الرئيسية / أبحاث / التهمة المقامة ضد المتهم – فرانك موريسون – من دحرج الحجر ؟

التهمة المقامة ضد المتهم – فرانك موريسون – من دحرج الحجر ؟

التهمة المقامة ضد المتهم  – فرانك موريسون – ؟

التهمة المقامة ضد المتهم  – فرانك موريسون – من دحرج الحجر ؟
التهمة المقامة ضد المتهم – فرانك موريسون – ؟

التهمة المقامة ضد المتهم  – فرانك موريسون – ؟

قد بدا لي أن خير طريقة للكشف عن اللفائف المتشابكة المعقّدة في الميول والنزعات والدسائس السياسية، وعوامل التحّزب والتعصب التي نُسـجت في حوادث الأيام الأخيرة من حياة يسوع على الأرض – أن أجلوَ أولاً غوامض السر، ببحث التهمة التي أقامها القوم ضده.

وإني أذكر كيف ألحّت عليّ هذه المشكلة يوماً ما، وراحت تجذبني بقوة عنيفة غير منتظرة. ثم أخذت أصور لنفسي صعوبة الأمر، وأسائلها: ترى ما الذي يحدث لو أن جدالاً عنيفاً قام بعد ألفي سنة من التاريخ الذي نحن فيه حول شخص حوكم محاكمة جنائية، لنقل في سنة 1939 مثلاً؟ لا شـك أن أغلب الأدلة الجوهرية تكـون قد أمحَّت وأُسدل عليها ستار النسيان. وربما يمكن العثور بين مجموعة الآثار القديمة على قطعة باهتة من إحدى الصحف اليومية. أو ربما صفحة ممزقة من كتاب قانوني يصف القضية. ومن هذه الوثائق الباقية الباهتة يمكن للباحث أن يسـتنتج. ومن المؤكد أن يذهب الأحياء في ذلك الزمن البعيد الراغبون أن يستبينوا الحق عن ذلك الإنسان – إلى بحث موضوع التهمة التي قامت حوله. وأظنهم يتساءلون قبل كل شيء: ما سـبب هذه الضجة كلـها؟ وما الذي أقـامه المـدّعون عليه من التـهم؟ وإن كانت التـهم متعـددة، كما هو الحال في القضية التي نحن بصددها، يسألون عن التهمة الأصلية الحقيقية ضد المتهم الذي حكموا عليه.

وبمجرد أن نضع هذا السؤال في مقدمة بحثنا، نصطدم على التّو بأشياء تلقي على المشكلة نوراً جديداً، ما كان يخطر لنا ببال! وتتضح لنا كنه تلك الأشياء الخطيرة لو تمكنا قبل كل شيء من تفّهم ماهية ذاتها. ذلك لأنها لم تجرِ فقط في ساعة غير منتظرة لمثل هذه الإجراءات، بل قد شابها كثير من الملابسات الخاصة. وانظر مثلاً إلى عنصر الزمن فيها:

أجمـع المـؤرخون على أن وقـت إلقـاء القبـض على يسـوع في بســتان جثسـيماني في ســاعة

متأخرة من الليلة السابقة ليوم . وهناك ما يحملنا على الاعتقاد أن ساة القبض لم تكن قبل منتصف الساعة الثانية عشرة.

وهذا التقدير أساسه حساب الزمن الذي استغرقته الحوادث المدّونة بين الفراغ من حفلة العشاء في العليّة، وبين وصول شرذمة الجند المسلحة إلى البستان فوق منحدرات جبل الزيتون. وأسواق ثلاثة أشياء تدل على أن القبض كان في ساعة متأخرة:

1 – كان التلاميذ تعابى منهوكي القوى. وحتى بطرس الصياد المخشوشن الذي ألِفَ الصحو واليقظة والسهر في البحر لم يقدر على مغالبة النوم.

2 – يشير كلُّ من متى ومرقص إلى ثلاثة فترات متقطعة من النوم، وكان يوقظهم في كل مرة منها مجيء يسوع إليهم من صلواته اللجوجة الحارة تحت الأشجار المتعانقة.

3 – كان الوقت ظلاماً حالكاً، واستطاع يسوع عند رؤيته المشاعل أن يميّز القادمين للقبض عليه من بعيد (انظر مرقص 14: 42) “قُومُوا لِنَذْهَبَ! هُوَ ذَا الَّذِي يُسَلِّمُنِي قَدِ اقْتَرَبَ!”.

ومن يقرأ تفاصيل هذه القصة الرائعة، لا يسعه إلا التسليم أن زيارتهم هذه المرة إلى البستان تختلف عن سابقاتها التي أشار إليها البشير يوحنا. فإن هؤلاء الرجال كانوا قد بقوا، نزولاً على إرادة سيدهم، بعد الوقت الذي كانوا يأوون إليه عادة إلى مضاجعهم في قرية بيت عنيا. وترقبوا شيئاً كان يترقبه هو، ويشعر في نفسه أنه لا بد حادث. وإذا افترضنا أنهم فرغوا من العشاء في منتصف الساعة العاشرة، وإنهم بلغوا البستان في العاشرة تماماً، فلا يمكن أن يكون القبض عليه وقع قبل منتصف الساعة الثانية عشرة. وهذا يحدّد لنا – بشيء من اليقين – الساعة التي بدأت فيها المحاكمة التمهيدية.

ولقد أجمع علماء العاديات وعلماء طبوغرافية أورشليم القديمة أنه كان هناك درج نازل من المدينة العليا إلى أحد أبوابها يؤدي إلى بركة سلوام، في الزاوية الجنوبية الشرقية من سور المدينة. وقد أشار إليه نحميا في سفره (ص 3: 15) بقوله: ” الدَّرَجِ النَّازِلِ مِنْ مَدِينَةِ دَاوُدَ” وأيضاً (ص 12: 37) “وَعِنْدَ بَابِ الْعَيْنِ الَّذِي مُقَابَلَهُمْ صَعِدُوا عَلَى دَرَجِ مَدِينَةِ دَاوُدَ عِنْدَ مَصْعَدِ السُّورِ”.

 كان أمـان الشـرذمة التي ألقت القبـض على يسـوع طـريقتان. إما أن يســيروا بمحـاذاة وادي  

قدرون إلى أسفل الدرج، ومنه إلى دار رئيس الكهنة. وإما أن يتتبعوا طريق بيت عنيا الرئيسي إلى المدينة الجديدة، ومنها إلى حيّ الكهنة. ولو أن التقاليد لم تشر إلى اتخاذ الطريق الأول، إلا أن السير بيسوع وسط الحي الغاص بالسكان في المدينة السفلى لا يبدو ملائماً لأغراض القوم. إنه يحتم عليهم أن يلفّوا دورة طويلة تضيع عليهم وقتاً طويلاً، والوقت عامل له خطورته فيما هم بصدده من عمل حاسم في الليل.

ولو قُدر لنا برجعة سحرية من الزمن، أن نقف فوق نقطة مرتفعة من أسوار أورشليم القديمة، حوالي منتصف تلك الليلة المأثورة، أو بعد ذلك بقليل، لرأينا فريقاً من الناس يسوقون أمامهم في الظلام إنساناً غريباً في شكله، هادئاً لا يقاوم، من المنطقة الصخرية التي أحاطت بالناحية الشرقية من جدار الهيكل، إلى الطريق التاريخي في الجهة الجنوبية الشرقية من سور المدينة، ثم إلى معسكر أعدائه الألداء الحاقدين.

وكيف قُدّر لذلك العبراني الممتاز – وهو أكرم من أنبته جيله – أن يقف هذا الموقف الخطير الذي يهدد حياته، في ساعة من الليل البهيم، وفي مساء يوم من أشهر المواسم اليهودية وأكثرها روعة؟  وما القوى الخفية الغامضة التي عجّلت بالقبض عليه؟ ولِمَ اختيرت تلك الساعة غير الملائمة؟ وبعد كل هذا ما أركان التهمة التي أقيمت ضده؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة كلها لا يمكن أن يستوعبها هذا الفصل، بل أن الكتاب كله لا يكون إلا جواباً ناقصاً مقتضباً. على أن هناك شيئين يبرزان بروزاً ظاهراً في رواية هذه المحاكمة، وهما خليقان بالدرس والتقصّي: الأول ماهية التهمة التي أقيمت ضده، والثاني الأساس الذي بُنيت عليه محاكمته.

ويخيل إليّ أننا نخطئ خطأ كبيراً إذا افترضنا أن كل الإجراءات التي اتخذها الكهنة في تلك الليلة كانت غير قانونية. طبعاً يستنتج الباحث في أدوار القضية كلها أن هناك مظاهر تغاير الشريعة اليهودية مغايرة فاضحة. وهذا يسلّم به في غير عناء كل باحث في المشنة العبرانية والتقاليد اليهودية القانونية القائمة في ذلك العصر.

فمثلاً كان غير قانوني في الشريعة اليهودية أن يقوم حرس الهيكل بأمر رئيس الكهنة بإلقاء

القبض على أي أنسان، فإن هذا يُترك عادة إلى الشهود المتطوعين. وكان غير قانوني أيضاً أن يحاكم إنسان على تهمة تستوجب عقوبة الإعدام في أثناء الليل. ولم يكن جائزاً محاكمة متهم بعد غروب الشمس إلا في التهم المدنية المالية. كذلك كان غير قانوني أن يتقدم القضاة لاستجواب المتهم بعد أن تناقضت أقوال الشهود وثبت كذبها. وكان واجباً إطلاق سراحه، ومعاقبة الشهود بالإعدام رجماً – متى ثبت كذب شهادتهم عمداً.

هذه كلها أمور طافية فوق سطح الماء، ولكن يجري تحت هذه الشواهد السطحية الدالة على شذوذ المحاكمة تيار عنيف يُلبس المحاكمة شكلاً قانونياً. ويبدو هذا جلياً لكل باحث تاريخي غير متحيز لدى تدقيقه في بعض المسائل القانونية الصغرى.

وتنجلي لنا الحقيقة إذا بحثنا الطريقة الفريدة في نوعها التي انتقل بها أساس التهمة في سير المحاكمة. ويعلم كل من درس رواية المحاكمة – كما وردت في الإنجيل الكريم – أن هناك ثلاث تهم أصلية أقيمت ضد يسوع في أدوار المحاكمة المتعاقبة:

1 – هدّد بنقض الهيكل وهدمه.

2 – ادعى أنه ابن الله.

3 – أثار الشعب ضد قيصر.

ويكن إبعاد التهمة الأخير لأول وهلة. فإنها لم تكن موضع شـكاة اليهود ولا علة ثورتهم عليه، ولكنهم حاكوها لأغراض سياسية. ولم يكن القانون الروماني يقيم وزناً للتهمة التي حُكم من أجلها على المسيح بالموت، ومع ذلك لم يكن مستطاعاً تنفيذ هذا الحكم دون مصادقة بيلاطس الوالي الروماني. لذلك رأى اليهود أنفسهم مضطرين إلى انتحال تهمة سياسية ليبرروا موقفهم أمام الوالي الروماني في طلب الحكم على المتهم بعقوبة الموت، التي كانوا قد بيّتوا النية عليها. فاتخذوا بهم ذريعة تهمة التآمر ضد قيصر، وهي التهمة التي تجد أذناً صاغية عند الوالي الروماني أو أي ممثل للسلطة والقضاء عليها لو أن الولاية كانت في ذلك العهد في إيد حازمة غير مسترخية.

ومهما يكن من أمر، فإن التهمة الصورية التي أقيمت أمام بيلاطس ليست بذي بال كما اسلفت القول. والذي يهمنا أن نعرف التهمة الحقيقية التي أقامها اليهود ضد المسيح.

كان من العادات القديمة المأثورة في إجراءات الشريعة اليهودية أن الشهود هم الذين يقيمون الدعوى في المحاكمات الجنائية. ولم تكن الشريعة تبيح إجراء غير ذلك. فكان أول عمل قام به القوم في مأساة منتصف تلك الليلة بعد إحضار المتهم إلى ساحة القضاء، أن دعوا الشهود كما يقضي بذلك القانون. وقد ألمح إلى هذا صراحة كل من البشيرين مرقص ومتى، فقال الأول:

“لأن كثيرين شهدوا عليه زوراً، ولم تتفق شهادتهم”.

وقال الثاني: “جاء شهود زور كثيرين”.

ويؤيد البشير مرقص أن أقوال الشهود لم تتفق فلم يؤخذ بها.

وقد يبدو غريباُ للذين لم يألفوا الخفايا العويصة الدقيقة في الفقه اليهودي أن ترفض المحكمة الأخذ بأدلة الشهود، وهي التي بذلت جهداً جباراً في تأييد المحاكمة بأقوال الشهود. ولو كانت قصة الشهود تلفيقاً متعمداً، لما تعذر عليهم التوفيق بين أقوالهم مقدماً. أما أن ترفض المحكمة الأخذ بأقوال الشهود، فهذا دليل على أن حتى قيافا رئيس الكهنة نفسه كان تحت ضرورة ملحّة تجبره على أن يخضع للإجراءات التقليدية اليهودية في قضية يحكم فيها بعقوبة الموت.

أما تلك الإجراءات فقد اسـتوفت حقها من البحث في كتـاب المشـنة العـبري. وقد سـلّمت الشريعة بثلاثة أنواع من الشهادة:

1 – شهادة عابثة لا قيمة لها.

2 – شهادة قائمة.

3 – شهادة موافقة.

وقد كان هناك تمييز صـريح بين هـذه الأنـواع الثلاثة من الأدلة. فالشـهادة العـابثة هي المتناقضة أو التي لا قيمة لها، وكان على القضاة أن يسـتبعدوها فوراً. والشـهادة القائمة كانت تقبل من باب الاحتياط فقط حتى يثبت ما يـؤيدها او ينقـضها. والشـهادة الموافقة هي التي كانت تتفق فيها أقوال الشهود. ويقول الكاتب اليهودي الشهير “سلفادور” إن أقل تناقض في أقوال الشهود كان كافياً لإبطال الشهادة.

 ويتضح من هذا أن الشهادات التي أشار إليها البشيران، مهما كان مضمونها، هي من النوع

الثاني الذي يُقبل احتياطياً فقط. معنى هذا أن أقوال الشهود إما كانت مناقضة لما ألفه وعرفه قضاة المحكمة، أو كانت باطلة لأسباب فنية قانونية. وقل البشير مرقص: “لم تتفق شهادتهم” يحملنا على الأخذ بالرأي الثاني.

وهنا نرانا أمام شيء غريب. فإنه بعد أن بطـلت أقوال هـؤلاء الشـهود واسـتبعدت لعـدم كفايتها، تقدّم إلى المحكمة رجلان بدليل معين عرضي. وفي هذا يقول البشير مرقص:

“ثم قام قوم وشهدوا عليه زوراً قائلين: نحن سمعناه يقول إني أنقض هذا الهيكل المصنوع بالأيادي، وفي ثلاثة أيام أبني آخر غير مصنوع بأيادٍ”

ويؤيد هذا القول البشير متى، والظاهر أنه لم يقتبس عن مرقص بل استقى معلوماته من مصدر آخر، فيقول:

“ولكن أخيراً تقدم شاهدا زور وقالا: هذا قال إني أقـدر أن أنقض هيكل الله، وفي ثلاثة أيام أبنيه”.

ومهما يكن من أمر ما حـدث في تلك الليلة المـأثورة، فإن اثنين تقـدما إلى المحكمة واتهما يسوع، الذي كانت أنوار المصابيح المتراقصة تنعكس على وجهه بإنه قال كلاماً أشبه بهذا. وهذه حقيقة هامة، أرجو أن يفكر فيها القارئ مليّاً.

والذي يهمنا قبل كل شيء أن نعرف هل انتحل أولئك الشهود التهمة انتحالاً، أم أرادوا لغرض في نفوسهم تشويه أقوال نطق بها يسوع فعلاً. وأنا شخصياً أتردد كثيراً في الزعم أن تلك الشهادة كانت مجرد تلفيق لا أساس له من الصحة. وأنه أمر أدهى أن تشّوه أقوال إنسان على مسمع من الآخرين من أن تعزو له زوراً وبهتاناً اقوالاً لم يقلها. فإن تشويه الأقوال يلقى استحساناً صاخباً لدى أناس حانقين غاضبين. بينما لا يصغي إلى الأكاذيب المختلقة المفتعلة إلاّ ذوي النزعات السليطة الوقحة. هذا هو المألوف عادة، وما من شك أنه كان كذلك في القضية التي نحن بصددها، فإن أولئك الرجال كانوا قد سمعوا المسيح يتحدث بمثل هذا في فناء الهيكل، فلم يكن ثمة شيء أفتك به من أن يتقدموا في أثناء المحاكمة ويلقوا أمام القضاة بعبارات مشوهة مقلوبة.

وشيء آخر يحملنا على الاعتقاد أن الشـهادة التي أدلى بها ذانك الرجلان كانت تشويهاً وعكساً لشيء قاله المسيح نفسه في حفل عام. شهد الرجلان أنهما سمعا المتهم يتفوه بأقوال، لو أمكن برهنتها، لاستحق عليها عقوبة مزدوجة: عقوبة الشعوذة، وعقوبة تدنيس الهيكل المقدس. وكانت عقوبة الشعوذة الموت، كذلك كانت عقوبة تدنيس حرمة المعابد الموت رجماً والتشهير بجثة الميت. ومن وجهة نظر أعداء يسوع، كانت التهمة كافية لتنفيذ مأربهم فيه، ومع ذلك فقد استبعدت الشهادة: “ولا بهذا كانت شهادتهم تتفق”.

ولماذا كل هذا؟ لابد من تعليل تاريخي كافٍ لهذا الرفض. ولم كـانت الشـهادة اختـلاقاً محضاً، أو من تلفيق قيافا وتدبيره، ولو كان الشاهدان قد جيء بهما عمداً ليلعبا دورهما، لما كان هناك داعٍ لهذه المناورة السخيفة المثيرة للغضب في غير طائل. ولم يكن لدى الشاهدين إلى قليل من الكلام، فكان هيناُ جداً بقـليل من الحكـمة والحنكة حبك أقـوالهـما بحـيث لا يـكون فيها تناقض. وكانت القضية بعد هذا تسير سيراً سريعاً ويصدر فيها حكم الإدانة كما كانوا يأملون.

ولكن شيئاً من هذا لم يحدث، فإننا نرى المحكمة على الرغم من عدم شرعية الجلسة في ساعة متأخرة من الليل، تضيّع وقتاً طويلاً في إجراءات قضائية لم تؤدِ بها إلى نتيجة ما. وبعد سماع أقوال الشهود وقف المسيح بين الجمع متهماً بريئاً لا سبيل إلى إدانته. وبدت الإجراءات كلها تتحطم لعدم انسجامها مع نقطة معينة من الشريعة اليهودية.

وينبثق من هذه الحقيقة التاريخية الهامة شيئان: أولهما أن قيافا لم يكن قوياً بالقدر الذي يمكّنه من إملاء إرادته على هذا الجمع. فقد كان بين أعضاء غرفة المشورة هذه تيارات قوية تلحّ بمراعاة قواعد الشريعة مراعاة صارمة. ولا سيما فيما يتعلق بالشهود.

ويحب ألا يغرب عن البال أن حكم هذه الهيئة لم يكن نهائياً، وكان لابد من أن يصادق على قرارها مجلس السنهدريم الأعلى في جلسة كاملة في الصباح التالي. والظاهر أنه ثارت معارضة من عضو يدعى نيقوديموس احتج فيها على محاكمة بدون إجراءات قانونية منصفة. وكان من الميسور لهم أن يبرروا عدم شرعية المحاكمة الليلية بما اقتضى الضرورة السياسية الملحة وبسبب اقتراب موعد الفصح، لكن أي خطأ في إجراءات إثبات التهمة كان كافياً لإرغامهم على إطلاق المتهم في ساعة كان من المحتمل جداً أن تهرع حوله الجماهير وتنضم إلى جانبه.

ثم أن غربلة أقوال الشهود على هذا النحو، والتدقيق فيها كان عاملاً من العوامل التي تحمل الشهود أنفسهم على الحذر الشديد في إبداء أقوالهم. وكان من أخطر الأمور على إنسان أن يكون شاهداً في تهمة عقوبتها الموت، لأن نظم الفقه اليهودي كانت تميل دائماً إلى تأويل الأشياء في صالح المتهم حتى تثبت إدانته. وكانت عقوبة الشهادة الزور الموت. لذلك كانت هذه المحاكمات قليلة جداً.

أما ما نستنتجه من هذه الإجراءات الشاذة فهو أن أقوال الشهود لم تُحضّر من قبل، وإن كان عدم اتفاقها قد أذهل رئيس الكهنة، فلا بد أن تكون على الأقل أقوالاً قيلت عن حسن نية، وأنها تمتّ بشيء من الصلة للحقائق التي تمثلها. وحتى لو لم يكن كاتب بشارة يوحنا قد خلّد لنا في سفره ما نسميه “الترجمة” الرسمية التاريخية لما حدث في أفنية الهيكل، فإننا لا شك مضطرون إلى التسليم بأن المسيح أدلى في بعض المناسبات التاريخية بأقوال تشبه إلى حد كبير الأقوال التي اتهمه بها الشهود.

فما هو الحديث التاريخي الذي كان أساساً لهذه التهمة؟ وما الذي قاله يسوع فعلاً من أقوال اتخذها الشهود تكأة لشهادتهم؟ لدينا ثلاث عبارات نختار أيها: جـاء في رواية مرقص عن تفصيلات المحاكمة أن الشهود قالوا إنهم سمعوا يسوع يهدّد بتدمير الهيكل وإعادة بنائه بطريقة سحرية في ثلاثة أيام. والألفاظ صريحة في نصها: “إني أنقض هذا الهيكل المصنوع بالأيادي، وفي ثلاثة أيام أبني آخر غير مصنوع بأيادٍ”

أما البشير متى فإنه يعدّل التهمة ويخففها كثيراً. وفيها نجد تلك الإعـادة السـحرية لبناء الهيكل، ولكن يُنسب إلى المسيح قوله فقط إن لديه القوة على ذلك: “هذا قال إني أقدر أن أنقض هيكل الله وفي ثلاثة أيام أبنيه”.

وهل في وسعنا قبول أحد هذين القولين كأنه النص الحرفي لما قال؟ لا أظن نستطيع ذلك دون الإجحاف بما عهدناه في يسوع، تلك الشخصية التاريخية التي رسمتها لنا البشائر التلخيصية الثلاث. فإن قدرته وإرادته على هدم هيكل هيرودس أو إزالته من الوجود، ثم بناء آخر بدلاً منه، لا يتم طبعاً إلا باستخدام قوى سحرية خارقة للطبيعة، بطريقة قاهرة لم يُعرف عن المسيح أنه لجأ أليها قط، طريقة لا يحلم بها المخدوعون من دعاة الشـعوذة والسحر في الشرق. ولا يعقل أن إنساناً عاقلاً من ذوي المؤهلات الروحية الأدبية مثل يسوع، يقول شيئاً من هذا القبيل.

ويجوز أن نتصور إنساناً ماجناً طائشاً، تقرب عقليته إلى حدّ الجنون، يلقي شـيئاً من هذه الأقوال لمجرد التفاخر والمباهاة في نوبة فجائية من نوبات الخبل، عالماً علم اليقين أن أحداً لن يطلب إليه تنفيذ ما يهذي به. أما النعم في هذه المحاكمة فليس من هذا الطراز، وهو يتعالى فوق هذا المستوى علواً كبيراً. ولست تجد في قصة حياته أثراً لهذه الخواص التي تنبئ عن عقلية مزعزعة هزيلة. بل على نقيض ذلك تجد تلك الدلائل التي تتـحدث عن سـمّو الفـكر ورجحان العقل واتزانه. وإنك تراه محباً صادقاً للحق والإخلاص، متصفاً بتلك الدعة العذبة والتواضع والتفاخر. فضلاً عن أنه كان إنساناً حييّاً رقيقاً حساساً إلى أرق درجات الحساسية. ولا يسع كل بصير بالحق التاريخي الواضح في الصفحات القديمة التي تلقيناها عن قصة حياته إلا أن يدرك تماماً ما حدث يومئذٍ، حينما قدموا له امرأة خاطئة أُمسكت في زنا… طأطأ رأسه إلى الأرض ليخطّ بأصبعه على الرمال. وإنك تلمح هنا وميضاً من حياة يسوع كما يسـجلها التاريخ، الذي يدوي بصوت قوي مردداً أقواله الأدبية المأثورة عنه، ولكنك لن تجد فيها أثراً لذلك الانتفاخ المضحك أو التفاخر المتعجرف.

إذن يجب أن تبقى أقوال الشاهدين في موضع الشبهات حتى تتوفر لدينا شهادات متفقة يحـق أن تؤخذ حجة على المتهم. ولكن الأدلة التي عندنا تقودنا إلى اتجاه آخر غير هذا. فإن الذي قاله يسـوع، حسـب رواية البشـير يوحنا هو: “انقضوا هذا الهيكل وفي ثلاثة أيام أقيمه” ويضيف الكاتب إلى هذا بين قوسين: (وأما هو فكان يقول عن هيكل جسده).

ولا يستطيع أي باحث مفكّر في هذه المشكلة أن ينكر ما في هذا القول من خطورة. إنه قول خطير على أي وجه نحاول تأويله. على أننا إذا أردنا الفصل بين أقوال ثلاثة متباينة، أرى أن هناك أمراً واحداً يعمق تأثيره فيَّ. وهو وجود عبارة “في ثلاثة أيام” في الأقوال الثلاثة جميعاً. ولا أظن الناس قد أدركوا ما في هذا من أهمية عظيمة.

وحين نجابه في حياتنا العادية عدة أقوال متباينة متناقضة في حادثة واحدة، يكون أحكم موقف أن نفحص أولاً النقط التي يتفق عليها الرواة، ونفتـرض أنها تمثل وقائع ثابتة. وتبدو حكمة هذا الموقف خاصة في الحالات التي يتقدم فيها الشهود من مصادر متضادة، وتتباين أقوالهم تبايناً صارخاُ في الوقائع الجوهرية الأخرى في القضية التي هي موضوع النزاع.

وتبدو غرابة العبارة “في ثلاثة أيام” في أنها لم ترد إلا نادراً في التعاليم المأثورة عن المسيح. خذ مثلاً الشواهد البارزة الثلاثة التي وردت في بشارة مرقص:

“وَابْتَدَأَ يُعَلِّمُهُمْ أَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ يَنْبَغِي أَنْ يَتَأَلَّمَ كَثِيرًا، وَيُرْفَضَ مِنَ الشُّيُوخِ وَرُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةِ، وَيُقْتَلَ، وَبَعْدَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ يَقُومُ” (مرقص 8: 31)

“لأَنَّهُ كَانَ يُعَلِّمُ تَلاَمِيذَهُ وَيَقُولُ لَهُمْ: «إِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ يُسَلَّمُ إِلَى أَيْدِي النَّاسِ فَيَقْتُلُونَهُ. وَبَعْدَ أَنْ يُقْتَلَ يَقُومُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ»” (مرقص 9: 31)

“«هَا نَحْنُ صَاعِدُونَ إِلَى أُورُشَلِيمَ، وَابْنُ الإِنْسَانِ يُسَلَّمُ إِلَى رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةِ، فَيَحْكُمُونَ عَلَيْهِ بِالْمَوْتِ، وَيُسَلِّمُونَهُ إِلَى الأُمَمِ، 34فَيَهْزَأُونَ بِهِ وَيَجْلِدُونَهُ وَيَتْفُلُونَ عَلَيْهِ وَيَقْتُلُونَهُ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ يَقُومُ».

وقد عمد بعض البحاثة، الذين أقبـلوا على قـراءة هذه الآيات وفي نفوسهم إحجـام غريزي عن قبول أي شيء يسمو فوق الاختبار العادي المألوف – إلى القول: “نفهم أن يتنبأ المسيح عن موته، فإنه لا بد أن يكون قد رأى الفاصل الكبير بينه وبين الكهنة، ولا يبعد أن يكون قد أعدّ التلاميذ سـراً لتلقّي هذه الصـدمة. أما هذه التلميحات إلى قيـامته العتيدة بعـد المـوت فلم يُكـتب في متن الكلام إلاّ بعد موته، وليست جزءاً من أقواله الأصلية”.

ولنسلّم جدلاً أن هذا هو ما يظهر لنا لأول وهلة. على أنه حيـن نفحص فحصـاً دقيـقاً المحاكمة – بما فيها من دلائل صدق، وما تخللها من تدقيق، وما اختتمت به من استماع غير مجدٍ لشهود حانقين معاندين – نتبيّن أن الكلمات “في ثلاثة أيام” التي يقول عنها ذوو “العقول المفكرة” إنها لم تخرج من بين شفتي يسوع – هي بذاتها الكلمات التي جعل منها الشهود تكأة وأساساً للتهمة الخطيرة التي حوكم من أجلها. ويبدو لنا غريباً حقاً ألاّ يكن للعبارة التي قامت عليها أركان التهمة الخطيرة شبيه أو نظير في الأقوال المختلفة التي حوكم من أجلها. ويبدو لنا غريباً حقاً ألا يكون للعبارة التي قامت عليها أركان التهمة الخطيرة شبيه أو نظير في الأقوال المختلفة التي نطق بها يسوع خلال السنتين السابقتين.

على أنه يتبين لنا من ظروف الحوادث كلها أن ما قاله أغــرب مما نُسـب إليه فقد قال: “إن أنتم قتلتموني، فسأقوم من القبر”. ولا أرى محيصاً عن التسليم بهذه النتيجة المنطقية. قد يذهب المكابرون إلى أنه كان مخطئاً، أو أنه كان تحت تأثير شذوذ عقلي غريب يعاوده بين الفينة والفينة في أقواله العامة. على أنني أعتقد أن تفوهه بهذه الأقوال الفريدة الغريبة أمر لا يجد الشك إليه سبيلاً.

بقي أن نلقي نظرة على الظاهرة الغريبة الأخرى في هذه المحاكمة. فإن يسوع الناصري قد حُكم عليه بالموت، لا بناء على أدلة المدّعين عليه، بل على اعترافٍ انتُزع منه انتزاعاً بعد أن استحلفه رئيس الكهنة.

ويبدو لنا جلياً أنه بعد اسـتماع أقوال الشهود ورفض شهادتهم، اتخذت إجراءات القضية أوضاعاً شاذة غير قانونية. وموضع عدم المشروعية أن رئيس المحكمة حاول بتوجيه الأسئلة مباشرة إلى المتهم، أن يتلمّس الأسباب اللازمة للحكم عليه مما عجز عنه الشهود أنفسهم.

وهذا يناقض تناقضاً تاماً حرفية القانون القضائي اليهودي وروحه، وقد كان مرماه أن يحوط حياة المواطن اليهودي بكل أسباب الضمان. فإن إقامة الدعوى في قضية عقوبتها الموت كانت موكولة بحسب الشريعة اليهودية إلى الشهود دون سواهم. فكانت مهمتهم أن يلقوا القبض على المتهم، وأن يجيئوا به إلى ساحة القضاء. وكانت مهمة المحكمة أن تصون حقوق المتهم بكل الوسـائل الممكنة، وتبذل كل جهد في تمحيص أقوال الشـهود وإصـدار حكم عادل لا تحيُّز فيه على الأدلة التي يتقدمون بها.

ونظرة واحدة إلى نص الرواية في هذه القضية تدلنا على أن المتهم فيها لم يفز بهذه الحصانة القضائية. ويبدو هذا من لهجة الحنق والغيظ التي وجَّه بها رئيس الكهنة سؤاله إلى المتهم بعد أن تهدّمت أقوال الشهود:

“أما تجيب بشيء؟ ماذا يشهد به هؤلاء عليك؟”

ولعل الاعتراض لم يكن على هذا السـؤال في حـدّ ذاته، فقد كان من حق المسيح كمتهم أن يدلي بأي أقوال أو حقائق دفاعاً عن نفسـه. وإلى هنا كان ملتزماً الصمت التام. فكان من اللائق أن يُسأل إذا كان لديه شيء يعلق به على أقوال الشهود. أما الذي يسترعي أنظارنا فهو العداء المكشـوف نحو المتهم، وهو نـذير بما سـيجيئ بعد هذا السؤال. فإن رئيس الكهنة كشـف عن نواياه، وأزال كل المظاهر التي تُلبس القضية شكلها القانوني الظاهر على الأقل.

ذلك أن قيافا وهو واقف في مكانه وسط المحكمة وجّه إلى يسوع القسم الأعظم في الدستور العبراني: “أستحلفك بالله الحي” (متى 26: 63) ولم يكن بدّ أن يجيب يسوع وهو اليهودي التقي النقيّ المحافظ على الشريعة صوناً لحرمة هذا القسم العظيم.

وقد جاء بكتاب المشنة اليهودي

“إذا قـال قائل أسـتحلفك بالله القـادر على كل شيء، أو بالصباؤوت، أو بالعظيم الرحيم، الطويل الأناة، الكثير الرحمة، أو بأي لقب من الألقاب الإلهية، فإنه كان لزاماً على المسؤول أن يجيب”.

وكان السؤال الذي وجهه قيافا رئيس الكهنة إلى المسيح مباشراً صريحاً، مجرد عن المصطلحات العبرانية الخاصة:

“أأنت المسيح؟ أتدّعي أنك أنت هو الآتي؟”

ولم يكن المتهم بأقل صراحة من سائله، وهذه هي النصوص الثلاثة لإجابته:

“أنا هو” (مرقص 14: 62)

“أنت قلت” (متى 26: 64)

“أنتم تقولون إني أنا هو” (لوقا 22: 70)

وهذه الأجوبة، كما قال أحد العلماء، متفقة في معناها. والنص “أنت قلت” أو “أنت تقولون إني أنا هو” الذي يقع على الأذن في العصر الحديث موقع المراوغة والتملص، لم يكن فيه شيء من هذا المعنى لدى الفكر اليهودي المعاصر. وعبارة “أنت تقول” كان الوضع التقليدي الذي يجيب به اليهودي المثقف على سؤال خطير أو حزين. ونهب آداب اللياقة والحشمة أن يقول المجيب مباشرة “نعم” أو “لا”.

إذن نطق يسوع بإجابته في شيء كثير من التصميم والحزم. ونرى قيافا قد سُريَّ عنه بعد أن حصل من المتهم نفسه على هذا الإقرار الهائل الخطير. ويكاد المرء يسمع رنة الفوز والظفر في صوته وهو يلتف إلى الأحبار وشيوخ الشريعة قائلاً:

“ما حاجتنا بعد إلى شهود؟ قد سمعتم التجاديف! أبصروا أنتم”.

وعندي أن الباحث اليقظ المتنبّه لما أسميه الحقائق الخفية الدفينة في القصة، يرى لذة ومتاعاً في تطور القضية هذا التطور الفجائي وبلوغها هذه الذّروة المفجعة.

ترى لماذا اتخذت المحاكمة فجأة هذا الوضع المخالف للإجراءات القانونية في ساعة متأخرة من الليل، بعد ضياع زمن طويل في تمحيص أقوال الشهود ووزنها؟ وإن كان إقرار المتهم الذي أُجبر عليه كافياً، فلماذا سُمعت أقوال الشهود؟

نجد الإجابة على هذه الأسـئلة في طبيعة المشـكلة القانونية المعقدة التي واجهت قيافا. والمعروف أن جماعة الصدوقيين الأقوياء الذين ينتمي إليهم رئيس الكهنة كانوا قد وطنوا العزم على إبعاد يسوع من طريقهم. ولا تتحقق أغراضهم هذه إلا بعقوبة الموت. ومن الغريب أنه مع هذا التصميم لم يسـعهم الاكتفاء بقضـية ثبـت فيها التجديف أو الشـعوذة، لأن قيافا كان عليه أن يبتعد بنظره الثاقب إلى آخرين من غير طائفته، إلى جماعة المعارضين في مجلس السنهدريم، وإلى أحكام الشريعة الموسوية، وإلى ذلك الحاجز المنيع الذي أقامته روما من قوتها وتسامحها.

ولم يكن أحد أكثر من قيافا يعرف النتائج السياسية والشخصية التي تترتب على مجيء المسيا الذي ترقبته الأمة اليهودية. فإن هذا معناه ظهور نوع من الملكية يكون مقامها في أورشليم والمقادس الأخرى. ومعناه أيضاً تحدّي السلطات الرومانية في كل البلاد، وثورة الشعب عن بكرة أبيه، وقيام حملة تأديبية على يد قائد روماني أشبه بتلك الحملة المريعة التي حدثت بعد هذا التاريخ بأربعين عاماً ودمرت المدينة تدميراً.

هذه الحقائق كلها لم تكن لتخفى على ذوي النظر الثاقب ممن أُوكل إليهم المحافظة على المزايا اليهودية التي حرص عليها الشعب كل الحرص في عهد الاحتلال الروماني. وقد كان قيافا رئيس الكهنة سياسياً أريباً وداهية ماكراً حين قال لقومه: “خيرٌ لنا أن يموت إنسـان واحد عن الشـعب ولا تهلك الأمة كلها” (يوحنا 11: 50)

أما النتائج الشخصية التي قد تصيب قيافا على أثر مجيء المسيا المنتظر فلم تكن أقل خطورة من تلك النتائج السياسية، فإننا لا ندري أي تغيير يطرأ على دستور مجلس السنهدريم الأكبر عند حلول النظام المسياوي. قد يكون التغيير انقلاباً خطيراً. على أن شيئاً واحداً نعرفه وهو أن سيادة رئيس الكهنة وتحكّمه في مصائر الأمة لا يزولان. ومهما يكن من أمر الإبقاء على المظاهر التاريخية القديمة في الدستور العبراني، فلا شك أن الحاكم الحقيقي سيكون المسيا، وسيكون مطلق التصرف في توجيه سياسة أمته كمنقذ قومي وكمندوب سامٍ لإله إسرائيل. ولا جدال أن ظهور ذلك النجار الناصري وادّعاءه لنفسه هذا الحق في السلطة القومية قد أزعج كثيرين ممن يهمهم بقاء الأحوال الراهنة.

فالمشكلة إذن أن تُقام دعوى فاصلة حاسمة لا تجد معارضة من الواحد والسبعين شيخاً من أحبار السنهدريم الأكبر، وتلقى قبولاً لدى القانون الروماني.

وفي سبيل تحقيق هذا الغرض سـمعت أقـوال شـهود كثيرين، واسـتبعدت شـهادتهم لعـدم كفايتها. ثم جيء باثنين آخرين ظُنّ أن لديهما ما يحـبك التهمة فانطـوت شهادتهما على تهمتين، كل منها تقع تحت طائلة عقوبة الموت في القانون العبري. وهنا أيضاً كانت أقوال الشاهدين موضع الشبهات والريب: وقد تنطلي الحيلة على مجلس السنهدريم، ولكن ما العمل في الوالي الروماني؟ أغلب الظن أن تهمة كهذه لا تروقه. فلا بد من اختلاق تهمة أخرى غير هذا التهديد البليد بنقض الهيكل وإعادة بنائه، يرضى عنها بيلاطس الوالي الروماني ويصدر فيها الحكم بالموت، وكان الحكم بهذه العقوبة قد انتزعه قيصر من أيدي السلطات اليهودية.

كان الاتهام كله على وشك أن ينهار لولا فطنة قيافا وذكائه الذي استنبط فوراً وسيلة لإنقاذ الموقف، وكانت إجراءاته غير قانونية، ولكنها كانت الضربة الأخيرة اليائسة من رجل كادت تطيش الســهام كلها التي أعـدّها فاسـتنجد بقَسَـم الشهادة، الذي كان يعتبر حتى الصـمت عنـده تهمة لا تُغتفر. وقد أفلحت الحيلة أكثر مما قُدّر لها، لأن في الجواب الجريء “أنا هو!” الركن القوي لإثبات تهمة شنيعة أمام الوالي الروماني.

وقد يتغاضى قيصر عن أقوال شاذة يتفوه بها داعية من الدعاة الطّوافين، ولكن لن يقدر أن يتغاضى عن شخص يطالب لنفسه بعرش. وفي صـمت المـحكمة الرهيب بعد أن نطـق المتهم بهذه الألفاظ الجريئة مضت في فكر قيافا خواطر أخرى وأقوال يأخذها حجة قوية على غريمه: “إن أطلقت هذا فلست محباً لقيصر!”.

فصول كتاب

إقرأ أيضاً:

إقرأ أيضًا

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الأول – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الأول – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الأول – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على …