الأمثلة عن التفسير الكتابي الرزين في كلا الكتابات الرعائية والعقائدية، لكونه ينتبه بشكل ثابت للمعنى الأدبي – الحرفي في النصوص[27].

رابعاً، مهما كانت المقاربات المنهجية الخاصة التي استعملها اباء الكنيسة ، يجب أن يبقي المرء نصب عينيه تحذير باناغوبولوس الذي يرى أن المنهجية كانت للآباء ثانوية بالنسبة إلى جوهر الشهادة الكتابية، فيما يمكن لمسألة الطريقة أن تبقى مفتوحة، كان الاهتمام الأكبر في كيفية إنصاف نشاط الله الخلاصي كما هو مشهود له في الكتاب المقدس، وكيفية ملاءمة القيمة الفدائية للكتابات المقدسة.

واضح إذاً أنه ينبغي للمفسر المعاصر أن ينظر إلى القوة الأساسية عند اباء الكنيسة التي تتألف من لاهوتهم الكتابي ومنظارهم التفسيري (فكرهم أو روحيّتهم). يمكن تلخيص الخطوط النهائية لهذه النظرة التفسيرية كالتالي: 1) نظرة عالية لسلطة الكتاب وتاريخية الأحداث الخلاصية، 2) التشديد على رسالة الكتاب اللاهوتيّة والخلاصية المرتكزة بشكل جوهريّ على المسيح، 3) التفسير استناداً إلى القراءة القرينية للجزء على أساس الكل سعياً إلى غاية النصّ، 4) الرزانة الفلسفية في قدرة التحليل اللغوي على ضبط سر الله أو تحديده، 5) التزام حسّ الكنيسة العقائدي، 6) الاعتراف بأن التفسير الكتابي خدمة في الكنيسة، 7) الاعتراف بأن موقف المفسر الإيماني الشخصي بالغ الأهمية بالنسبة إلى التفسير الأصيل.

النقطة الأخيرة هي فهم الآباء للثايوريا (أدبياً: معاينة الله)[28]. تمكن ترجمة هذه العبارة التقنية بـ: “الرؤية الروحية”، “البصيرة الروحية”، أو “التلقي الروحي”. هي ليست مجرد مفهوم، بل هي خبرة قبل كل شيء. هي لا تشير فقط إلى حسن إدراك تعاليم الكتاب اللاهوتية بل أيضاً إلى موقف المفسر الروحي الذي يقوده الروح القدس. بشكل أعمّ، تتعلق الثايوريا بمجمل حياة المسيحي وفهمه كما يحوله الروح القدس ويوجهه. إنها تتويج حياة التوبة والغفران والتطهّر من الخطيئة ونقاوة القلب والصلاة والمحبة. وقد يصح وصفها بأنها حس صلاتي من الخشية والإعجاب في حضرة الله وخليقته وأعمال الخلاص العظيمة والكتاب المقدس وكل الأشياء. في حالة الثايوريا الديناميكية، ورقة خضراء أو نجمة لامعة، عمل بسيط من اللطف البشري أو حقيقة عظيمة من الكتاب المقدس، كلها أمور قد تحرك المعاين بالقدر عينه.

بحسب القديس إسحق السرياني تُختَبر الثايوريا في قراءة الكتاب المقدس مثل شعاع من النور يرافق فهم المرء للنص[29]، أو كإدراك مفاجئ لحضور السيد في حين التأمل في شيء من الكتاب، بحسب القديس أمبروسيوس[30]. كتب القديس سمعان اللاهوتي الحديث عظة كاملة عنوانها “في المعرفة الروحية” هي مثال ممتاز عن القراءة الروحية للكتاب المقدس[31]. الثايوريا هي عطية من الروح القدس وبإيحائها إلى القارئ بالقدرة الخلاصية. إنها حالة من الإلهام الديناميكي، لحظة استنارة، عمل وحي شخصي تصبح فيه الكلمة المكتوبة كلمة الله الحية وتتفعل قيمتها كيانياً في حياة المفسر بنعمة الروح القدس.

قد يكون هذا النموذج الآبائي للتفسير المواهبي رومنطيقياً وخيالياص إن لم يوضع في إطار الصراع مع الذات والكنيسة والتاريخ. لم يعرف اباء الكنيسة الرخص لا في النعمة ولا في البحث العلمي. فالجهادات لتخطي الخطيئة الشخصية بالتوبة الأصلية، وللنمو نحو النضح الروحي على صورة المسيح، كانت دائماً هاجسهم. قد عرفوا العمل الدؤوب خلف الدراسة الكتابية والوعظ والتعليم، بعيداً عن النظر إلى أعمال الروح بشكل ميكانيكي أو سحري. بالنسبة إليهم، لم يلغ الإيمان الشخصي والصلاة استعمال العقل بأي شكل. الآباء الكبادوكيون رأوا أن العقل عطية من الله وبالواقع هو أعلى المَلَكات التي ميزت صورة الله الحقيقية في البشر[32]. وكما يعبّر غريغوريوس اللاهوتي، فهم عرفوا أيضاً أن الجدال الحاد له قوة يمكن تحويلها في اتجاهين، إسقاط الحقيقة أو كشف الكذب[33]. من الممكن الاتكال على العقل كما على محبة الله ومحبة شعبه لقيادة العقل نحو نهايات بنّاءة.

ومع هذا، فقد يسبب خداع النفس والإثارة الشيطانية بعض “لحظات من الإلهام”. أصالة موهبة المرء في التفسير يجب أن تُمتحن إذاً في حياة الكنيسة. المطلوب هو اعتبار آراء الآخرين والانفتاح وحتى تغيير الرأي[34]. وقبل كل شيء، يجب أن يحترم المفسر احتراماً حقيقياً مجمل إيمان الكنيسة. الصراعات العائدة إلى خلافات لاهوتية أو عقائدية في الكنيسة عينها ليست نادرة وهي لا تقدم أي راحة. ومع هذا، فالرجاء بأن الظلمة لن تقهر الضوء في النهاية لا يخبو. هذا التأكيد ثابت لا في القدرات البشرية بل في نعمة الله والإخلاص له. السيد نفسه وعد بأنه سوف يكون دائماً مع شعبه وبأن أبواب الجحيم لن تقوى على كنيسته المسؤولة عن الكتاب المقدس وسوف تُحاسب عليه وعلى إعلانها إياه إلى العالم (متى 16: 18، 28: 20).

[1] R.M. grant With David Tracy, A Short History of the Interpretation of the Bible (Philadelphia: Fortress, 1984); James L. Kugel and Rowan A. Greer, Early Biblical Interpretation ( Philadelphia: Westminster, 1986); Joseph W. Trigg, Biblical Interpretation: Message of the Fathers of the Church (Wilmington: Glazier, 1988); Frank Sadowki, S.S.P. ed., The Church Fathers on the Bible: Slected Reakings; K. Froehlich, Biblical Interpretation in the Early Church ( Philadelphia: Fortress, 1984); and Bertrand de Margerie, S. J., An introduction to the History of Exegesis, Vol. l: The Greek Fathers, trans, Leonard Maluf (Petershan: Sant Bede’s Publications,1993)

[2] مثلاً

Geoffry W. Bromiley, “The Church Fathers and Holy Scripture”, in Scripture and Truth, D. A. Carson an John D. Woodbridge, eds., pp. 199-220; j. Pelikan, “The Spiritual Sense of Scipture: The Ecegectical Basis for St, Basil’s Doctrine of the Holy Spirit,” in Basil of Caesarea: Christian, Humanist, Ascetic, Part I,ed. P. J. Fedwick (Toronto: Pontifica; Institute, 1981), pp. 337-360; by the same, “Council or Father or Scripture” The Concept of Authority in the Theology of Maximus Confessor, “The Heritage of the Early Church: Essays in Honor of Georges V. Florovsky, ed. D. Neinan and M. Schatkin (Rome, 1973); Andrew Louth, “The Hermeneutical Question Approached through the Fathers”, Sob 7(7, 1978), PP. 541-549; Allan E. Johnson, “The Methods and Presuppositions of Patristic Exegesis in the Formation of the Christion Personlity,” Sial 16 (3, 1966). pp. 186-190; and T.J. Towers, “The Value of the Fathers,” CQR, July-September 1965, pp. 291-302. Metropolitan Demetrils Trakatellis (Athens: Apostolike Diakonia, 1996)

[3]Jaoslav Pelidan, Christianity and Classical Culture, p. 221

[4] يغطي الجزء الأول القرون الثلاثة الأولى والتقليد الإسكندري من القرن الخامس لغاية كيرلس.

[5] pp. 22-58. See also: Brevard S. Childs, Biblical Theology of the Old and New Testament, pp. 31-39

[6] The Prophet from Nazareth (Athens: Parisianos, 1973).

[7] انظر أيضاً الفصل الثاني لموقف الآباء من سلطة الكتاب.

[8] Homilies on the Gospel of John, 68.2. See also: R. C. Hill, “St John Chrysostom and the Incarnation of the Word in the Scripture, ” pp. 34-38.

[9] بحسب الكبادوكيّن، حرية الله من الَدَر وكل ضرورة ملزمة تؤكد أن لا يمكن أن يكون هناك تضارب أساس بين التدبير الإلهي وحرية الإنسان تماماً كما أنه لا يكن أن يكون هناك تضارب دائم بين العقل الصحيح والإيمان الصحيح. أنظر:

  1. Pelikan, Christianity and Classical Culture, p.216.

[10] The Ascetical Homilies of Saint Isaac the Syrian, trans. Holy Transfiguration Monastery (Boston: Holy Transfiguration Monastery, 1984), Homly 27, p. 133 and Homily 28,p.39.

[11] H. Chadwick, “The Bible and the Greek Fathers, “In The Church’s Use of the Bible,p39

[12] Mark Santer, “Scripture and the Councils,” Sob 7 (2, 1975). Pp 109-110

[13] From H. Chadwick , Early Christian Thought and the Classical Tradition, p. 39.

[14] R. M. Grant, “The Appeal to the Early Fathers, ” JTS 11 (1, 1960), pp. 13-24, reprinted in R. m. Grant, After the New Testament: Studies in Early Christian Literature and Theology (Philadephia: Fortress, 1967). For the Wider scope, see J. Pelikan, The Christian tradition, Vol. 2: The Spirit of Easter Christendom (Chicago: University of Chicago Press, 1974), pp. 8-36 on “The Authority of the Fathers

[15] Oscat Cullmann, Peter: Disciple, Apostle, Martyr, trans. F. V. Filson (Now York: Meridian Books, 1964), pp. 158-162

[16] Modem editors of such serie include J. Carmer, H. Lietzmann, K. Staab, J. Reuss and pters Collections in English translation have compiled by Johanna Manley, ed. The Bible and The Holy Fathers for Ortholox: Daily Scripture Readings and Commentary (Menlo Park: Monastery Books, 1990), and by the same, Grace for Grace: The Psalter and the Holy Fathers (Menlo Park: Monastery Books, 1992).

[17] The information on St. Photios is froom an unpublished paper by my colleague Nicholas P. Constas.

[18] H. R. Percival, ed, The Seven Ecumenical Council in The Nicene and Post-Nicene Fathers, Vol. 14 (Grand Rapids: Eedermans, 1991) pp. 374-475.

بعد هذا التاريخ بحوالي ألف سنة، وبسبب الإصلاح والخوف من الإرساليات البروتستانتية، أصدر البطريك إرميا الثالث رسالة في العام 1723 منع فيها الأرثوذكس حتى قراءة الكتاب المقدس. هذا ليس موقفاً أرثوذكسياً نهائياً إنما هو عمل رعائي طارئ لحماية المؤمنين في ذلك الوقت حيث افتقدت الكنيسة الحرية ووسائل تعليم أبنائها.

[19] Symeon the New Theologian: Discoures, trans. C.J. deCatanzaro, published in the series The Classics of Western Spirituality (New York: Paulist, 1980).

انظر أيضاً الفصل السابع والملحق الثاني.

[20] R.P.C. Hanson, Allegory and Event (London: SCM Press, 1959); G. W. H. Lampe and Woolcombe, Essays on Typology (Naperville: Allenson, 1956); G. A. Garrois, The Face of Chrisy in the Old Testament (Creestwood: St, Bladimir’s Seminary Press, 1974); and the study by Panagopoulos. See also the handbooks on patristic exegesid cited above. Note 1.

[21] Epistle of Barnabas 3.3: 9.4-5; 10. 1-4; 16.7 English translation by R. A. Kraft, Barnabas and the Didache in The Apostolic Fathers: A New Transaltion and Commentary, Vo. 3, ed, R. M. Grant (New York; Thomas Nelson, 1965)

[22] لاحقاً، بين الكبادوكيّين، غريغوريوس النيصصي كان مجازياً بشكل خاص من دون أن يخسر رؤيته حقيقة الكتاب المقدس التاريخية. J. Pelikan, Christianity and Classical Culture, p226 ويشير أيضاً Pelikan إلى أن باسيليوس أخا غريغوريوس كان على عكس ذلك من منتقدي المجازية ويورد قوله: “بالنسبة إلي: العشب هو العشب، النبات، السمك، الوحوش، الحيوانات الأليفة، آخذها كلها بمعناها الحرفي.

[23] Dialogue with Trypho 40.1.

[24] في الحوار مع تريفن، يعدد يوستينوس الشهيد الكثير من هذه الأمثال: يدا موسى الممدودتان كرمز للصليب (Dial. 90.4)، يعقوب كرمز للمسيح (140.1)، امرأتاه ليئة وراحيل كرمزين لليهود والمسيحين. انظر أيضاً Dialogue with Trypho 40.1; 42.1; 53.1,4.

[25] L. Goppelt, Tupos: The Tupological Interpretation of the Old Testamentin the New. Trans. D. H. Madvig (Grand Rapids: Eerdmans, 1982).

[26] J. Pelikan, Christiantiy and Classical Culture, pp. 222-224.

[27] J. Pelikan, “The Spiritual Sense of Scripture: The Ecegetical Basis for St. Basil’s Doctrine of the Holy Spirit,” pp. 337-360. See also Above, n.23.

[28] See: K. Froehlich, PP 85-88; John Breck, “Theoria and Orthodox Hermeneutics. “SVTQ 20 (4. 1976), pp. 195-219 and Chapter 2 of his book the Power of the Word: Andrew Louth, The Origins of the Christian Mystical Tradition: From Plato ti Denys (Oxford: Clarendon, 1981): by the same, Discerning the Mystery: An Essay on the Nature of Theology (Oxford: Clarendon, 1983); K. Ware, “Ways of Prayer and Contenplation: Eastem,” Christian Spirituality: Origins to the Twelfth Century, ed, B. McGinn and others (New York: Crossroad, 1987), pp. 399-402; and Panagopoulos, ‘H’## pp. 42-43.

[29] Holy Transfiguration Monastery, The Ascetical Homilies, Homily 1, P.6.

[30] G. Weindenfeld, ed., St. Ambrose: Select Works and Letters (New York, 1900), pp. 8-9.

[31] Symeon the New Theologian: The Discoures, pp. 261-266. في الملحق الثاني لهذا الكتاب.

[32]See J. Pelika, Christianity and Classical Culutre, p. 128.

[33] From his Work The Souk and the Resurrictibn, a dialogue between Gregory and his sister Makrina, quoted by S. J. Dennin-Bolle, “Gregory of Nyssa: The Soul in Mystical Flight, “GOTR 34 (2, 1989), p.102.

[34] قد يكون المثال الأكثر شهرة هو تردد القديس باسيلوس في تأكيد كمال ألوهية الروح القدس على أساس عدم وضوح الحجة الكتابية وتأكيده اللاحق هذه الحقيقة في جهاده ضد الأفنوميّين وتحت ضغط أفكار صديقه غريغوريوس اللاهوتيّ.

إقرأ أيضاً:

إقرأ أيضًا

رائحة المسيحيين الكريهة - هل للمسيحيين رائحة كريهة؟ الرد على احمد سبيع

رائحة المسيحيين الكريهة – هل للمسيحيين رائحة كريهة؟ الرد على احمد سبيع

رائحة المسيحيين الكريهة – هل للمسيحيين رائحة كريهة؟ الرد على احمد سبيع النظافة في المسيحية …