حساب النفقة – سي إس لويس

حساب النفقة – سي إس لويس

حساب النفقة – سي إس لويس
حساب النفقة – سي إس لويس

حساب النفقة

تبين لي أن كثيرين قد أزعجهم ما قلته في الفصل السابق عن قول ربنا يسوع: “كونوا كاملين”. ويبدو أن بعضهم حسبوا ان ذلك يعني: “ما لم تكونوا كاملين، فلن أساعدكم”؛ وبما أنه لا يمكننا أن نكون كاملين، فإذا كان قد قصد ذلك، يكون وضعنا عندئذ معدوم الرجاء. غير أنني لا أعتقد أن قصد ذلك، بل أعتقد أنه قصد هذا: “المساعدة الوحيدة التي سأُقدمها لكم، هي مساعدتكم على أن تكونوا كاملين. ربما تطلبون شيئاً أقل، غير أن لن أعطيكم أقل من هذا”.

وإليك الشرح. لما كنت ولداً، كان يُصيبني وجع الأسنان كثيراً، وقد علمتُ أنه إن ذهبت إلى أمي تعطيني شيئاً يسكن الألم ويجعلني أنام تلك الليلة. غير أنني لم أكن أذهب إلى أمي، على الأقل، حتى يشتد الألم كثيراً. أما سبب عدم ذهابي فهو هذا: لم أكن أشك في أنها ستعطيني الأسبيرين، ولكني كنت أعلم أنها ستفعل أيضاً أمراً آخر…. كنت أعلم أنها ستصطحبني إلى طبيب الأسنان صباح اليوم التالي. فما كان في وسعي أن أحصل على ما أريده منها بغير الحصول على شيء إضافي ما كنت أريده. كنت أريد أن أستريح مباشرة من الألم، ولكن لم يكن يسعني الحصول على ذلك بغير إصلاح ضرسي بصورة دائمة. وقد عرفت أولئك الأطباء الذين يعالجون الأسنان: عرفت أنهم يبدأون يعبثون بجميع الأسنان الأخرى التي لم يبتدئ الوجع فيها بعد. إنهم يُقلقون راحة من يُريد أن يستريح، وإذا أعطيتهم بوصة أخذوا منك ذراعاً.

والآن، إذا جاز لي التعبير على هذا النحو، فإن ربنا يُشبه طبيب الأسنان. فإذا أعطيته بوصة، يأخذ منك ذراعاً. وعشرات من الناس يقصدون إليه كي يشفيهم من خطية معينة يخجلون بها (كالعادة السرية أو الجبانة الطبيعية)، أو تُفسد حياتهم اليومية على نحو واضح (كحدة الطبع أو السكر). وفي الواقع أنه سيشفيهم من تلك العلة حقاً، غير أنه لن يقف عند الحد. فربما كان ذلك كل ما طلبته؛ ولكن ما أن تدعوه إلى دخول حياتك حتى يعالجك العلاج الكامل.

لذلك نبَّه ربُّنا الناس إلى وجوب إجراء “حساب النفقة” قبل صيرورتهم مسيحيين حقاً. وهاك فحوى قوله: “كن على ثقة بأني سأجعلك كاملاً إن سمحت لي. فلحظة تضع نفسك بين يدي، تخطو أول خطوة في هذه المسيرة، ولا شيء أقل من ذلك أو غيره، لديك حرية الإرادة، وإذا شئت يمكنك أن تدفعني بعيداً. ولكن إذا لم تدفعني بعيداً، فاعلم أنني سأعنى بإنجاز هذا العمل إلى التمام. فمهما كلفك ذلك من معاناة في حياتك الأرضية، ومهما كلفك ذلك من تطهير وتنقية بعد موتك معي، ومهما كلفني الأمر، فلن أستريح، ولن أدعك تستريح، حتى تصير كاملاً حقاً: حتى يتيسّر لأبي أن يقول بلا تحفظ إنه راضٍ عليك كل الرضى، مثلما قال إنه قد سُرَّ بي كل السرور. هذا أستطيعه، ولسوف أفعله. غير أنني لن أفعل أي شيء أقل منه”.

وعلى الرغم من ذلك (وهذا هو الجانب الآخر والمهم على السواء في الأمر) فإن هذا المعين الذي لن يكتفي، في نهاية المطاف، بأي شيء أقل من الكمال المطلق سوف يسرّه أول مجهود واه متعثر تبذله غداً لأداء أبسط واجب. وعلى حد ما أشار إليه كاتب مسيحي كبير (وهو جورج مكدونلد)، فإن كل أب تسرُّه المحاولة الأولى التي يبذلها الطفل للمشي، ولكن ما من أب يُرضيه من ابنه الراشد أي شيء أقل من المشية الرجولية القوية الثابتة. وبالطريقة عينها، كما قال، “من السهل أن نسر ، ولكن من الصعب أن نُرضيه إلى التمام”.

أما الفحوى العملية فهي هذه. من ناحية، لا داعي لأن يُثبط عزيمتك ولو قليلاً مطلب بشأن الكمال، في مساعيك الراهنة لأن تكون صالحاً، ولا حتى في اخفاقاتك الحالية. فكلما سقطت يأخذ بيدك حتماً ويُقيمك وهو يعلم تمام العلم أن مجهوداتك الخاصة لن تُوصلك البتة إلى أي موضع قريب من الكمال. ومن ناحية أخرى، عليك أن تدرك من البداية أن الهدف الذي نحوه قد بدأ يوجهك هو الكمال المطلق؛ وليس في الكون كله، ما عداك أنت نفسك، أية قوة تقدر أن تمنعه من أخذك إلى ذلك الهدف. فلأجل ذلك الهدف أنت منطلق. ومن المهم جداً أن ندرك هذه الحقيقة. وإلا، فمن المرجح جداً أن نبدأ بالتراجع وبمقاومة الرب بعد نقطة ما. وأظن أن كثيرين منّا، بعد أن يعطينا القدرة على دخر خطية أو خطيتين كانتا حماقة بلهاء، ميالون لأن يشعروا بأنهم الآن صالحون كفاية (وإن كانوا لا يعبرون عن ذلك بالكلام). فهو قد فعل كل ما أردناه منه، ونكون شاكرين إذا تركنا الآن وشأننا. وكما تقول: “لم أتوقع قط أن أصير قديساً، بل أردت فقط أن أغدو إنساناً عادياً شريفاً”. ونحن نتصور أننا متواضعون إذ نقول ذلك.

ولكن هذه هي الغلطة الفاتكة. فبالطبع، نحن لم نُرد قط، ولا طلبنا قطعاً، أن نصير من نوع الخلائق الذي سيُحولنا إليه. ولكن المسألة ليست ما قصدنا نحن لأنفسنا أن نكون، بل هي ما قصده هو لنا أن نكون لما صنعنا. فهو المخترع، وما نحن إلا المكنة. وهو الرسام، وما نحن إلى الصورة. وكيف عسانا أن نعرف ما يقصد لنا أن نكونه؟ أنت ترى أنه سبق أن صنعنا شيئاً مختلفاً جداً عما كنا عليه. فمنذ زمن طويل، قبل ولادتنا، لما كنا في أرحام أمهاتنا، اجتزنا مراحل شتى. وقد كنا حيناً أشبه بالخضار أو السمك، وما كنا لنرغب في أن نُجعل أطفالاً. ولكن كان عليماً كل حين بخطته لنا، وعاقداً العزم على تنفيذها. والآن يحدث لنا شيء شبيه بهذا كثيراً على مستوى أعلى. ربما كما راضين بأن نبقى ما ندعوه “أناساً عاديين”؛ غير أنه هو مصمم على تنفيذ خُطة أخرى مختلفة تماماً. فأن ننكمش نافرين من تلك الخطة ليس تواضعاً، بل هو كسل وجبن. أما الخضوع لها فليس غروراً ولا جنون عظمة، بل هو طاعة.

وإليك طريقة أخرى للتعبير عن ناحيتي الحق. فمن جهة، علينا ألا نتصور البتة أن مجهوداتنا الخاصة من دون مساعدة يمكن أن يُركن إليها لتحملنا ولو عبر الأربع والعشرين ساعة التالية بوصفنا أناساً “شرفاء”. ولولا معونة الرب لنا، ما كان أي واحد منا بمنأى من السقوط في خطية من الخطايا الفاضحة. ومن الجهة الأخرى، ما من درجة ممكنة من القداسة أو البطولة سُجلت يوماً لأعظم القديسين هي خارج نطاق ما هو مُصمم أن يُنتجه في كل واحد منا في نهاية المطاف. ولن يُنجز العمل في هذه الحياة، غير أن يقصد أن يوصلنا إلى أبعد حد ممكن قبل الوفاة.

لذلك يجب ألا نُفاجأ إذا اجتزنا وقتاً عصيباً. فعندما يتوب شخص ما إلى ويبدو أنه على ما يرام (بمعنى أن بعضاً من عاداته السيئة قد قُومت الآن)، يشعر في الغالب أنه سيكون من الطبيعي الآن ان تسير الأمور على أهون ما يكون. وعندما تُقبل الضيقات، من مرض وعسر مادي وتجارب من أنواع جديدة، يخيب ويخور. فقد يرى أن مثل هذه الأمور ربما كانت ضرورية لحثه وحمله على التوبة في أيامه السيئة الماضية؛ ولكن لماذا تحصل الآن؟ ذلك لأن الله يدفعه إلى الأمام، أو إلى فوق، نحو مستوى أعلى: واضعاً إياه في ظروف يُضطر فيها لأن يكون أشجع بكثير، أو أكثر صبراً أو محبة، مما حلم به يوماً من ذي قبل. إنما يبدو ذلك كله في نظرنا غير ضروري. ولكن سبب ذلك هو أن ليس لدينا بعد أدنى فكرة عن الصورة البهية التي ينوي أن يجعلنا عليها.

وأرى أن عليَّ أن أستعير مثلاً آخر بعد من جورج مكدونلد. تصور نفسك كما لو كنت بيتاً حياً، وأن الله يتدخل كي يُعيد بناء هذا البيت. فربما تفهم في أول الأمر ما هو فاعل. إذ أنه يُصلح مصارف الماء ويوقف الارتشاح في السقف، وما إلى ذلك؛ فأنت على علم بأن هذه الأعمال ينبغي أن تُعمل، ولذلك لا تُفاجأ. ولكنه لا يلبث أن يباشر الطرق والدق في أنحاء البيت بطريقة مؤذية على نحو بغيض ولا تبدو ذات معنى معقول. تُرى، أي شيء يرمي البنّاء إليه؟ إن تفسير ذلك أنه يبني بيتاً مختلفاً تماماً عن ذاك الذي فكرت فيه… ناشراً هنا جناحاً جديداً، ومُنشئاً هناك طابقاً إضافياً، ومُعمراً أبراجاً، وباسطاً ساحات. وقد كنت تحسب أنه سيصنع منك كوخاً صغيراً لائقاً؛ غير أنه يعكف على بناء قصر. وهو ينوي أن يأتي بنفسه ويقيم فيه.

إن الوصية “كونوا كاملين” ليست وهماً مثالياً. كما أنها ليست أمراً بأن نفعل المستحيل. فالرب سوف يُحولنا إلى خلائق قادرين على إطاعة تلك الوصية. وقد قال في إننا “آلهة”، ولسوف يُثبت صحة كلامه. فإن سمحنا له (إذ يمكننا أن نمنعه إذا شئنا) فسيجعل أضعفنا وأقذرنا “إلهاً” أو “إلاهة”، مخلوقاً خالداً مُذهلاً باهراً، نابضاً في مجمله بطاقة وفرح وحكمة ومحبة ما كنا لنتصورها كلها، مرآة مصقولة نقية تعكس لله على نحو كامل (وإن كان بالطبع على نطاق أصغر) قدرته ومسرته وصلاحه الخاصة غير المحدودة. وستكون العملية طويلة، ومؤلمة جداً في بعض أجزائها، غير أننا لأجل ذاك الهدف نُخضَع لهذه كلها، وليس لأجل أي هدف آخر أقل منه. وقد عنى الرب حقاً ما قاله.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة لمنع الإعلانات - برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة AdBlock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock