الرئيسية / أبحاث / ما هو الإيمان – قداسة البابا شنودة الثالث

ما هو الإيمان – قداسة البابا شنودة الثالث

ما هو – قداسة الثالث

ما هو الإيمان - قداسة البابا شنودة الثالث
ما هو – قداسة الثالث

ما هو – قداسة الثالث [1]

 

 

 

كلمة إيمان قد يدعيها كل إنسان يعبد الله …وربما لا يكون مؤمنًا بالحقيقة …

 

قد يكون له اسم المؤمن، ولكن ليس له قلب المؤمن.

          ليس هو أن يولد الإنسان من أسرة متدينة تؤمن بوجود الله، فيصير مؤمنًا تلقائيًا بوجود الله. إنما له معنى أو معانٍ أعمق من هذا بكثير .. نعم له معنى قد يشمل الحياة الروحية كلها، وله معنى قد يصنع الأعاجيب.

          في إحدى المرات لم يستطع تلاميذ الرب أن يخرجوا شيطانًا من إنسان مصروع، فسألوا الرب عن سر ذلك فقال لهم ” لعدم إيمانكم ” (مت20:17) .. ووبخ الجمع قائلاً: ” أيها الجيل غير المؤمن، الملتوي ” (مت17:17).

          ليكن ذلك الجيل غير مؤمن. ولكن رسل المسيح نفسه، أتطلق عليهم حينذاك عبارة ” عدم إيمانكم “؟ .. وهنا يستطرد المسيح قائلاً لتلاميذه: ” الحق أقول لكم لو كان لكم إيمان مثل حبة خردل، لكنتم تقولون لهذا الجبل: انتقل من هنا إلى هناك. فينتقل ” (مت20:17).

          حقًا، ما هو هذا ، الذي حبة خردل منه، تستطيع أن تنقل الجبل؟! ..

          لذلك حسنًا قال الرسول: ” اختبروا أنفسكم: هل أنتم في ؟ إمتحنوا أنفسكم ” (2كو5:13).

          على أن الكتاب يروي لنا شيئًا عجيبًا .. أخطر من هذا بكثير .. فما هو؟ إنه حال إنسان يبدو مؤمنًا بالرب، ويصلي، ويصنع المعجزات، وهو غير مؤمن بالحقيقة! بل غير مقبول أمام الله! الرب نفسه يقول: “ ليس كل مَن يقول لي يا رب يا رب، يدخل ملكوت السموات .. ” (مت21:7).

          ويتابع الرب كلامه قائلاً: ” كثيرون سيقولون لي في ذلك اليوم: يا رب يا رب، أليس باسمك تنبأنا، وباسمك أخرجنا شياطين، وباسمك صنعنا قوات كثيرة؟ فحينئذٍ أصرح لهم إني لم أعرفكم قط. اذهبوا عني يا فاعلي الإثم ” (مت22:7ـ23).

          ماذا نسمي هؤلاء الذين يقولون يا رب يا رب .. باسمك صنعنا كذا وكذا .. ؟ أهم مؤمنون بالحقيقة؟!

          ربما يكون هذا إيمانًا ظاهريًا، أو إيمانًا شكليًا، أو إيمانًا بالاسم، أو مجرد إيمان عقلي، ولكنه ليس إيمانًا حقيقيًا مقبولاً أمام الله!

          فما هو إذًا الإيمان الحقيقي المقبول أمام الله؟ نسأل الرب فيُجيب:

          ” ليس كل مَن يقول لي يا رب يا رب .. بل الذي يفعل إرادة أبي الذي في السموات ” (مت21:7). ويذكرنا هذا أيضًا بقصة العذارى الجاهلات اللاتي استعملن أيضًا عبارة يا رب يا رب. ووقفن وراء الباب المغلق يقلن: يا ربنا يا ربنا افتح لنا. فسمعن منه تلك الإجابة الصريحة المرعبة ” الحق أقول لكم إني ما أعرفكن ” (مت12:25).

          إن عبارة يا رب لا تفيد مطلقًا، إن كنت تنتظر العريس بمصباح لا زيت فيه، أو إن جئت بعد أن أُغلق الباب ..

          ما هو الإيمان إذًا؟ وما علاقته بالزيت الذي يرمز إلى الروح القدس، وإلى المسحة المقدسة؟ وما علاقته بمشيئة الآب الذي في السموات؟

          إنه هذا الإيمان الحيّ، المقبول من الله، كما سنشرح بالتفصيل فيما بعد ..

          إذًا الإيمان ليس مجرد عقيدة، إنما هو أيضًا حياة.

          يمكن أن تختبروا بثماره في حياتك .. فهكذا قال الرب ” من ثمارهم تعرفونهم .. كل شجرة جيدة تصنع أثمارًا جيدة .. لا تقدر شجرة جيدة أن تصنع أثمارًا ردية. ولا شجرة ردية أن تصنع أثمارًا جيدة. فإذًا من ثمارهم تعرفونهم ” (مت16:7ـ20).

          بهذا تختبر نفسك: هل إيمانك له ثمر؟ لأنه من ثمارهم تعرفونهم.

          وهكذا يعلّمنا القديس يوحنا الحبيب: ” بهذا نعرف أننا قد عرفنا .. “، كيف؟ ” إن حفظنا وصاياه “، ” من قال قد عرفته، وهو لا يحفظ وصاياه، فهو كاذب وليس الحق فيه .. ” (1يو3:2ـ4) .. إذًا الإيمان يختبر بحياة الطاعة لوصايا الله. والذي لا تكون له هذه الطاعة لا يعتبر مؤمنًا بالحقيقة. بل لا نقول عنه إنه قد عرف الله ..

          إن هناك وسائل كثيرة لاختبار الإيمان، سنحدثك عنها في باب خاص.

          والقديس بولس الرسول يقدم لنا قائمة رائعة لرجال الإيمان في رسالته إلى العبرانيين (عب11). وكلهم من ذلك النوع الذي ظهر الإيمان في حياته الخاصة ..

          مثل أبينا أخنوخ الذي لم يقل الكتاب عنه إنه دافع عن عقيدة معينة، كالقديس أثناسيوس الرسولي الذي دافع عن العقيدة ضد الآريوسية، أو كالقديس كيرلس الكبير الذي دافع عن العقيدة ضد النسطورية، ومثل باقي أبطال الإيمان في العقيدة ..

          إنما كان أخنوخ من أبطال الإيمان، لأنه “ أرضى الله ” (عب5:11).

          أو كما قال سفر التكوين ” وسار أخنوخ مع الله ” (تك22:5ـ24).

          وأنت قد لا تكون لاهوتيًا عميقًا في المعرفة مثل القديس أثناسيوس أو القديس كيرلس. ولكنك بلا شك في إمكانك أن تحيا في منهج أبينا أخنوخ الذي سار مع الله. وأن تحيا مثل باقي رجال الإيمان الذين ذكرهم القديس بولس الرسول الذين ” أقروا بأنهم غرباء ونزلاء على الأرض .. وكانوا يبتغون وطنًا أفضل أى سماويًا ” (عب13:11ـ16).

          لقد كان أبونا إبراهيم من رجال الإيمان، لأنه ” لما دعى أطاع ” (عب8:11)، فخرج وراء الله ” وهو لا يعلم إلى أين يذهب “. وحُسب من رجال الإيمان، لأنه صدق مواعيد الله حتى وهو يقدم ابنه وحيده، واثقًا أن الله قادر على الإقامة من الأموات (عب17:11ـ19).

          ووضعت زوجته سارة في قائمة أبطال الإيمان، لأنها صدقت قول الرب ” إذ حسبت الذي وعد صادقًا ” (عب11:11).

          إذًا ليس أبطال الإيمان هم فقط أبطال الدفاع عن العقيدة، إنما أيضًا أولئك الذين صدقوا الرب، وأرضوه، وساروا معه، وصنعوا برًا (عب33:11).

          وأيضًا أولئك الذين ” عذبوا ولم يقبلوا النجاة، لكي ينالوا قيامة أفضل “، وأولئك الذين ” طافوا في جلود غنم وجلود ماعز، معتازين مكروبين مذلين، تائهين في براري وجبال ومغائر وشقوق الأرض، وهم لم يكن العالم مستحقًا لهم ” (عب35:11ـ38).

          هؤلاء كلهم كانوا مشهودًا لهم بالإيمان (عب39:11).

          في كل هذا يعطينا الكتاب معنى واسعًا لكلمة الإيمان.

          ومعلّمنا القديس بولس يقول لنا في معنى الإيمان هذا: ” الإيمان هو الثقة بما يُرجى والإيقان بأمور لا تُرى ” (عب1:11).

          وعبارة أمور لا تُرى هى عبارة واسعة جدًا، سندخل في تفاصيلها بعد حين إنشاء الله. ولكننا نقول كمثال: أنت ترجو أشياء بعد الموت. ترجو حياة أخرى دائمة، وعشرة مع الملائكة والقديسين. وترجو رؤية الرب في الفردوس. وترجو القيامة من الموت بجسد روحاني غير قابل للفساد (1كو15). وترجو النعيم الأبدي بعد القيامة العامة. وأنت تثق بوجود كل هذه الأمور، ثقة يقينية كاملة لا شك فيها، دون أن ترى من كل ذلك شيئًا .. إنه الإيمان.

 

الإيمان فوق مستوى الحواس:

          وهنا نرى أن الإيمان يرتفع فوق مستوى الحواس:

          إنه لا يتعارض مع الحواس، إنما هو مستوى أعلى من مستوى الحواس. وهو قدرة أعلى من قدرة الحواس التي لها نطاق معين لا تتعداه. فالحواس المادية تدرك الماديات. غير أن هناك أشياء غير مادية، تخرج عن نطاق قدرة الحواس المادية. وحتى قدرة الحواس بالنسبة للأشياء المادية، هى محدودة أيضًا. وكثيرًا ما تستعين الحواس بعديد من الأجهزة لمعرفة أشياء مادية أدق من أن تدركها حواسنا الضعيفة. فكم بالحري إذًا الأمور غير المادية، التي قال عنها الرسول إنها ” أمور لا تُرى “؟!

          إن ما يرى بالعين المادية يدخل في نطاق (العيان) وليس الإيمان (2كو7:5). فالروح مثلاً لا تُرى ولا تُدرك بالحواس المادية. سواء كانت روح بشر أو ملائكة. وعدم إدراك الحواس لها لا يعني عدم وجودها. إنما يعني أن قدرة الحواس محدودة. لها نطاق معين تعمل فيه لا يصل إلى مستوى الروح.

          والله روح (يو24:4). لذلك فإنه لا يدرك بالحواس المادية.

          لذلك فإنني عجبت من رائد الفضاء الذي قال إنه صعد إلى السماء ولم ير الله! وقد ظن في تهكمه أنه يمكن أن يرى الله بهذه العين الجسدية القاصرة التي لا ترى كثيرًا من الماديات! كما أن الله في كل مكان، في الأرض وفي السماء وما بينهما، ولا يحده مكان. فإن كان لم ير الله على الأرض، فلن يراه أيضًا في السماء، ولا في أى موضع آخر، لأن الله لا يُرى إلاّ بالإيمان .. تراه بالروح (1كو10:2).

          عدم رؤيتك لله بعينك، لا يعني أن الله غير موجود. إنما تفسير ذلك هو أن عينك قاصرة. ومهما قويت، فإن لها نطاقًا محدودًا تعمل فيه، هو نطاق الماديات. ولذلك قلنا إن الإيمان أعلى من مستوى الحواس.

          في العهد القديم، كان مستوى الناس ضعيفًا، فكان تأثير الحواس في الدرجة الأولى والأهم، لذلك كان الله يظهر لهم في السحاب والضباب والنار.

          لقد كلمهم من على الجبل وسط البروق والرعود، والجبل يدخن، وقد صعد دخانه كدخان الأتون. وارتجف كل الجبل جدًا. وكان سحاب ثقيل على الجبل، وصوت بوق شديد، فارتعد كل الشعب الذي في المحلة (خر16:19ـ18). وكان المنظر هكذا مخيفًا حتى قال موسى أنا خائف ومرتعد (عب21:12).

          بهذا الأسلوب كانوا يفهمون قوة الله وأهمية الوصية المعطاة لهم. أما في حياة الإيمان، فإن القلب يفهم قوة الله في غير حاجة مطلقًا إلى هذا الاعتماد الكبير على الحواس. إن الإيمان مستوى أعلى من الحواس، لا يعتمد عليها، ولا يحتاج إليها.

 

والإيمان مستوى أعلى من العقل:

          إن العقل قد يوصلك إلى بداية الطريق. أما الإيمان فيكمل معك الطريق إلى أقصاه. الإيمان لا يتعارض مع العقل. ولكنه يتجاوزه إلى مراحل أبعد بما لا يقاس، لا يستطيع العقل بمفرده أن يصل إليها.

          وما لا يدركه العقل، نسميه “غير المدرك”. ونحن نصف الله بأنه “غير مدرك”. لأنه أيضًا غير محدود. بينما العقل البشري محدود، ولا يدرك سوى الأمور المحدودة، التي تدخل في نطاقه. العقل يستطيع أن يوصلك إلى مجرد معرفة الله، وإلى بعض صفاته. ولكن بالإيمان ” الروح يفحص كل شئ، حتى أعماق الله ” (1كو10:2). وبالنسبة إلى المؤمن، يكشف الله له ذاته. أو يكشف له ما تحتمل الطبيعة البشرية أن تدركه …

 

العقل قد لا يدرك أشياء كثيرة، ولكنه يقبلها:

          العقل ليس من طبيعته أن يرفض كل ما لا يدركه. بل حتى في المحيط المادي في العالم الذي نعيش فيه، توجد مثلاً مخترعات كثيرة لا يدركها إلاّ المتخصصون. ومع ذلك فالعقل العادي يقبلها، ويتعامل معها، دون أن يدرك كيف تعمل، وكيف تحدث. والموت يقبله العقل، ويتحدث عنه، ومع ذلك فهو لا يدركه، ولا يعرف كيف يحدث.

          فإن كان العقل يقبل أمورًا كثيرة في عالمنا، وهو لا يدركها. فطبيعي لا يوجد ما يمنعه من قبول أمور أخرى أعلى من مستوى هذا العالم.

          العقل لا يدرك (المعجزة) كيف تتم. ولكنه يقبلها ويطلبها، ويفرح بها.

          لقد سميت المعجزة معجزة، لأن العقل يعجز عن إدراكها وعن تفسيرها. ولكنه يقبلها بالإيمان … الإيمان بوجود قوة غير محدودة، أعلى من مستواه، يمكنها أن تعمل ما يعجز العقل عن إدراكه. وهذه القوة هى قوة الله القادر على كل شئ.

          إننا نحترم العقل. ولكننا في نفس الوقت ندرك حدود النطاق الذي يعمل فيه. ولا نوافق العقل المغرور الذي يريد أن يعي كل شئ، رافضًا كل ما هو فوق مستوى إدراكه.

          ينبغي للعقل أن يتضع، ويعرف مستواه، ” ولا يرتئي فوق ما ينبغي ” (رو3:12). وفي الأمور التي هى فوق إدراكه، يجب أن يسلم القيادة للإيمان.

          أما إن أراد العقل أن يحطم كل ما لا يدركه، فإنه سيحطم نفسه أخيرًا، ويفقد الإيمان. ويحصر نفسه في دائرة ضيقة جدًا، هى دائرة إدراكه المحدود.

          والذين يسلكون هكذا، اعتاد البعض أن يسميهم (العقلانيون)، لأنهم يعتمدون على العقل وحده، دون الإيمان ودون الروح!         

          إن العاقل يمكنه أن يصل إلى الله. أما العقلاني فلا يصل.

          والمؤمنون عاقلون، ويحترمون العقل، ويستخدمونه أيضًا في الأمور الدينية واللاهوتية. ويوجد بين المؤمنين فلاسفة وحكماء وأشخاص على مستوى عالٍ من الفكر والذكاء. ولكنهم على الرغم من كل هذا، لا يمزجون العقل بالغرور، ولا يثقون بقدرة العقل على إدراك كل شئ. وإنما في بساطة واتضاع، يعترفون أن عقولهم محدودة، وقاصرة عن إدراك كل ما يحيط بالله غير المدرك … وبالإيمان تقبل قلوبهم وعقولهم ما هو فوق مستوى العقل…

 

العقل البسيط المتواضع، هو الذي يقبل الإيمان، والمعجزة:

          نقصد بعبارة (المتواضع) أنه لا يعتز بإدراكه الخاص. ولا يحطم كل ما هو فوق إدراكه. ونقصد بعبارة (البسيط) العقل الذي لا يعقد الأمور، ولا يصر على إدخال كل شئ في حدود معاملة ومقاييسه الخاصة.

          ولعلنا سنعود إلى هذه النقطة، حينما نتحدث عن (بساطة الإيمان).

 

الإيمان ليس هو مجرد تلاوة قانون الإيمان، إنما هو حياة نحياها:

          إن كنت تحيا في الإيمان، والإيمان له ثماره في حياتك العملية، فإنك تستطيع أن تختبر إيمانك بالفضائل التي تبدو واضحة في حياة المؤمن، وهى عديدة … وبها تنفذ قول الرسول ” إمتحنوا أنفسكم: هل أنتم في الإيمان؟ اختبروا أنفسكم ” (2كو5:13).

[1] عن كتاب حياة الإيمان، الطبعة السابعة أبريل 2001، ص14ـ20.

إقرأ أيضاً:

إقرأ أيضًا

من الإلحاد إلى الإيمان - كتاب لغة الله - فرانسيس كولينز PDF

من الإلحاد إلى الإيمان – كتاب لغة الله – فرانسيس كولينز PDF

من الإلحاد إلى الإيمان – كتاب لغة الله – فرانسيس كولينز PDF من الإلحاد إلى …