مواضيع عاجلة

الوثيقة Q المصدر: يسوع وكيل مملكة الله

الوثيقة Q المصدر: يسوع وكيل مملكة

الوثيقة Q المصدر: يسوع وكيل مملكة الله
الوثيقة Q المصدر: يسوع وكيل مملكة

الوثيقة Q المصدر: يسوع وكيل مملكة

 

لطالما لاحظ قراء الأناجيل أن ولوقا يتشابهان مع بعضهما البعض في طريقة عرضهما لتعاليم يسوع، وأن مرقص يفتقد إلى الكثير من هذه التعاليم. فهناك العديد من القصص والمواعظ وأقوال يسوع في ولوقا أكثر من تلك الموجودة في مرقص، والمادة التي يتشارك فيها كل من ولوقا قريبة جداً في الصياغة. فمنذ العصور القديمة، كان هذا الأمر يُفسر بالقول بأن كُتب أولاً (أولوية )، وأن مرقص ولوقا قاما باستخدام كمصدر لهما، موسعين فيه أو موجزين وفقاً لحاجاتهما. أما اليوم، فيؤكد معظم العلماء على أن مرقص كُتب أولاً (أولوية مرقص.) وأن كلاً من ولوقا بالالتفات إلى مصدرين رئيسيين هما: مرقص و”ق”([1]). إن نظرية العلاقات الأدبية الأناجيل السينوبتية معروفة بـ: “فرضية المصدرين”.

يمكن تعريف وثيقة “ق”، بكل بساطة لكن بدقة، بأنه شبيه بجميع المواد المتطابقة والمشتركة ولوقا وغير موجودة في مرقص. إن وثيقة “ق” في جميع مصادر الأناجيل هو إلى حد بعيد أهم دراسة في . فقد تم البحث فيه دون انقطاع لأكثر من مائة وخمسين سنة، وأصبح منذ حوالي عام 1970 نقطة محورية، ربما النقطة المحورية للدراسات التي تبحث في يسوع التاريخي. في حين أن وجود “م” و”ل”، ومصدر إشارات غير مقبول من الناحية التماثلية، وتجمع الغالبية العظمى من العلماء على اعتناق فرضية “ق”.

في هذا الفصل سوف نقوم باختصار بذكر بدائل فرضية المصدرين مع فرضياتها لـ”ق”، كما سنذكر بإيجاز محتويات وثيقة “ق” ووصف الدراسة الأخيرة له. ومن ثم سوف نركز على مسألتين هامتين بالنسبة لدراستنا: هل تصور وثيقة “ق” يسوع على أنه معلم يهودي كلبي؟ وما هي أهمية موت يسوع وقيامته بالنسبة لوثيقة “ق” ومجتمعها؟ فاهتمامنا الأساسي في البحث في وثيقة “ق” يركز على وضعه المفترض بأنه مصدر يسوع التاريخي، المصدر المستقل والسابق للأناجيل. هل كانت وثيقة “ق” موجودة حقاً؟ حالما يتم القبول بأولوية مرقص، حينها يمكن المادة المشتركة في ولوقا بإحدى الطريقتين الرئيسيتين: إما أن الأول استخدم الآخر، أو أنهما استخدما مصدراً مشتركاً. بما أن ولوقا لم يستخدم أي منهما الآخر، يتضح ذلك لأسباب عدة. بادئ ذي بدء، كما لاحظنا أعلاه، يملك ولوقا على حد سواء قدراً كبيراً من المواد الخاصة بإنجيليهما. في حال استخدام أي منهما الآخر، فمنطقياً أن نتوقع وجود أقل القليل من المواد الخاصة بكل واحد منهما. ومن ثم أيضاً، لا يتفق ولوقا بالترتيب والصياغة بالمقارنة مع مرقص. ففي حال استخدام أي منهما الآخر، فإننا نتوقع المزيد من الاتفاق في الترتيب والصياغة في ولوقا عندما يختلفان عن مرقص. أيضاً، إن المواد المشتركة ولوقا ومختلفة في مرقص واردة بترتيب مختلف في ولوقا، وعادةً ما يبدو شكل أقل تطوراً. فمتى يحتوي على مادة الأقوال في خمس أجزاء رئيسية ( 5-7، 10، 13، 18، 23-25)، في حين أنها ترد في على نحو متساو تمامً ( 3-9). يصعب شرح هذا التباين في التوزيع في حال استخدام أي منهما الآخر. أضف إلى ذلك، أنه ما أن يتم عزل المادة التي لا تعود إلى مرقص التي يتشارك بها كل من ولوقا، حتى يظهر قدر كبير من التماسك الداخلي في الشكل والمضمون، أكثر بكثير من لك الوارد في “ل” و”م”. أخيراً، لقد أسكت اكتشاف إنجيل توما في عام 1945 أولئك الذين زعموا أنه لا يوجد تشابه في بداية ظهور المسيحية بالنسبة لمجموعة أقوال يسوع التي تفتقد إلى إطار سردي. نظراً لهذه الأسباب ولأسباب أخرى، توصلت الغالبية العظمى من العلماء إلى أن ولوقا استخدما على نحو مستقل مصدراً منفصلاً للمادة المشتركة التي لم ستمدها من مرقص.

وعلى الرغم من أن وثيقة “ق” تبدو وفق مصطلحات دوغلاس غولدر: “القوة الماحقة” في الدراسات الحديثة، فهناك ما لا يقل عن أربعة أخرى لأوجه الشبه في متى ولوقا بالمقارنة مع مرقص الذي ينكر وجود “ق”. التفسير الأول هو: “فرضية الإنجيلين”، التي اعتنقها بشجاعة وليام آر فارمر وزملاؤه، حيث تقول إنه تم كتابة متى أولاً، ومن ثم استخدم متى كمصدر رئيسي، وقام مرقص باختصارهما. التفسير الثاني هو فرضية المراحل المتعددة لـ م ي بويسمارد، حيث تفترض هذه النظرية المعقدة للغاية أن أربعة من المصادر المكتوبة الخاصة بمتى ومرقص ولوقا و”ق” كانت قد شكلت بداية منهج . ومن ثم أصبحت اثنتان من هذه الوثائق: “مرقص الأوسط” و”متى الأوسط”، وفقاً للمصطلحات التي أطلقها عليهما بويسمارد. وبعد ذلك، خرج الأول بمادة “ق” وبمادة متى الأوسط. أخيراً، أثرت أجزاء من مرقص الأوسط بالأشكال الراهنة لمتي ولوقا، ويستخدم شكل مرقص الحالي الأول ومتى الأوسط. وتعود الفرضية الثالثة إلى دولاس غولدر الذي قال: إن استخدم إنجيل متى ودمجه بإنجيل مرقص، حيث يرى غولدر أن مادة الخاصة هي تطوير قام به لمتى، ويقول أيضاً في أن كلاً من مادة متى الخاصة وما يسميه الآخرون بـ”ق” هو تطوير قام به متى لمرقص. ووفقاً لنظريته، فإن “ق” غير ضروري، لذا ينكر غولدر وجوده. ويقوم غولدر هنا بتوسيع أعمال أوستن فارير. أخيراً، حاول “بو ريك” شح التوافقات الموجودة الأناجيل السينوبتية، بما في ذلك ما يسميه الآخرون بـ “ق”، على أنها عبارة عن خطوط متوازية ناشئة عن تقاليد شفوية وليست ناشئة عن وثائق مكتوبة. فلم يكن مؤلفو الأناجيل على اتصال مع بعضهم بعضاً أو مع مصادر أخرى مكتوبة مثل “ق”.

لقد رفضت أغلبية العلماء عن وجه حق هذه النظريات البديلة معتبرها غير كافية، حيث تعتمد اثنتان من الفرضيات، فرضيتا فارمر وغولدر، على أولوية متى. فاحتمالية كتابة متى أولاً أمر ممكن، لكن ليس بمقدر نظرية أولوية متى تقديم التفسير الكافي لسبب استخدام مرقص لمتى بهذا الشكل الغريب للغاية: توسيع بعض مواد متى بصورة كاملة، وفي نفس الوقت حذف أجزاء أخرى جذرياً، كحذف أكثر من نصف تعاليم يسوع الواردة في متى. كما لا تفسر نظرية أولوية متى سبب كون الكثير من مواد مواد خاصة، وأن هذه المادة التي تمثل تطوير لمتى بكل بساطة غير ذات مصداقية، نظراً لاختلاف المضمون والأمور التي تشدد عليها. بالإضافة إلى ذلك، فقد طُبعت فرضية بويسمارد في أذهان العلماء على أنهما معقدة أكثر من اللازم، وتشكل انتهاكاً لمبداً أهل العلم القائل في أن التفسير الأبسط هو الأفضل. فقد توصل بحق معظم العلماء بشأن نظرية ريك إلى أنه لا يمكن للتطور الشفهي وحده لتقاليد يسوع درجة التشابه الحر في الكبير الأناجيل السينوبتية.

أما فيما يتعلق بالنتيجة الطبيعية لريك في أن مؤلفي الأناجيل لم يستخدموا مصادر مكتوبة، يشهد ( 1:1-4) صراحة بأن المؤلف عرف مصادر أخرى، مما يجعل من الممكن استخدامه لها. لذلك، يتم تفضيل نظرية المصدرين بفرضيتها لـ”ق”، على الرغم من بعض المشاكل العالقة، على الفرضيات البديلة الأربع بوصفها الأبسط والأفضل تفسيراً لأصول وعلاقات الأناجيل السينوبتية. إن قضية “ق” أقوى بكثير من أي نظرية منافسة خاصة بعلاقات الأناجيل السينوبتية. وتبقي “ق” فرضية، ومثل أي فرضية، تستحق أن تخضع للاختبار باستمرار. ومع ذلك، فهي فرضية مفيدة ومثمرة ومن المرجح أن تظل كذلك.

لقد استمر البحث في حجم وصياغة “ق” في اللغة اليونانية أكثر من قرن حتى الآن، واليوم يعد هذا البحث جهداً خاصاً يرأسه مشروع “ق” الدولي الذي كان ينشر سنوياً منذ عام 1990 حتى عام 1997 في صحيفة الأدب الإنجيلي، المشروع الذي يجمع الآن نصاً مهماً لـ”ق”. في حين تتفاوت إلى حد ما عمليات تجديد محتويات “ق” الحقيقية، يبقي المخطط الأساسي واضحاً. فالجدول التالي يلخص محتويات “ق” العامة والمقبولة للجميع.

محتويات “ق”:

متى المحتويات
البدايات
7:3-9، 16-17 7:3ب-12 المعمدان: التحذيرات، الوعد بأن شخصاً ما سيأتي
2:4-13 2:4ب-11 أ إغراءات (اختبارات) يسوع الثلاثة قدمها الشيطان (ترتيب مختلف في ومتى)
العظة في السهل / على الجبل
20:6ب-23 3:5، 6، 4، 11-12 تطويبات (ترتيب وصياغة مختلفة)
27:6-30 44:5، 39ب – 40، 42 أحبوا أعداءكم، اعرض الخد الآخر، هب رداءك، أعطه للمستولين
31:6 12:7 وكما تريدون أن يفعل الناس بكم افعلوا أنتم أيضاً بهم،
32:6-33، 35، ب-36 46:5-47، 45، 48 أحبوا أكثر مما يفعل أولئك الذين يحبونكم، كونوا رحماء كما أن أباكم رحيم
37:6أ، 38 ج 1:7-2 لا تدينوا فلا تدانوا، بنفس الكيل الذي به تكيلون يكال لكم
39:6-40 14:15، 24:10-25 أ هل يقدر أعمى أن يقود أعمى، ليس التلميذ أفضل من معلمه
41:6-42 3:7-5 القذى الذي بعين أخيك، الخشبة التي في عين شخص ما
43:6-45 16:7-20 (33:20-35) ما من شجرة جيدة تثمر ثمراً رديئاً، لا يجتنون من الشوك تيناً
46:6-49 21:7، 24-27 ولماذا تدعونني: يا رب، يا رب، وأنتم لا تفعلون ما أقوله؟، الذي يسمعه ويعمل به
شفاء عبد لقائد المائة
1:7-2، 6 ب -10 5:8 أ – 10، 13 قائد المائة صاحب الإيمان العجيب في كفر ناحوم يطلب المساعدة في شفاء خادمه المريض، الأشخاص الذين يقوم يسوع بشفائهم
أقوال حول المعمدان
18:7-28 2:11-11 تلاميذ ، الرسالة الموجهة له، مديح على اعتباره أكثر من نبي
31:7-35 16:11-19 لا يفرح هذا الجيل لا بيوحنا ولا بابن الإنسان
التلمذة والمهمة
57:9-60 19:8-22 ابن الإنسان ليس له أين يسند رأسه، من أجل أن تتبعه دع الموتى يدفنون موتاهم
2:10-12 37:9-38، 7:10-16 الحصاد كثير، الفعلة قليلون، تعاليم المهمة
13:10-16 21:11-23، 40:10 ويل لك يا كورزَين، ويل لك يا بيت صيداَ، الذي يسمع منكم يسمع مني
21:10-24 25:11-27، 16:13-17 شكراً الأب على الإعلان للأطفال، كل الأشياء تُدفع إلى الابن الذي يعرف هو وحده الآب، طوبي للعيون التي تنظر ما تنظرونه
تعاليم بخصوص الصلاة
2:11-4 9:6-13 صلاة الرب (أشكال مختلفة – الصلاة الواردة في متى أطول)
9:11-13 7:7-11 أسألوا تعطوا، أن تعطوا عطايا جيدة، فكم بالحري الآب سيعطي
خلافات ومضايقات
14:11-15، 17-23 22:12-30 ببعلزبول يخرج الشياطين، يحفظ القوي داره، من ليس معي فهو علىّ
24:11-26 43:12-45 متى خرج الروح النجس من الإنسان ثم يذهب ويأخذ سبعة أرواح آخر أشر منه
29:11-32 36:12-42 هذا الجيل يطلب آية، آية يونان النبي، حكم أهل نينوى، ملكة الجنوب
33:11-35 15:5، 22:6-23 ليس أحد يوقد سراجاً ويضعه في خفية، سراج الجسد هو العين، متى كانت شريرة فجسدك يكون مظلماً
39:11-44 25:32 – 26، 23، 6-7 أ، 27 أنتم الآن أيها الفريسيون تنقون خارج الكأس، ويل للعشير التافه، والذين يحبون المجلس الأول في المجامع
46:11-48 4:23، 29-31 ويل لكم أنتم الناموسيون لأنكم تحملّون الناس أحمالاً عسرة الحمل، لأنكم تبنون قبور الأنبياء
49:11-52 34:23-36،13 أنا أقول / حكمة تقول: إني أرسل إليهم أنبياء سيعذبون، ويل لكم أنتم أيها الناموسيون
2:12-10 26:10-33، 32:12 لا خفي لن يعرف، لا تخافوا من الذين يقتلون الجسد، اعترفوا بي قدام
عن القلق
22:12-31 25:6-33 لا تقلقوا بشأن الجسد، تأملوا زنابق الحقل، الآب يعرف ماذا تحتاجون
33:12-34 19:6-21 لا يوجد كنوز على الأرض بل في السماوات
الاستعداد لمجيء الساعة
39:12-40، 42-46 43:24-44، 45-51 رب البيت والسارق، العبد المخلص المستعد لمجيء سيده
51:21-53 34:10-36 لم آت لأعطي سلاماً بل لأعطي سيفاً، انقسامات داخل العائلات
56-54:12 3-2:16 القدرة على معرفة علامات الطقس تمكن المرء من معرفة الوقت الحالي
58:12-59 25:5-26 التخلص من الخصم قبل الذهاب إلى القاضي
قصص وأقوال حول التلمذة
18:13-21 31:13-33 ملكوت تشبه نمو حبة خردل، وتشبه خميرة وضعتها امرأة في الدقيق
23:13-29 13:7-14، 22-23، 11:8-121 قليل هم الذين سيدخلون من الباب الضيق، رب البيت يرفض هؤلاء الذين يقرعون الباب، يأتي أناس من كل حدب وصوب للدخول في ملكوت السماوات / الله
34:13-35 37:23-39 يا أورشليم، يا أورشليم! يا قاتلة الأنبياء، عليك مباركة ذلك الشخص الآتي باسم الرب
16:14-24 2:22-10 ملكوت السماوات / الله هي مأدبة عظيمة: يعتذر مدعوون، ويدعى آخرون
26:14-27 37:10-38 فضلّني على عائلتك، أحمل صليبك واتبعن
34:14-35 13:5 عدم نفح الملح الذي فقد مذاقه
4:15-7 12:18-14 الإنسان الذي يترك 99 خروفاً ويذهب لأجل الخروف الضال
13:16 24:6 ليس بمقدوركم أن تخدموا سيدين
16:16-18 12:11-13، 18:5، 32 كان الناموس والأنبياء إلى ، لن تسقط نقطة واحدة من الناموس، كل من يطلق امرأته ويتزوج بأخرى يزني
1:17، 3ب-4 7:18، 15، 21-22 ويل لأولئك الذين تأتي العثرات بواسطتهم، اغفر لأخيك بعد توبيخه، بطرس: كم مرة نغفر
6:17 20:17 لو كان لكم إيمان مثل حبة خردل، لاستطعتم تحريك الجبال / واقتلاع الأشجار
مجيء ابن الإنسان في النهاية
23:17-24، 37 26:24-28 علامات مجيء ابن الإنسان
26:17-27، 30 37:24 -39 وكما في أيام نوح كذلك يكون أيضاً في أيام ابن الإنسان
33:17 39:10 من طلب أن يخلّص نفسه يهلكها، ومن أهلكها يحييها
34:17-35 41:10 إنه في تلك اللية يكون اثنان، فيؤخذ الواحد ويترك الآخر
12:19-27 14:25-30 قصة الموهوبين
28:22، 30 28:19 أتباع يسوع سيجلسون على كراسيه ويدينون أسباط إسرائيل الاثني عشر

وكما يُظهر هذا التلخيص بأن “ق” يحتوي على معظم تعاليم يسوع. فهو يحتوي على القليل من القصص السردية حيث يبدأ بيوحنا المعمدان والإغراءات التي تعرض لها يسوع، وبالقرب من المنتصف هناك سرد لإحدى المعجزات: “خادم قائد المائة الروماني”. كما يمكن الاستدلال على الكثير من المعجزات الأخرى التي جاء بها يسوع في إنجيل لوقا (21:7 و 13:10 و 20:11). وفي بعض الأماكن، تحتوي التعاليم على سياق أو مقدمات سردية قصيرة، على سبيل المثال: لوقا (18:7-20، الأسئلة التي طرحها المعمدان). إن تعاليم يسوع مقسمة بالتساوي تقريباً قصص وأقوال قصيرة. كما تكثير أقوال الحكمة والأقوال الأخروية التي هي بالمجمل عبارة عن تحذيرات. يتشارك الهيكل العام لـ”ق” بقسم لا بأس به مع أناجيل اللاحقة. وبنفس طريقة أناجيل ، يبدأ “ق” مع يوحنا والإغراءات، ويزيد من ذكر يوحنا في أمكنة لاحقة. وينتهي “ق” والأناجيل السينوبتية بقسم القصص والأقوال الأخروية على قسمهم التعليمي الرئيسي الأخير.

يبقي الوضع الاجتماعي التاريخي الدقيق لـ”ق” غير مؤكد، لكن يوجد هناك شبه إجماع بخصوص ذلك. فمعظم الباحثين يحددون مكانه في فلسطين، وكثيرون يحددون مكانه في جنوب الجليل الأوسط، وقليلون يحددون مكانه في جنوب سورية. إن “ق” عمل يهودي مسيحي موجه لشعب إسرائيل. فتاريخ كتابته المقترح يتفاوت من 40 إلى 70م وعلى الأغلب تمت كتابته في منتصف هذه الفترة. قد يُظهر الجزء الأول من هذه الفترة حملات تبشيرية متجولة تكمل رسالة يسوع وكهنوته في جميع أنحاء المناطق التي كان يعمل فيها. وقد تعود المجموعة الأولى لأقوال يسوع التي استخدمتها هذه الحملات التبشيرية المتجولة إلى المجتمع الذي ظهر بعد عيد الفصح الأول. ومن المرجح أن هذه الحملات التبشيرية كانت قد أنشأت أول مجتمع مسيحي مستقر في جميع أنحاء الإقليم القديم من إسرائيل. وتشكل نهاية هذه الفترة، أي عام 70م، فترة التمرد اليهودي. فقد تكون كل من الحملات التبشيرية والتجمعات السكنية المستقرة تعطلت إلى حد كبير جراء الحرب، ولم تشر التنبؤات حول القدس والمعبد إلى وجود عمل عسكري (لوقا 34:13-35)، كما هو الحال في الأناجيل السنوبتية. كذلك الأمر، فإن استخدام “ق” من جانب متى ولوقا، اللذين يعود تاريخهما بصورة شائعة إلى الثمانينيات من القرن الأول، يتضمن أن “ق” كان قد تمت كتابه وتداوله في فترة سبقت ذلك العقد.

لقد كان “ق” وفقاً لكل الاحتمالات وثيقة مكتوبة. إن أفضل طريقة لتفسير الكمية الكبيرة من التوافقات الشفهية بين متى ولوقا، الأمر الذي يشير مرة أخرى إلى مصدر مكتوب. لقد تمت كتابة “ق” بصورة شبة مؤكدة باللغة اليونانية. ومن المرجح أن يكون الكثير من تعاليم “ق” في الأصل باللغة الآرامية، لغة يسوع وربما لغة الحملات التبشيرية الفلسطينية الأولى. ومع ذلك، فإن هذا ليس مؤكداً، وإن إعادة نصوص “ق” إلى الآرامية موضع شك كبير ولا تشكل موضوعاً هاماً في مجال البحث في “ق”.

منذ نحو عام 1970، في أحدث موجة اهتمام بـ”ق”، تم تخصيص الكثير من عمليات البحث للنظر في المراحل التكوينية التي نشأ فيها “ق” والعمل على ربط نمو العمل بتاريخ المجتمع الذي أنتج “ق”. فقد شكلت هذه المهمة العنصر الأكثر إثارة للجدل في عمليات البحث في يسوع، المهمة المحفوفة بالصعوبات. لا يسعنا هنا إلا أن نصف عدداً قليلاً من المقترحات الرائدة وأن نقدم نقداً وجيزاً. يفترض جون كلوبنبورغ في أكثر عمليات التجديد تأثيراً على تاريخ تكوين “ق” نموذجاً من ثلاث مراحل. تم تأليف “ق1” من “خطابات الحكمة” التي شجعت على اتباع أسلوب حياتي راديكالي مناهض للحضارة (على سبيل المثال: جوهر العظة في السهل / الثاني، بإدانة إسرائيل عندما عارضت رسالة الحكمة ورسلها، “رسالة يوحنا المعمدان، شفاء عبد قائد المائة، جميع المواد الرؤيوية”. “ق3” كان آخر ما تم إضافته، الطور التوضيحي الذي قرّب “ق” من اليهودية الحريصة على التقيد بالتوراة. كما تم في هذه المرحلة إضافة قصة الإغراء التي تعرض لها يسوع، القصة التي تقدمه على أنه نموذج للعلاقة الصحيحة مع الله. ويرى ديتر لوهرمان طبقتين رئيسيتين للمادة. تتضمن الطبقة الأولى طبقة أخروية بأقوال عن ابن الإنسان، الإدانة، والمجيء الثاني الوشيك ليسوع، وتتضمن الطبقة الثانية دمجاً بين البعثة الموجهة للوثنيين وبين تعاليم الحكمة، عندما يتضاءل الأمل في المجيء الثاني الوشيك ليسوع.

ويرى لوهرمان مجتمع “ق” على أنه مجموعة مسيحية لا يهودية تعرضت للاضطهاد على أيدي اليهود. وتفترض عملية التجديد التي قام بها سيغفريد شولتز مرحلتين لـ”ق” ومجتمعها: الأولى: مجتمع فلسطيني يهودي مبكر يحمل توقعات أخروية قوية ومادة رؤيوية، والثانية: مرحلة يهودية هيلينستية متأخرة تحمل أنواعاً أخرى من المواد. اما إم ساتو فيتصور ثلاث خطوات: “التنقيح أ” جمع مواد متعلقة بيوحنا المعمدان، “التنقيح ب” دمج المواد التي تتحدث عن البعثة، و”التنقيح ج” يتضمن بيانات إدانة إسرائيل وتعاليم الحكمة. نظراً لتنوع مواده، فإنه من المرجح حقاً أن يكون “ق” تشكل على مراحل. ربما بكون قد بدأ بتجميع مواد الوعظ التي كانت متشابهة في الشكل والمضمون. وبعد ذلك، في الوقت الذي تواصلت فيه الإرسالية التبشيرية إلى إسرائيل، أدت المعارضة والفشل في نهاية المطاف إلى إدراج مواد تعليمية أخرى متنوعة تؤكد على إدانة إسرائيل والالتفات إلى الوثنيين. فماذا تكون أنواع المواد المضافة عندما يصعب التكهن بذلك؟ يقترح كلوبنبورغ أن عناصر الحكمة التي جاءت أولاً والعناصر الرؤيوية كان لهما التأثير في أمريكا الشمالية، لاسيما مع بيرتون ماك، وجون دومينيك كروسان، وأعضاء آخرين في منتدى يسوع، حيث يقولون بأن يسوع التاريخي كان معلم الحكمة. لكن كما يشير المخطط المختصر أعلاه، اقترح آخرون أن المادة المتعلقة بسفر الرؤيا جاءت أولاً ومن ثم جاءت مادة الحكمة. وربما يكون من الخطأ استنتاج فارق ثابت بين المادة الروحية والرؤيوية والحكمة في أدب مؤثر مثل أدب دانيال. هناك بعض المقاطع في “ق” تجعل من الصعب تحديد حكمتها والعناصر الرؤيوية لمختلف مراحل تكوينها. على سبيل المثال، أظهرت “أديلا يا ربرو كولينز أن أقوال “ابن الإنسان” الأخروية تتكرر في كل طبقة من طبقات “ق” وفقاً لتصنيف الأبحاث الأخيرة. وقد صادق هيلموت كوستر مؤخراً على استنتاجاتها المتعلقة بالإيمان بالآخرة في “ق”. وينطبق الشيء نفسه على المقاطع الأخرى. في إنجيل لوقا (31:11-32)، ستكون ملكة الجنوب التي جاءت “من أقاصي الأرض للاستماع إلى حكمة سليمان” شاهدةً مع شعب نينوى في الحكم. في لوقا (49:11) ترسل “حكمة الله” الأنبياء والرس الذين سيتعرضون للاضطهاد “وبذلك يطلب من هذا الجيل دم جميع الأنبياء المهرق” منذ إنشاء العالم. في لوقا 4:12-7 يُعطى الصمود في وجه الاضطهاد مبدأ أخروياً (الآيات 4-5: خافوا من الذي بعدما يقتل، له سلطان أن يلقي في جهنم ومن ثم يُعطى مبدأ حكمة) و(الآيات 6-7 الله: يكترث للعصافير، وأنتم أفضل من عصافير كثيرة، فلا تخافوا). تشير مثل هذه النصوص إلى أن الحكمة والمواد الأخروية قد تكون موجودة في “ق” في مختلف مراحل تكوينه.

إن الوقت والطريقة اللذين دخلت فيهما المادة إلى “ق” هما أيضاً موضع خلاف. هل كانت عناصر السرد موجودة في البداية، أم أنه تم إضافتها في وقت لاحق في الوقت الذي كانت فيه “ق” في طريقها لتصبح إنجيلاً قبل أن يتم دمجه في متى ولوقا؟ وهل كان عبارة عن مادة لاحقة تم تلفيقها بكل صراحة؟ يلمح بعض الباحثين أو يصرحون علناً أن واضعي “ق” هم الذين قاموا بإنشاء الطبقات الأخيرة له وأن الطبقة الأولى فقط هي التي تدعي تمثيل تعاليم يسوع الأصلية. وهنا يجب علينا أن نتذكر القول المأثور “التاريخ التقليدي ليس تاريخاً أدبياً.” فمن الممكن للحالة المتغيرة لمجتمع “ق” أن تؤدي بهم إلى تبني تعاليم مختلفة ليسوع كانت تسبح في بحر تقاليد “ق” الشفوية، البحر الذي طافت على سطحه وثيقة “ق”، ومن ثم أدت بهم إلى إدراج تلك التعاليم بوثيقة “ق” مكتوبة.

يسأل الكثير من البحاثين فيما إذا كان باستطاعتنا الربط بين طبقات “ق” الأدبية وبين التاريخ العام للمجموعة التي من الواضح أنها أنتجته. على الرغم من ذلك، ما يزال ممكناً السؤال عن نوعية المجتمع الذي يعكسه “ق” ككل. فقد أولي الكثير من الاهتمام لدعاة “ق” المتجولين، لاسيما دورهم في استخدام وتطوير تقاليد يسوع. وتبدو مقاطع مثل: (لوقا 57:9-12:10، 22:12-31، 33-34، 51-53) أنها تعكس نمط حياة الدعاة الذين تم إرسالهم لتوسيع كهنوت يسوع. فقد تركوا أسرهم وأصبحوا بلا مأوى، وقد ذاقوا طعم الفقر واعتمدوا على كرم الشعب الذي يعملون بينه من أجل عيشهم الزهيد، وتنقلوا من بلدة إلى أخرى يدعون قبل مجيء ابن الإنسان في نهاية الزمان. فهم يعيشون ويبلغون رسالة يسوع: “طوباكم أيها المساكين، لأن لكم ملكوت الله.” (لوقا 20:6)، كما يبدو أن وصف أتباع يسوع المتجولين الوارد في “ق” يشير إلى أنهم يصنعون المعجزات. ومع ذلك، هذا لا يحدث إلا مرة واحدة (لوقا 9:10)، الأمر الذي قد يشرح سبب الذكر البسيط للمعجزات في “ق” نفسه.

إلى جانب نمط حياة المتجولين هذا، تقدم “ق” رغم ذلك مجتمعاً مستقراً من المؤمنين يعيشون نمط حياة مختلف. “أقيموا في ذلك البيت… لا تنتقلوا من بيت إلى آخر.” (لوقا 7:10)، في حين يتحدث إلى المتجولين، يضع بعض القيمة لحياة الاستقرار. وفي المنع الصارم للطلاق من جانب يسوع، يتم التمسك بالزواج بصفته مشيئة الله المستمرة (لوقا 18:16). وتُظهر القدرة على توفير السخاء الذي يبدو عبارة عن دعم مادي غير منقطع للأخرين (لوقا 30:6) تُظهر أن ليس كل أفراد مجتمع “ق” قاموا بالتبرع بكل ما يملكون. كما تُظهر الضرورة المستمرة للاختيار بين الله والثورة (لوقا 13:16) مجتمعاً يتمتع بما يكفي من الثروة التي يغريه بها الأغنياء. وتُظهر قصص “ق” الرمزية على وجه الخصوص، وإن لم تكن تقدم تعاليم تخص الممتلكات بصورة مباشرة، وتُظهر موقفاً أكثر إيجابية لحياة الاسقرار من خلال طرق معينة: الله هو بمثابة رب البيت (25:13-30)، الله يعطي مأدبة غنية (16:14)، الله هو بمثابة رجل يملك مائة من الغنم ويهتم بواحدة (4:15-7)، والله يعطي لشعبه مواهب غنية متوقعاً منهم مضاعفتها (12:19-27).

لا يمكن لمجتمع مؤلف من متجولين فقراء ينظرون إلى الممتلكات على أنها شر تصور هذا الرأي الإيجابي الضمني لحياة الاستقرار وبعض الثروة. فقد دخل الانحلال الروحي والنفاق في المجتمع، لأن بإمكان بعض الناس مناداة يسوع بـ “الرب” ولا ينفذون أوامره (لوقا 46:6-49). ويمكم لمؤمنين مستقرين التأمل في هذا الوضع أكثر من أولئك المبشرين المتجولين الروحانيين. وهناك معنى لوجود كل من الدعاة المتجولين والمجتمعات المستقرة في مجتمع “ق” الكبير: ينجح المبشرون بدعوة الناس، وإذا انضم هؤلاء المتجولون إليهم في مهمتهم، فإن المجتمعات المستقرة للمؤمنين ستتطور بعد فترة وجيزة. ربما تدعم أو تطعن أنماط الحياة الراديكالية والتقليدية في مجتمع “ق” ببعضها بعضاً، السيناريو الذي لا يختلف عن ذلك المعروف في وفي تاريخ الكنيسة اللاحق عندما كان المبشرون المتجولون والكنائس المستقرة يتمتعون بعلاقة خلاقة لكن متوترة.

كيف يصور “ق” يسوع؟

في حين أن يسوع يظهر بصورة المعلم بكل وضوح، إلا أنه يعتبر أكثر من ذلك. إن يسوع بتعاليمه هو وكيل الله للخلاص، وبذلك يقرّب ملكوت الله بالقدر الذي يكفي ليستجيب الشعب له. “ولكن إن كنت بإصبع الله أخرج الشياطين، فقد أقبل عليكم ملكوت الله.” (لوقا 20:11). يظهر يسوع في افتتاحية “ق” على أنه “استيفاء الأنبياء وفي شخصه وكلامه البيان الحقيقي للناموس.” فهو ابن الإنسان (لوقا 19:8-22، 16:11-19) وأبن الآب (لوقا 25:11-27). وهو المبعوث الأخير لحكمة الله (لوقا 35:7). وبصورة تثير الدهشة، لا يدعو “ق” يسوع بالمسيح، إلا أن مسيحانية يسوع تقر بيسوع على أنه المسيح بكل شيء باستثناء الاسم. وتحدد استجابة شخص ما على شخص يسوع وتعاليمه علاقته بالله في هذا العالم ومكانته في ملكوت الله في العالم الآخر (لوقا 8:12-9). والحيادية بالنسبة ليسوع مستحيلة (لوقا 23:11). فقد انكشف وقت بظهور يسوع، وهؤلاء الذين يسمعونه ويطيعونه مباركون. وهؤلاء الذين ينكرون يسوع سيحاكمهم الله، وإن التحذيرات من الفرار من الحكم النهائي باللجوء إلى الله وفيرة في “ق”. وتترافق المعجزات مع تعاليم يسوع الموثوقة. على الرغم من أن “ق” لا يذكر سوى معجزة واحدة، ألا أنه يوضح أن علميات الشفاء كانت من سمات كهنوت يسوع كله. “إن العمي يبصرون، والعرج يمشون، والبرص يطهرون، والصم يسمعون، والموتى يقومون، والمساكين يبشرون.” (لوقا 22:7). كما يرسل يسوع تلاميذه ليذيعون عرض هذا وقُرب ملكوت الله (لوقا 5:10-6، 9، 11). وهم ربما ضمناً كيسوع، “مثل الغنم بين الذئاب” وسيعانون من اضطهاد اليهود الذين لا يؤمنون (لوقا 3:10، 22:6-23). ومع ذلك، يتوجب عليهم حمل الصليب واتباع يسوع (14:27) ويقابلون الاضطهاد بالحب. إن يسوع في حياته الدنيوية مرتبط بيسوع الممجد الذي سيعود كابن الإنسان.

إقرأ أيضاً:

([1])  يقال إن الرمز “ق” (َQ) مشتق من الكلمة الألمانية: “Quelleالمصدر“، لكن هذا ليس أكيداً على الإطلاق. انظر جون ج. سميث، البحث عن أصل الرمز (Q)، دورية الأدب الإنجيلي، 100 (1981) 609-611.

إقرأ أيضاً:

إقرأ أيضًا

كيف علمتُ أن الأناجيل كُتبت مبكرًا؟ - ترجمة: Mannah T. Nassar

كيف علمتُ أن الأناجيل كُتبت مبكرًا؟ – ترجمة: Mannah T. Nassar

كيف علمتُ أن الأناجيل كُتبت مبكرًا؟ – ترجمة: Mannah T. Nassar كيف علمتُ أن الأناجيل …