الرئيسية / أبحاث / مراحل عبر الطريق – البالغ – فيليب يانسي

مراحل عبر الطريق – البالغ – فيليب يانسي

مراحل عبر الطريق – البالغ – فيليب

مراحل عبر الطريق - البالغ - فيليب يانسي
مراحل عبر الطريق – البالغ – فيليب

مراحل عبر الطريق – البالغ – فيليب

إقرأ أيضاً:

“أنت تسأل: ما هي عقوبة أولئك الذين لا يقبلون الأشياء بهذه الروح؟ إن عقوبتهم هي أن يظلوا كما هم”.

أبيكتيتوس

يدفع الولادان الحكماء أطفالهم عن فكرة الاعتماد عليهم إلى الحرية بهدف تربيتهم على الاستقلال عندما يكبرون. أما المحبون فيختارون الاتكال على بعضهم البعض بإرادتهم: إنهم أحرار ولكنهم يتنازلون عن هذه الحرية من أجل الحب. وفي الزواج الناجح يتنازل الشريك عن رغباته لشريكه الآخر ليس اجباراً ولكن بدافع الحب وأعتقد أن علاقة الكبار معاً تكشف ما يطلبه الله من الإنسان دائماً: ليس مجرد تعلق طفل بوالديه وليس لديه أي اختيار حقيقي ولكن التزام ناضح وحر من الحبيب للمحبوب.

ودائماً ألجأ إلى فكرة الزواج كصورة لهذه العلاقة الناضجة لأنني عايشتها كل يوم لمدة ثلاثين عاماً وهي أيضاً صورة يؤكد عليها الكتاب دائماً. كيف يمكنني أن أختار نوعاً جديداً من الاتكال التطوعي في الزواج؟ وأعتقد أنني أنا وزوجتي جانيت اتخذنا قرارين ساعدانا لكي ننتقل إلى آفاق جديدة.

في أول مرة، انتقلنا من الأحياء البعيدة في شيكاغو إلى وسط المدينة. وكان يبدو أنها نوع من المخاطرة لأننا اعتقدنا أننا يمكن أن نتعرض لأي هجوم او اعتداء مرة كل أسبوع في هذه المدينة. وتجولنا في المدينة وسمعنا لغات أخرى ينطق بها الناس في الشوارع. وتعلمنا كيف نتقبل ونستمتع بالأجناس والثقافات المختلفة المحيطة بنا. ولم نتعرض لأي نوع من الاعتداء طوال ثلاثة عشر عاماً قضيناها وسط المدينة.

وبعد تلك السنوات الغنية في حياة المدينة انتقلنا إلى كولورادو وهي على النقيض من شيكاغو في كل شيء. ولم نعرف أحداً فيها وكان علينا أن نبدأ ثانية العملية المعقدة لاكتشاف المجتمع والكنيسة والأصدقاء.

وعندما أتأمل في الأحداث الماضية يبدو واضحاً أننا انتقلنا إلى شيكاغو من أجل جانيت ثم انتقلنا إلى كولورادو لأنها كانت هذه رغبتي أنا. ونجحت جانيت في المدينة وأعدت برنامجاً للخدمة في الكنيسة تجاوب مع الاحتياجات العملية للمسنين وكان معظمهم فقراء والبعض منهم بلا مأوى. إن حياة المدينة بضغوطها وضوضائها بددت طاقتي الإبداعية، ولذلك اخترنا كولورادو بحثاً عن بيئة أكثر هدوءً تساعدني على الكتابة.

وانتقالنا إلى كلا المكانين تطلّب الكثير من التكيف والتضحيات. وكما يعرف كل شخص في زواج ناجح أن الزوجين يتحملان كل هذه التغيرات بروح متبادلة من التسليم. ولأنني أعمل بالمنزل فقد ساعدنا هذا لأن يكون لدينا الكثير من الاختبارات أكثر من آخرين. ولكن روح القوة التي قد تقول (إنني أحتاج إلى تغيير مجتمعنا هذا الذي نعيش فيه وسوف أنتقل من هنا أردت هذا أم لا) أو العلاقة (لقد حققت أنت رغبتك، وجاء دوري لكي أحقق رغبتي أنا) فمثل هذه الروح ستدمر كل شيء. لا أحد منا كان يفرض قراره على الآخر.

وفي الحقيقة في أية علاقة ناضجة يضع الحب الحدود والروابط. فلا يمكنني الإشارة إلى عدد المرات الكثيرة التي تخلت فيها جانيت عن أمور محبوبة لديها حباً لي، وأنا أيضاً فعلت نفس الشيء. فلا أحد منا يستطيع أن يكسب كل شيء طوال الوقت. ولأننا مرتبطان وملتزمان معاً فنحن نتكيف في الأمور الكبيرة والصغيرة الضرورية حتى نحيا معاً في سلام ونحاول ممارسة القوة والحرية في نطاق الحدود التي وضعناها معاً بالحب.

ثلاثون عاماً في هذا الزواج أحدثت تغييراً في كل منا. فقد تغيرنا كثيراً عما كنا عليه في بداية الزواج. علمتني جانيت مهارات اجتماعية، ومحبة النباتات، والعطف على الفقراء، وأنا علمتها الاستماع بالموسيقى الكلاسيكية، والتنبه للجمال الطبيعي، والحماس للسفر، وممارسة الرياضة. وخضوعنا لبعضنا البعض ساعدنا على النمو وليس الانكماش والعزلة.

ويدرك المحبون أن العلاقة تنمو في تربة من الثقة والنعمة والغفران وليس الناموس. وإن الحب لا يُفرض بالأمر. إنه لأمر طبيعي أن يريد أحد المحبين ما يريده الآخر. وعندما يتطلب الحب تضحية شخصية، فيبدو الأمر وكأنه موهبة: “لتكن لا إرادتي بل إرادتك”. ويفتخر المحبون قائلين: إنني أتحدث عن زوجتي للآخرين وأفتخر بإنجازاتها ليس لأني مضطر لذلك ولكن لأنني أريد للآخرين أن يعرفونها كما أعرفها أنا. بهذه الطريقة وبطرق أخرى تعلمت من الزواج كيف يجب أن تكون علاقتنا مع الله ناضجة. وقد وصف أوغسطينوس الحياة الروحية الطيبة بأنها “الحب المنظم جيداً”.

إن الحالة التي يريدها الله منا تأتي كنتيجة لعلاقة أمينة ومخلصة معه. إننا نسعى لأن نُسر الله وهدفنا الأعلى أن نعرفه ونحبه ونضحي بالكثير، وأثناء هذه العملية نحن أنفسنا نتغير. وتنمو الروحانية الشخصية كثمرة من ثمار تعاملاتنا مع الله. وفي النهاية، نجد أنفسنا أننا لسنا فقط ما يُسِر الله بل إننا نريد أن نعمل ذلك.

اسأل أي شخص عالمي ليوضح لك سلوك المؤمنين الملتزمين. لماذا يتجنبون العادات الضارة بالجسم، ويحاربون الشهوة والفساد، ويفضلون الآخرين على ذواتهم، ويصرون على ممارسة الأمانة والعدل، يبحثون عن المكروهين والمنبوذين؟ وقد تسمع إحدى هذه الإجابات: “إنهم يخشون الجحيم، ويخافون من غضب الله، الدين هو دعامتهم، إنهم يعتمدون على هذه القواعد والقوانين لأنهم لا يستطيعون أن يكونّوا رأيهم الخاص – إنهم مضغوط عليهم – إنهم يجتمعون معاً لتأكيد معتقدات بعضهم البعض”. ومع أن هذا الإجابات قد يكون لها أساس من الصحة، فإنها لا تعكس الدوافع لدى المؤمنين والموصوفة في الكتاب المقدس.

لقد حكى لنا الرب يسوع عن التاجر الذي وجد لؤلؤة ثمينة فباع كل ما يمتلك لكي يشتريها. وفرحه بشرائها أنساه كل ما خسره. وهذا هو تصور الإنسان الناضج والبالغ عن الحياة المسيحية: ليس وجهاً عابساً ونظاماً صارماً ولكنها حياة جديدة مملوءة بالحيوية تستحق كل تضحية من أجلها.

والوصول إلى هذا الهدف قد يأخذ وقتاً وممارسة طويلة. وكما قال س. إس. لويس: “يجب أن أقول صلواتي كل يوم سواء شعرت بالخشوع أم لا، ولكن هذا يشبه اضطراري لتعلم قواعد اللغة إذا أردت قراءة الشعر”. ومثلما درس لويس قواعد اللغة اليونانية لا لكي يعرب الأفعال ولكن ليقرأ الشعر، فكذلك أمارس أنا التدريب على مفاتيح البيانو حتى تمكنني من إتقان استخدامه. وتأتي المكافأة بعد الممارسة ولا نحصل عليها بلا ممارسة. وقال أيضاً لويس: “نحن نتصرف بدافع الواجب آملين يوماً ما أن نفعل نفس الشيء بحرية وإصرار”.

لماذا يجب أن نكون صالحين؟ لماذا نهتم بكل الوصايا المذكورة في العهد الجديد؟ وأثناء قراءتي لصفحات الكتاب، قمت بوضع خط على الأماكن التي تصف العلاقة التي يريدها الله من الكبار. وأقدم ثلاثة أمثلة توضيحية يشير كل منها إلى دافع له ما يماثله في الكتاب المقدس.

المثل التوضيحي الأول سمعته من آرون غاندي حفيد المهاتما غاندي والمقيم الآن في الولايات المتحدة. قضى آرون فترة المراهقة في جنوب أفريقيا، وحيث قام والده بالمساعدة في حملة المطالبة بالحقوق المدنية التي بدأها جده غاندي منذ عدة سنوات. وبعدما تعلم آرون القيادة طلب منه والده أن يأخذه بالسيارة لوسط المدينة لمكتب محام لاجتماع هام معه ثم يمكنه بعد ذلك أخذ السيارة لإصلاحها. وقال له: “بإمكانك أن تفعل أي شيء تريده طالما ستأتي لتأخذني في الساعة السادسة تماماً”. ومثل أي مراهق حصل على رخصة قيادة، قفز أرون فرحاً بالفرصة التي أتيحت له للقيادة في المدينة الكبيرة.

وبعد أن وضع السيارة في الجراج ذهب آرون إلى السينما. وكان الفيلم مسلياً للغاية حتى أنه حضر العرض الثاني ولم ينتبه للوقت. وعند خروجه من السينما شعر بنوع من الارتباك لحلول الظلام وتساءل ما إذا كان الجراج ما زال مفتوحاً. وأسرع إلى هناك ووجد المكان مفتوحاً. وأخذ السيارة وأسرع بها إلى مكتب المحامي حيث وصل الساعة 6,30 ووجد والده منتظراً.

ولأنه كان يعرف أن والده يحب حفظ المواعيد، اخترع آرون قصة بعض المشاكل التي واجهها عند اصلاح السيارة وقال: “إنني سعيد الحظ لأنهم انتهوا من إصلاح السيارة إذ كان عليّ أن أنتظر لمدة ساعة وهذا هو سبب تأخري”.

وكان والد آرون قد اتصل بالجراج الساعة الخامسة وعرف منهم أن السيارة جاهزة. عندما قاد آرون السيارة وخرجوا خارج حدود الم المدينة طلب من ابنه أن ينتحي جانباً. وقال إنه اتصل الجراج وعرف أن آرون كاذب. وقال الأب: “لقد تضايقت للغاية، ما الذي جعل ابني يكذب عليّ؟ كيف أنني فشلت في أن أعلم ابني أن يقول لي الحقيقة؟ يجب أن أفكر في هذا الأمر؟

ونزل الأب من السيارة وسار على قدميه بقية الطريق حتى المنزل طالباً من آرون أن يسير خلفه بالسيارة ويضئ أنوارها لتضيئ له الطريق. وأخذ يسير لمدة 6 ساعات وهو مطرق برأسه إلى الأرض في تفكير عميق. وقاد آرون السيارة على بعد خطوات من والده طوال الطريق.

عندما سمعت آرون وهو يروي هذه القصة، تساءلت ما إذا كان بإمكانه أن يستخدمها كمثل “رحلة تذنيب” استغلها الأب ليشعر ابنه بالذنب الذي اقترفه. ولكنه لا يراها بهذه الطريقة. حتى وهو في فترة المراهقة كان يحترم والده كقائد عظيم وضع المثل للأمانة والعدل. وعندما قال والده أنه يجب أن يفكر لماذا فشل كأب في تربية ابنه، كان يقصد ما يقول وقد أثر هذا في أعماق آرون. وأكثر من أي شيء آخر، أراد آرون أن يدخل السرور إلى قلب والده وإذا بحادثة الكذب تبرز أمامه. ويقول آرون: “بعد هذه الحادثة لم أكذب أبداً”.

والمثل الثاني مأخوذ من فيلم “الإنقاذ الخاص لرايان” تتولى مجموع إنقاذ يقودها الممثل توم هانكس، في إرسالية جريئة للعثور على رايان الذي قُتل اخوته الثلاثة في الحرب العالمية الثانية. وبدأت المجموعة تنفيذ مهمتها وحاربوا في اشتباكات مع النازي خلف خطوط العدو. ومات العديد منهم. وعند نهاية الفيلم يتقابل رايان صدفة مع الكابتن توم هانكس الذي أصيب بجرح مميت. وعندما نظر حوله إلى الدمار الذي نتج عن المعركة التي حاربوها لإنقاذ رايان، قال الكابتن هذه الكلمات الأخيرة في الفيلم “اربحها”.

اربحها! لقد كانت لك نعمة الشجاعة والتضحية وأخيراً حياة أولئك الذين ماتوا عنك لكي تحيا أنت. ليس لديهم ما يقدمونه أكثر من حياتهم. ولكن أنت تستطيع ذلك بإمكانك أن تحيا حياة تُثبت بها أنك كنت تستحق كل هذه التضحيات. لا تُجب بدافع الشعور بالذنب بل بدافع الشكر والامتنان مقدراً ما فعلوه من أجلك.

أما المثل الثالث فهو ما قاله أستاذ الفلسفة إدوارد لانجريك بكلية القديس أولاف في مينيسوتا، وهذا ما خاطب به إحدى الكنائس:

“تعرفت مرة على ولد صغير وعندما كان في السابعة من عمره ارتكب خطأ ترك أثراً عميقاً في نفسه. ذهب مرة إلى مخزن أدوية وحاول أن يسرق بعض المال. وفشل في ذلك ولكن بدلاً من تبليغ الشرطة أرسل إلى منزله وأبلغ والده بما حدث. وهذا هو أصعب أمر واجهه في حياته. وتبادر إلى ذهنه أن يكسر ذراعه عمداً أمام سيارة مسرعة أو يفعل أي شيء ليريحه من المناقشة الخطيرة التي ستحدث مع والديه. ولكن المناقشة حدثت. وكان رد الفعل السريع للوالد هو قوله: “ابني مجرم” ونفذت هذه الكلمات إلى قلب الولد. لقد كانت كلمات مرعبة ولكنها صادقة. طفل عمره سبع سنوات ومجرم. ولكن والدة الطفل الباكية قالت: “ابني ليس مجرماً، وسوف يصبح قسيساً”.

كنت أنا ذلك الطفل، وكانت إجابة أمي هي درس في الحب. لقد أحبني والدي أيضاً حتى أن ما قاله هو الصدق. لقد فعلت ما أستحق أن أوصف به بأنني لص. ولكنه لم يقل كل الحقيقة، لقد رأت فيّ أمي إمكانية ما يمكن أن أعمله وليس فقط ما عملته. والآن أرى أن كليهما كان مخطئاً (فلم أصبح قسيساً ولا لصاً بل أصبحت أستاذاً)، ولكن الطريق التي أحبتني بها أمي علمتني الكثير عن كيف أحب نفسي…

لنفترض وجود شخص كان يرى فيك دائماً الإمكانيات، وسامحك من أجل إمكانياتك هذه وكان يتحداك باستمرار ويقول أنه سيكون لك شأن. وأفترض أن هذا الشخص ليس مثل باقي الناس ولكنه هو المسؤول عنك وعن كل شخص آخر. ألا يمنحك هذا الشخص القدرة لتكتشف قوة المحبة لتدرك حق الادعاء الذي يقول بأن الذي يُحَب يمكن أن يُحِب. وأن مثل هذا الشخص تحبه من أجل نفسك والآخرين أيضاً؟ وإذا كان الأمر كذلك فمن أجل هذا الشخص ألا تحب نفسك وتحب قريبك كنفسك. وسوف يكون هذا أمراً رهيباً حقاً…”

إن الرغبة في أن تدخل السرور لشخص تحترم، مثلما فعل آرون وتعبر عن الامتنان مثل ريان من أجل التضحية غير العادية، كلاهما يمثل تصرف الكبار وليس دوافع طفولية للطاعة وكلاهما يمكن أن تطبقهما في علاقتنا مع الله. ومع ذلك فأستاذ الفلسفة وضع لنا مثلاً متفرداً لأقوى دافع: أن نعكس هويتنا الحقيقية كأشخاص محبوبين من الله. يقول الرسول يوحنا نحن نحب الآخرين لأن الله أحبنا أولاً. ونُسر قلب الله كما يُسر المحبوب حبيبته ليس بالاضطرار بل بالاختيار والرغبة.

فكر في الأمر: هل بإمكان أي شخص أن يفي بالوصية العظمى – أحب الرب إلهك – خوفاً من العقوبة؟ أن المحبة ليست بالإكراه. أنها تنبع من الامتلاء لا من الخوف. ووضع الرب يسوع الخطوة التالية: “من يحبني يتبع وصاياي”.

عند قراءتي للعهد الجديد، اندهشت من الإصرار المستمر للكتاب على أن الخليقة الجديدة هي الدافع للسلوك الصالح. وأنني كهيكل لله الحي، ما هو العمل الذي أغرسه فيمن حولي وقد لا يرضى عنه الله؟ ويسمي هنري نووين هذه الخليقة الجديدة “صوت الله الداخلي للحب”. روح داخلي يذكرني ويحررني لكي أتعرف كشخص محبوب من الله غير ناظر لمديح الناس أو ملامتهم. إن الصلاح أو “القداسة” هي ليست بعض الأنظمة الجديدة الفاضحة التي يجب أن أرتديها حول نفسي. إن القداسة هي ثمرة تغيير داخلي وهي استجابة تدريجية ولكن أكيدة لشخص يسكن الله فيه.

يقول أوغسطينوس: “إننا عابرو سبيل على الأرض، ونسير باستمرار”. “وهذا يعني أن علينا أن نواصل المسير باستمرار. ولهذا فأنت دائماً لا تشعر بالسعادة في المكان الذي أنت فيه إذا كنت تريد الوصول إلى غير المكان الذي أنت فيه. وإذا كنت مسروراً بحالك فقد توقفت فعلاً. وإذا قلت هذا يكفي، فأنت مفقود. واصل المسير وتقدم للأمام محاولاً تحقيق الهدف.

لدي ذاكرة قوية عن ممارسة التدريب والتهذيب الروحي. وبعد تخرجي من مدرسة لدراسة الكتاب المقدس فرضوا علينا كتيباً من 66 صفحة لقواعد نتبعها، ولكنني مارست حريتي في تجنب أي شيء مقتبس من الناموس والقواعد الروحية الصارمة. وفي إحدى العطلات الأسبوعية في فصل الشتاء استضفنا زائراً يدعى Joe وكان زميلي في كلية اللاهوت وهو يتمسك بالأمور الروحية بجدية أكثر مني، حتى أنه كان يوقظ كل من بالبيت في الساعة الخامسة صباحاً.

وأذكر أنه كان لدينا كلب قنص صغير يكره أولئك الذين يمارسون التمارين الرياضية.  فكان يطارد الذين يمارسون الجري أو يركبون الدراجات، وعندما حاولت زوجتي ممارسة نط الحبل كان يضايقها كثيراً. وحدث مرة أنه في الخامسة صباحاً سمعنا نباح الكلب في حجرة المعيشة. وخوفاً من وجود لص وبسرعة أمسكت بمضرب الراكيت، وهو السلاح الوحيد الذي وجدته أمامي، وأسرعت نحو الغرفة وفتحت الباب وأضأت النور. وإذ بي أرى Joe مرتدياً الشورت، وعيناه مفتوحتان في فزع شديد محاولاً دفع كلب رمادي صغير واقفاً على ظهره العاري ومحاولاً عض شعر رأسه.

وبعد تهدئة الكلب، شرح لنا Joe ما حدث، قال أنه بعد قضاء ساعتين هادئتين في الصباح بدأ في ممارسة بعض التمارين ليستيقظ. ومن معاشرتي لـ Joe كزميل في الدراسة أدركت أنه يمارس كل هذه التدريبات الروحية ليس بدافع من ضمير يؤنبه بل كواجب مفروض عليه كما يمارس الرياضي تمارينه الاعتيادية اليومية. وبالرغم من أنه لا يوجد أحد يستمتع بالاستيقاظ مبكراً في منزل بارد ومظلم لكي يصلي ويقرأ الكتاب، كان Joe يعتقد أنه أمر طيب أن يبدأ يومه بمثل هذا النظام. أن المؤمن الناضج لا يجب أن يعمل ويتصرف بدافع الواجب بل برغبة وحب، لأن العمل الذي يدخل السرور لقلب الله هو أيضاً يفرح المؤمن.

وحتى اليوم أشعر أنني غير مؤهل لكي أعطي تعليمات محددة للتدريب الروحي. بل بالحري أنصح بما كتبه إيوجين بترسون، ودالاس ويلارد، وريتشارد فوستر، وإرشادات توماس ميرتون للجيل الماضي. وما كتبه بندكت، وأغناطيوس في القرون الماضية عن برامج مفصلة في هذا الأمر: البساطة، الانعزال، التسليم، الخدمة، الاعتراف، العبادة، التأمل، الصلاة، الصوم، الدراسة، التوجيه الروحي، حفظ يوم الرب، المجموعات الصغيرة، الضيافة، الطهارة، الصداقة، التكريس، العمل، القيادة، الشهادة… كل هذه تلعب دوراً في النضوج الروحي، وكلها تتطلب التزاماً قد يوجد نوعاً من الصلة بينها وبين الأفكار القديمة التي كانت تُتبع.

ويعطينا تاريخ الكنيسة الكثير من الأمثلة لأناس مارسوا التهذيب الروحي بطريقة متطرفة وغير صحيحة معذبين أجسادهم ورافضين لكل أنواع التسلية. نحن نرفض كل هذا السلوك المتطرف. ومع ذلك فعندما كنت أقرأ ما كتبوه عن تلك “الرياضية الروحية” عرفت أنها كانت تُمارس طوعياً، والقليلون منهم كانوا ينظرون إليها بنوع من الأسف. إننا نعيش في مجتمع لا يستطيع أن يفهم أولئك الذين يصومون أو يصلون لمدة ساعتين في وقت هادئ، ثم يُقدرون لاعبي كرة القدم المحترفين الذين يتدربون لمدة خمس ساعات يومياً وقد تُجرى لهم عمليات جراحية في الركبة أو الكتف لعلاج إصاباتهم في الملاعب. إن كرهنا للنظام الرياضي قد يكشف الكثير عن أنفسنا أكثر مما يكشف عن “القديسين” الذي ننتقدهم.

عبر توماس ميرتون عن التشابه بين الحرية والثروة التي يتمتع بها الرجل الغني. فالرجل الغني بإمكانه، إذا أراد، أن يشعل سيجارته بنقوده. ويقول ميرتون أنه قبل معرفته للرب، بدد حريته في الحفلات وشرب الخمر. ولكن الرجل الغني الحكيم يعرف الطرق لاستغلال أمواله ليجني الثمار فيما بعد. أما ميرتون فقد اختار أن يستثمر حريته بالتحاقه بدير، والصلاة لعدة ساعات، ويعيش في سكون وعزلة. وقليلون من الذين يعرفون حياته يقولون أنه قد أضاعها.

وعندما أدرس حياة أناس مثل: فرنسيس الأسيزي، بندكيت، ميرتون، الأم تريزا، أرى في هذا النفوس المنظمة ليس مجرد اتباعها لنوع من النظم في تصميم وتزمت بل يحدث هذا بتلقائية بل بفرح. وباستثمارهم لحريتهم في نظام، فإنهم بذلك يتمتعون بحرية أعمق وغير متاحة في أي مكان آخر.

وقد نصح القديس بنديكت بالحاجة إلى “قليل من الحزم لكي نصلح الأخطاء ونحمي الحب”، وتساعدنا هذه النصيحة لكي نحافظ على النظام من أن يصل إلى التطرف. إن المحبة هي ما يريده الله منها في علاقته معنا، ولكننا نحن البشر نود أن نختبر الحب مثل أي عاطفة روحية ماكثة فينا – فالحب الذي يستمتع به الزوجان في ذكرى زواجهما ليس هو بنفس القوة التي كان بها في بداية زواجهما. وكجزء من الاشتراطات الروحية وضع يوناثان إدوارد قائمة من 70 “قراراً” لمراجعتها بانتظام. ويقول القرار رقم 25 “امتحن بعناية وباستمرار، الشيء الذي في داخلي، والذي قد يتسبب في شكي في محبة الله والذي قد يوجه كل قواي ضده”.

إن أولئك الذين يكتبون عن الحياة المسيحية يقررون أنها تزداد صعوبة وليس سهولة بمرور السنين. وفي مثل هذه الأوقات فإن التدريب والنظام الروحي يقدم العلاج الوحيد المؤثر. فالذي يتسلق قمة جبل إيفرست يعتمد على خبرة سنوات، فمجرد الطريق غير الممهد قبل الصعود لا يكفي.

لمدة عشرين عاماً مارست رياضة الجري والدراجات والأيروبك ثلاث مرات أسبوعياً. ولم أفعل هذا لأن أحداً يجبرني على ذلك أو لأنني مقتنع بأن هذا أمر جيد  ولكن أفعل هذا لفائدته بالنسبة لي. فبإمكاني تسلق الجبال والتزحلق على الجليد دون متاعب في التنفس أو العضلات. وهذه هي المكافأة من ممارسة الرياضة الجسدية. (وقد كتب الرسول بولس شيئاً مشابهاً لذلك) “درب نفسك على التقوى، الرياضة الجسدية نافعة لقليل أما الروحية فنافعة لكي شيء ولها وعد الحياة الحاضرة والمستقبلة أيضاً”.

شاركت في مسابقات للجري لمسافات محدودة ولكن شاركت في ماراثون واحد فقط، وكان بالنسبة لهاوٍ مثل حدثاً رياضياً. وقد استمر الجري لمدة ثلاث ساعات ونصف ناضلت فيها بتركيز ذهني. وعندما كنت أشارك في الجري لمسافات قصيرة، كان بإمكاني أن أظل متيقظاً لما أفعله وللمسافة المتبقية وبإمكاني تقدير الوقت الباقي لإنهاء السباق. أما في الماراثون فكنت أشعر كما لو أنني أضع نظارة سوداء على عيني وغير قادر على التركيز في السباق. أما في الماراثون فكنت أشعر كما لو أنني أضع نظارة سوداء على عيني وغير قادر على التركيز في السباق ككل. وركزت تفكيري على الألم في أصبع قدمي اليسرى وعلى امتلاء المثانة بالبول…. وكانت تنتابني لحظات من الفرح واليأس بدون اي سبب واضح. وكنت أقول لنفسي واصل الجري فسوف ينتهي بعد قليل. والطريقة الوحيدة لكي تصل للنهاية هي أن تستمر في الجري.

وافق أحد أصدقائي على رؤيتي عند مسافة عشرة كيلومتر، ولكنه لم يحضر فأصبت باليأس الذي استمر معي لمدة خمس دقائق. وأجبرت نفس للنظر إلى من يجرون حولي، وإلى المناطق المجاورة في شيكاغو، والإعلانات المعلقة طوال الطريق، وبينما كنت أفعل ذلك فقد طريق السباق الصحيح ولم أعرف ترتيبي فيه. وبعد الجري لمسافة 17 ميل سمعت صوتاً من الجمهور الذي كان يستمع للراديو أن المتسابق الأول عبر خط النهاية. وكان عليّ أن أجري تسعة أميال لأصل للنهاية.

وعند علامة العشرين ميلاً شعرت بالرغبة لتهدئة الجري ثم السير. وفجأة ظهر صديق ولأول مرة وجدت شخصاً لأتحدث معه. وكان سبب تأخيره عن الحضور أن الكثير من الشوارع كانت مغلقة وقال هذا وهو يجري بجواري. وفي عمل يدل على قوة صداقته لي وشعوره بمدى ضعفي، واصل داف Dave بالجري بجانبي لمسافة الستة أميال الباقية مقدماً لي كل تشجيع.

 “أعتقد أن كل المؤمنين يتفقون معي إذا قلت أنه مع أن المسيحية تبدو في بداية الأمر كما أو أنها تتحدث عن الأخلاقيات والواجبات والقوانين والذنب والفضيلة، وبالرغم من ذلك فهي تقودك إلى شيء ما وراء ذلك. فيمكن للإنسان أن يتخيل بلداً لا يتحدث فيه أحد عن هذه الأمور إلا كما لو أنها نكتة. فكل واحد هناك سوف يمتلئ بالصلاح كما تمتلئ المرآة بالضوء. ولكنهم لا يسمونه صلاحاً أو أي شيء. ولا يفكرون فيه فهم مشغولون بالنظر إلى مصدر هذا الصلاح”.

س. إس. لويس

يشبه العهد الجديد الحياة المسيحية بالسباق في خمسة أماكن، ولو كان بولس ما زال يكتب حتى اليوم لكان قد وضع مواصفات لسباق الماراثون. فالستة وعشرون ميلاً التي جريتها تشمل كل العواطف الإنسانية. أما الأميال العابرة والمؤقتة فقد تلاشت بسرعة. والذي ساعدني على تكملة السباق هو السير والتحمل وأخيراً تشجيع صديقي لي. وفيما بعد، عندما فكرت في السباق، عرفت أن مشاعر الهزيمة التي شعرت بها هو أمر عادي كما وصفته المجلة الخاصة بالسباق. وفي ذلك الوقت لم تكن لي أية توقعات فاتخذت قرار السير خطوة خطوة لتكملة السباق حتى النهاية.

اعتاد مارتن لوثر كنج أن يقول للعاملين في مجال حقوق الإنسان “إن لم تستطع الطيران، فإجرِ. وإن لم تستطع الجري، امشِ. وإن لم تستطع المشي،  ازحف. فالأمر المهم أن تظل متحركاً”. وتنطبق نصيحته على من يشاركون في الماراثون وعلى المؤمنين في مسيرتهم مع الرب. وتتقدم الحياة مع الله مثل أية علاقة أخرى: عدم ثبات، فترات طويلة من السكون، انتصارات وهزائم، تجارب وانتصارات. ولكي نحقق الكمال الذي يقودنا للهدف المنشود يجب أن ننتظر حتى ينتهي السباق، حتى الموت، وهذا الانتظار في حد ذاته هو عمل عادي للإيمان والشجاعة.

إقرأ أيضاً:

إقرأ أيضًا

أحجية الألم!! - مشكلة الشر

أحجية الألم!! – مشكلة الشر

أحجية الألم!! – مشكلة الشر أحجية الألم!! – مشكلة الشر   يا قرص شمس ما …