الرئيسية / أبحاث / الفكر اللاهوتى للرسول بولس فى الرسالة إلى غلاطية (2) مفهوم الإيمان

الفكر اللاهوتى للرسول بولس فى الرسالة إلى غلاطية (2) مفهوم الإيمان

الفكر اللاهوتى للرسول  فى الرسالة إلى غلاطية (2) مفهوم

الفكر اللاهوتى للرسول بولس فى الرسالة إلى غلاطية (2) مفهوم الإيمان
الفكر اللاهوتى للرسول فى الرسالة إلى غلاطية (2) مفهوم

الفكر اللاهوتى للرسول  فى الرسالة إلى غلاطية (2) مفهوم

د. موريس تاوضروس

 

                      تحدثنا فيما سبق عن التبرير، وربطنا بين التبرير والحياة الروحية وقلنا إن التبرير هو الحياة الجديدة، هو الميلاد الثاني الذي نناله بالمعمودية. وكما ربطنا بين التبرير والحياة الروحية ارتباطًا جوهريًا، هكذا يرتبط بالحياة الروحية، ارتباطًا جوهريًا. فالإيمان ليس مجرد عقيدة نظرية، ولكنه حياة وسلوك ولا يمكن أن نفصل في بين النظري والإيمان العملي، لأن على الدوام هو إيمان عامل بالمحبة.

          الناس يخطئون عندما يربطون مفهوم بالعقل فقط فيجعلون من إيمان العقل فقط. في حقيقته عمل مركب عمل يشترك فيه العقل وتشترك فيه الإرادة. عمل تشترك فيه كل قوى الإنسان. في نعقل ونشعر ونريد ونسلك ونحيا.

          عندما يقول الرسول « بالإيمان نتبرر وليس بأعمال الناموس ». فإن الذي يتكلم عنه هنا، هو هذا الذي يشتمل على العناصر التالية:

          يشتمل الإيمان على عمل العقل: العقل الذي يثق بدون تحفظ في كلمة الله، لأن الله غير قابل لأن ينخدع أو يخدع. يقول الرسول : « من أجل ذلك، نحن أيضًا نشكر الله بلا انقطاع لأنكم إذ تسلمتم منا كلمة خَبَرٍ من الله قبلتموها لا ككلمة أناس، بل كما هى بالحقيقة ككلمة الله التي تعمل أيضًا فيكم أنتم المؤمنين » (اتس13:2).

وعنصر العقل يظهر أيضًا عندما يقول الرسول « ولا بعدم إيمان ارتاب في وعد الله بل تقوى بالإيمان معطيًا مجدًا لله » على أن الرسول بولس في موضع آخر يربط بين الإيمان والقلب فيقول « لأنك إن اعترفت بفمك بالرب يسوع وآمنت بقلبك أن الله أقامه من الأموات خلصت » (رو9:10).

ارتباط الإيمان بالقلب يوضح أن الإيمان ليس عملاً عقليًا فقط ولا يرتبط فقط بعنصر العقل في الإنسان، لأن القلب في العهد الجديد يغطي النشاط العقلي والأخلاقي بأكمله. ويُستخدم القلب مجازيًا في العهد الجديد عن المنابع الخفية للحياة الشخصية. الإيمان بالقلب يعني الإيمان المرتبط بالعزم كما قيل في سفر الأعمال « وعظ الجميع أن يثبتوا في الرب بعزم القلب » (أع23:11).

ويعني أيضًا الإيمان المرتبط بالإرادة، كما قيل في الرسالة إلى رومية « ولكنكم أطعتم من القلب صورة التعليم التي تسلمتموها » (رو17:6)، وكما قيل في رسالة أفسس « عاملين مشيئة الله من القلب » (أف6:6)، أو كما قيل في الرسالة إلى كولوسي « وكل ما فعلتم فاعملوا من القلب كما للرب ليس للناس » (كو23:3).

الإيمان بالمسيح يعني قبول المسيح وقبول وصاياه وتعاليمه والسير بموجب هذه الوصايا والتعاليم، أى يحمل الإيمان معنى التسليم للمسيح والخضوع له، وما يترتب على هذا الخضوع والتسليم معه ثمار روحية. يقول الرسول يوحنا « وأما الذي قبلوه فأعطاهم سلطانًا أن يصيروا أولاد الله أى المؤمنين باسمه » (يو12:1).

ولذلك ارتبط الحديث عن الإيمان عند الرسول بولس بالحديث عن طاعة الإيمان حيث يقول « الذي به لأجل اسمه قبلنا نعمة ورسالة لإطاعة الإيمان في جميع الأمم » (رو5:1). « حسب أمر الإله الأزلي لإطاعة الإيمان » (رو26:16) « لأجل إطاعة الأمم بالقول والفعل » (رو18:15). وطاعة الإيمان تعني العمل بحسب مطالب الإيمان كما يقول الرسول « فشكرًا لله أنكم كنتم عبيدًا للخطية ولكنكم أطعتم من القلب صورة التعليم التي تسلمتموها » (رو17:16).

فالطاعة عامل جوهري في الإيمان، وبدونها لا يمكن للإيمان أن يحقق هدفه ويبلغ غايته. فالإيمان يتطلب الخضوع لإرادة الله وتنفيذ وصاياه. هذا هو الإيمان الذي يتحدث عنه الرسول بولس « الإيمان العامل بالمحبة ». هذا هو الإيمان الذي يعمل تحت دافع المحبة وإلاّ يفقد قيمته. هذا هو الإيمان الذي يبرر.

ولا ننسى أن كلمة إيمان pistis مشتقة من الفعل peithein بمعنى يُقنع أو يحاول أن يقنع. فمنهح الإيمان مبني على الإقناع لا يلزم ولا يجبر أحدًا. فإن أؤمن تعني: أن أثق بـ ، أن أأتمن، أن أستأمن، كما يقول الرسول « أؤتمنت على إنجيل الغرلة » (غلا7:2). أن أؤمن بالمسيح تعني أيضًا أن المسيح إستأمني على رسالة. ليس فقط أن أصدق رسالته بل أن أكون أمينًا عليها. ولذلك أشار الرسول يوحنا إلى الذين آمنوا بالمسيح ولكنهم لم يكونوا أمناء، فقال عنهم الرسول يوحنا « آمن كثيرون باسمه إذ رأوا الآيات التي صنع لكن يسوع لم يأتمنهم على نفسه لأنه كان يعرف الجميع » (يو24:3). هؤلاء آمنوا ولكنهم لم يكونوا أمناء. وفي الإنجيل للقديس لوقا يقول « فإن لم تكونوا أمناء في مال الظلم فمَن يأتمنكم على الحق. وإن لم تكونوا أمناء في ما هو للغير فمَن يعطيكم ما هو لكم » (لو11:16ـ12). فالإيمان يرتبط جوهريًا بالسلوك، ولذلك يقول الرسول بولس « لأننا بالإيمان نسلك لا بالعيان » (2تي14:3).

 

الإيمان والتبرير

          الحديث عن التبرير بالإيمان، تناوله الرسول بولس في رسالتيه إلى رومية وإلى غلاطية: (رو28:3): « إذًا نحسب أن الإنسان يتبرر بالإيمان بدون أعمال الناموس » (غل16:2): « الإنسان لا يتبرر بأعمال الناموس بل بإيمان يسوع المسيح ».

          في كلتا الرسالتين يوضح الرسول بولس أن الانتقال من حالة الخطيئة التي ورثناها عن آدم، إلى حالة التبرير، لا تتم بالالتزام بأعمال الناموس الموسوى بل بالإيمان بالمسيح يسوع. وبلا شك فإن الحديث هنا يدور حول الناموس الموسوى، غير أن بعض المفسرين الكاثوليك، سواء من القدامى أو الحديثين، اعتقدوا أن الرسول بولس يتكلم هنا فقط عن الناموس الطقسي، مثل حفظ السبت وتقديم الذبائح، وليس عن الناموس الأخلاقي. وهذا بلا شك له تأثير على مفهوم الخلاص عند الكاثوليك. ولكن من الواضح أن الرسول بولس هنا يتحدث عن الناموس الموسوى بأكمله لأنه يضعه في مقابل الإيمان. وإذا أخذنا برأي الكاثوليك بأن الرسول بولس ينحصر كلامه هنا فقط في الناموس الطقسي، فهل معنى ذلك أن الأخلاق (الناموس الأخلاقي) بدون الناموس يمكن أن يبرر؟ أليس معنى ذلك أيضًا أن طريق الخلاص لا يقتصر فقط على الإيمان بالمسيح، وأن المسيح لم يعد هو الطريق الأوحد للخلاص؟ وهل يمكن أن نربط بين هذا التفكير وبين ما يقوله بعض اللاهوتيين الكاثوليك المحدثين، من أن غير المؤمن يمكن عن طريق الالتزام بالناموس الطبيعي أن ينفتح له طريق الخلاص؟[1].

          كذلك فإن التفسير البروتستانتي لهذه المقاطع يبنى على فهم غير سليم لمعنى الإيمان وصلته بالتبرير. فالبروتستانت ـ كما ذكرنا ـ يفسرون التبرير على أنه مجرد حكم قضائي يبرر الإنسان دون أن يصير المؤمن بارًا بالحقيقة، فقط ” يحسب له بر المسيح “. وهذا الفهم لا يتلاءم مع استعمال الفعل (dikaiousthai) “يتبرر” الذي ورد في النصين السابقين (رو28:3، غل16:2) وهو موضوع في صيغة المبني للمجهول.

          إن الرسول بولس لم يقل إن الإنسان يتبرر بالله نظرًا إلى الإيمان (in view of) فالنص اليوناني الذي يستعمله الرسول بولس ليس هو ” dia pisten ” الذي يعني: من أجل الإيمان، أو بسبب الإيمان أو نظرًا إلى الإيمان “. ولو استعمل الرسول هذه الصياغة لكان من الممكن أن نأخذ بالفهم البروتستانتي أن التبرير هو مجرد إعلان بر المؤمن. إن الرسول بولس يقول: إن المؤمن يتبرر بالإيمان (pistei) أو (dia pistews) وهو ما يعني “حالة القابل” التي تعبّر عن الأداة (instrumental)، ولا يتفق هذا مطلقًا مع القول بأن المؤمن تعلن براءته بالإيمان، وأن الإيمان ـ كما يقول البروتستانت، ليس هو أداة التبرير، بل هو مجرد شرط للتبرير.

          يقول البروتستانت في فهمهم للإيمان الذي يبرر:

          الإيمان هو شرط التبرير وليس بسبب استحقاق التبرير. ولو كان الأمر كذلك فسيعتبر الإيمان عمل استحقاق للإنسان. فليس من أجل الإيمان نتبرر بل بالإيمان. والإيمان ليس ثمن التبرير ولكنه وسيلة التواؤم معه[2].

          ويقولون أيضًا:

          ” إن الذين يدعوهم دعوة كافية هؤلاء يبررهم أيضًا مجانًا، لا يجعله برًا فيهم، بل بغفرانه خطاياهم ويّعده (=بحسبانه) إياهم أبرارًا وبقوله لهم، لا لأمر قد فعلوه، أو لما فعل فيهم، بل لأجل المسيح فقط. ولا لحسبانه الإيمان نفسه لهم ولا الفعل العقلي الذي يقوم به الإيمان … بل بحسبانه لهم طاعة المسيح وإيفاءه، وهم يقبلونه ويستندون عليه وعلى بره بالإيمان، وذلك الإيمان ليس منهم بل إنما هو عطية الله “.

          ” أجمع البروتستانت على أن الإيمان مجرد آلة ننال بواسطتها التبرير لأنه قبول المسيح والإتكال عليه، وليس هو سبب التبرير أو علته بهذا المعنى. ومنطوق الكتاب على الدوام هو أننا نتبرر بالإيمان أى بواسطته، وهو ينسب تبريرنا دائمًا إلى نوالنا فوائد عمل المسيح بالإيمان. لذلك ليس لإيماننا صفة الاستحقاق في حد ذاته بل هو شرط نوالنا استحقاق المسيح “.

          ” وإذا فرض المحال وقلنا إن الإيمان يستحق الثواب، فلا يتم بالإيمان إيفاء مطاليب الشريعة التي تحيط بالبر الكامل لتبرير الخاطئ، وإنما كان للإيمان هذه القوة باعتبار أنه واسطة للتبرير لأن به يتم إتحاد المؤمن بالمسيح وهو شرط نواله فوائد موت المسيح، كما أن قبول الهبة شرط لنوالها. فالخلاص لنا مجانًا على شرط قبولنا إياه بالإيمان. وفوائد الفداء ممنوعة عنا إلاّ بشرط قبولنا إياها كذلك، حتى لا يصح القول إن الإيمان يخلّصنا بل هو رابطة بها نلتصق بمَن يخلّص أى المسيح، وهو كحلقة تنشأ بها العلاقة الضرورية بين المؤمن والمسيح، والتبرير ينشأ حال وجود الإيمان في قلب المؤمن ويتم إلى الأبد ولا يتوقف على كون الإيمان قويًا أو ضعيفًا بل على كونه إيمانًا حقيقيًا. غير أن الإيمان القوي يولد الثقة واليقين في قلب المؤمن “.

          ” إن الكتاب لم يقل قط إننا متبررون بسبب إيماننا بل يقول دائمًا إننا نتبرر بواسطة الإيمان. ولم يقل قط إن الإيمان أساس لتبرير بل أننا نخلص بالإيمان بقبولنا المسيح واتكالنا عليه وحده للخلاص. والذي نقبله هو خارج عنا وهو المسيح وبره وطاعته واستحقاق دمه وموته، فإننا نراه ونهرب إليه ونتمسك به ونستتر بظله ونلبس بره “[3].

نعود فنقول: إن الرسول بولس يتحدث عن عمل الإيمان الذي ينتج التبرير. ولكن لكي يكون لهذا الإيمان فاعلية، فلابد أن الرسول بولس يضع أمامه الإنجيل، الذي منه يستمد هذا الإيمان فاعليته وقوته. ومن العبث ما يذهب إليه بعض البروتستانت من أن الإيمان ليس عملاً ويحاولون أن يجردوا الإيمان من أى معنى أخلاقي: وهنا يمكن أن نوجه التساؤل إلى البروتستانت:

          إذا جردنا الإيمان عن فاعليته وعن معناه الأخلاقي، فكيف سيكون للإيمان دور في تجديد الإنسان، وكيف سيكون قادرًا على تمجيد الله؟

          دعنا نعود الآن إلى صياغات الرسول نفسه. في الرسالة إلى رومية يقول « إن الإنسان يتبرر بالإيمان بدون أعمال الناموس » (رو18:3). والهدف من هذه العبارة، وكذلك فإن صياغتها ونظام تكوينها يجعل التشديد واقعًا على الكلمات الأخيرة منها التي تنتهي بنا إلى افتراضين: ” الإنسان يتبرر بدون أعمال الناموس ومستقلاً عنها ” وهذا هو الاقتراح الرئيسي. ” الإنسان يتبرر بالإيمان ” وهذا هو الاقتراح العرضي.

          ومن الملاحظ هنا أن الرسول لم ينشغل بأعمال الناموس بعد التبرير، ولكن على العكس، يلاحظ أن ما يُهم المتهورين هو التبرير الأول أى المرور من حالة الخطية إلى حالة النعمة. إن أعمال الناموس ليست هى العلة ولا الشرط لهذا الانتقال. وما يقال عن أعمال الناموس يقال بالأحرى عن الأعمال الطبيعية التي تمت قبل التبرير. ونلاحظ أيضًا أن الرسول بولس لم يقل إن الإيمان هو العامل الوحيد المطلوب، ذلك لأن الأمر يتطلب ـ إلى جانب الإيمان ـ التوبة بالنسبة لأعمال الماضي، وقبول إرادة الله بالنسبة إلى المستقبل.

          أما بالنسبة إلى النص الثاني الذي ورد في رسالة غلاطية، فقد قال الرسول:      « الإنسان لا يتبرر بأعمال الناموس بل بإيمان يسوع المسيح » (غل16:2). أما إذا فسرنا هذا القول بأن الرسول يريد أن يقول إن الإنسان لا يتبرر فقط بأعمال الناموس، بل بأعمال الناموس مرتبطة بالإيمان، فإن هذا يناقض تعليمه، بل هذا هو الذي قاومه عندما حاول بعض المؤمنين الذين كانوا أصلاً من اليهود، أن يحتفظوا ببعض الأمور الخاصة باليهود كالختان وكانوا يطلبون من الأمميين أن يختتنوا. وهكذا يمكن أن نقول إن تفسير هذه العبارة هو كالآتي: ” إن الإنسان لا يتبرر بأعمال الناموس. إنه يتبرر فقط بالإيمان “. وليس هناك اختلاف إذا فهمنا بكلمة الإيمان هنا ” الإيمان الذي أسسه الرب يسوع (باعتباره هو رئيس الإيمان) أو الإيمان الذي يكون موضوعه هو المسيح نفسه، أى إيمان بالمسيح، بشخصه وتعاليمه. وفي كلتا الحالتين، فهذا يُمثل خُلاصة أو جملة الإعلان المسيحي من حيث الحديث عن إنجيل المسيح في مواجهة مع الناموس الموسوي. إن الأمر يختص هنا بالأعمال التي تسبق التبرير، وبالتأكيد على أن ضرورة الإيمان للتبرر لا تعني عدم الحاجة إلى العوامل الأخرى المطلوبة.

 

البراهين على التبرير بالإيمان مستقلاً عن أعمال الناموس

هناك ثلاثة براهين:

          1 ـ برهان الواقع أو الخبرة

          2 ـ البرهان اللاهوتي

          3 ـ البرهان الكتابي

 

1 ـ برهان الواقع أو الخبرة:

          إن الغلاطيين باعتبارهم كانوا من أصل أممي وآمنوا بالمسيح، ليس لهم خبرة بالناموس الموسوي. وعلى ذلك، فمن المستحيل أن تكون أعمال الناموس قد أثرت في تبريرهم بأي صورة ما، سواء كسبب أو كشرط جوهري أو كتبرير سابق. ولقد نالوا التبرير الحقيقي بواسطة المعمودية وحصلوا على هبة الروح القدس الذي أظهر ذاته فيهم بعلامات عجيبة مثل المواهب واستمر يؤكد وجوده بمعجزات مرئية. فليس من حق أحد أن يعترض، كما يُحتمل أن يكون قد اعترض مؤمنوا غلاطية الذين كانوا من أصل يهودي، وقالوا بأن التبرير الذي يتم بالإيمان يحتاج إلى أن يكمل ذاته بواسطة أعمال الناموس، وذلك لأن الذي منح التبرير قادر أن يحفظه ويكمله بدون حاجة لأي مساعدة خارجية، وأنه لمن السخف أن الذي بدأ بالروح يكمل بالجسد.

          فلا يمكن للغلاطيين أن يتنكروا لأهمية الفداء الذي تم بموت المسيح وقيامته. وربما يرجع خطأهم إلى أنهم تعرضوا للتضليل من بعض المبتدعين، ومن أجل هذا قال لهم الرسول « أيها الغلاطيون الأغبياء، مَن رقاكم حتى لا تذعنوا للحق، أنتم الذين أمام عيونكم قد رسم يسوع المسيح بينكم مصلوبًا. أريد أن أتعلم منكم هذا فقط، أبأعمال الناموس أخذتم الروح أم بخبر الإيمان. أهكذا أنتم أغبياء. أبعدما ابتدأتم بالروح تكملون الآن بالجسد. أهذا المقدار احتملتم عبثًا إن كان عبثًا. فالذي يمنحكم الروح ويعمل قوات فيكم أبأعمال الناموس أم بخبر الإيمان » (غلا1:3ـ5).

          إن الحديث عن الحاجة إلى أعمال الناموس لاستكمال عمل الفداء هو إنكار لقيمة دم المسيح وكفايته في تحقيق خلاص البشرية.

 

2 ـ البرهان اللاهوتي:

          يقوم البرهان اللاهوتي عند الرسول بولس على فرضين مقنعين، وقد كرر ذكرهما في رسائله تحت صور مختلفة. التبرير هبة مجانية لا يستحقها الإنسان ولا يمكن أن يستحقها، وليس للإنسان الحق في أن يفتخر أمام الله، وإذا افتخر، فليكن افتخاره بالبركات الروحية التي حصل عليها. وهذان الفرضان يذكرهما الرسول بولس معًا في عبارة قصيرة في رسالته إلى أفسس « لأنكم بالنعمة مخلصون بالإيمان، وذلك ليس منكم، هو عطية الله » (غلا8:2ـ9). ويكرر هذا التعليم في مواضع أخرى من رسائله، فهو يقول في رسالته الأولى إلى كورنثوس « لكي لا يفتخر كل ذي جسد أمامه. ومنه أنتم بالمسيح يسوع الذي صار لنا حكمة من الله وبرًا وقداسة وفداء. حتى كما هو مكتوب، من افتخر فليفتخر بالرب » (1كو29:1)، « فأين الافتخار قد انتفى. بأي ناموس. أبناموس الأعمال. كلا بل بناموس الإيمان » (رو27:3).

وفي الإصحاح الرابع من رسالته إلى رومية، أكد الرسول بولس نفس التعليم فقال:   « إن كان إبراهيم قد تبرر بالأعمال فله فخر ولكن ليس لدى الله. لأنه ماذا يقول الكتاب فآمن إبراهيم بالله فحسب له برًا … الذي لا يعمل ولكن يؤمن بالذي يبرر الفاجر فإيمانه يحسب له برًا. كما يقول داود أيضًا في تطويب الإنسان الذي يحسب له الله برًا بدون أعمال. طوبى للذي غفرت آثامهم وسترت خطاياهم. طوبى للرجل الذي لا يحسب له الرب خطية. أفهذا التطويب هو على الختان فقط أم على الغرلة أيضًا، لأننا نقول إنه حسب لإبراهيم الإيمان برًا » (رو1:4ـ9).

          إن التبرير بالإيمان هو عمل مجاني؛ لأنه إذا كان الإيمان هو هبة من الله، فإن كل الأعمال العظيمة التي يثمرها هذا الإيمان هى من الله. إن عمل الإيمان يفترض أساسًا الدعوة الإلهية التي تتم في الوقت المناسب. وحيث إن هذين الأمرين (الدعوة الإلهية، ووقتها المناسب) يعتمدان بوجه مطلق على مسرة الله، فإن أسبقية النعمة ـ من ناحية وجودها ـ لا يمكن إنكارها. والرب على الدوام يبدأ العمل الخاص بخلاص الإنسان قبل أن يبدأه الإنسان نفسه. وعلى عكس ذلك، فإن التبرير الذي ينتج عن أعمال الناموس، أو في تعميم أكثر، الأعمال التي تتم قبل الإيمان (على افتراض أن هذا يمكن أن يحدث) سوف يكون نتيجة عمل الإنسان وينسب إليه، كما ينسب الأجر إلى العامل، ويمكنه أن يفخر به كحق يملكه، وينطبق عليه ما قيل عن إبراهيم « إن كان إبراهيم قد تبرر بالأعمال فله فخر ولكن ليس لدى الله … ولا تحسب له الأجرة على سبيل نعمة بل على سبيل دين ». على أن ضرورة الإيمان وضرورة الأعمال الأخرى اللازمة للتبرير ـ كما أشرنا سابقًا ـ لا تنفي القول بمجانية التبرير، تمامًا كما في حالة المتسول، فإن مد يده لطلب المساعدة، لا تضعف من اعتبار الصدقة التي تقدم له تعبر عن عمل حر من قبل المعطى حتى وإن كان مد اليد من قبل الرجل الفقير شرطًا أساسيًا للحصول على هذه الصدقة. ولكن هناك هذا الفرق، أن اليد الممدودة من المتسول هى يده، بينما أن عمل الإيمان هو هبة من الله.

 

3 ـ البرهان الكتابي:

          يستند البرهان الكتابي إلى تاريخ إبراهيم، كما يشير إليه الرسول بولس في (رو10:4ـ25، غلا7:3ـ14).

          إن إبراهيم تبرر وأعلن عن أبوته للمؤمنين، قبل ختانه. وهذا يعني أولاً أنه ليس هناك رابطة ضرورية بين الختان والتبرير، وأنه من الممكن للمرء أن يتبرر دون أن يختتن، ويعني ثانيًا أن أبوة إبراهيم كانت مكافأة لإيمانه وغير مرتبطة بختانه، وهذا يمكن أن يمتد إلى الأمميين الذين يقلدون إيمان إبراهيم. على أن ما أخذه إبراهيم لم يأخذه من الناموس ولكن من الموعد، ليس من الجسد بل من الروح. إنه ليس امتياز الجنس. ولكنه امتياز لكل المؤمنين.

          أما أن إبراهيم قد تبرر قبل الختان، فهذا ما يمكن أن نستدل عليه تاريخيًا. في الإصحاح الخامس عشر من سفر التكوين قيل عن إبراهيم أنه آمن بالله وحسب له هذا الإيمان برًا. وفي الإصحاح السابع عشر أُشير إلى ختان إبراهيم. إن التبرير جاء أولاً ثم بعد ذلك الختان كعلامة حسية لبر الإيمان.

          ويسجل الرسول بولس هذه الحقيقة التاريخية، فيقول في الإصحاح الرابع من الرسالة إلى رومية: « لأننا نقول إنه حسب لإبراهيم الإيمان برًا. فكيف حسب أوهو في الختان أم في الغرلة. ليس في الختان بل في الغرلة وأخذ علامة الختان ختمًا لبر الإيمان الذي كان في الغرلة ليكون أبًا لجميع الذين يؤمنون وهم في الغرلة كي يحسب لهم أيضًا البر، وأبًا للختان للذين ليسوا من الختان فقط بل أيضًا يسلكون في خطوات إيمان أبينا إبراهيم الذي كان وهو في الغرلة. فإنه ليس بالناموس كان الوعد لإبراهيم أو لنسله أن يكون وارثًا للعالم بل ببر الإيمان. لأنه إن كان الذين من الناموس هم ورثة فقد تعطّل الإيمان وبطل الوعد. لأن الناموس ينشئ غضبًا إذ حيث ليس ناموس ليس أيضًا تعدِ. لهذا هو من الإيمان كي يكون على سبيل نعمة ليكون الوعد وطيدًا لجميع النسل ليس لمن هو من الناموس فقط بل أيضًا لمن هو من إيمان إبراهيم الذي هو أب لجميعنا » (رو9:4ـ17). وجاء أيضًا في الرسالة إلى غلاطية « فالذي يمنحكم الروح ويعمل قوات فيكم أبأعمال الناموس أم بخبر الإيمان. كما آمن إبراهيم بالله فحسب له برًا. فاعلموا إذًا أن الذين هم من الإيمان أولئك هم بنو إبراهيم. والكتاب إذ سبق فرأى أن الله بالإيمان يبرر الأمم سبق فبشر إبراهيم أن فيك تتبارك جميع الأمم. إذًا الذين هم من الإيمان يتباركون مع إبراهيم المؤمن، لأن جميع الذين هم من أعمال الناموس هم تحت لعنة، لأنه مكتوب ملعون كل مَن لا يثبت في جميع ما هو مكتوب في كتاب الناموس ليعمل به. ولكن أن ليس أحد يتبرر بالناموس عند الله فظاهر لأن البار بالإيمان يحيا. ولكن الناموس ليس من الإيمان بل الإنسان الذي سيحيا بها … لتصير بركة إبراهيم للأمم في المسيح يسوع لننال بالإيمان موعد الروح … ليس أحد يبطل عهدًا قد تمكن ولو من إنسان أو يزيد عليه. وأما المواعيد فقيلت في إبراهيم وفي نسله. لا يقول وفي الأنسال كأنه عن كثيرين بل كأنه عن واحد، وفي نسلك الذي هو المسيح. وإنما أقول هذا إن الناموس الذي صار بعد أربعمائة وثلاثين، لا ينسخ عهدًا قد سبق فتمكن من الله نحو المسيح حتى يُبطل الموعد. وأنه إن كانت الوراثة من الناموس فلم تكن أيضًا من موعد ولكن الله وهبها لإبراهيم بموعد » (غل5:3ـ19).

1 انظر كتابنا في علم العقيدي (الجزء الخامس)، وكذلك انظر كتبانا عن ” أغناطيوس حامل الإله ” في الأجزاء الخاصة بالخلاص.

2 هنري ثيسن، محاضرات في علم النظامي، ترجمة دكتور فريد فؤاد عبد الملك، دار الثقافة سنة 1987، ص470.

3 علم النظامي، دار الثقافة سنة 1971، الباب الرابع عشر في التبرير والتبني.

إقرأ أيضاً:

إقرأ أيضًا

مذيع مسلم: الله مات - هل تؤمن المسيحية بموت اللاهوت؟

مذيع مسلم: الله مات – هل تؤمن المسيحية بموت اللاهوت؟

مذيع مسلم: الله مات – هل تؤمن المسيحية بموت اللاهوت؟ مذيع مسلم: الله مات – …