مواضيع عاجلة

الرمز والحقيقة فى العبادة الأرثوذكسية – دكتور جورج عوض إبراهيم

الرمز والحقيقة فى العبادة الأرثوذكسية – دكتور جورج عوض إبراهيم

الرمز والحقيقة فى العبادة الأرثوذكسية - دكتور جورج عوض إبراهيم
الرمز والحقيقة فى العبادة الأرثوذكسية – دكتور جورج عوض إبراهيم

الرمز والحقيقة فى العبادة الأرثوذكسية – دكتور جورج عوض إبراهيم

مقدمة:

        يتميّز الإنسان وحده بقدرته على العمل فى الحياة مستخدمًا الرموز، بينما يتعذر ذلك بالنسبة للحيوان. فالإنسان وحده هو الذى يتواصل مع غيره من الناس عن طريق اللغة، وهو وحده الذى يصوغ القوانين ويراعى قواعد السلوك العامة، ويمارس طقوسًا معينة، فى حالة الولادة والزواج والموت، مملوءة بالرموز والدلالات والمعانى. فالرمز هو أحد السمات الأساسية للجنس البشرى. فالسلوك الإنسانى هو سلوك رمزى فى جوهره، كما أن السلوك الرمزى هو بالضرورة سلوك إنسانى[1].

          ليس غريبًا ـ فى هذا الإطار ـ أن تكون العبادة الكنسية مملوءة بالرموز، ولا توجد صلاة تعبدية أو عمل ليتورجى يتحقق فى الكنيسة بدون استخدام رموز معينة.

لكن ما هو مفهوم الرمزية Symbolism ؟ وما هو المغزى التعليمى من استخدامه؟.

 

المفهوم العام للرمزية Symbolism:

الرمز Symbol فى معناه العام هو أى شئ يحيل إلى شئ آخر، أو يقوم مقامه أو يدل عليه. فهو من ناحية ما يرتبط بالموضوع الذى نود الكشف عن فكرته، ومن ناحية أخرى هو مصطلح يُطلق على موضوع مرئى يمثل تشابهًا مع ما هو غير مرئى. وقد تؤدى كلمة علامة sign أو إشارة signal أو معنى meaning نفس دلالة الرموز. وتعتبر اللغة أو الكلام رموزًا لأنها وسيلة لتسهيل واختصار التعامل ونقل المعانى[2].

          الرمزية إذن هى شيئًا ما يقف بديلاً عن شئ آخر أو يحل محله أو يمثله بحيث تكون العلاقة بين الاثنين هى علامة الملموس بالمجرد، وذلك على اعتبار أن الرمز هو شئ له وجود محسوس ولكنه يرمز إلى فكرة أو معنى مجرد. فالميزان مثلاً يرمز إلى العدالة، والحمامة ترمز إلى السلام، والصليب يرمز إلى المسيحية. بينما الصليب المعقوف يشير إلى النازية. وقد تستخدم بعض الأفعال والحركات والإشارات كرموز.. وهذا ما نراه فى العبادة؛ فرفع الذراعين إلى أعلى فى الصلاة يشير إلى التماس المعونة من الله والتضرع إليه، ايضًا السجود وانحناء الرأس، كلها لها دلالات تعبّر عن التقوى والخشوع فى حضرة الله.

هكذا فإن الرمز هو كل ما يحل محل شئ آخر فى الدلالة عليه، لا بطريق المطابقة التامة وإنما بوجود علامة عرضية أو متعارف عليها من الجماعة البشرية التى تستخدم هذا الرمز، هكذا الرمز لا يتطابق تمامًا مع الحقيقة المُعلنة من خلاله، وفى نفس الوقت هناك تشابه بين الرمز والحقيقة، فالرمز ليس غريبًا تمامًا عن الحقيقة التى يُعلنها.

          تكمن الخطورة فى استخدام الرموز فى العبادة إذا اخضعنا هذه الرموز للمفاهيم السحرية. فالرمز ليس أداءً حركيًا آليًا أو مجرد قول ننال بمقتضاه بركة بعيدًا عن الفهم والإدراك والتمييز من جانبنا نحن.

          لقد عانت الكنيسة الغربية فى العصور الوسطى من وجود هذه الأفكار السحرية بكثرة فى الحياة التعبدية، مما أسهم فى ظهور معارضين كثيرين للكنيسة وانشقوا عنها، نقصد البروتستانت. هذا الأمر هو الذى جعل الكنيسة الكاثوليكية فى المجمع الفاتيكانى الثانى تُبسط الليتورجيا وتُلغى الملابس الكهنوتية المُبالغ فى زخرفتها وأثمانها وتلجأ إلى الملابس البيضاء البسيطة مثل التى نستخدمها نحن فى العبادة فى كنيستنا القبطية، وأيضًا إلغاء أمور كثيرة كانت تحدث فى أثناء العبادة وتسبّب تشويشًا وعائقًا للإيمان البسيط والعميق. فالصلوات الطويلة والمُبالغ فى أدائها والملابس المُزينة بأحجار ثمينة، والرموز الكثيرة جدًا والمتنوعة كانت فى نظر المعارضين للكنيسة الغربية وقتذاك غير متوافقة مع السمة الروحية للعبادة المسيحية، وبساطة حياة المسيح الأرضية وكذلك فضيلة التواضع وبقية سمات الحياة المسيحية[3].

          تأخذ مسألة الرمزية ـ فى هذا الإطار ـ أبعادًا هامة فى الكنيسة، خاصةً أنه توجد هوة كبيرة بين الفهم المستنير لما يؤدى فى أثناء العبادة وبين الفهم السطحى الذى قد يتبناه البعض من بسطاء الشعب. إذن من الضرورى أن نواجه موضوع الرمزية المستخدمة بكثرة ـ كما قلنا ـ فى عبادتنا. ونبحث فى ما هو المفهوم المسيحى للرمزية؟.

 

المفهوم المسيحى للرمزية:

          لقد رأينا أن الرمزية ليست مجرد ابتداع مسيحى كنسى، بل هى مغروسة فى الطبيعة البشرية، وتظهر فى حياتنا اليومية. وبحسب تعليم كنيستنا الأرثوذكسية، فإن سبب الالتجاء لاستخدام الرمز يتمثل فى نزوع الكائن البشرى نحو عبور المسافة بين المحدود واللانهائى، وبلغة آباء الكنيسة بين المخلوق وغير المخلوق. هذا العبور لا يمكن أن يتحقق إلاّ باستخدام الوسائل المُتاحة للمخلوق (الإنسان)، والتى هى وسائل مادية وقابلة للفساد. حتى لو تجنب الإنسان استخدام المادة فى هذا العبور، ولجأ إلى الكلمة البشرية فهى أيضًا غير كافية حتى أن آباء الكنيسة عبّروا عن ذلك بما يُسمى “اللاهوت السلبى”، أى التعبير عن الله (غير المخلوق) بأسلوب النفى أو الأسلوب السلبى. وهذا ما نراه فى القداس الغريغورى: [مستحق وعادل.. أيها الواحد وحده الحقيقى محب البشر، الذى لا يُنطق به، غير المرئى، غير المُحوى، غير المبتدئ، الأبدى، غير الزمنى، الذى لا يُحد، غير المفحوص، غير المستحيل، خالق الكل].

          وكما قلنا فإن الرمز لا يتطابق تمامًا مع الحقيقة المُعلنة من خلاله، وفى نفس الوقت هناك تشابه ما بين الرمز والحقيقة. وهناك تمييز بين الرمز Σύμβολο والعلامة Σημείου. فالعلامة تشير إلى حقيقة ما دون أن يكون بالضرورة هناك تشابهًا بينهما، بينما الرمز يتشابه إلى حد ما مع الحقيقة، أو هناك عناصر مشتركة فيما بينهما. ومن هنا تأتى الخطورة المتمثلة فى سوء شرح مفهوم الرمز، فمرات كثيرة نشرح الرمز لنصل إلى مفهوم وحقيقة بعيدة جدًا عن الرمز. وقد يكون هذا المفهوم مضاد لما أراد الرمز أن يعلنه. وهذا الخطأ يقودنا إلى العشوائية فى تفسير الرموز الليتورجية أو يقودنا إلى إهمال نماذج أو أمثلة فى الليتورجية تعبّر عن حقائق لاهوتية عميقة للحياة الكنسية.

          لكن لو التزمنا بتعريف الرمز بأنه وسيلة لعبور المسافة بين المخلوق (الإنسان) وغير المخلوق (الله) وذلك باستخدام وسائل معروفة وممكنة للمخلوق، عندئذٍ نستطيع أن نعرف المعنى المسيحى الصحيح للرمز فى عبور الهوة بين المخلوق وغير المخلوق فى شخص المسيح. وهذا سيقودنا إلى معرفة الاختلاف بين الرمزية المسيحية والرمزية فى أى مذهب آخر.

 

الاختلاف بين الرمزية المسيحية والرمزية فى الديانات الوثنية:

          إن الاختلاف الأساسى بين الإيمان المسيحى الكتابى والإيمان فى الديانات الوثنية بخصوص عبور الهوة بين المخلوق وغير المخلوق، هو أن الديانات الوثنية تعبر هذه الهوة بمعونة الطبيعة، بينما فى الإيمان المسيحى، الطبيعة لا تملك فى ذاتها أى إمكانية أو خاصية لعبور الهوة. فالمسيحى يعبر هذه الهوة بكامل حريته. بينما فى الديانات الوثنية، فإن الرمز الذى يصنع جسرًا بين المخلوق والخالق هو الذى يُخضِع الحرية الشخصية للعبودية للطبيعة مثل السحر أو حركة النجوم… إلخ. عبور المخلوق إلى غير المخلوق فى الإيمان المسيحى يعتمد على الحرية الشخصية. هكذا لا يوجد فى العهد القديم ولا فى العهد الجديد رمزية مرتبطة بالطبيعة.

ويعلن هذه الحقيقة بولس الرسول فى رسالته إلى أهل غلاطية قائلاً: ” لكن حينئذٍ إِذْ كنتم لا تعرِفونَ اللهَ استعبدتم للذِين ليسوا بالطبيعة آلِهَةً. وأمَّا الآنَ إِذْ عَرَفتمُ اللهَ، بَلْ بِالْحَرِي عُرِفْتُمْ مِنَ اللهِ، فَكَيْفَ تَرجِعونَ أَيضًا إلى الأَرْكَانِ الضعيفَة الفقيرة التى تُرِيدُونَ أَنْ تُستَعبَدُوا لَهَا مِنْ جَدِيدٍ؟. أَتَحفَظُونَ أَيامًا وشهورًا وَأَوقَاتًا وسنين” (غلا8:4ـ10).

إن الرمزية المسيحية مُؤسسة على الكلمة المتأنس، ابن الله الذى تأنس واتحد بالمخلوق ـ بدافع من محبته ـ وعبر هذه الهوة بين المخلوق وغير المخلوق. وبدون التجسد سيظل أى رمز عاجزًا عن عبور الهوة بين المخلوق والخالق (انظر أى32:9). والقديس كيرلس الأسكندرى يصف عبور هذه الهوة بالمسيح قائلاً: [ إن الإنجيلى (يوحنا) يصف الابن الوحيد بكل الصفات الخاصة بالله ولاسيما أنه حاضر بدون انقطاع فى العالم لأنه بالطبيعة هو الحياة وهو نور بجوهره ويملأ الخليقة كإله غير محصور فى مكان، ولا يُقاس بمقاييس، ولا يُدرك بالكم، ولا يحيط به شئ. ولا يتحرك من مكانٍ إلى آخر، ولكنه يسكن فى الكل ولا يفارق أحدًا، ومع كل هذا يُقال إنه أتى إلى العالم رغم حضوره الدائم فيه.

وهذا المجيء إلى العالم هو التجسد، لأنه أعلن نفسه للذين على الأرض وتحدّث مع البشر (باروخ37:3) عندما تجسد، وجعل حضوره فى العالم ظاهرًا للكل. والذى كان فى الماضى معروفًا لفكر الإنسان صار مرئيًا بعيون الجسد أيضًا ولاسيما عندما صار ظاهرًا بالعجائب والقوات. ويترجى المرنم مجيء النور والحق لكى ينير الكلمة العالم عندما يأتى متجسدًا][4].

هكذا عبر الإنسان الهوة، إذ أعلن غير المخلوق عن نفسه بالتجسد، وتحدث مع البشر. ويوضح القديس كيرلس هذه الحقيقة بقوله: [ فالابن ينير الخليقة كخالق لأنه النور الحقيقى، وعندما تشترك الخليقة فى نور الابن تُشرق بنوره وتصبح فى هذه الحالة نورًا، لأنه بتعطف الابن ترتفع إلى فوق، لأنه مَجَّد الخليقة وكلّلها بأكاليل متنوعة من الكرامة، لكى يأتى إليه كل من نال كرامة ويرفع صلوات الشكر بصوتٍ عالٍ: “ باركى يا نفسى الرب ولا تنسى كل حساناته” (مز2:103)][5].

          هكذا بتأنس ابن الله وعبور الهوة أصبح ممكنًا تحقيق الهدف من الرمز، لكن تحت مبادئ لا تُخترق:

          أ ـ أى رمزية لا يمكن أن تتأسس فقط على التشابه الشكلى بين ملامح الوسيلة الرمزية المخلوقة والملامح الإلهية غير المخلوقة. فالعالم المادى والعالم المعنوى والعقلى أيضًا لا يمكن لهم أن يصوِّروا الله غير المنظور. عبور الهوة تم فى المسيح فقط، إذ هو ذاته الوسيلة التى تم بها هذا العبور.

          ب ـ وطالما أن أى رمزية لا تكون مُؤسسة فقط على الخواص الطبيعية للوسيلة الرمزية لكن على الحرية الشخصية، فكل الرموز فى الكنيسة تُؤسس على الحوادث التاريخية لتدبير الله الخلاصى لأنها نابعة من محبة الله وخضوع الابن وفعل الروح القدس.

          ج ـ وحيث إن كل الحوادث التاريخية لتدبير الله الخلاصى يكتمل فهمها ليس بالرجوع إلى الماضى بل فى بُعدها الأخروى، إذن فكل رمز يشير إلى حدث أُخروى، أى إلى ملكوت الله فى ملئه. هكذا كل رمز يشير إلى حقيقة أُخروية، وهذه الحقيقة ليست موجودة فى طبيعة المواد المُستخدمة أو الوسائل التى يستخدمها الرمز، وهى ليست فقط موجودة فى الحوادث التى حدثت فى الماضى بل المهم هو مدى دلالة الرمز تجاه الحقيقة الأخروية.

          نستطيع أن نطبق هذه المبادئ فى العبادة الأرثوذكسية:

 

الرمزية فى العبادة الأرثوذكسية:

          لقد بدأت العبادة الكنسية بقيامة الرب. لأن قبل قيامة المسيح لم تكن العبادة المسيحية “ فى الروح والحق” (يو23:4)، ” لأن الروح القدس لم يكن قد أُعطى بعد لأن يسوع لم يكن قد مُجد بعد” (يو39:7). الكلام هنا عن الروح القدس الذى اعطاه المسيح بعد قيامته إلى تلاميذه (يو22:20)، وبواسطة هؤلاء التلاميذ أُعطى الروح لكل الكنيسة. وهذا ما جعل العبادة المسيحية عبادة روحية تتطّلع وتدخل إلى “الأيام الأخيرة”، لذا قال القديس بطرس فى عظته يوم الخمسين: ” يقول الله ويكون فى الأيام الأخيرة أنى أسكب من روحى على كل بشر فيتنبأ بنوكم وبناتكم ويرى شبابكم رؤى ويحلم شيوخكم أحلامًا. وعلى عبيدى أيضًا وإمائى أسكب من روحى فى تلك الأيام فيتنبأون” (أع17:2ـ18، يؤ28:2).

          هكذا بالقيامة تحقق بالتمام عبور الهوة التى كانت تفصل بين الخالق والمخلوق. فالسجود للمسيح القائم والعبادة التى قُدمت له، إذ هو الرب الجالس فى يمين الآب، هما بمثابة محور العبادة المسيحية. وكذلك اتمام العشاء السرى (لو30:24) من جانب التلاميذ، أى الإفخارستيا التى هى حدثٌ أُخروى بعد قيامة الرب هى أيضًا محور عبادتنا، لأن القيامة هى حدثٌ أُخروى وليست مجرد حدث تاريخى. فالقيامة هى انتصار على “العدو الأخير” أى الموت وإشراق “اليوم الأبدى”. لكن ماذا يعنى كل هذا للرمزية؟

          يعنى أن رمزية العبادة المسيحية لا تتحرك بعد القيامة بين العالم الطبيعى والعالم العقلى أو بين حوادث العهد القديم، لكن بالحرى بين القيامة والمجئ الثانى. بشكل عام لدينا مستويان من الرموز. المستوى الأول: يربط رمزية العبادة بالحوادث التاريخية فى الماضى. أما المستوى الثانى: فيربط العبادة بحوادث سوف تحدث اى أخروية.

          إن كل الرمزية الموجودة فى العبادة الكنسية لها هذان المستويان. الأول يرتبط بحوادث الماضى التاريخية ويمكن أن ندعوها نماذجية Τυπολογικός وهذا نراه بكثرة فى العظات السرائرية للقديس كيرلس الأورشليمى وأيضًا فى كتاب جان دانيلو المعروف: “الإنجيل والليتورجيا”[6]. وعبادة الكنيسة كانت منذ البداية مملوءة من الملامح النماذجية: فالمعمودية لها نماذجها فى العهد القديم: الختان، عبور البحر الأحمر، الطوفان.. إلخ. نفس الأمر يسرى على بقية الأسرار الأخرى. وأى رمزية فى العبادة لا تتجه ناحية طبيعة الوسيلة الرمزية وخصائصها.

على سبيل المثال: الماء فى المعمودية لا ينحصر دلالته على الخصائص الطبيعية للماء الذى ينقى الجسد فقط، بل على الحدث التاريخى الذى تم فى الماء من خلال عبور البحر الأحمر مثلاً أو الطوفان. فقوة الرمز لا تنبع من أى خاصية طبيعية للوسيلة المستخدمة. والجدير بالذكر أن دلالة الخصائص الطبيعية موجودة ولكن ليست هى منبع القوة، فمثلاً ارتباط الغرب بالظلام أثناء التفات المُعمّد ناحية الغرب وجحد الشيطان، وإلى الشرق أثناء إقرار الإيمان والانضمام للمسيح، يدل على أن الخصائص الطبيعية لها دور ألاّ وهو التشابه بين الرمز والمرموز إليه والذى قلنا عنه أنه لابد أن يكون موجودًا.

فالغرب حيث غروب الشمس وحلول الظلام يشير إلى المكان المُظلم الذى هو مسكن الشيطان، أما الشرق المُضئ بشروق الشمس فهى مكان شمس البر مسكن المسيح. وهذا لا يعنى أن الله ليس موجودًا فى كل مكان، حاشا، بل إن الله موجود فى كل مكان، فهو “الحاضر فى كل مكان والمالئ الكل”. وفى يوم الجمعة العظيمة نصلى كيرياليسون فى الاتجاهات الأربعة. إذن رمزية الغرب والشرق لها دور محدد يخدم المعنى والدلالة المُشار إليها.

          أما المستوى الثانى فيختص بالرمزية التى تتحرك بين القيامة والمستقبل فى شكله الأخروى. هذه الرمزية يمكننا أن نسميها التصويرية Εικονολογικός، فإن كان الآباء قد استخدموا المثال والنموذج “Τύπος” بكثرة لتفسير حوادث العهد القديم، فإن مصطلح الأيقونة “Εικών” قد استخدمه الآباء للعهد الجديد. ومن الجدير بالملاحظة أن آباء مدرسة الأسكندرية: اكليمندس وأوريجينوس قد فسروا حوادث العهد القديم على أنها أيقونة للحقيقة التى تمت فى العهد الجديد، وهذا ما نجده عند يوسابيوس القيصرى أيضًا[7]. ويستخدم ديونيسيوس الأريوباغى مصطلح أيقونة أو صورة ليبرهن على أن العبادة الأرضية هى صورة وأيقونة للعبادة السماوية[8]. ولعل الصلاة التى نصليها فى الأجبية تعبّر بوضوح عن هذه الحقيقة: ” إذا ما وقفنا فى هيكلك المقدس نُحسب كالقيام فى السماء..”.

          إذن، الفرق بين الأيقونة والمِثال والظل، هو أن الأيقونة تستند على نعمة العهد الجديد وعلى الكلمة المتجسد الذى تجسد بالفعل وتمّم خلاصنا، وليس على انتظار تجسد الكلمة. وفى هذا الإطار دافع يوحنا الدمشقى عن الأيقونة بأن التأنس أعطى إمكانية أن يكون لدينا صورة أو أيقونة لأنه بالتجسد صار ابن الله حقيقة تاريخية[9].

          الأيقونة هى بمثابة حضور شخصى لصاحبها، وأيقونات القديسين تمثل سحابة الشهود المحيطة بنا. ومن هنا نستطيع أن نفهم ما تقوم به الكنيسة من تدشين الأيقونات ومسحها بالمسحة المقدسة. ومن يرفض الأيقونة كحضور شخصى لا يستطيع أن يتمتع بالعبادة بحسب كنيستنا الأرثوذكسية. إذن لا نستطيع أن نختزل الأيقونة باعتبارها فقط مجرد صورة تعبيرية يتواصل معها البسطاء، وإلاّ ما الداعى لتمسك الكنيسة بالأيقونات وتكريمها وتدشينها. ولا نستطيع أن نحصر قوة الأيقونة فى المواد المصنوعة منها أو الرسم والألوان ولكن قوتها هى فى الحضور الشخصى لصاحب الأيقونة.

 

الرمزية التصويرية:

          كما سبق أن قُلنا إن الأيقونة هى بمثابة حضور شخصى وهى فى حد ذاتها كمواد طبيعية لا تحتوى فى داخلها على أى قوة. إذن حقيقة الرمزية هى فى الحضور الشخصى والحدث التاريخى. وقول يوحنا الدمشقى المعروف: ” نحن لا نعبد المادة بل نسجد لخالق المادة”، هو قول ينسحب على إكرامنا لرفات القديسين، وتكريمنا للأوانى المقدسة، والملابس الكهنوتية، والمذابح، …إلخ. فالفعل الإلهى الذى ننال منه البركة لا يسكن فى طبيعة الأشياء، إذ أنه فعل إلهى مقدس يتطلب قبولاً شخصيًا. فالبركة التى أنالها عندما ألمس أيقونة القديس وأصلى أمامها تنبع من الحضور الشخصى للقديس، وقبولى وتجاوبى مع الحضور، وليس مجرد اللمس والاتصال الطبيعى بالأيقونة.

          وعندما نتحدث عن الإفخارستيا أو القداس الإلهى نرى أيقونة السماء على الأرض، أو بالحرى نرى تجلّى الكنيسة الأرضية وتحوّلها إلى سماء. إنها أيقونة السماء كما ذكرنا عندما نصلى قائلين: ” إذا ما وقفنا فى هيكلك المقدس نحسب كالقيام فى السماء…”. هكذا نرى ليتورجية سماوية، فالهيكل هو ملكوت الله ويسوع الملك مُحاط بالقديسين. والأسقف صورة للمسيح الجالس على العرش. والكهنة هم صورة الرسل الذين يحيطون بالمسيح. والشمامسة هم صورة الملائكة الذين هم أرواح خادمة مرسلة للخدمة (انظر عب14:1)، يتحركون بين الشعب والإكليروس. الشعب المجتمع الذى يحمل التقدمات (خبز، خمر، زيت،… إلخ) هم صورة لشعب الله. ومجيء الأسقف إلى الكنيسة هو حدث ليتورجى عظيم له طقس فى كنيستنا لأنه يصور مجيء المسيح إلى العالم فى حضوره الأول وكذلك فى حضوره الثانى، واستقباله من جانب الإكليروس والشعب هو قبول للمسيح.

          هكذا فإن الرمزية موجودة فى عبادتنا، ولكن الرمزية ليست هدفًا فى ذاتها، هى فقط تشير إلى الحقيقة. والرمزية المسيحية هى مُؤسسة على التجسد الإلهى. وقوة الرمز لا تكمن فى الرمز نفسه كمادة بل فى إشارته إلى الحدث الخلاصى الذى تمّمه المسيح، وبذلك يتحقق عبور الهوة بين غير المخلوق والمخلوق فى شخص المسيح. كذلك رأينا كيف أن “المثال” يشير إلى حوادث خلاصية سوف يتممها المسيح، ويتناسب مصطلح “المثال” مع حوادث العهد القديم، فعلى سبيل المثال “ماء الخلق الأول” يشير إلى المعمودية، وكذلك عبور البحر الأحمر يشير أيضًا إلى المعمودية، وأمثلة كثيرة فى العهد القديم نجدها تشير إلى بقية الأسرار مثل المن الذى يشير إلى الإفخارستيا. أما “الصورة” فهى تحقيق لما تم بالفعل فى المسيح: ” إذا ما وقفنا فى هيكلك المقدس نُحسب كالقيام فى السماء..”. لذا نرى أن القداس الإلهى هو صورة لتجلى الأرض لتصير سماءً. هذه هى الرمزية الموجودة فى عبادتنا الأرثوذكسية والتى تستمد قوتها من شخص المسيح.

[1] أ.د. عادل كمال خضر، مفهوم الرمزية فى التحليل النفسى، مجلة علم النفس، الهيئة المصرية العامة للكتاب، العدد التاسع والخمسون، يوليو ـ أغسطس ـ سبتمبر 2001، ص 17.

[2] المرجع السابق، ص18.

[3] انظر المطران يوحنا زيزيولاس، الرمزية والحقيقة فى العبادة الأرثوذكسية، مجلسة سيناكس، المجلد 71 يوليو ـ سبتمبر 1971، ص6ـ21 (باللغة اليونانية)، وهو مرجع أساسى فى هذا البحث.

[4] القديس كيرلس الأسكندرى، شرح إنجيل يوحنا، الجزء الأول، مركز دراسات الآباء 1989، ص106.

[5] القديس كيرلس الأسكندرى، المرجع السابق، ص104.

[6] ترجمة القمص ميخائيل ميخائيل مليكه، القاهرة 1996.

[7] انظر اكليمندس الأسكندرى، المتفرقات22:4؛ أوريجينوس، فى تفسير ليوحنا16:10؛ يوسابيوس القيصرى، تاريخ الكنيسة I,3,4.

[8] ديونيسيوس الأريوباغى، عن الهيكل السماوى3:1، وعن الأسماء الإلهية4:4.

[9] Λόγ. πρός τούς διαβ. τάς αγ. Εικόνος. Α’, 8-16.

إقرأ أيضاً:

إقرأ أيضًا

عاجل: إكتشاف مدينة أثرية ترجع للقرن الثاني بها كنيسة يونانية رومانية وهيكل بمحافظة المنيا

عاجل: إكتشاف مدينة أثرية ترجع للقرن الثاني بها كنيسة يونانية رومانية وهيكل بمحافظة المنيا عاجل: …