مواضيع عاجلة

القراءة الإنجيلية للعهد القديم (3) الإنجيليون والعهد القديم – د. جورج عوض إبراهيم

القراءة الإنجيلية للعهد القديم [1] (3) الإنجيليون والعهد القديم د. جورج عوض إبراهيم

القراءة الإنجيلية للعهد القديم [1] (3) الإنجيليون والعهد القديم د. جورج عوض إبراهيم
القراءة الإنجيلية للعهد القديم [1] (3) الإنجيليون والعهد القديم د. جورج عوض إبراهيم

 

القراءة الإنجيلية للعهد القديم [1] (3) الإنجيليون والعهد القديم د. جورج عوض إبراهيم

القراءة الإنجيلية للعهد القديم (1) الإنجيليون والعهد القديم

والآن نلخص الطريقة التفسيرية لبولس فيما يخص ونقول: إن فهمه الحقيقى للعهد القديم لم تعلنه غيرته الفريسية للناموس، بل دعوة المسيح له وخبرته الغنية لنعمة المسيح فيما بعد. فالمعنى العميق للعهد القديم ـ عند بولس ـ يظهر بخبرة الإيمان الحى في يسوع المسيح، الذي هو ملء وغاية . بناء على ذلك فإن ينبغى أن يُفهم على أنه إنباء مسبق لإرادة الله والتي يتطلب تحقيقها الإيمان بالمسيح. إن لا يخلق حق ممارسة وصايا فوق البر الإلهى ولا يسئ استخدام الوصايا، لكن يهدف إلى إظهار الملء الأخروى للوصايا، والذي يمكن أن يُفهم (الملء الأخروى) فقط بالإيمان بالمسيح. وإذا نزعنا عن الرسول بولس تطلعه للعهد القديم على أساس الإيمان بالوعد، سيتحوّل عندئذٍ إلى “ناموس للوصايا” وسيُستخدم للبر الذاتى. وتكون النتيجة تشوه العلاقة الحية مع الله. هذا التشوه يُرجعه أيضًا بولس الرسول إلى الموقف الفريسى القاسى، والأعمى تجاه الناموس.

          بالفهم المسيحي للعهد القديم يعترف بولس بالقيمة الحقيقية له وفي نفس الوقت يتجاوزه بعهد الله الجديد في المسيح. بهذا النور يرى بولس كنص تاريخى لخطة التدبير الإلهى، يتنبأ عن إرادة الله في المسيح وعن شعبه الجديد، والتي تحققت في الإنجيل. لأجل هذا السبب، استخدم بولس ـ بارتياح تام ـ وطبَّق في رسائله مبادئ تفسيرية يهودية معروفة. حتى أنه بمعيار الإيمان والنعمة ميَّز جذريًا بين الحرف والروح وأقرَّ بالاستمرارية التاريخية للعهدين متجاوزًا الأول القديم داخل الثانى الجديد. لقد صار هذا التجاوز القديم واضحًا عنده بالتشديد الدائم على التطلع النماذجى للعهد القديم، كما فعل سيده من قبل، وهكذا حفظ بولس في الحاضر، لدرجة أن عظات الأخلاقية سرت أيضًا على مؤمنى العهد الجديد، مع مراعاة أنه ينبغى ـ بالطبع ـ أن تُفهم تحت نور معرفة المسيح الكاملة. وهكذا صار ليس مجرد مجموعة نصوص كلامية عن المسيا “يسوع” بل صار في مجموعه “كلمة وعد” تسرى بلا تغيير وأيضًا على الحاضر المسيحى. إن التقيد بمحبة الله التاريخية (التي ظهرت في تاريخ إسرائيل) والتمتع ـ في نفس الوقت ـ بالحرية أو بالتحرر من حرف المميت (الذي يستلزم الإيمان في المسيح) يمثل في النهاية مساهمة بولس الكبيرة في فهم والتي سوف تؤثر فيما بعد على نمو التفسير الكتابى في تاريخ الكنيسة.

 

عبودية الحرف وحرية الروح:

            إن التفسير الأصيل للناموس هو جانب واحد فقط من تعاليم بولس الرسول. بينما الجانب الآخر “الجوهرى” هو الاعتقاد الجديد الذي شكله إيمانه فيما يخص طبيعة وتطلع إنجيل يسوع المسيح. بولس هو الأول ـ في تاريخ اللاهوت والتفسير المسيحى ـ الذي أدرك سر كلمة الله وبلور بوضوح “مبادئ” أو “أسس” معينة ميزت مسيرة التفسير الكتابى الكنسى. مبادئ مثل هذه :

أ ـ إن إنجيل يسوع المسيح والذي يصل إلى قمته في الآلام والصلب والقيامة يستند على شهادة “الكتب المقدسة ” أى على الناموس والأنبياء (رو1:1ـ2، 1كو3:15ـ4). وبولس لم يستخدم، كما رأينا، كنص به براهين، كما فعل إلى حد ما متى الإنجيلى. لكنه اعتبر أن نفسه هو إنجيل، وذلك عندما يُفهم في نور معرفة المسيح الجديدة (أنظر 2كو16:3 الخ). لأن هذا النور هو الذي يرفع هذا البرقع الذي يُظلِم قلب اليهود عندما يقرأون الناموس، ويُكشف لهم معرفة مجد المسيح (2كو15:3 الخ). إن معرفة المسيح تتمشى مع عطية روحه، التي تحرر المؤمن. إن الجدلية التفسيرية الجديدة لبولس هى ” الحرف يقتل أما الروح فيحيى ” (2كو6:3) أو بكلام آخر ” لأن ناموس روح الحياة في المسيح قد أعتقنى من ناموس الخطية والموت” (رو2:8). في هذا الإطار، أدخل بولس التمييز بين الحرف والروح، على عكس تقليد الرابونيين التفسيرى، الذي يحول إرادة الله القوية إلى نظام ووصايا قانونية جامدة وينقل علاقة الإنسان الحية نحو الله إلى علاقة قانونية ” عمل ـ أجرة “. إن المبدأ “الثورى” لبولس في التمييز بين الحرف والروح هو الذي حدد الاتجاه الأساسى للتفسير الكنسى، وخطط ـ فيما بعد ـ لمسيرة هذا التفسير، وسيظل هو دائمًا الأساس الذي تبنى عليه الكنيسة شروحاتها.

          الفهم الروحي يتطلب حضور الله نفسه إذ يستند على رحمته (رو14:6) وبالتالى لكى نفهم الإرادة الإلهية هذا يتطلب ـ بحسب الكتب ـ علاقة شخصية حرة مع الله. داخل هذه العلاقة يصير التفسير الكتابى في ذاته هو إعلان عن المسيح نفسه (1كو10:2)، بالحضور الحى والبهاء الروحى: ” لأن الله الذي قال أن يشرق نور من ظلمة هو الذي أشرق في قلوبنا لإنارة معرفة مجد الله في وجه يسوع المسيح ” (2كو6:4). وباشتهاء الحرية في المسيح يسوع يتحرر من سوء التفسير الناموسى الذي يقود إجباريًا إلى التفسير الحرفي، وبذلك يصير “إنجيل”. إن بر الله الجديد يشهد له الناموس والأنبياء. لكن لكى يظهر هذا البر ويُفهم لابد من إبطال “الناموس”: ” وأما الآن فقد ظهر بر الله بدون الناموس مشهودًا له من الناموس والأنبياء” (رو21:3). بهذا المبدأ يمكن اعتبار كل من التقاليد الكهنوتية والتعبدية إنما هى إشارات وظلال وولاء للأمور العتيدة في عهد النعمة. فكل ما حدث في تاريخ إنما حدث لنا ” … مثالاً وكُتب لإنذارنا نحن الذين انتهت إلينا أواخر الدهور” (1كو11:10، رو4:1). وهكذا يتحول العهد القديم إلى عهود الموعد (أف12:2) وينتمى بالتالى إلى نطاق العهد الجديد، أى إلى جمال تحقيق الوعود. وبولس ـ في هذا الإطار الأساسى ـ يقنن التفسير الاسخاتولوجى (الأخروى) للعهد القديم والفهم المسيحى له.

          إن تفسير بولس الجديد للعهد القديم ورفعه إلى مستوى “الأناجيل” قد صار بمساعدة منهج تفسيرى عرّفه الرسول يُسمى التفسير النماذجى “Tupolgik»”. وبولس يعتبر هو الأكثر تحديدًا لهذا النوع من التفاسير في مسيرة التفسير الكتابى. فالنماذجية “Tupolgik»” أو “النمطية” لدى الرسول بولس لها شكل خاص وهدف معين.

 

 

أنواع التفسير النماذجى عند القديس بولس:

ونستطيع أن نتعرف بسهولة على أربعه أنواع من التفسير النماذجى لدى بولس:

1 ـ النوع الأخلاقى “Hqik»، وذلك عندما تتطلب الحالة الهروب من سلوكيات معينة تصف عصيان شعب العهد القديم مثلاً: ” وهذه الأمور حدثت مثالاً (نموذجًا) لنا حتى لا نكون نحن مشتهين شرورًا كما اشتهى أولئك. فلا تكونوا عبدة أوثان كما كان أُناس منهم. كما هو مكتوب جلس الشعب  للأكل والشرب ثم قاموا للعب. ولا نزنِ كما زنى أُناس منهم فسقط في يوم واحد ثلاثة وعشرون ألفًا. ولا يُجرب المسيح كما جرب أيضًا أُناس منهم فأهلكتهم الحيات. ولا تتذمروا كما تذمر أيضًا أُناس منهم فأهلكهم المهلك” (1كو6:10ـ10). أيضًا هذا النوع من التفسير يمكن أن يخص النماذج الإيجابية التي تستحق التشبه بها، مثلاً إيمان ابرآم: ” ولكن لم يُكتب من أجله وحده أنه حُسب له” (رو23:4).

2 ـ النوع الرمزى “Sumbolik»”، وذلك عندما يصور حدث معين تم في الماضى حدث آخر سيكون في المستقبل، على سبيل المثال: الماء الذي خرج من الصخرة وشرب منه الإسرائيليون كان تصوير للشركة في عطايا المسيح (1كو4:10)، وهنا ينبغى أن نذكر أن الأعداد من 1ـ11 في هذا الإصحاح تكشف لنا عن أزلية المسيح إذ تتكلم عن حضوره في هذه الأحداث التي جرت مع الإسرائيليين في البرية، وهذا الموضوع سوف يتناوله الآباء المدافعون، الذين لُقبوا “بمُظهِرى المسيح Cristofaneiej”، فيما بعد.

3 ـ النوع التناقضى “Antiqetik»، وذلك عندما يُصّور حدث ما أو شخصية ما في الماضى أمرًا سيحدث في المستقبل بطريقة مماثلة ولكنه في نفس الوقت متناقض معه، فعلى سبيل المثال: آدم الأول هو النموذج المتماثل والمتناقض مع آدم الثانى، حيث بمعصية الأول مات الجميع، بينما بإطاعة الثانى “المسيح” صارت حياة لكثيرين: ” من أجل ذلك كأنما بإنسان واحد دخلت الخطية إلى العالم وبالخطية الموت وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس إذ أخطأ الجميع. فإنه حتى الناموس كانت الخطية في العالم. على أن الخطية لا تُحسب إن لم يكن ناموس. لكن قد ملك الموت من آدم إلى موسى وذلك على الذين لم يخطئوا على شبه تعدى آدم الذي هو مثال الآتى. ولكن ليس كالخطية هكذا الهبة. لأنه إن كان بخطية واحد مات الكثيرون فبالأولى كثيرًا نعمة الله والعطية بالنعمة التي بالإنسان الواحد يسوع المسيح قد ازدادت للكثيرين… فإذًا كما بخطية واحدة صار الحكم إلى جميع الناس للدينونة هكذا ببر واحد صارت الهبة إلى جميع الناس لتبرير الحياة. لأنه كما بمعصية الإنسان الواحد جُعل الكثيرين خطاة هكذا أيضًا بإطاعة الواحد سيجعل الكثيرون أبرارًا ” (رو12:5ـ19).

4 ـ النوع الروحى ” Allhgorik» “، حيث يكون هناك حدث ما تم في الماضى ويُظهر في تفاصيله التاريخية حالة روحية، فمثلاً هاجر العبدة زوجة ابرآم التي ولدت بحسب الجسد هى رمز لجبل سيناء (العهد القديم) أما ” سارة ” الحرة ـ والتي ولدت بحسب الموعد ـ هى رمز ” أورشليم العُليا ” (العهد الجديد) (غلا22:4ـ31): ” فإنه مكتوب أنه كان لإبراهيم ابنان واحد من الجارية والآخر من الحرة. لكن الذي من الجارية وُلد حسب الجسد وأما الذي من الحرة فبالموعد. وكل ذلك رمز لأن هاتين هما العهدان أحدهما من جبل سيناء الوالد للعبودية الذي هو هاجر. لأن هاجر جبل سيناء في العربية. ولكنه يقابل أورشليم الحاضرة فإنها مستعبدة مع بنيها. وأما أورشليم العليا التي هى أمنا جميعًا فهى حرة .. “.

          لكن التفسير النماذجى يستلزم ـ في الحالات الأربعة السابقة ـ ثلاث مبادئ أساسية:

1 ـ الاستمرارية التاريخية للحوادث النماذجية.

2 ـ النظرة النبوية لتاريخ العهد القديم.

3 ـ تجاوز أو تخطى النماذج القديمة وضمها إلى العهد الجديد.

          بهذا المفهوم، فإن النماذجية ” Tupolog…a ” لدى بولس عند مقارنتها بالرمزية الروحية Allhgor…a، ليست ذات شكل تفسيرى ضيق، لكن هى التفسير الجديد للإعلان الإلهى والتاريخ في العهد القديم في نور شخص يسوع المسيح وعمله. حقيقة أن النماذجية كطريقة تفسير ليست من ابتداع بولس إذ ترد في النصوص النبوية للعهد القديم، على سبيل المثال (إش16:43ـ21،51). وفي التفسير الرابونى للعهد القديم. المسيح أيضًا كان يستخدم دائمًا هذه الطريقة عند الحديث عن المواضيع الهامة في العهد القديم والتي تتعلق به شخصيًا، كما رأينا مما سبق. المهم في طريقة التفسير النماذجية ـ لدى بولس ـ هو أنه لم يطبقها فقط على تحقيق الأحداث بواسطة المسيح، لكنه كان يعرف ـ ومثل سيده ـ أن نفس هذه الأحداث لها أيضًا بُعد مستقبلى. وبالتالى تقنين هذه الأنواع من الطرق التفسيرية عند بولس سواء النماذجية الضيقة أو الأخلاقية أو الرمزية أو الروحية يتوقف كلية على الفهم لشخص المسيح وعمله، وبهذا المفهوم يكون بولس قد سبق ومهّد للتفسير “الروحى” للكتاب والذي تبناه الآباء فيما بعد.

ب ـ أيضًا نتعرف من خلال الرسول بولس ـ على بعض الآراء الأخرى الأساسية للتفسير الكتابى، مثل:

1 ـ إنجيل المسيح الذي كرز به بولس له محتوى ثابت وشكل محدد: ” وبه أيضًا تخلصون إن كنتم تذكرون أى كلام بشرتكم .. ” (1كو2:15). فالعنصر الجوهرى للإنجيل هو شهادة العهد القديم له، خاصة، فيما يخص آلام، وصلب، وقيامة المسيح. لقد استلم بولس هذا التقليد التفسيرى من الرسل في أورشليم، والتزم به وسلمه بأمانة رسولية إلى الجماعات المسيحية الجديدة. وبالتالى يكون بولس قد ربط الفهم المسيحي للعهد القديم بالكرازة الرسولية. وهذا الربط عُرف في لاهوت بولس على أنه تقليد ملزم. لدرجة أن استشهاده بالعهد القديم صار يخدم احتياجات لاهوتية لازمة مثل: شهادة الناموس والأنبياء لبر الله الجديد الذي ظهر في المسيح (رو21:3). بهذه الرؤية لم ينحصر بولس في بعض النصوص الكلاسيكية التي تتنبأ عن المسيا في العهد القديم ـ كما ظهر هذا الانحصار في الأناجيل الثلاثة الأولى ـ ولا حصر نفسه أيضًا فقط في التقليد الشامل للكنيسة، لكن فتح نفسه على الكتاب المقدس في مجموعه وبلا تمييز. بالطبع كانت هناك حاجة ماسة لإنقاذ العهد القديم من سوء التفسير الرابونى. وبهذا المبدأ (الانفتاح) يتحول العهد القديم ـ عند بولس ـ من مجرد نص نبوى عن شخص المسيح وعمله، إلى شهادة لإرادة الله في شكل الأمثلة (النماذج) والظلال والتشريعات التي تقود إلى البر الجديد. هذا التعليم صار عند بولس مفتاح التفسير للعهد القديم.

2 ـ يتحدث بولس الرسول في الأقسام الإرشادية من رسائله دائمًا عن مواهب الروح القدس التي تعمل في جسد المسيح، الكنيسة. ولكنه لا يضم التفسير الكتابى إلى هذه المواهب مباشرة وذلك على الرغم من معرفته بموهبة التعليم والتي تحتل المركز الثالث في تقسيم المواهب بعد الرسل والأنبياء (1كو28:12). إن عمل المعلم في الكنيسة الأولى، كما نستنتج من سفر أعمال الرسل (25:18)، كان هو التعليم الصحيح عن الرب على أساس شهادة العهد القديم. وهذا ما فعله بلا شك الرسول بولس (أنظر مثلاً أع13). وفي سلسلة المواهب المذكورة في (1كو12) نجد أن موهبة الحكمة والمعرفة تحتل المركز الأول (عدد8) والتعليم المركز الثاني (في عدد6). وهذه المواهب تتطلب بالتأكيد معرفة بالتفسير المسيحي للعهد القديم. ويبدو أن الشخص الذي كانت له موهبة النبوة (النبى) هو الذي كان يتمم مسألة تفسير الكتاب في الكنيسة الأولى. ويمكن أن نستنتج أيضًا ومن معلومات غير مباشرة لبولس أن موهبة النبوة كانت تخص المؤمنين (1كو22:14)، الذين يعرفون شهادة العهد القديم جيدًا، وكانت هذه الموهبة تهدف إلى بنيان الكنيسة (عدد3). ويؤكد بولس خاصةً في رسالة أفسس أن عمل الأنبياء المسيحيين كان هو الكرازة بسر المسيح والذي كان مخفي عن الأجيال السابقة وعرفه الرسل بالنعمة (5:2، راجع19:2، 11:4)، بينما أنبياء العهد القديم كان عملهم هو التنبؤ عن يسوع المسيح. كما أن الأنبياء المسيحيين بشروا على أساس تحقيق وعود العهد القديم في حياة المسيح وفي عصر الكنيسة. أو بمعنى آخر فسروا تحقيق هذه الوعود في نور المسيح وبعملهم هذا كانت تتحقق للمؤمنين ” التعزية بما في الكتب” (رو4:15).

3 ـ يشدد بولس في سياق تعليمه عن المواهب على وجهين جوهريين. أولاً أن المواهب لابد أن تُمارس في إطار الاجتماعات التعبدية للكنيسة (1كو26:14). وثانيًا أن المكان الذي يعمل فيه الروح بالمواهب هو الكنيسة، وهكذا ترتبط المواهب بالحياة الليتورجية للكنيسة. الكنيسة العابدة تشترك فعليًا في ممارسة المواهب، طالما هى تميز وتتذوق وتكيف وتقبل عمل المواهب في إيمان الجماعة (عدد29، راجع 1تس20:5ـ21). إن موهبة كل مؤمن تتحقق في الكنيسة وعندما يمارس المؤمن موهبته، فالكنيسة كلها تعمل معه إذ أن المسيح حاضر، وهو الذي يعلن ويشهد ويعمل بالروح (1كو3:12). ولذا فالكنيسة تتنبأ وتفسر وتُعلم. إن البعد الكنسى والليتورجى للتفسير الكتابى معدود ضمن المواهب كما عرفها بولس في حياة الكنيسة الأولى.

4 ـ إن تفسير بولس الجديد للناموس والعهد القديم يتعلق بواقع أساسى، سوف يقف وقوفًا حاسمًا في مسيرة التفسير الكتابى، خاصةً في التعليم اللاهوتى لآباء الكنيسة. وبولس في تفسيره للعهد القديم لا يمثل أحدًا ولا يعلّم تعليمًا خاصًا، لكنه يكرز ويبشر بشخص يسوع المسيح الحي ” نحن نكرز بالمسيح مصلوبًا” (1كو23:1، 2كو5:4). وبهذه الطريقة يفتح بولس باب معرفة جديدة، تستند لا على المعرفة البشرية (الحكمة اليونانية) ولا على الحقائق الخارجية التاريخية (العلامات التي كان يطلبها اليهود) بل على معرفة شخص المسيح. إن إنجيل الحياة والخلاص هو ـ في نفس الوقت ـ “عثرة” لأنه يقلب التفاسير والمعارف البشرية رأسًا على عقب. عندما يكرز بولس بالإنجيل ويفسر نصوص من العهد القديم فهو يعرف تمامًا أنه يكرز بكلمة الحياة والحق والنعمة وليس بمجرد معلومات تاريخية. إن تفسير العهد القديم لم يكن لدى بولس تمرين ذهنى، أو كسب لتقوى ذاتية أو إظهار ولاء لنص مكتوب في الماضى، مثلما كان يفعل الرابونيين في عصره. إن العهد القديم هو نص يعلن العلاقة الشخصية الحيّة بين الله وشعبه في القديم، والتي تسرى أيضًا على عصر الكنيسة الجديد وذلك على ضوء مبادئ وأساسيات جديدة. إن التفسير الكتابى هو مسألة حياتية لكرازة الإنجيل وينبغى أن يسير على مبادئ الشركة المباشرة والشخصية بين الله وشعبه الجديد. إن المبادئ الجديدة للتفسير الكتابى ليست مبادئ خاصة بالأدب اللغوى ولا خاصة بالتاريخ بل هى مبادئ شخصية تمامًا. وبولس يُلخص هذا التفسير الشخصى في (2كو5:4) بقوله: ” فإننا لسنا نكرز بأنفسنا بل بالمسيح يسوع ربًا ولكن بأنفسنا عبيدًا لكم من أجل يسوع “. إن الله ينير قلب المؤمنين المظلم بنور مجده والذي هو نور المعرفة الشخصية ليسوع المسيح. هذه المعرفة هى مواهبية وتنمو بالحضور الشخصى للمسيح وعمله في النفس. إن استشهاد بولس بالعهد القديم يكشف مدى أهمية المعرفة الشخصية ليسوع المسيح، تلك المعرفة التي تقدم للمؤمن الإنجيل الحقيقى.

 يتبع: القراءة الإنجيلية للعهد القديم (2) الإنجيليون والعهد القديم

 

1 هذه سلسلة من المحاضرات أُعطيت في كورس الدراسات الآبائية الذي ينظمه المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية منذ عام 2002م في مادة الآباء والكتاب المقدس.

إقرأ أيضاً:

إقرأ أيضًا

ترجمة مناظرة جوش ماكدويل مع أحمد ديدات إلى اللغة العربية - هزيمة ساحقة لأحمد ديدات

ترجمة مناظرة جوش ماكدويل مع أحمد ديدات إلى اللغة العربية – هزيمة ساحقة لأحمد ديدات – هل صُلب المسيح؟

ترجمة مناظرة جوش ماكدويل مع أحمد ديدات إلى اللغة العربية – هزيمة ساحقة لأحمد ديدات  …