مواضيع عاجلة

الحياة الأفضل في العهد الجديد

الحياة الأفضل في العهد الجديد

الحياة الأفضل في العهد الجديد
الحياة الأفضل في العهد الجديد

الحياة الأفضل في العهد الجديد (2)[1]

دكتور وهيب قزمان بولس

 

2 ـ الحياة عند القديس يوحنا:

        أ ـ إعلان وشهادة للمسيح:

          يعتمد مفهوم القديس يوحنا اللاهوتي عن الحياة على أساس قيامة الرب ، لأن كلمة الله اللوغوس، وابن الله الأزلي هو الحياة، وله الحياة في ذاته (يو4:1، 6:5، 57:6، 1يو1:1، 11:5ـ20). وحياة هى ” نور الناس” (يو14:1) فاعتماد كل الخليقة على كشف أنه هو نور (Φῶς) الحياة ونور العالم (يو12:8، 46:12، 5:1) باعتباره النور المُعلن لله الآب، وإذ يتمم إرسالية الآب، تصير وصية الآب هى حياة أبدية.

          وبهذا المفهوم يدعو السيد نفسه بأنه الحياة (يو25:11، 6:14)، وخبز الحياة (ἄρτος τῆς ζωῆς) (يو35:6، 48). ويعلّق القديس كيرلس على خبز الحياة قائلاً: [الآن أنا حاضر أحقق وعدي في حينه: ” أنا هو خبز الحياة“، ليس خبزًا جسدانيًا، فهو لا يسد الاحساس بالجوع فقط، ويحرر الجسم من آثاره، بل يُعيد تشكيل الكائن الحيّ بأكمله إلى حياة أبدية… “مَنْ يقبل إليّ فلا يجوع، ومن يؤمن بي فلا يعطش أبدًا“. يتمم ذلك بسر ـ الأولوجية ـ في شركة جسده ودمه الأقدسين، فيستعيد الإنسان بكليته عدم الفساد، فلا يحتاج بعد إلى الطعام والشراب، كأشياء تدفع عن الجسد ][2]. كما يدعو نفسه بأنه نور الحياة (يو12:8)، وهو المعطي الماء الحيّ (يو10:4، 38:7)، والخبز الحيّ (يو51:6)، وهو المعلن والمخبّر، وكلماته روح وحياة (يو63:6) وعنده كلام الحياة الأبدية (يو63:6) وقد أتى ليعطي الحياة للعالم (يو33:6، 10:10، 1يو9:4).

          ولما كان هو الحياة، ومعطي الحياة ومعلنها، ولما كانت الحياة تظهر بقدومه (1يو1:1) فإن المؤمنين باسمه لهم حياة في الإيمان به (يو15:3، 36، 40:6، 47، 31:20، 1يو15:3) والشهادة باسمه إلى أقصى الأرض (أع8:1). وكل من يؤمن قد انتقل من إلى الحياة (يو24:5، 1يو14:3)، وحين يتكلم () فإنه وبحسب مفهوم القديس يوحنا، تكون الساعة الأخيرة حاضرة (يو25:5)، وهو ” القيامة والحياة” حتى أن كل من يؤمن به ولو مات فسيحيا (يو25:11)، وبظهوره يمنح تابعيه المجد (يو22:7). وكل من يؤمن به يحيا (يو14:4، 25:5، 51:6). وهى حياة تُكلل بمجد الأبدية، ومعاينة مجد الابن (يو24:7)، حيث شركة عشاء الرب هى ضمانة القيامة (يو39:6، 40، 44، 48:2): “كل من يرى الابن ويؤمن به تكون له حياة أبدية، وأنا أقيمه في اليوم الأخير“.

 

        ب ـ الحياة الأفضل في ملء المحبة والفرح:

          من المهم أن نفهم الطريقة التي تأسست بها الحياة الحاضرة، فالقديس يوحنا لم يقدم ألفاظًا روحية فقط في كلامه عن الاسخاتولوجي في بواكير المسيحية، بل مثلما فعل الرب ، والقديس بولس، قد أصّلها، أى تحدث عنها في واقعية شديدة، إذ أن مجيء الرب كمعلن للآب، وللأبدية هو الحدث الأخروي والحاسم للدينونة (κρίσις): “ الذي يؤمن به لا يُدان، والذي لا يؤمن قد دين، لأنه لم يؤمن باسم ابن الله الوحيد” (يو18:3، 27:5، 31:12). ويقول القديس يوحنا ذهبي الفم: [ إن هنا يتقدم فيذيع ما سيكون مستقبلاً، فكما أن القاتل وإن كان لا يحكم عليه بمجرد وجود القاضي، بل بطبيعة فعله، كذلك فإن غير المؤمن يُحكم عليه بطبيعة إنكاره للإيمان وكفره. فقد مات آدم (روحيًا) في اليوم الذي أكل فيه من الشجرة، حسب حكم (تك17:2). على أن آدم عاش بعد أكله من الشجرة، فكيف مات؟ لقد مات بموجب الحكم الإلهي السابق، نتيجة ممارسته للمعصية، التي ارتكبها][3].

          إن الحياة في المسيح هى حياة المحبة والثقة، حيث انهزم الخوف (1يو18:4) وأصبح هناك فرح الصلاة (χαρά) (يو13:14، 7:15 و16، 1يو15:5) وفرح القلب (يو11:15، 20:16ـ24، 1يو4:1): ” كلمتكم بهذا لكي يثبت فرحي فيكم، ويكمل فرحكم.. فأنتم عندكم الآن حزن، ولكني سأراكم أيضًا فتفرح قلوبكم، ولا ينزع أحد فرحكم منكم“. فالإعلان يُزيح كل اضطراب وغموض (يو23:16 و25 و29)، وهكذا يمكن تعريف الحياة في المسيح بأنها معرفة الله، ومعرفة الابن الذي أرسله (يو3:17). والذي له هذه الحياة والمعرفة يملك كل شئ (يو1:10)، بل وتكون له الحياة الأفضل حقًا ” أما أنا فقد أتيت لتكون لهم حياة، ولتكون هذه الحياة أفضل” (يو10:10) ويشرح القديس أوغسطينوس هذه الحياة الأفضل قائلاً: [ ” قد أتيت لتكون لهم حياة“، أى الإيمان العامل بالمحبة (غلا6:5) ” ولتكون لهم هذه الحياة أفضل“، هؤلاء الذين يصبرون حتى المنتهى، فإنهم يخرجون بهذا الباب عينه، أى بالإيمان الحقيقي بالمسيح، فإنهم كمؤمنين حقيقيين يموتون، وتكون لهم الحياة الأفضل عندما يذهبون إلى حيث يقيم الراعي، ولا يموتون بعد][4].

3 ـ الإفخارستيا سر حياة الشركة والتجديد:

          وفي الصلاة الليتورجية للإفخارستيا في القرون الأولى تصلي الكنيسة ” نشكرك أيها الآب القدوس من أجل الحياة والمعرفة، التي أظهرتها لنا بابنك “. لأن الحياة هى معرفة الله الحقيقية “ هذه هى الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك، ويسوع المسيح الذي أرسلته” (يو3:17)، وهى معرفة ليست بشرية، بل معرفة الحق وبالحق، لأن الله وحده هو الحق ” أنا هو الطريق والحق والحياة” (يو6:14)، الذي يعطي للإنسان كل راحة وسلام، وعزاء وفرح؟ وهى حياة التجلى.. ولأن الحق إلهي، فهو حق حيّ، وشركتنا مع هذا الحق الحيّ هى شركة حياة في جسده ودمه، فاتحاد النفس بالمسيح يعطيها إمكانية التشبه به. وعلينا أن نكون أعضاء حية فيه، كما يقول: “ أنا هو خبز الحياة، الخبز النازل من السماء، أنا هو الخبز الحيّ الذي نزل من السماء، إن أكل أحد من هذا الخبز يحيا إلى الأبد” (يو48:6، 50، 51). ويعلّق القديس كيرلس الكبير على شركة الحياة في المسيح قائلاً: [ أنا خبز الحياة، النازل من السماء، أنا حبة الحنطة الواهبة للحياة. من يأخذني في نفسه بالاشتراك في جسدي سيحيا، ويُطعم بالكامل فيّ، انا القادر أن أهب حياة][5].

          وللخبرة الافخارستية في المسيحية، والحياة النسكية عمومًا مغزى عميق: أن يفتح الإنسان بملء إرادته باب قلبه للمسيح الواقف يقرع، حتى يدخل ويتعشى معه، لأنه يقول: ” هاأنذا واقف على الباب وأقرع. إن سمع أحد صوتي وفتح الباب، أدخل إليه وأتعشى معه وهو معي” (رؤ20:3).

 

          ويشرح القديس كيرلس ذلك في نص من أعمق ما كتب عن الافخارستيا على الاطلاق، إذ يقول: [ لأننا في الافخارستيا نأخذ جسد المسيح ودمه الحقيقيين، وليس بصورة رمزية أو روحية، الافخارستيا هى أكل جسد المسيح. إنها البذرة المحيية وهى بذرة الخلود. إنها تعمل فينا كما تفعل الخميرة في العجين. إن تأثيرها فينا ليس فقط تأثيرًا روحيًا، بل وأيضًا تأثير جسدي. إن تذوق الافخارستيا هو تلامس مع المسيح الحيّ، كما حدث لمس أو تماس بيد المسيح، عندما شفى حماة سمعان، أو عندما أقام ابنة يايرس، أو ابن أرملة نايين. من خلال الافخارستيا يصير المؤمن متحدًا مع المسيح][6].

          والإفخارستيا تحقق أسمى نموذج للاتحاد الممكن مع المسيح. إنها تحقق المشاركة في حياة الكلمة المتجسد، ليس فقط على مستوى روحي، بل أيضًا على مستوى جسدي: أن نشترك ونتناول يعني أن نُزرع ونُغرس في حياة الإله المتأنس.

          إن حياة المسيحي كمعركة ضد قوى وأهواء الجسد لا تكتمل إلاّ في مائدة الافخارستيا، فهى مكان لإعادة الإنسان لوضعه السابق (في الفردوس)، ولإحيائه ولتجديده وإصلاحه، ولراحته، إنها المكان، حيث قوة الكلمة (اللوغوس تجابه نزوات الجسد وتتغلب عليها.

          ومن خلال الشركة في مائدة الافخارستيا نحصل على ما نصلي من أجله في ليتورجية سرابيون[7]: [ يا إله الحق، ليأت كلمتك القدوس على هذا الخبز، ليصبح الخبز جسد الكلمة، وعلى هذه الكأس، لكي تصبح الكأس دم الحق. اجعل الذين يتناولون يتلقون دواء الحياة، لشفاء كل عاهة، ولتقوية كل نمو وكل فضيلة، ولا لدينونتهم، يا إله الحق، ولا للحكم عليهم أو لخزيهم ].

 

+ + + + + + +

[ إن ثمرة ومكافأة الإيمان بالمسيح هى ـ بالتأكيد ـ الحياة الأبدية. فليس هناك طريق آخر تنال به النفس هذه الحياة. فرغم أن المسيح سيُقيم الجميع إلاّ أن الحياة الأبدية التي تُعطى للمؤمنين هى الحياة الحقيقية أى أن نعيش بلا نهاية في الغبطة؛ لأن العودة إلى الحياة لأجل نوال العقاب فقط لا يختلف عن . فإن من يلاحظ أنه حتى القديسين الذين نالوا مواعيد الحياة، يموتون، فهذا ليس شيئًا (غريبًا) لأن هذا هو الأمر الطبيعي، إذ أن إظهار نعمة القيامة سيتم في حينه، فالقيامة ستكون للجميع وليس للبعض، وهى فعّالة لجميع البشر. فالقديسون الذين سبق أن ماتوا أو الذين ذاقوا لفترة قصيرة (قبل نعمة القيامة العامة) كل هؤلاء سيقومون في القيامة العامة. فالكل معًا سيتمتعون بالصالحات. وبقول المخلّص: « ولو مات فسيحيا » فإنه لم يلغِ الذي يحدث الآن، لكنه يوضّح أن له قوة على المؤمنين، فهم يعانون بشكل طبيعي؛ لأنه قد حفظ نعمة القيامة إلى الوقت المناسب، وهو يقول: ” إن مَن يؤمن بي، فرغم أنه سيجتاز موت الجسد بطريقة طبيعية إلاّ أنه لن يعانِ شيئًا يستحق الخوف في هذا الأمر، لأن الله يستطيع بسهولة أن يحيي مَن يشاء. لأن مَن يؤمن به سينال في الدهر الآتي، حياة لا تنتهي في الغبطّة والخلود الكامل ” ][8].

 

[1] بتصرف عن المرجع الرئيسي، غالبية تعليقات الآباء عن كتب تفسير العهد الجديد للقمص تادرس يعقوب، كنيسة مارجرجس سبورتنج الأسكندرية سنة 1991ـ2003.

[2] عن تفسير القديس كيرلس عمود الدين لإنجيل يوحنا، مركز دراسات الآباء، ترجمة د. نصحي عبد الشهيد.

[3]  Hom. 28. PG 29:195.

[4]  St. Augustine: On the Gospel of St. John, Tractate 45:15.

[5]  Meditation on the Mystical Supper, Hom. 10 PG 77, p. 155-157.

[6] بتصرف عن الافخارستيا وفاعليتها الروحية ” عند القديس كيرلس الأسكندري، للدكتور موريس تاوضروس، كتاب كلمات حول الافخارستيا، بيت التكريس لخدمة الكرازة، ديسمبر سنة 1998.

7 خولاجي سرابيون، تعريب جورج نصور ويوحنا ثابت، سلسلة النصوص الليتورجية سنة 1970 ص 90.

8 عن كتاب ” شرح إنجيل يوحنا ” للقديس كيرلس الأسكندري، الجزء السادس، الإصحاح الحادي عشر.

إقرأ أيضاً:

إقرأ أيضًا

عاموس 11:8 - بماذا يقصد عاموس بقوله أن سيكون هناك مجاعة لسماع كلمات الرب؟ ترجمة: تريزا شحاته حنا

عاموس 11:8 – بماذا يقصد عاموس بقوله أن سيكون هناك مجاعة لسماع كلمات الرب؟ ترجمة: تريزا شحاته حنا

عاموس 11:8 – بماذا يقصد عاموس بقوله أن سيكون هناك مجاعة لسماع كلمات الرب؟ ترجمة: …