الرئيسية / أبحاث / الإيمان بابن الله ليتورجيًا – د. جوزيف موريس فلتس

الإيمان بابن الله ليتورجيًا – د. جوزيف موريس فلتس

الإيمان بابن ليتورجيًا – د. جوزيف موريس فلتس

الإيمان بابن الله ليتورجيًا - د. جوزيف موريس فلتس
الإيمان بابن ليتورجيًا – د. جوزيف موريس فلتس

الإيمان بابن ليتورجيًا – د. جوزيف موريس فلتس

 

مقدمة :

            في بحثنا لموضوع ” الإيمان بابن ليتورجيًا ” سنتناول بالحديث كيف أن الكنيسة تعيش عبر العصور الإيمان بكلمة ، الابن المتجسّد، يسوع المسيح، الرب والمخلّص، في شركة واختبار حيّ لمفاعيل سر التدبير الإلهي الذي تمّمه.

          ولقد عبّرت الكنيسة عن إيمانها هذا في مناسبات عديدة وبطرقٍ متنوّعة، فلقد كانت المعمودية والمحاكمات التي كانت تجرى للمسيحيين في القرون الأولى، من المناسبات المهمّة للتعبير عن هذا الإيمان كما يشهد آباء تلك الفترة، ثم جاءت نصوص الليتورجيات كسَّر الإفخارستيا مثلاً، وصلوات التسبحة، وأسبوع الآلام لتعبّر عن إيمان الآباء وما تعتقده الكنيسة في شخص يسوع المسيح ابن الحيّ كما سنرى:

 

أولاً : استخدام الكتاب المقدس ليتورجيًا:

            لقد حوت أسفار العهد الجديد على اعتراف إيمان ὁmolog…a p…stewj الآباء الرسل الواضح والصريح بالثالوث الأقدس الآب والابن والروح القدس في تعبيرات بسيطة بدون التركيز على الصياغات اللاهوتية لهذا الاعتراف. وقد ركّز اعتراف الإيمان في كتابات العهد الجديد في المقام الأول على ضرورة الاعتراف بأن يسوع المسيح هو الرب وليس أحد يقدر أن يقول يسوع رب إلاّ بالروح القدس(1كو3:12)، وأيضًا ” لأنك إن اعترفت بفمك بالرب يسوع وآمنت بقلبك أن الله أقامه من الأموات خَلُصتَ ” (رو9:10).

          ويسجل لنا متى الإنجيلي كلمات الرب نفسه لتلاميذه عندما دعاهم للخدمة، وكلّفهم بحمل البشارة المفرحة، وأوصاهم قائلاً ” فكل من يعترف بي قدام الناس اعترف أنا أيضًا به قدام أبى الذي في السموات، ولكن من ينكرني قدام الناس أنكره أنا أيضًا قدام أبى الذي في السموات ” (مت32:10ـ33). بل وما “خيانة” بطرس الرسول في جوهرها إلاّ إنكاره الإيمان بابن الله أى إنكاره بمعرفة السيد المسيح.

          ويمكن أن تلاحظ أيضًا ” اعتراف الإيمان ” هذا في اجتماع الجماعة العابدة والساجدة (في ليتورجيا) يصفها بولس الرسول في رسالته إلى أهل فيلبى إذ يقول     ” لكي تجثوا باسم يسوع كل ركبة ممن في السماء ومن على الأرض ومن تحت الأرض ويعترف كل لسان أن يسوع هو رب لمجد الله الآب ” (فى11:2). وما إجابة الخصي على فيلبس إلاّ اعتراف إيمان تم ـ كما سنرى ـ في عمل موقف اتخذته الكنيسة لتدعيم عمل ليتورجى: ” فأجاب وقال أنا أؤمن أن يسوع المسيح هو ” (أع37:8).

          عقيدة أخرى شملها ” اعتراف الإيمان بابن الله ” كما جاءت في أسفار الكتاب المقدّس وهى أن الاعتراف بيسوع الرب هو الاعتراف به مسيحًا أي الممسوح بالروح القدس ذلك لأن يسوع هو المسيح وهو موضوع كل ما جاء في العهد القديم من نبوات والتي تمّت وأُكمِلَت في يسوع الناصري ، يسوع الذي جاء في الجسد ولهذا كتب معلّمنا يوحنا الإنجيلي موضحًا في رسالته الأولى قائلاً ” من هو الكذاب إلاّ الذي ينكر (عكس يعترف) أن يسوع هو المسيح ” (1يو22:2)، وفى موضع آخر من نفس الرسالة يوضح خطورة عدم الاعتراف بذلك الذي جاء في الجسد فيحذر ” كل روح يعترف بيسوع المسيح أنه قد جاء في الجسد فهو من الله وكل روح لا يعترف بيسوع المسيح أنه قد جاء في الجسد فليس من الله وهذا هو روح ضد المسيح ” (1يو3:4).

          وعلى وجه العموم فالعهد الجديد يركز على ضرورة اعترافنا دائمًا بالله الواحد الآب والرب يسوع المسيح (بميلاده ـ موته ـ قيامته وصعوده ـ مجيئه الثاني) وبالروح القدس[1].

          والشركة التي اختبرها الرسل وعاشوها وأرادوا أن يشركوا آخرين فيها هى شهادة marthr…a بالذي رأوه وسمعوه ولمسته أيديهم أى ” اعتراف إيمان ” قادهم إلى الشركة مع الآب والابن والروح القدس، هذه الشركة نفسها نقلوها حيّة وسلّموها بلا تغيير لمن بعدهم وليشترك فيها أيضًا كل من له ” اعتراف الإيمان ” أو قانون الإيمان هذا.

          لأجل هذا كله نجد أن الكنيسة في استخدامها الليتورجى للكتاب المقدس وخصوصًا عند ممارستها لسر الإفخارستيا وقبل قراءة إنجيل القداس، تعلن عن نفس الإيمان الذي أعطاه الرب وكرز به الرسل وسجّله الإنجيل، وذلك لتشهد وتكرّر ـ في كل مرّة يُقام فيها السّر ـ شهادتها بأنها تمارس نفس السّر الذي أسّسه الرب يسوع نفسه من أجلنا ومن أجل خلاص نفوسنا، وبإعلان إيمانها بابن الله الحيّ تنال ـ من خلال هذا السر ـ مغفرة للخطايا، وشركة الحياة الأبدية.

ثانيًا: ولقد كانت المعمودية هى أهم المناسبات الليتورجية ـ كما سبق القول ـ للاعتراف بالإيمان أى الاعتراف بالمسيح يسوع ربًا، حيث إن المعمودية كانت تُجرى باسم الرب يسوع كما يشهد سفر الأعمال (أع16:8،5:11) ولهذا كانت الكنيسة تُعّد الموعوظين ـ أى الآتين إليها ـ لقبول المعمودية والاشتراك في الليتورجية. وكان هذا الإعداد يتطلّب دقة واهتمام لكي لا يدخل الكنيسة إلاّ من يؤمن بابن الله. ويخبرنا القديس كيرلس الأورشليمي أن الإيمان كان الموضوع الرئيسي في تعليم الموعوظين[2] حيث كان يُشرح لهم أثناء فترة الصوم الأربعيني معتقدات الكنيسة الرئيسية.

            وتمدنا كتابات الآباء الرسوليين بنصوص هامة عن مضمون الإيمان بابن الله أو اعتراف الإيمان في ذلك العصر حيث يكتب القديس كليمندس الروماني: ” أليس لنا إله واحد والمسيح الواحد والروح الواحد الذي أعطانا النعمة وسكب على الكل “[3].

          وقد أشار الشهيد أغناطيوس الأنطاكي إلى الإيمان بابن الله بقوله:

           ” ليس سوى إله واحد ظهر بابنه يسوع المسيح كلمته ” [4].

          وفى نص رائع يعبّر القديس والشهيد أغناطيوس عن إيمانه هذا فيقول [لأن إلهنا يسوع المسيح قد حملته أحشاء مريم كحسب التدبير الإلهي فوُلد من ذرية داود ومن الروح القدس. وُلد واعتمد ليطهّر الماء بآلامه]، ويحذر المؤمنين قائلاً [احموا آذانكم عن أي شئ آخر سوى المسيح يسوع سليل داود المولود من مريم العذراء الذي وُلد حقًا وأكل وشرب حقًا وصُلب حقًا على عهد بيلاطس البنطي ومات حقًا أمام السمائيين والأرضيين والذين تحت الأرض وقام حقًا من الأموات. فالآب هو الذي أقامه وسيقيمنا معه وعلى مثاله نحن الذين آمنا به، وبدونه لا حياة حقيقية لنا] [5].

          وكتب الشهيد بوليكاربوس رسالة إلى أهل فيلبى يعرّفنا في بدايتها بالتعاليم التي تسلمها منذ البدء والتي تمثل بالنسبة له “إيمان” يجب التمسك وعدم التفريط فيه فيقول:

          [ من لا يعترف بأن يسوع المسيح قد جاء في الجسد فهو ضد المسيح ومن لا يسلّم بشهادة الصليب فهو من الشيطان وكل من يسئ تأويل أقوال الرب، حسب رغباته الخاصة وينكر القيامة والدينونة فهو بكر الشيطان ، لذلك فلندع الأحاديث الضالة والباطلة والأقوال الفاسدة ولنتمسك بالتعاليم التي سُلمت إلينا منذ البدء ][6].

          ومن المناسبات الأخرى للاعتراف هي المحاكمات التي كانت تجرى للمسيحيين حيث كان يُرغم المسيحي على أن يقول ” يسوع أناثيما ” أي مرفوض أو ملعون، وفى محاكمة الشهيد بوليكاربوس طَلب منه الوالي أن يلعن المسيح فأجاب بوليكاربوس قائلاً: كيف ألعن ملكي[7]. وفى خطاب بلينى Pliny حاكم بيثينيا على البحر الأسود إلى الإمبراطور تراجان حوالي سنة 112 م يقول [أحاول أن أجعلهم يلعنون المسيح ][8].

          وأيضًا قدَّم الشهيد يوستينوس دفاعًا رائعًا عن الإيمان المسيحي والمسيحيين أمام الإمبراطور أنطونيوس بيوس وأدار حوارًا مع اليهودي تريفو أوضح فيه الإيمان المسيحي فيقول: [ نحن نعبد الإله الحقيقي وابنه الذي جاء منه والروح الذي أعطى النبوة][9] ويوضح الشهيد يوستينوس أمام الإمبراطور إيمان المسيحيين فيقول: [ إننا نعبد الآب الذي خلق كل الأشياء بابنه يسوع المسيح وبالروح القدس….. نحن لسنا ملحدين لأننا نعبد خالق هذا العالم ولدينا أسبابًا حسنة تجعلنا نوقر (الآب) الذي علّمنا هذه الأشياء والمولود منه يسوع المسيح الذي صُلب على عهد بيلاطس البنطى والى اليهودية في عهد طيباريوس قيصر… والروح القدس الذي أعطى النبوة ][10] وفي موضع آخر يدافع عن نفس هذا الإيمان فيقول [ نحن نعلم بأن الكلمة هو بكر الآب مولود منه بدون زرع بشر، يسوع المسيح معلمنا الذي صُلب ومات وقام وصعد إلى السموات ][11].

 

القديس إيريناؤس وقاعدة الإيمان :

          لقد عاش القديس ايريناؤس في القرن الثاني الميلادي وفي هذه الفترة كثرت الهرطقات وانتشرت ومع هذا فهو يكتب [ إن الكنيسة مبعثرة في كل أرجاء المسكونة لكن لها إيمان واحد سُلِّم من الرسل ثم إلى تلاميذ الرسل وعلى الرغم من أن لغات البشر تختلف إلاّ أن جوهر التقليد واحد في كل مكان ][12].

          ولقد أوجد القديس إيريناؤس تعبيرًا رائعًا ودقيقًا استخدمه في مناسبات عديدة ليصف به محتويات العقيدة وتعاليم الكنيسة ذلك هو  تعبير ” قاعدة الإيمان “[13] هذا الإيمان هو الذي أسست عليه الكنيسة ليتورجياتها وعبّرت عنه في نصوص هذه الليتورجية. ولهذا يكتب في مقالة شرح الإيمان الرسولي ضمن كتاب عن ” الكرازة الرسولية “ فيقول [ إن البند الأول من قانون إيماننا، وقاعدة البناء وأساس الخلاص هى أن: ” الله الآب غير المولود، غير المُحوى، غير المرئي إله واحد خالق الجميع”.

والبند الثاني: هو أن كلمة الله ” ، يسوع المسيح ربنا، الذي تنبأ عنه الأنبياء، الذي كل شئ به كان وبتدبير الآب في الأيام الأخيرة صار إنسانًا بين البشر وتراءى للكل لكي يُبطل الموت ولكي يجمّع كل شئ ويُظهر الحياة ويصنع شركة بين الله والإنسان”. والبند الثالث هو أن: “الروح القدس هو الذي بواسطته تنبأ الأنبياء وتعلّم الآباء بأمور الله، والذي بواسطته دخل الأبرار إلى طريق البر، كما أنه انسكب في الأيام الأخيرة بطريقة جديدة على جنس البشر مجددًا الإنسان لله ][14].

          وإن كانت الأسفار المقدسة قد احتوت اعترافًا بالإيمان إلاّ أن وجود صيغة محددة للإيمان ومعروفة كانت ضرورية لمن ليس لديهم هذه الأسفار بلغتهم من الشعوب غير اليونانية واللاتينية ، فيقول ق. إيريناؤس [ هؤلاء ليس لديهم الأسفار المقدسة بلغتهم لكنهم يعرفون محتويات الرسالة والإيمان المسيحي لأنه مكتوب على قلوبهم وهم يعلنون مع الذين لديهم الأسفار الإيمان بإله واحد خلق السماء والأرض وكل ما فيهما في المسيح يسوع الذي جاء من أجل عظم محبته للخليقة وولد من العذراء لكى يتمجد فيه الإنسان بالله ، ومات على عهد بيلاطس البنطى وقام وصعد بمجد عظيم وسيأتي في اليوم الأخير.. والروح القدس ][15].

 

شهادة أخرى يقدمها لنا القديس هيبوليتوس الذي استشهد عام 235م:

          ومن أهم ما كتب ق. هيبوليتوس أو أبوليدس كما نسميه بالعربية ، هو كتاب ” التقليد الرسولي ” وهذا الكتاب هو أقدم ما وصل إلينا عن قواعد العبادة والخدمة الليتورجية بالكنيسة ويتضمّن أيضًا طقس رسامات درجات الكهنوت الثلاثة ثم القداس والمعمودية وفى كتاب آخر له كتب ضد هرطقة نوئيتس يذكر ق. هيبوليتوس الصيغة التي أقرها الأساقفة بسميرنا في أسيا الصغرى عن الاعتراف بالإيمان فيقول [نمجد الإله الواحد ولكن كما نعرفه ونقبل المسيح ابنًا لله الذي تألم كما هو معروف لنا ومات بالطريقة المعروفة (الصليب) وقام في اليوم الثالث وهو عن يمين الآب وسيأتي ليدين الأحياء والأموات][16].

 

رسالة الرسل:

            في نص يرجع تاريخه إلى القرن الثاني تقريبًا ويسمى pistula Apostolourm رسالة الرسل، نرى صورة مبسّطة لاعتراف الإيمان وتتركز على بنود خمسة للإيمان.

          وجاء في هذا النص شرح لمعجزة الخمس خبزات التي أشبعت الجموع حيث إن البنود الخمس للإيمان هي هذه الخبزات:

          1 ـ الإيمان بالآب خالق الكون                                      2 ـ بيسوع المسيح فادينا

          3 ـ بالروح القدس المعزى                                           4 ـ بالكنيسة الجامعة

          5 ـ بمغفرة الخطايا[17]

 

السمكة تعبير مختصر عن الإيمان : ICQUS

            وردت عبارة ” يسوع المسيح المخلص ” كتعبير مختصر عن الإيمان المسيحى وكان رمز السمكة هو المُعبّر عن هذا الإيمان حيث أن حروف كلمة أخثيس ICQUS هى الحروف الأولى من هذه الكلمات الخمس.

          ولقد شهد العلامة ترتليان ونقوش Abercuis بذلك كما وردت هذه العبارة في مؤلفات الكتّاب المسيحيين كقانون إيمان يعبّر عن المعتقد المسيحي.

 

القرن الثالث الميلادي:

            تمدّنا مصادر القرن الثالث الميلادي بطريقة ممارسة الاعتراف بالإيمان. فكما كانت فرصة القدوم للمعمودية هي المناسبة الأولى التي تلزم ضرورة الاعتراف بالإيمان. فقد كانت طقوس ليتورجية المعمودية ذاتها هي المناسبة الثانية لما يتّم فيها من “استجواب” في الماء للوقوف على مدى استعداد المُعَمد لقبول هذا الإيمان والاعتراف به فيقول العلامة ترتليان “عندما نغطس ثلاث مرات نجيب إجابة أطول من تلك التي قررها الرب في الإنجيل”[18] أي اعتراف بالإيمان أكثر تفصيلاً من صيغة التعميد كما جاءت في (مت 19:28). وهذا الاستجواب كان في صورة أسئلة محدّدة يسألها الكاهن وهو يضع يده على رأس المعمد في الماء والذي يجيب في كل مرة أؤمن.

1 ـ هل تؤمن بالله الآب ضابط الكلّ؟ فيرد المُعمّد قائلاً: أؤمن به. عندئذ فليعمّده للمرة الأولى ويده على رأسه ثم يقول.

2 ـ هل تؤمن بالمسيح يسوع الذي وُلِّد بفعل الروح القدس ومن العذراء مريم ومات وقُبر وقام حيًا من بين الأموات في اليوم الثالث وجلس عن يمين الآب وسيأتي ليدين الأحياء والأموات ؟ فيقول المُعمّد: أؤمن. عندئذ يعمده للمرة الثانية ويعود فيسأله.

3 ـ هل تؤمن بالروح القدس وبالكنيسة المقدسة وبقيامة الجسد ؟ فيقول المُعمد: أؤمن. وعليه يعمده المرة الثالثة، وعندما يخرج من الماء يدهنه الكاهن بالزيت المقدس باسم يسوع المسيح “[19].

          غير أنه بانتهاء طقس المعمودية لا تنتهي الفرصة للاعتراف بالإيمان وذلك لأن كل صلاة واجتماع مسيحي يعنى الاعتراف بالإيمان لاسيما في الاجتماع الإفخارستى.

 

القرن الرابع:

          تأتى شهادة القديس أمبروسيوس أسقف ميلانو من آباء القرن الرابع (340ـ397م) لتوضّح أيضًا علاقة الإيمان بالمعمودية وأن تغطيس المُعمّد في الماء ثلاث مرات على اسم الثالوث هى فرصة لتقديم شهادة إيمانه بالأقانيم الثلاثة أو كما يسميه أمبروسيوس الاعتراف الثلاثى، وبعمل المسيح الخلاصى بموته على الصليب وقيامته من أجلنا فيقول:

          [ لقد سُئلت: أتؤمن بالله الآب ضابط الكل؟ فأجبت: أؤمن. إذاك غُطست في الماء. أي دُفنت. ثم سُئلت ثانية: أتؤمن بربنا يسوع المسيح والصليب؟ فأجَبتَ: أؤمن. وغُطست في الماء. وبذلك دُفنت مع المسيح، وسئُلت مرة ثالثة: أتؤمن أيضًا بالروح القدس؟ فأجبت: أؤمن. وغُطّست مرة ثالثة، حتى أن الاعتراف الثلاثى يزيل سقطات الماضي المتكررة ][20].

          وهذا الاعتراف الثلاثى ليس فقط اعتراف بتمايز الأقانيم بل وأيضًا هو شهادة إيمان للأقانيم بالتساوي إذ يضيف القديس أمبروسيوس في موضع آخر قائلاً : [ لقد غُطستم إذن (فى الماء) فتذكروا ما أجبتم به على الأسئلة، (إذ اعترفتم) بأنكم تؤمنون بالآب، وأنكم تؤمنون بالابن، وأنكم تؤمنون بالروح القدس. لم يكن الإقرار بأنكم تؤمنون بأقنوم أعظم وأقنوم عظيم وأقنوم أقل عظمة، ولكنكم ارتبطتم بنفس التأكيد، بإعلان صوتكم أنكم تؤمنون بالابن بنفس إيمانكم بالآب، وأنكم تؤمنون بالروح القدس ينفس إيمانكم بالابن، باستثناء واحد، هو أنكم تعترفون أنكم ينبغي أن تؤمنوا بصليب الرب يسوع وحده ] [21].

          ونظرًا لانتشار الهرطقات والتي كان هدفها تحريف الحق لذلك كان هناك ضرورة لعدم الاكتفاء بما تمّ في المعمودية من استجواب وضرورة الاعتراف بالإيمان بعد أن يتحدّد لا في الصيغة الرسولية فقط والمعروفة لنا في العهد الجديد بل بإضافة كلمات وتعبيرات معيّنة تَرُدَ على الهرطقات المنتشرة. ومن هنا جاءت الحاجة إلى نصوص ليتورجية تعكس الإيمان المستقيم في تعبيرات ومصطلحات، عُرفت هذه النصوص باسم قوانين الإيمان والتي من بينها قانون دير البلايزة.

 

نصوص صلوات المعمودية [22]:

          تعكس هذه النصوص إيمان الكنيسة بابن الله، يسوع المسيح، الذي هو:

أ ـ رب وإله ومخلّص : ” ربنا وإلهنا ومخلّصنا.. ” (ص11،13).

ب ـ الابن الوحيد الجنس : ” ابنك الوحيد الجنس .. ” (ص 17).

ج ـ الممسوح بدهن الفرح … عب8:1ـ12 (ص18).

د ـ الذي لم يحسب الرب عليه خط يئة ولا يوجد في فمه غش: نبوة داود مز31 (ص19).

هـ ربّ الطبيعة ـ الطبيب الحقيقي: (ص 29).

كما تكرر إيمانها واعترافها هذا في نص صلاة الكاهن على الزيت: (ص30 ).

 

قانون دير البلايزة:

          وأخيرًا نورد صيغة الاعتراف أو قانون الإيمان المستخدم في ليتورجية المعمودية في الكنيسة القبطية والمعروف في علم الليتورجيات باسم قانون دير البلايزة:

اعترف بإله واحد الله الآب ضابط الكل وبابنه الوحيد يسوع المسيح ربنا وبالروح القدس المحيى وبقيامة الجسد وبالكنيسة الواحدة الجامعة الرسولية

          حيث يقوم الكاهن بترديد هذا النص أمام الإشبين ثم يسأله ثلاث مرات قائلاً: آمنت عن هذا الطفل ؟ فيجاوبه ثلاث مرات قائلاً: آمنت[23].

          وهكذا تعيش الكنيسة وتمارس ليتورجيًا، إيمانها الحيّ بابن الله.

[1] رو24:4، 11:8، 1كو6:8، 2كو14:4، غل1:1، اتس10:1، كو12:5، أف20:1، 1بط21:1، 2بط2:1، 2يو2:1،3.

2 انظر كيرلس الأورشليمي: الآباء الأولون (1) كنيسة مارجرجس باسبورتنج 1970.

3  رسالة كليمندس الروماني فقرة 7.

4 مغنيسيا8 .

5 القديس أغناطيوس تراليا7.

6 الرسالة إلى فيلبى 2:7.

7 استشهاد بوليكاربوس 3:9.

8 خطاب بلينى إلى الإمبراطور تراجان 93:10.

9 الدفاع الأول: 6.

10 الدفاع الأول: 3.

11 الدفاع الأول: 21.

12 إيريناوس : ضد الهرطقات 10:1، 2:1 مجلد 549:7 .

[13] “قاعدة الإيمان” من مرادفات كلمة قانون .

14 انظر كتاب “الكرازة الرسولية” للقديس ايريناؤس، ترجمة د. نصحي عبد الشهيد و د. جورج عوض إبراهيم. المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية 2005م، الفصل السادس.

[15] ضد الهرطقات 4:3 ،2 مجلد 855:7 .

16 هيبوليتوس: ضد نوئيتس1،235ـ237 .

[17] انظر كواستن جـ1 ص 25 .

[18] ترتليان : الإكليل 3 .

[19] انظر الدسقولية : ص 490

[20] عن الأسرار 7:3 :20 مجموعة S.Ch No. 25, p. 68..

[21] عن الأسرار فصل 5.

22 نصوص صلوات المعمودية عن كتاب  صلوات الخدمات في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مكتبة المحبة. بدون تاريخ.

[23] المرجع السابق، ص 33ـ34 ويلاحظ أن هذا النص يردّده أيضًا الأسقف أو الأب البطريرك عند رسامته معترفًا بإيمان الكنيسة وبصفته راعيًا ومؤتمنًا ومعلّمًا لهذا الإيمان.

إقرأ أيضاً:

إقرأ أيضًا

دخول يسوع إلى الهيكل وطرد الصيارفة أم لعن شجرة التين ، أيهما حدث أولاً؟ - الرد على أبي عمر الباحث

دخول يسوع إلى الهيكل وطرد الصيارفة أم لعن شجرة التين ، أيهما حدث أولاً؟ – الرد على أبي عمر الباحث

دخول يسوع إلى الهيكل وطرد الصيارفة أم لعن شجرة التين ، أيهما حدث أولاً؟ – …