مواضيع عاجلة

فقدان الذاكرة الروحي – فيليب يانسي

فقدان الذاكرة الروحي –

فقدان الذاكرة الروحي - فيليب يانسي
فقدان الذاكرة الروحي –

فقدان الذاكرة الروحي –

“إن احتراق قشة صغيرة قد يُخبئ النجوم، ولكن النجوم ستستمر مضيئة بعد انقشاع الدخان”

فولتير

في زيارة لحديقة يللوويستون القومية، صُدمت حين رؤيتي لساعة رقمية ضخمة مثبتة بجوار فندق “المخلص القديم Old Faithful” وهي تقوم بالعد التنازلي لتنبيه رواد الفندق إلى ثورة البركان التالية. وكنت أعتقد أن ثورة البركان هي أمر طبيعي لا تحدده دقات الساعة، وبالرغم من ذلك، يمكنني القول بأن دقات الساعة ساعدت على التنبؤ التدريجي والمتصاعد لثورة البركان. وتجمعت حول البركان مجموعات من السواح الألمان واليابانيين الذين ثبتوا كاميراتهم استعداداً لتصوير ثورة البركان. وبدأ صوت الساعة يُعدّ 10، 9، 8، 7، وذكرني هذا بقاعدة الصواريخ في كاب كانفراك التي تتسبب في حدوث حمم من السحب والضوضاء ولكن بطريقة صناعية.

وبعد رؤية البركان الأولى ونحن نقترب منه، دخلنا الفندق أنا وزوجتي لنرى الثورة الثانية ونحن في صالة الطعام بالفندق. وعندما وصلت دقات الساعة إلى 1، قام كل من بصالة الطعام واندفعنا نحو الشبابيك لمشاهدة هذا الحدث الكبير.

وفوراً قامت مجموعة من جارسونات الفندق ومساعديهم بتنظيف الأطباق وإعادة ملء أكواب المياه. وعندما بدأت ثورة البركان وصدرت عنا نحن السواح الكثير من الأصوات التي تعبر عن الإعجاب والدهشة، واستخدمنا كاميرات لتصوير ما حدث وصفقنا بطريقة تلقائية. ولكن في نظرة سريعة للخلف لم أر جرسوناً واحداً يتطلع من شباك الفندق. فقد أصبح البركان منظراً عادياً بالنسبة لهم، وفقد قوة تأثيره.

يمكن أن يتخذ إيماننا بالله نفس الأسلوب. كان لليهود الموجودين في فرنسا في القرن التاسع عشر قول مأثور لوصف تدهور الحماس الروحي عبر الأجيال: “كان الأجداد يصلون بالعبرية والآباء يقرأون الصلوات بالفرنسية، أما الأبناء فلا يتعبدون على الإطلاق”. قد يحدث نموذج مشابه لهذا في داخل الفرد نفسه. ففي بداية حياته الروحية يشتعل فيه الحماس الروحي، ثم يهدأ ويفتر وأخيراً قد يتبخر بسبب الإهمال.

إن قصيدة “باسكال” التي كتبها “و. هـ. أودين” تصف الشعلة الروحية العظيمة في ذهن عالم الرياضيات، يقول فيها: في البحث الروحي القوي يبدأ الشك/ ثم يسترد قلعة الإيمان التي كادت أن تتحطم وفي الخريف كل شيء معد/ وفي الليل يأتي ما هو متوقع. وهنا يشير أودين إلى الرؤية الغامضة لباسكال التي لم يستطع أن يعبر عنها بالكلمات، مواجهة ظهرت في الضوء بعد موته عندما وجدت أسرته كلمة “نار” وبعض الملاحظات السرية مكتوبة على قصاصة من الورق في معطفه. ثم يضيف أودين تلك السطور المثيرة: “ثم ينتهي كل شيء في الصباح كان بارداً/ واسترد قدراته تماماً على ارتكاب الخطية”.

لا تشتمل الحياة المسيحية على فترات من اللقاءات القريبة جداً من الله، ولكن بحسب اختباري فهذه ليست نموذجاّ أو قاعدة نستند إليها. فالكارزون – الذين يحملون وعد الأخبار السارة – قد يبالغون أو يتمادون، وربما أكثر من تحذيرات المسيح لتلاميذه أو ما قاله يوحنا في تشخيصه لحالة السبع كنائس في سفر الرؤيا. ونحن نغنى بالترنيمة التي تقول: “ما أطيب ساعة أخلو فيها مع الحبيب”، ونحترم القديسين المتصوفين.

كما يتحدث الكارزون عن القصص الروحية لأسلافنا مثل القس المعمداني تشارلز سبرجن، والذي كان يقول إنه لا تمر عليه ولا ربع ساعة أثناء سيره دون أن يشعر بحضور الله معه. والناشط البريطاني “جورج موللر” كان يضع هدفاً لنفسه كل صباح “لتفرح روحي بالرب”. أما زوجة “جوناثان إدواردز” فوقعت في غيبوبة لمدة 17 يوماً عقب إحدى النهضات الروحية لزوجها، وهي في حضرة الله لا تعي ما يدور حولها.

أنا لا أشك في أي واحد من عمالقة الإيمان هؤلاء، ولكنني أقول فقط أن تعليقات مثل تلك التي تفوهوا بها تُظهر لماذا اكتسبوا سمعتهم كعمالقة في الإيمان. وإذا وضعناهم كنموذج وقاعدة للمؤمنين كي يتبعوها، فقد يُسبب لنا نوعاً من اليأس، ولكن ليس مثل الشمس التي تطفئ اليراعة. قال تشارلز سبرجن بأنه كان يشعر بحضور الله كل ربع ساعة، أما أنا فقد يمر عليّ يوم كامل ولا أفكر في الله.

قارن س. إس. لويس بين اختبارين: السير على الشاطئ، والنظر إلى المحيط بين الحين والآخر، وبين رحلة بحرية عبر المحيط. قال إن الاختبارات العميقة مع الله هي حقيقة ولكنها قليلة مثل السير على شاطئ. ولكن عبور المحيط الأطلسي يتطلب مهارات معينة ونظاماً معيناً، بل وربما ما أكثر أهمية من ذلك، وهو خريطة مبنية على خبرات بحارة آخرين. لقد شعرت بفترات كاملة من السلام الكامل والشركة العذبة والسعادة المقدسة. إنه أمر نادر الحدوث ومع ذلك فيمكنني تسجيلها في فقرة واحدة، وبكل تلقائية كما حدث معي. فأتذكر بيتي الصغير الجميل في إنجلترا، وأتذكر الوعد بالأرض الجديدة في أمريكا. ولكنني أصعد كل يوم على ظهر السفينة لكي أواجه الامتداد الأزرق الجميل للمحيط الأطلنطي.

إن النضوج الروحي ينمو ويتطور مثلما ينمو الجسم. فالطفل يتعلم كيف يحبو، ثم يمشي ثم يجري. ألا يجب أن يتطور سيرنا مع الله بنفس هذا الأسلوب حتى نقوى تدريجياً ونسيطر على تصرفاتنا ثم ننطلق إلى القداسة. استمعوا لما يقوله إشعياء النبي:

“وأما منتظرو الرب

فيجددون قوة

يرفعون أجنحة كالنسور.

يركضون ولا يتعبون

يمشون ولا يعيون”.

تأمل ما يقوله “جون كلايبول” على هذه الآية: إن التسلسل مقلوب وغير طبيعي. حيث يبدأ إشعياء بالطيران في الجو ثم ينتهي بالمشي. وكل المؤمنين يجتازون مراحل مختلفة، ففي بعض المرات نحلق في حالة روحية عالية، ومرات أخرى نجري بطاقة كبيرة من الإيمان والنشاط، ومرات ثالثة قد نخطو الخطوة الواحدة بصعوبة، بل وقد يُغمى علينا.

حقيقة لقد كتب “كلايبول” هذه الكلمات عندما كان جالساً بجوار سرير ابنته التي كانت في العاشرة من عمرها. خادم معروف ذو شهرة كبيرة واختبر مشاعر السمو الروحي والتحليق عالياً في الروحيات. ثم أمضي في الجري ثمانية عشر شهراً وهو يواصل الصلاة بكل اجتهاد طالباً الشفاء لابنته التي كانت تعاني من آلام سرطان الدم. والآن؛ وبعد أن ماتت، لا يستطيع أن يفعل شيئاً إلا الجلوس بجوارها ممسكاً بيدها، مبللاً شفتيها بدموعه. لقد استنفذ كل ما لديه من طاقة لكي يتماسك حتى لا يُغمى عليه.

“والآن أنا متأكد أنه بالنسبة لأولئك الذين يبحثون عن الإثارة قد يبدو ما قلته لا أهمية له. ومن يريد أن يسير ببطء أو يحبو أو يخطو بكل ثقة حتى يكاد أن يغمى عليه؟ وقد يبدو أن هذا لا يصلح لكي يكون اختباراً روحياً، ولكن صدقني، ففي الفترة المظلمة التي عشتها كانت فقط صورة الوعد هي التي تناسب الموقف. فحيث لا توجد مناسبة للتحلق عالياً أو أن نجري، بل كل ما تستطيع عمله هو السير خطوة خطوة، لكي تسمع عن “مساعدة أو معونة” تمكنك من “السير دون أن يغمى عليك”. فإن هذه أيضاً أخبار طيبة وسارة”.

ذكرت أن الحيرة والارتباك قد تُبعد الله عن مركز حياتنا، أو في الحقيقة قد تبعده عن مجال تفكرينا تماماً. إنني أعمل بمفردي – كما يجب أن يفعل كل كاتب – ولهذا فأنا لا ألوم الله على نسيانه للناس. وما هو أكثر احراجاً في التصريح هو أنني أكتب كتبي التي أعيش منها عن الله. وأنا أقرأ كتباً لاهوتية، وأستبعد بعض الموضوعات من القائمة، وأكتب فصلاً أو مقالة وأجمع أية أفكار قد تساعدني في كتاباتي. وأندهش كثيراً عندما أفكر كيف أسير في رحلة هذا النظام اليومي بدون أن أفكر كثيراً في الله، أو أمارس ما أكتبه.

بإمكاني أن أكتب فقرة جميلة عن السلام الداخلي، ولكن إذا حدث خطأ في الكمبيوتر تسبب في إزالة هذه الفقرة، فسوف يختفي هذا السلام الداخلي أسرع من أي اليكترونيات على شاشة الكمبيوتر. في الماضي قال “جون دون”: “إنني أنسى الله بسبب ضوضاء تحدثها ذبابة، أو صوت عربة، أو صرير باب”.

كيف يحدث هذا؟ كيف يمكن أن تتحول صلاتنا قبل الأكل، التي نعبر فيها عن شكرنا للرب من أجل الطعام، إلى صلاة في منتهى السرعة ونبدأ الأكل… إن سيارتي لو تعطلت سوف يتركز كل تفكيري في المشكلة مبعداً كل تفكير آخر في الله جانباً. إنني أحاول أن “أخصص” وقتاً لله معظم الأيام، ولكن إذا كان لديّ أمور هامة وضاغطة فلن أتمكن من إيجاد هذا الوقت. وإذا حدث أنني ذهبت في رحلة بعيداً عن نظامي اليومي العادي، فلن أتمكن إلا من صلاة سطحية سرية، ولا أفكر في الله طوال اليوم. إنني أنسى خلق الكون، ومركز حياتي. نعم؛ يحدث هذا!

اعترف اللاهوتي الألماني “رومانو جرواديني” قائلاً: “إن الله لا يسيطر على حياتي. فكل شجرة في طريقي يبدو أنها تتمتع بقوة أكثر منه، لأنها تُجبرني على أن أسير من حولها”. ويسترسل جرواديني في تساؤلاته قائلاً:

“كيف أن الله الذي يُوجد في كل هذا الكون، وكل شيء فيه من صنعة يديه، وكل فكر وعاطفة لدينا لها أهميتها عنده، ومع ذلك فلا تتوهج حياتنا وقلوبنا بحضوره. بل إننا نعيش كما لو أنه غير موجود؟ كيف يمكن أن يحدث هذا الخداع الشيطاني؟

إنني أتعجب من إله يضع نفسه تحت رحمتنا، كما لو أنه يسمح لنفسه بأن يخمد ويحزن، أو ربما يُنسى. تقنعني قراءتي للعهد القديم بأن هذا الميل الإنساني يُحزن الله أكثر من أي شيء آخر. وبسبب الشكاكين، والمعاندين، من غير المؤمنين، يغضب الله من أولئك الذين ينسونه ولا يفكرون فيه. ويكون رد فعله مثل المحبوب الذي يُقاوم بازدراء، ولا تُجيب محبوبته على مكالماته التليفونية.

لقد حر موسى شعب إسرائيل عندما أراهم تابوت العهد “إنا احترز واحفظ نفسك جداً لئلا تنسى الأمور التي أبصرت عيناك ولئلا تزول من قلبك كل أيام حياتك…” ثم حذرهم بأنه سوف “يرتفع قلبك وتنسى الرب إلهك الذي أخرجك من أرض مصر من بيت العبودية”. ونسى الشعب الرب كما تنبأ بذلك موسى، فكان رد فعل الله الحزين:

“هل تنسى عذراء زينتها

أو عروس مناطقها؟

أما شعبي فقد نسيني أياماً بلا عدد

….. هل يخلو صخر حقلي من ثلج لبنان؟

أو هل تنشف المياه المنفجرة الباردة الجارية؟

لأن شعبي قد نسيني!

وبأشد الكلمات حزناً وألماً في الكتاب المقدس يقول الله: “فأنا لأفرايم كالعث ولبيت يهوذا كالسوس”. أتخيل بعض الناس الذين سمعوا هذه الكلمات لأول مرة لابد وأنهم شعروا بوخز الندم والشعور بالذنب. وإذا كانوا قد تجاوبوا كما أفعل أنا أحياناً فإنهم قد يتجنبوا الله ربما أكثر مما هم فيه بعدم الصلاة والابتعاد عنه والعودة إلى سلوكهم اليومي العادي كبديل عن العلاقة الحقيقية معه.

أعرف سيدة، كان ولداها مصابين بالصمم، كانت تُغلق عينيها لتقطع أية صلة بينهما وبين الآخرين. وقد أغضب هذا التصرف ولديها اللذين لم يكن لديهما أية وسيلة للتواصل معها غير الترانيم. وعندما كنت أفكر في هذه الفتاة، التي تغلق عينيها بشدة أمام محاولات الولدين المتوترة لفتحهما لكي تراهما، تخيلت كيف أن الله يشعر بالألم الشديد عندما أبتعد عنه.

كيف يمكننا تجنب فقدان الذاكرة الذي كان لدى الإسرائيليين؟ عبر سنوات طويلة حاولت بطرق مختلفة أن “أتذكر” الله. وبالنسبة لي كان الأمر يحتاج إلى تعود يومي لإعادة التوجيه والتذكر الواعي.

إن إعادة التوجيه بالنسبة لي تعني بداية اليوم بعلاقة واعية مع الله، حتى ينتقل مركز تفكيري تدريجياً عن ذاتي أنا إلى الله. وتعودت أن أقفز من السرير، حالما أستيقظ. ولكنني الآن أدعو الله وأنا مستلقي في هدوء، لأن يتواجد في يومي ليس كمن يشارك في حياتي، أو كأي بند في قائمة مشغولياتي، بل كالمحور لكل ما سيحدث في هذا اليوم. إنني أريد من الله أن يكون الحقيقة المركزية، حتى أكون متنبهاً لوجود الله مثلما أعي رغباتي ومشاعري.

كتب س. إس. لويس:

“ما هو مادي وملموس، ولكن في ذات الوقت غير مادي، يمكن أن نبقيه أمام أعيننا، ولكن بمجهود كبير ومؤلم. لهذا فالمشكلة الحقيقية للحياة المسيحية تأتي عندما لا يبحث الناس عنها. يمكننا أن نتمتع بحياة الإيمان منذ اللحظة الأولى التي نستيقظ فيها كل صباح. ففي بداية كل يوم تندفع إليك رغباتك وأمالك كالحيوانات المتوحشة. وأول عمل يجب أن تقوم به هو أن تدفعها جميعاً، بكل قوة للخلف، ثم تصغي للصوت الآخر الذي يدعوك للحياة الأقوى والأعظم، والأكثر هدوءً، وتسمح لكل هذا بأن يملأ كيانك وواصل هذا الشعور طوال اليوم…

بإمكاننا أن نفعل هذا لمدة دقائق في البداية، ولكن من تلك اللحظات سوت تنتشر هذه الحياة الجديدة، من خلال نظامنا اليومي، لأننا الآن سمحنا للروح القدس بأن يعمل في الوقت والجزء الصحيح فينا”.

إن الوصية الأولى والعُظمي تطلب منا أن نحب الله، ونحن الذين نتمتع بحبه. يقول: “توماس مرتون”. “إن “تذكرنا” لله، الذي نتغنى له بالمزامير، هو ببساطة إعادة اكتشاف بأن الله نفسه يتذكرنا”. إننا نتذكر الله عندما نثق أنه يهتم بنا شخصياً، وبلا حدود. ويجب أن أسأل مرة ومرات من أجل الإيمان، لكي أثق بأن الله يُسر بي، ويريد أن تكون له علاقة معي. لهذا السبب أنا أدرس الكتاب المقدس، وليس فقط لكي أتعلم اللاهوت، بل لكي تتسرب وتتغلغل في روحي رسالة محبة الله لي واهتمامه الخاص بي.

يستريح البعض لوضع الركوع في الصلاة، أو لأي وضع آخر. لكنني غالباً ما أحتسي القهوة عندما أبتدأ في الصلاة، لأنني أرى أنه أمر طبيعي أن أتحدث مع الله، غير المنظور، بنفس الأسلوب الذي أتحدث به مع أصدقائي الذين أراهم. أو بإمكاني أن أتمشى لأن المناطق المجاورة تعطيني أسباباً كثيرة لتقديم الشكر للرب: فالربيع يمنح الحياة للأغصان الميتة، والشتاء يُغطي الطرق الموحلة بالجليد الأبيض. وعندما أمر على منازل جيراني أتذكر احتياجاتهم المُلحة.

احتاج خلال اليوم إلى معونة للتذكر الواعي. لقد حاولت أن أضبط ساعتي لكي تدق كل ساعة، وعندئذ أوقف ما أقوم به وأفكر في الساعة التي مضت، وأحاول أن أمارس شعوري بحضور الله في الساعة القادمة. وفيما بعد عثرت على النظام القديم الذي يتبعه رهبان “بنداكتي” في الصلاة، إذ يتوقفون وينادون على ساعة الصلاة عندما تدق الساعة، معتقدين أن الصلاة لله يمكن أن تصبح عادة.

تعطينا “اعترافات أوغسطينوس” نموذجاً رائعاً لكيفية مشاركة وتدخل الله في تفاصيل الحياة. والكتاب غير مسبوق بأي كتاب أدبي آخر، لا في أسلوبه، ولا محتواه. ومن كان يفكر في توجيه سيرته الذاتية لله، وكتابة كتاب طويل في صورة صلاة؟ فهذا ما فعله أوغسطينوس تماماً، إذ أنه ربط معاً اعترافاته بخطاياه، وعبثه بالبدع والهرطقة، وتأملاته الذهنية المفككة. لقد كانت مراجعته المقصودة لتفاصيل حياته، وبحثه عن مصير روحه، بمثابة الأنموذج لكل المؤمنين الذي يطلبون حياة مركزها الله.

تعلمت أيضاً عن التذكر الواعي مما كتبه “الأخر لورنس”، وهو طباخ في أحد أديرة القرن الـ 17، والذي كتب كتاباً تكريسياً يُدعى “ممارسة حضور الله” وهذه العبارة “ممارسة حضور الله” بالنسبة للأخر لورنس هي مثل ممارسة الطب، أو القانون. وللمبتدئين تُشبه تعلم البيانو: إذا مارست التمرين لفترة كافيه فقد أتعلم الموسيقا.

يؤكد الأخ لورنس على حاجتنا لمعونة الله ثم نطلب بلا كلل: “ولكن كيف نطلب منه بدون أن نكون معه؟ وكيف نكون معه بدون أن نفكر فيه؟ وكيف يمكن أن نفكر فيه بدون أن نكوّن عادة مقدسة لفعل ذلك؟” ثم يقترح الأخ لورنس إجابة على تلك الأسئلة:

“إن الله لا يطلب منا الكثير، إن نتذكره بين الحين والآخر، وأن نعبده ولو لفترة قصيرة، ونتوسل لننال نعمته، وفي بعض المرات نعرض له أحزاننا، ومرات أخرى نشكره من أجل عطاياه لنا، فسنجد فيه العزاء. وأنت على المائدة ووسط محادثاتك، ارفع قلبك نحوه. إن أقل قدر من التذكر لله سوف يسره، وأنت لست بحاجة في مثل هذا الأوقات لأن تصرخ بصوت مرتفع. إنه قريب مثل أكثر مما تتصور”.

يذكر الأخر لورنس طرقاً عملية “لكي تقدم قلبك من وقت لآخر طوال اليوم”. حتى وأنت وسط عملك الروتيني اليومي. لتتذوقه، وتتمتع به، حتى ولو بسرعة، أو خلسة. ويقول الأخ لورنس، إن عمق الروحانية لا يعتمد على تغيير الأمور التي تعملها، بل بالحري أن تعمل من أجل الله ما تقوم به من أجل نفسك بطريقة عادية. إن الأخ لورنس يستبعد التراجع الروحي لأنه يشعر أنه يتعبد لله وهو يؤدي عمله العادي تماماً، كالذي يتعبد لله في الصحراء.

لقد مارس الأخر لورنس ما نادى به. وفي تأبينه كتب عنه الأب الراهب: “وجد الأخر لورنس الله في كل مكان… وجده عندما كان يصلح الأحذية، وعند صلاته مع الآخرين… إنه الله، وليس العمل، وهو الذي كان أمامه. وكان يعلم أنه كلما كان العمل ضد ميوله الطبيعية كلما قدم لله حباً أعظم”.

أثر التعليق الأخير على حياتي بعمق. وقرأت فتاة هذا الكتاب أثناء عملها مع كبار السن في وسط مدينة شيكاغو، وأحياناً تقوم بأعمال لا يستطيع أداءها أناس طبيعيون، وأثناء تنظيفها لمكان كان فيه عجوز لا يستطيع التحكم في نفسه، كانت تُذكر نفسه بما قاله الأخ لورنس. وبمجهود خاص منها كانت تعتبر أن تنظيف الحمام نوع من الخدمة الي تُقدّم لله.

إن المؤمن الذي يعيش في هذا القرن، يجاهد خلال حياته لكي يعمل بمبادئ الأخر لورنس. فكذلك “فرانك لوباتش”، الذي اكتسب شهرة كمؤسس حركة معرفة القارة والكتابة، وهو الشخص الذي لم يفعل مثله أحد في التاريخ، ليُعلم الناس القراءة والكتابة. كما أن الصحف التي أصدرها سجلت مجهوداته طوال حياته لكي تترك بصمة من نوع مختلف: أن نعيش في يقظة دائمة بحضور الله.

بدأ “لوباتش” بتركيز تفكيره على الله قبل أن يغادر فراشه، محاولاً التخلص من أية أفكار أخرى قد تشتت تفكيره. ويقول: “إنه عمل تقوم به الإرادة. فأنا أجبر عقلي على أن ينفتح مباشرة على الله… وأركز تفكيري هناك، وأحياناً يتطلب هذا وقتاً طويلاً في الصباح الباكر حتى يمكنك الوصول إلى هذه الحالة العقلية”. لقد اعترف بأنه جاهد في البداية:

“إنني مثل الرجل الذي يمارس التجديف ضد التيار. فالضغط الذي تمارسه إرادتي يجب أن يكون لطيفاً ولكن مستمراً، استمع لصوت الله، وأصلي من أجل الآخرين باستمرار، وأنظر إلى الناس وأتعامل معهم كأرواح لا كملابس أو أجساد، أو عقول. واللحظة التي يتوقف فيها الضغط على القارب فسوف أنحرف وأبتعد عن الطريق…” ولا يناسبني هذا المبدأ. “دع الأمور تسير ودع الله يفعل ما يشاء” ولكنني أوافق على المبدأ القائل “امسك بزمام الأمور” وكن أيضاً متمسكاً بالله”. هناك عمل تقوم به الإرادة، وبإمكاني أن أشعر بأن عضلاتي الروحية تنمو وأنا أمارس التجديف!”

بعد مضي عام على ذلك قال: “هذا التدريب البسيط يحتاج فقط إلى ضغط خفيف للإرادة، وهو في متناول أي شخص. ويزداد الأمر سهولة بحكم العادة، ومع ذلك فهو يحول الحياة إلى سماء”.

فيما بعد اقترح “لوباتش” تجربة لنفسه: إن يفكر في الله في ذهنه كل بضعة ثوان، حتى يكون واعياً لوجود الله باستمرار. ولكي يحقق هذا الهدف بدأ يلعب لعبة تنتهي في دقائق، يحاول أن يربط فيها أفعاله بإرادة الله كل ربع ساعة أو نصف ساعة… وبدأ بمحاولة أن يعيش كل لحظا استيقاظه في اصغاء يقظ للصوت الداخلي، ويسأل بدون توقف: “يا أبي ماذا تريد أن تقول لي؟ يا أبي هل تريدني أن أفعل هذا في تلك اللحظة؟”.

لقد نجح “لوباتش” في أن يفكر في الله، على الأقل مرة كل دقيقة، وتدريجياً ارتفع هذا المعدل. وقدرت بعض صحفه النسبة التي توصل إليها كل يوم: “متنبهاً لوجود الله بنسبة 50%، والإرادة رفضت الاستجابة بنسبة قليلة”. لقد سجل أيضاً بعض الفشك عندم تسببت الأمور التي شتّت تفكيره في ابعاد الله عنه. ومع ذلك؛ فقد وجد أن التدريب اليومي قد غير حياته تدريجياً. وفي كل مرة يقابل فيها شخصاً يصلي في قلبه من أجله. وعندما يرد على التليفون يهمس لنفسه قائلاً: “أحد أبناء الله سوف يتحدث إليّ”. وعندما كان يسير في الشارع أو يقف في طابور انتظار الأتوبيس كان يصلي من أجل الناس الذين من حوله.

أثبت “لوباتش” أنه بإمكان الإنسان أن يربط حياته الحديثة المنشغلة بالعلاقة الروحية مع الله، فنحن لسنا بحاجة أن ننعزل في دير لكي يتحقق ذلك. لقد عمل لوباتش كعميد في احدى كليات جامعة كبيرة، وأسس معهداً للتعليم وخدم الفقراء، وسافر حول العالم ليساعد في استخدام أساليبه في القراءة والكتابة.

في صباح اليوم التالي لقراءتي كتاب “لوباتش” كان عليّ أن ألتقي بصديق على مائدة الإفطار، في الساعة السابعة والنصف. وجلست منتظراً حوالي عشرين دقيقة ولكنه لم يأت، فقلت لعله نسي الموعد. وأعرف رد فعلي العادي في مثل هكذا موقف: التوتر، الغضب من نفسي لأنني لم أحضر معي كتاباً لأقراه لشغل هذا الوقت. وبدلاً من ذلك تذكرت بعض اكتشافات لوباتش، وصليت من أجل صديقي. فربما يكون قد صادف بعض المتاعب في السيارة، أو حدث طارئ عائلي. وصليت من أجل كل من في المطعم، وطلبت من الله أن يُهدئ روحي ويساعدني لكي أستمتع بساعة من الفراغ في بداية اليوم. وبالرغم من أن صديقي لم يأت، فقد غادرت المطعم في حالة ذهنية أفضل مما كنت عليه عند وصولي إليه، وذلك بفضل جرعة صغيرة مما تعلمته من كتاب لوباتش.

لا يصح أن نقرأ مجرد مقتطفات مما كتبه الأخر لورنس، أو فرانك لوباتش، طوال حياتهم. فإن تدريباتهم الروحية تُظهر مدى العمل الشاق الذي قدموه بشعور من الالتزام، لذلك يجب أن نقرأ كل ما كتبوه. وبالنسبة لهم كان النظام هو الذي يقود إلى الفرح والسرور. فقد أدركوا ببساطة أن غرابة العلاقة الشخصية بين غير المحدود، وغير المنظور، وبين كائن محدود ومنظور، تحتاج إلى توافق معين.

يقول لوباتش: إن المكافأة تعوض تماماً عن المجهود الذي بُذل “فبعد شهور وسنوات من ممارسة حضور الله، يشعر الإنسان بقرب الله منه، وعندما يساندك ويدفعك للأمام تشعر بقوته، وكذلك عندما يجذبك من الأمام تشعر بمزيد من القوة… إن الله قريب منا للغاية، وهو لا يعيش حولنا فقط، بل يعيش من خلالنا”.

والآن اسمع عبارة “ممارسة حضور الله” بطريقة مختلفة. ففي السابق كنت أحاول الحصول على تأكيد عاطفي بأن الله موجود فعلاً، وأحياناً كنت أشعر بهذا، وأحياناً أخرى لا أشعر بذلك. قد غيرت أسلوب التأكيد، ففي اللحظة التي أضع فيها نفسي في حضرة الله أفترض أن الله موجود في المكان كله، على الرغم من عدم شعوري حسياً بذلك. وأحاول جاهداً أن أسلك في حياتي اليومية بطريقة تناسب حضور الله. هل بإمكاني أن أشير وأعود إلى الله مهما حدث اليوم، كنوع من الشكر والتقدمة؟

“يجب على النفس أن تشتاق إلى الله لكي تشتعل بحبه، ولكن إن لم تتمكن النفس من الشعور بهذا الاشتياق بعد فعليها أن تتوق لهذا الاشتياق، لأن مثل هذا الشعور هو من الله”.

ميستر إكهارت

في مؤتمر عن الكرازة برعاية “بيللي جراهام” في مانيلا، أثّر رجل من كولومبيا على مستمعيه تأثيراً كبيراً عندما قصّ عليهم قصة تأملاته اليومية: “قُبض عليه في فترة حكم “بول بوت Pol Pot” ووضع في معسكر للتعذيب، مثله كأولئك الذين رأيناهم في فيلم “الحقول القاتلة”. لأنه اعتقد أن لديه القليل من الوقت ثم يموت، أراد أن يقضي وقتاً كل يوم مع الله، استعداداً للموت. وقد قال: “لقد حرمنا من الطعام وعذبونا، واحتملنا، لكنني استأت من عدم السماح لنا بوقت لنلتقي فيه مع الله إذ كان الحراس يصرخون في وجوهنا دائماً لإجبارنا على العمل المتواصل”. وأخيراً لاحظ أن الحراس لم يجدوا أحداً لتنظيف البالوعات. فتطوع للقيام بهذا العمل القذر.

“لم يقاطعني أحد، وتمكنت م تأدية عملي في مكان منعزل وأرفع عيني فأرى السماء الزرقاء، وشكرت الله لأنني ما زلت حياً ليوم آخر. وصليت إلى الله بدون أي إزعاج، صليت من أجل أصدقائي وأقاربي، وكل من هم حولي. وأصبح هذا بالنسبة لي وقتاً رائعاً للالتقاء بالرب”.

إقرأ أيضاً:

إقرأ أيضًا

مشكلة الشر في مشكلة أيوب - ستنتهي الأمور بصورة طيبة للأتقياء

مشكلة الشر في مشكلة أيوب – ستنتهي الأمور بصورة طيبة للأتقياء

مشكلة الشر في مشكلة أيوب – ستنتهي الأمور بصورة طيبة للأتقياء مشكلة الشر في مشكلة …