مواضيع عاجلة

آباء البرية والحياة النسكية (1)

آباء البرية والحياة النسكية (1)

آباء البرية والحياة النسكية (1)
آباء البرية والحياة النسكية (1)

آباء البرية والحياة النسكية (1)

 

الحياة النُسكيّة (نشأتها وتطورها)

إن الشكل الذى اتخذته الحياة النُسكيّة القبطية فى بداية نشأتها كانت عبارة عن مجموعات صغيرة منتشرة فى منطقة جغرافية محدودة. ومع مرور الوقت بدأ يظهر ما يُعرف بالمنسك وهى عبارة عن تجمع رهبانى تكوّن حول أحد الآباء الذى عاش خبرة الوحدة والصلاة، وكان يمثل محور جذب لأولئك الراغبين فى تتبع نفس الطريق. ومع تزايد عدد الراغبين في الانضمام لهذه المجموعة الجديدة، بدأت الحاجة لوضع نظام تدبيرى وروحى ينظم لهم طريقة عملهم وتغطية احتياجاتهم الضرورية، وعلاقاتهم بعضهم ببعض وعلاقاتهم مع العالم الخارجى، والمنهج الروحى الذى ينبغى اتباعه.

من أمثلة هذه التجمعات الرهبانية ذلك التجمع الذى كان بمنطقة نتريا، الذى كان يضم خمسة آلاف راهب تقريبًا طبقًا لما يخبرنا به بلاديوس ، وكان لهذا التجمع الكبير نظامًا لتوزيع الخدمات والأعمال، واجتماعات صلاة مشتركة[1]. وكان هذا الاتجاه النُسكى الأوّلى يمثل مرحلة متوسطة بين التوحد والشركة. وطبقًا لما ذكره القديس غريغوريوس اللاهوتى، فقد كان هناك قسمان متميزان من النساك:

1ـ الذين تحرروا من كل قيود تربطهم بالعالم، وتركوه وعاشوا كنساك فى وحدة.

2ـ الذين اطاعوا قوانين العفة وعاشوا فى شركة (koinwn…a) وجمعوا بين حياة العزلة، وبين حياة العالم. وهى حياة تشمل جانب الأعمال إلى جانب العبادة.

هذا ما نراه فى حياة أمون حيث نقرأ فى رسالة أمون أن الكاتب، وهو أسقف يُدعى أمون، يصف اختياره لحياة النسك، بأنه وهو فى سن السابعة عشر ولا يزال من المتحوّلين حديثًا إلى المسيحية، كان قد سمع البابا أثناسيوس الأسكندرى وهو يعظ فى الكنيسة مناديًا بنمط حياة محدد لكل النساك والعذارى. فانجذب أمون لهذه الحياة النسكيّة واختارها لنفسه فتبع فى بادئ الأمر راهبًا من منطقة طيبة. ولم يمضى وقت طويل حتى انضم لنظام الشركة الباخومية، واندمج فى هذه الشركة. وصارت هذه الحياة النسكيّة حياة سهلة عليه بقيادة ثيودوروس الأسكندرى، رئيس ما يُسمى “بالبيت اليونانى” والذى ساعد أمون بالترجمة له. وكان ثيودوروس أيضًا أمميًا تحول إلى المسيحية، وتشبه سيرة حياته حياة أمون، وقد دخل إلى المسيحية فى سن السابعة والعشرين، راغبًا فى أن يصير راهبًا.

وقد جعله القديس أثناسيوس واعظًا ورتّب له مكانًا فى الكنيسة ليقيم فيه، حيث كرّس نفسه لحياة النسك. ولم يقابل امرأة قط فى حياته، عدا أمه وأخته. وبعد 12 سنة انضم إلى مجموعة النسّاك الذين كانوا معه فى الكنيسة، وفيما بعد صار تابعًا للقديس الأنبا باخوميوس[2].

وهذا ما يؤكد على أن النسّاك فى بداية الأمر كانوا يعيشون  إما منفردين (كمتوحدين) أو فى شكل مجموعات مرتبطة بالكنائس، وكان نظامهم النسكى منضبطًا جدًا، وكانت لهم اتصالاتهم المنتظمة مع نظرائهم. وكان جميع النسّاك ـ الذين ذكرتهم البرديات ـ يعيشون فى قرى أو مدن، وكانوا يشتركون معًا فى أنشطة اجتماعية، فهم يستأجرون الأراضى ويبيعون المنتجات ويسددون الضرائب. ومن أوائل الرهبان الذين ذكرتهم هذه البرديات، الراهب[3] المعروف “إسحق المتوحد”، ويرجع تاريخها لسنة 324م وكان مشهورًا ويحظى بتقدير الجميع فى قريته كارانيس[4].

والحقيقة أن أولئك الذين صاروا من مشاهير آباء البرية كانوا فى الغالب قد بدأوا حياتهم النسكية فى القرية. وهذا ما سبق ورأيناه فى حالة أمون، بل أن القديس الأنبا باخوميوس أيضًا ظل يمارس النسك سبع سنوات داخل القرية، ويقوم بتقديم الخدمة الخيرية لمرضى القرية. ثم انضم إلى القديس بلامون الشيخ الذى كان يعيش بالقرب من إحدى القرى. كما أن القديس الأنبا أنطونيوس بدأ أولى مراحل ترك العالم وهو فى مدينته، وبعد ذلك انتقل إلى تخوم المدينة، حيث بدأ حياته النسكيّة التعبدية تحت إرشاد شيخ كبير، كان يعيش فى قرية قريبة.

وبمجرد أن نبلغ أطراف المدينة أو القرية، وهى المنطقة بين مكان الاستقرار والصحراء، نجد أن هذه المنطقة يسودها الشيوخ. وقد التحق القديس الأنبا أنطونيوس والقديس الأنبا باخوميوس برتبة هؤلاء الشيوخ الكبار، وصاروا مثالاً يُحتذى من قِبل الكثيرين. وبنهاية القرن الثالث، كان هؤلاء الشيوخ قد أسسوا مجموعات مستقرة تمامًا. وهنا صار للرهبنة هوية واضحة المعالم، أى عندما تأسس نظام يجمع النساك فى شركة واحدة. والحقيقة إن الأسباب التى دعت لتأسيس مثل هذا النظام، كان الرغبة فى وضع نظام للحياة النسكيّة يتناسب مع حجم المتطلبات، التى نتجت عن التزايد فى أعداد المنضمين لهذه المجموعات الرهبانية. وتتلخص ملامح هذه الشركة فى الآتى:

1ـ مكان مشترك لإقامة الرهبان.

2ـ وضع نظام روحى وتدبيرى لهذه الشركة.

3ـ إدارة مركزية لتسيير حياة الشركة.

هذه الرغبة الملحة من قِبل آباء البرية لتأسيس مجتمع نسكى قائم على الشركة، يعكس إرادة جادة لخلق مجتمع جديد يختلف في توجهاته عن العالم الخارجى، ليكون ميناءًا حقيقيًا لأولئك النساك الذين يسعون نحو خلاص نفوسهم. وتهيئة هذا المناخ على هذا النحو، كان هو العامل الذى دفع آباء البرية للتأكيد على أن الخروج من هذه الشركة يمثل خطورة شديدة على حياة الراهب الروحية، وعودة غير آمنة إلى عالم صار مختلفًا تمامًا عن هذه الحياة التى تأسست من أجل النمو فى المحبة والشركة لتحقيق هدف محدد وهو خلاص النفس.

هذا ما يؤكده القديس الأنبا أنطونيوس، حيث يشبه خروج الراهب خارج ديره[5]، بخروج السمكة من الماء، فإذا أردنا عودة الحياة للسمكة، فينبغى عودتها للماء مرة أخرى، هكذا الراهب أيضًا، ولهذا السبب كان يتعيّن على الراهب ألا يقيم خارج ديره لفترة طويلة. إلا أنه يجب التأكيد على أن الانعزال عن العالم الخارجى بالنسبة للراهب، لم يكن هدفًا فى حد ذاته. إذ أن الرحيل للبرية لم يكن يمثل بالضرورة هجرة تامة للمجتمع، بل أن الهدف كان تأسيس مجتمع له ملامح روحية متميّزة عن الوضع السائد فى المجتمع الخارجى، ويستند هذا الهدف بالأساس على الحقائق الكتابية. يقول الأب جورج فلورفسكى: ” إن الرهبان تركوا العالم لكى يأسسوا مجتمعًا جديدًا قائم على الأسس الكتابية فى أرض البرية البكر، مجتمع يحمل المبادئ المسيحية الصحيحة”[6]. وما تغيير الاسم بالنسبة للراهب سوى رمز للانفصال عن الحياة القديمة، والدخول إلى حياة جديدة مختلفة تمامًا عن سابقتها.

إن نمو الحياة الرهبانية على هذا النحو لا يجوز تفسيره على أنها كيان ليس له علاقة بمفهوم المجتمع. ذلك لأن الرهبنة أيضًا تُعد ظاهرة اجتماعية، طالما أنها تخلق نواه لمجتمع جديد، وفى نفس الوقت تمثل عملية رفض للنظام الاجتماعى القائم. ومع هذا فإن الرحيل للبرية وترك المجتمع لا يعنى كراهية أو احتقار للمجتمع، بل هو رغبة فى التمتع بمساحة أوسع من الحرية للتأمل والصلاة وحياة الشركة، وهى مساحة لم يعد المجتمع الذي خرجوا منه يوفرها.

وقد عبّر القديس باسيليوس عن هذا التوجه إذ كان مشغولاً بدرجة كبيرة جدًا بالتوترات الاجتماعية التى كان يراها. لأنه لاحظ انهيار للقيم الاجتماعية وانتشارًا للفساد الذى كان يسود ذلك العصر. وهكذا فإن دعوته لتأسيس وحدات رهبانية كانت بمثابة محاولة لإعادة إحياء روح الشركة إلى مجتمع فقد القدرة على التعاون والعمل المشترك، وفقد كل معنى للمسئولية تجاه أعضائه[7].

 فالعنصر الجوهرى الذى يشكّل حجر الأساس لوجود المجتمعات هو التوافق والانسجام بين أعضاء هذه المجتمعات، وعندما يغيب هذا العنصر، يصبح هناك احتياجًا لولادة مجتمع جديد، أو تجديد بنية المجتمع القائم. والواضح أن آباء البرية قد لعبوا دورًا هامًا فى هذا الاتجاه، فقد ساهموا فى خلق مجتمع جديد يسوده مناخ جديد يختلف فى سماته عن المجتمع الذى رحلوا عنه.

وهذا ما دفع الكثيرين لترك مدنهم وقراهم، للدخول فى هذه الشركة الجديدة. نجاح آباء البرية فى ايجاد حياة شركة تسودها المحبة، جعل آباءً كبارًا مثل القديس الأنبا أنطونيوس والقديس أثناسيوس الرسولى، أن يُقروا بأهمية الدور الحيوى الذى مارسه الآباء المؤسسون لرهبنة الشركة فى خلق هذا المناخ الجديد، وأن يمتدحوا هذا العمل الكبير الذي تمموه على أكمل وجه. ففى لقائه باثنين من رهبان الشركة الباخومية اللذان ذهبا إلى الإسكندرية لاستقبال القديس أثناسيوس، عند عودته لكرسيه الأسقفى عام 346م بعد نفيه الثانى، قال الأنبا أنطونيوس لهما: “إن القديس باخوميوس خدم الله بحماس زائد وغيرة شديدة، وعلّم رهبانًا كثيرين ووحّدهم، وقد تبع طريق الرسل بصلاته وخدمته، وهكذا صار مصباحًا منيرًا”[8].

وعندما ذهب القديس أثناسيوس إلى منطقة جنوب مصر زار أديرة القديس الأنبا باخوميوس وتحدث إلى الرهبان وعبر لهم عن إعجابه بطريقة إدارة أديرتهم، واستقامة العقيدة، والقيم الروحية التى يحيونها. ثم توجه إلى ثيودوروس تلميذ الأنبا باخوميوس قائلاً: “لقد سمعت من قبل عن استقامة إيمانكم وأعمالكم، أما الآن فقد رأيت بعينى الحقيقة التى هى فوق كل وصف. وعلى أى حال ليس هناك شك فى أن أبوكم (الأنبا باخوميوس) قد سار على خطى القديسين، مهيئًا النفوس حتى تصير مسكنًا للروح القدس”[9].

ولم يكن اهتمام الآباء المؤسسين لرهبنة الشركة مُنصبًا فقط على أمور الدير الداخلية، بل أنهم اهتموا أيضًا بخدمة القرى والمدن المحيطة بالأديرة روحيًا وماديًا أيضًا.

ويتضح ذلك من النظام الذى وضعه الأنبا باخوميوس بإرسال إخوة لخدمة المجتمع روحيًا، وأيضًا تسديد احتياجاته الضرورية، وفعل ذلك أيضًا الأنبا شنودة، وهذا راجع إلى إدراكهما بالظروف القاسية التى كان المجتمع يمر بها فى ذلك الحين سواء من الناحية الروحية أو من الناحية الاجتماعية، بسبب الاضطهادات التي كانت تقع على المسيحيين، وانتشار الهرطقات والعبادات الوثنية وكلاهما له تأثيرات ضارة جدًا على سلام الكنيسة ووحدتها، هذا بالإضافة للأعباء الاجتماعية الناتجة عن فرض الضرائب وازدياد حالة الفقر واتساع رقعة المظالم، والتهميش الاجتماعى المقصود لسكان البلاد الأصليين[10].

ولذلك كانت الأديرة ملاذًا لكل المضطهدين والمظلومين والذين لا مورد لهم، على سبيل المثال كان الأنبا شنودة يفتح أبواب أديرته لاستقبال المحتاجين لتسديد احتياجاتهم، ولرفع المعاناة عن الذين أصابهم الظلم جراء التمييز المُتعمد بين الأجانب والمصريين[11].

هكذا صارت البرية واحة حب لاستقبال جميع الراغبين في الكمال، وملجأ لكل من تعرّض للظلم والاضطهاد وشعر بالغربة في وطنه. هذا ما يشير إليه القديس أثناسيوس بقوله: “كانت البرية تبدو أمام المرء كمدينة للتقوى والبر، لأن هناك لا يوجد ظالم أو مظلوم، ولا وجود لجابى الضرائب أو ممثل الدولة، لكن يوجد فقط جمع النساك يجمعهم فكر واحد، هو السير فى طريق التقوى”[12].

 

مفهوم البرية فى الكتاب المقدس والتقليد الآبائى:

ليس للبرية فى الكتاب المقدس والتقليد الآبائى، بعدًا جغرافيًا وتاريخيًا فقط، بل لها وبشكل أساسى بُعدًا لاهوتيًا. فقد مثلّت عنصر جذب، اتجهت نحوه حياة شعب الله. فالله أراد أن يقود شعبه إلى أرض كنعان عن طريق البرية، وكان من الممكن أن يقوده من خلال طريق آخر. وبالتأكيد كانت هناك أسباب لقيادة الشعب عبر الصحراء. حيث أراد الله أن يخلق مجتمعًا جديدًا في البرية، ليس كما فعل مرة مع شخص واحد، وهو ابرآم، بل هذه المرة مع شعب بأكمله.

لقد خلّص شعبه من عبودية المصريين، لكنه لم يقده إلى مكان يشعر فيه بالأمان والاستقرار، لأن الصحراء ليست هى المكان المناسب الذى يشعر فيه المرء بهذه الأحاسيس. فالعبور خلال  الصحراء يمثل مغامرة كبرى، فالإحساس بالأمان بالنسبة لهذا الشعب كان في العبودية للمصريين إذا ما قورن بمسيرة البرية الشاقة والمجهولة العواقب والمملوءة بالمخاطر.

لقد دخل الإيمان بالله آنذاك مرحلة الاختبار، حيث رأى الله أن فى قيادة الشعب نحو أرض الميعاد خطوة خطوة أمرًا له أهمية قصوى. فالله يريد من الشعب أن يسلّم له نفسه بالكامل، حتى يقيم معه عهد محبة ورأفة. إذن فهناك فى مغامرة الصحراء أراد الله أن يهب الإنسانية عطية عظمى، وقد استُعلن هذا فى أعمال معجزية، متمثلة فى إشباع الشعب بالمن والسلوى وإرواء عطشه بالماء الخارج من الصخر، وحمايته من حر النهار الشديد، وقيادته فى الطريق من خلال عامود السحاب المنير الذى حدّد مسيرته. ومع أن هذه كلها كانت أعمال عظيمة جدًا، إلاً أنها كانت استثنائية.

فالطعام البسيط في أرض مصر كان يبدو مقارنة بهذا، شيئًا مختلفًا ومعتادًا. هكذا تمرد الشعب وثار مرات كثيرة ، وتذكّر البصل والثوم فى مصر وفضّل عبادة العجل الذهبى، على أعمال الله المعجزية الاستثنائية والتى أثارت داخله نوعًا من الشكوك. ولكن هذا الاختبار كان أساسيًا وضروريًا لإقامة العهد. إذن فالبرية كانت هى الإطار الذى فيه أُقيم العهد وصارت هناك علاقة حقيقية بين الله وشعبه. ففى أجواء البرية لا يستطيع الإنسان أن يعتمد على أى شئ آخر سوى الله، فهناك حيث تنعدم تقريبًا الوسائل التي تُعين على استمرار الحياة لا يكون أمام الإنسان سوى التطّلع نحو الله لطلب المعونة[13].

هكذا أراد الله أن يدرب شعبه تدريجيًا وفى ظروف صعبة وقاسية على التمسك به واللجوء إليه والدخول فى شركة حقيقية معه، وكانت البرية هى المجال الذى تم فيه كل هذا.

بداية البشارة المسيحية، كما يُشار إليها من الإنجيليين الأربعة هى نشاط يوحنا المعمدان فى البرية ثم قيامه بمعمودية يسوع المسيح. أى أن البداية للبشارة بملكوت الله قد انطلقت من البرية. ويشير القديس متى البشير إلى أن البرية كانت لها مكانة خاصة عند المسيح، فبعد معجزة إشباع الجموع، نجد أن المسيح صرف تلاميذه وصرف الجموع أيضًا ثم ” صعد إلى الجبل منفردًا ليصلى” (مت22:14ـ23). اختلى حتى عن تلاميذه لكى يصلى، ولما صار المساء كان هناك وحده. ويخبرنا القديس لوقا البشير بأن يسوع بعدما شفى كثيرين ” كان ينعزل فى البرارى ويصلى” (لو15:2ـ16). هكذا صارت البرية بموقعها الجغرافي موضعًا لاتخاذ القرارات التاريخية العظمى.

فهى المكان الذى فيه يتحقق الإيمان بالله الذى يخلّص من العبودية، هذا الإيمان الذى تأسس داخل الاختبارات الكبرى والتجارب الممكنة. فخبرة الحياة في البرية وشعور الاعتماد على الله، كان يرافق شعب الله حتى وصوله إلى أرض كنعان. وبناءً عليه كانت البرية تمثل مصدر الإلهام الروحى لشعب الله لمواصلة مسيرته نحو هدفه.

أما فى التقليد الآبائى فمفهوم البرية لا يحمل معنىً مختلفًا عن المفهوم الذى نجده فى الكتاب المقدس ـ  بل يعنى وبشكل أساسى مفهوم الحرية (έλευθερία) ومفهوم الرحيل (anacèrhsh)، من عالم صار غريبًا عن الروح المسيحية. فالرحيل من العالم لا يتعلق بتغيير مكانى، لكنه تحرر من روابط هذا العالم المادية. هذا التحرر أطلق عليه يوحنا السلّمى تعبير “تغرّب” (xeniteˆa) أى الإقامة فى وطن آخر، يقول: “إن الرحيل لمكان آخر هو ترك للوطن بكل ما فيه من أشياء، عندما تكون هذه الأشياء مضادة لهدف التقوى…وأنت يا من ترحل إلى مكان آخر لكى تتحرر من قيود العالم المادية، ينبغى أن تخفى على قدر ما تستطيع، أصلك النبيل، وألاّ تجعل اسمك المعروف ينتشر بين الاخوة، حتى لا تحيا بشكل مختلف فى الجسد أو فى علاقته بالأشياء الأخرى”[14].

ثم يقول إن “التغرّب”، ” هو انفصال عن كل شئ، لكى يبقى الذهن غير منفصل عن الله، فهى سلوك فى الخفاء، حكمة غير مُعلنة، إدراك سرى، رفض للغرور، وتأمل عميق”[15].

        وهذا التعبير ” تغرّب” الذى ذكره يوحنا السلّمى، يعنى بشكل أساسى تحرر من القيود التي تعوق السير في طريق التقوى. فلو أن شخصًا غيّر المكان، لكنه حمل معه ما يتعلق بهموم هذا المكان، فلن يُقال عن هذا إنه “تغرّب”، فالرحيل هنا لا يعنى رحيل من الحاضر إلى  الأبدية، بل تغيير مكانى فقط. لقد أدرك كثير من النسّاك أن حياة البرية هو تذوق مسبق لأمور الدهر الآتى، وآمنوا بأنه فى البرية يمكن تحقيق مواهب روحية يصعب تحقيقها فى المجتمع الذى رحلوا عنه. من هذه المواهب هدوء الذهن، السلام الداخلى، رفض الشهوة، البصيرة الروحية، والسكون. فالتوترات فى العالم، والمنازعات، لا تترك مجالاً لتحقيق هذه المواهب الروحية.

ولذلك فإن المرء يحتاج لمثل هذه ” التغرّب” ولو مؤقتًا. رؤية يوحنا السلمى هذه تعكس في الواقع رؤية كتابية تؤكد على أن الإنسان في هذه الحياة الحاضرة غريب ونزيل ” أنا غريب عندك. نزيل مثل جميع آبائى” (مز12:39) ” غريب أنا في الأرض” (مز19:119). ” فسيروا زمان غربتكم بخوف..” (1بط17:1). ” أطلب إليكم كغرباء ونزلاء أن تمتنعوا عن الشهوات الجسدية التي تحارب النفس” (1بط11:2). ” في الإيمان مات هؤلاء أجمعون وهم لم ينالوا المواعيد بل من بعيد نظروها وصدقوها وحيوها وأقروا بأنهم غرباء ونزلاء على الأرض” (عب12:11). هكذا يتضح مدى التطابق بين رؤية الآباء والمحتوى الكتابى.

وعن هدوء الذهن يقول القديس باسيليوس أنه أمر هام للإنسان الروحى حيث يخبرنا: “…أن كل يوم يمر، يحمل معه انشغالات كثيرة. والليل يجعل الذهن يتوه فى عالم الخيال، بسبب اهتمامات النهار. والتحرر من كل هذا يتم بطريقة واحدة، وهى الرحيل من هذا العالم، على أن ترك العالم لا يعنى الخروج منه بالجسد فقط، بل انفصال النفس عن رغباتها وشهواتها من جهة الأمور المادية. وهذا يعنى أن نشعر بأننا بلا مأوى، بلا رغبة في الامتلاك، بدون رفيق، بدون مبادلات أو أنشطة تجارية، ولا نخضع لتعاليم الناس، بل نكون مستعدين فقد أن نستقبل الله فى قلوبنا”[16].

أما عن السلام فيؤكد القديس إيسيذوروس الفرمى أن حالة السلام الداخلى، التى تتحقق فى البرية لابد أن تكون مرتبطة دومًا بالبر. فيقول: “عندما يرتبط السلام بالبر فإن هذا يكون شئ إلهى. أما عندما يكونا منفصلين، فإن جمال الفضيلة يتحطم. فالذئاب واللصوص تعيس فى سلام فيما بينها إلاّ أن هذا السلام يكون لأجل هلاك الحملان، وضرر البشر. ولا يمكن أن ندعو السلام الذى لا يزيّنه البر، سلامًا. فالسلام يكون حقيقيًا فقط، عندما يرتبط بالبرّ،ولهذا قال رب المجد: “ ما جئت لألقى سلامًا بل سيفًا” (مت34:10). ومن حيث إنه يدين السلام المرتبط بالشر، فهذا يتضح مما قاله فى موضع آخر: “ سلامى أنا أعطيكم. ليس كما يعطى العالم أعطيكم” (يو27:14). السلام الذى يُعد بالحقيقة موضع افتخار هو ذلك المرتبط بالبر والتقوى”[17].

فى هذا الإطار أيضًا ينبغى أن نشير إلى رؤية القديس غريغوريوس الناطق بالإلهيات، بشأن الرحيل إلى البرية، حيث إنه يربط السلام مباشرة بالمثابرة والجلد، أى يربطه بأسلوب حياة محدّد، وليس بابتعاد جسدى عن العالم[18]. لقد نجح الآباء النسّاك بالفعل فى تحقيق التوافق بين فلسفة الحياة فى وحدة، وفلسفة الحياة فى شركة، عندما وجدوا فى البرية مناخًا جديدًا، ساعدهم على تجسيد أفكارهم وتطلّعاتهم إلى واقع حيّ ومُعاش. وقد صار هؤلاء الآباء نموذجًا حيًا يعكس الحياة المسيحية الحقيقية، لأولئك الذين لا يمكنهم أن يحيوا النسك الرهبانى ولا يستطيعوا أن يهجروا العالم لكى يعيشوا فى الجبال والبرارى. واستطاع هؤلاء المتجردون عن كل شئ أن يُجسّدوا النص الكتابى ويحوّلوه لحقيقة معاشة فكان الكتاب المقدس هو دستور حياتهم اليومى.

(يتبع)

 

 

[1] pallad…ou, LausaikÒn 7, ek Bulter, tom 2, σελ, 24-25.

[2] Susanna Elm “Virgins ” Oxford, 1994, P. 305.

[3] استخدمت كلمة راهب (monacÒj) لأول مرة في الحياة العامة عند الإشارة إلى بعض الأحداث المهمة، مثل نزول الأنبا انطونيوس لكى يدافع عن المسيحيين فى المحاكم ويشجعهم مما دفع أحد القضاة لمنع حضور أى راهب (monacÒj) فى الجلسات التى تُعقد فى المحاكم. وكانت هذه أول إشارة رسمية لمصطلح راهب فى الحياة العامة.

D.J. CHITY “The Desert A city” London, 1997, P. 3-4.   

[4]  المرجع السابق ص7.

[5] عبارة دير (monast»ri) فى الحياة النسكية كان يُعنى بها القلاية المنفردة وليس وحدة مكتملة لإقامة الرهبان

D.J. CHITY “The Desert A city” London, 1997, p.5.

[6] G. Florovsky “ and Culture” Vol.2, Harvard Uni. 1974, P. 86.

[7] G. Florovsky “ and Culture” Vol.2, P. 85

[8] مخطوط عربى (حياة القديس الأنبا باخوميوس)، دير القديس مرقوريوس للراهبات، مصر القديمة سنة 1886 ص256

[9] المرجع السابق ص288

[10]  J. R. Harris “GRAECO- ROMAN ” Oxford, 1991, 664. 324.

[11]  D.J. CHITTY “The Desert A city” London, 1997, P.20.

[12] “ο Μ. Αντωνιος, Βίος και πολιτεία, Υπο Μ. Αθανασίου..” Θεσσαλονίκη 1991, σελ. 17.

[13]  ΣΑΒΒΑ ΑΓΟΥΡΙΔΗ “οραμάτα και πράγματα”, Αθήνα 1991, σελ. 115-129.

[14] Apofqšgmata patšrwn, 5, σελ. 1099.

[15] Klίmaz, Apofqέgmata patšrwn, kefalaˆo A’, sel. 41.

[16] O.p, Epistol» b, tom. 7, σελ 287.

[17] Apofqέgmata patšrwn, 2, sel. 213.

[18] Apofqέgmata patšrwn, 3, sel. 310.

إقرأ أيضاً:

إقرأ أيضًا

الله والإنسان والألم - معالجة لمشكلة الألم - سي إس لويس

الله والإنسان والألم – معالجة لمشكلة الألم – سي إس لويس

الله والإنسان والألم – معالجة لمشكلة الألم – سي إس لويس الله والإنسان والألم – …