الرئيسية / أبحاث / أمثلة من تفسير الآباء لآيات الكتاب المقدس (2) د. جوزيف موريس فلتس

أمثلة من تفسير الآباء لآيات الكتاب المقدس (2) د. جوزيف موريس فلتس

أمثلة من لآيات الكتاب المقدس (2) د. جوزيف موريس فلتس

أمثلة من تفسير الآباء لآيات الكتاب المقدس (2) د. جوزيف موريس فلتس
أمثلة من لآيات الكتاب المقدس (2) د. جوزيف موريس فلتس

أمثلة من  لآيات الكتاب المقدس (2) د. جوزيف موريس فلتس [1]

 

 

2 ـ التوجه الروحى في التفسير:

          إن التعاليم اللاهوتية الخاصة بسر المسيح مع الأمانة في التفسير هى التي تحدد مبادئ وطريقة التفسير. لقد كان القديس كيرلس ـ بصفته أحد آباء كنيسة الأسكندرية العظماء متحمس للتفسير الروحى للكتاب المقدس. غير أن نجاحه الفائق في تطبيقه لمنهج التفسير الروحى للكتاب كان يعتمد في الأساس على التعاليم الخرستولوجية التي آمنت بها وعلّمت كنيسة الأسكندرية. وكما سبق الذكر، فإن التفسير الروحى عند القديس كيرلس يُفهم من خلال تدبير التجسد الإلهى. فكما أن ناسوت السيد المسيح يقودنا إلى ألوهيته ويعطى مصداقية تاريخية لحقيقة التجسد، هكذا أيضًا فإن الحرف أو الأحداث التاريخية التي وردت في النصوص، تشير إلى ذلك “الشئ” الروحى الذى يُعلن بواسطتها.

          فالتفسير الروحى يشير إلى الطبيعة الإلهية، بينما الحرف والتاريخ إلى الطبيعة البشرية للكلمة المتجسد، وكل منهما يعملان بغير اختلاط ولا انفصال وكليهما يشير إلى الأخرى. وبالتالى فطريقة التفسير الروحى تتخذ من الحرف ـ التاريخ أساسًا لها، إذ هى تتعرّف من خلال التاريخ على سر المسيح ” سر التدبير الإلهى” بمعنى أن التجسد يعلن “هدف” التدبير الإلهى، ونحن نكتشفه فقط عندما نعيش وفق ما يتفق وسر التدبير الإلهى هذا[2]. فهناك حد لا يمكن أن تعبره عملية التفسير وهو محاولة المفسّر أن يفحص في أعماق سر تدبير التجسد وطريقة حدوثه[3].

          فأول شئ يميّز الكلام الكتابى هو حقيقة أنه يتكلّم عن كلمة الله (عن الله) بطريقة بشرّية، وبطريقة تتفق مع المقاييس البشرية، غير أن هذه الأقوال لابد وأن نفهم على أنها أقوال تليق بالله[4].

          إن التفسير الروحى ـ حسب منهج القديس كيرلس ـ يستلزم التمييز الواضح وأيضًا الوحدة غير الممتزجة بين عالمين: المحسوس والمادى، الروحى والذهنى، مثلما صار الإتحاد الأقنومى بين الطبيعتين الإلهية والبشرية في شخص المسيح الواحد بغير اختلاط أو امتزاج أو تغيير أو انفصال. وبناء عليه فعند استخدام التفسير الروحى يكون الهدف هو تجلى العنصر التاريخى الإنسانى (الحرفى) إلى العنصر الإلهى الروحى والذي هو متحد معه بغير امتزاج ولا انفصال. ومن هنا جاء تأكيد القديس كيرلس على المبادئ الآتية:

          1 ـ اللاهوت “السلبى” يصف الله بأنه غير جسدى، غير مادى، غير منظور، إذ هو خارج نطاق أى شكل أو مقياس أو وصف[5]. وبالتالى لا يمكن أن نكوّن فكرة جسدية عن الله. ومع ذلك فإن هذا اللاهوت السلبى لا يؤمن بالأفكار الغنوسية التي أنكرت المادة ورأت أن الجسد شر لأن الكتاب المقدس يتكلّم عن الله بطريقة بشرّية[6]. لأنه لا يمكن أن يتكلّم الله أو يعلن عن نفسه إلاّ بطريقة بشرية قريبة ومفهومة لدى الإنسان[7]. لكن هذه الطريقة لا تقلل إطلاقًا من المجد الإلهى، لكن على العكس فإن عجز العقل البشرى واللغة البشرّية هى السبب الذي جعل الكتاب يتكلّم بطريقة بشرّية عن الله.

          وهكذا فالكلام عن الله يتماشى مع حاجة الكلام البشرى ومقاييسه. إذًا لكى نعرف سمو المجد الإلهى يجب علينا أن نفهم ـ وبطريقة خاصة ـ الشواهد التاريخية والإنسانية أى ما تليق بالطبيعة البشرية، المدونة في الكتاب المقدس، عن الله. وخاصةً لأن الإنسان له جسم كثيف وبالتالى فهو محكوم بقوانين بيولوجية، فلهذا لا يجب عليه أن يتعامل مع التعبيرات والمعانى اللاهوتية بطرق تاريخية أو لغوية نحوية أو أن يفهمها حسب رغبته البشرية[8]، لكن حسب ما يليق بالطبيعة الإلهية الفائقة سيظل الكلام البشرى قاصر وغير كافٍ لوصف الإلهيات، لأن ما يعبر عنه ـ نسبيًا ـ ينحصر في نطاق اللغة والنموذج والعلاقة والمثال، وبواسطة الكلام البشرى نستطيع أن نفهم جانبًا ما مما هو خاص بالطبيعة الإلهية الفائقة. فالكلمة الكتابية لا تدل على ما هو لله بالضبط، بل هى ببساطة تشير إليه “[9].

          والذي يحدد معنى كل كلمة في الكتاب ليس هو التحليل اللغوى لها أو المعنى التاريخى الذي تحمله، بل أنه ذلك الشئ “المخفى فيها” في العمق وسرائريًا وحسب التدبير[10].

          إذًا فالتفسير الكتابى ليس هو شأن لغوى ينحصر في الفهم الحرفي ـ التاريخى للكلمة ولكن هدف التفسير هو “المعرفة الإلهية”. بمعنى أنه بينما يستخدم الفكر البشرى والإمكانيات اللغوية في التفسير إلاّ أنه لا يجب أن تبقى العملية التفسيرية منحصرة في الحدود الحرفية للكلمات بل أن تشير دائمًا إلى ما هو إلهى. وما يرمى إليه التفسير الكتابى هو المعرفة الخلاصية لعمل التدبير الإلهى، وهو بهذا يكشف حدود المعرفة الإلهية الحقيقية.

          بهذا لا يمكن أن نظل محصورين في الحرف أى في الكلمات، لأن الغرض منها هو الصعود نحو الأسمى من المحسوس إلى الروحى فالحرف يخدم سر التدبير الإلهى والمحسوسات البشرية تتجلى بفضل التجسد، نحو الحالة الإلهية، في المسيح يسوع.

          وفيما يختص بطبيعة وخاصية وشكل وعمل الكلام الكتابى، فإن القديس كيرلس يفرّق بين الكلام الكتابى وكلام الفلسفة اليونانية بقوله إن كلام الفلسفة اليونانية هو بغير جسد أما الكلام الكتابى فهو متجسد.

 

Ð ™llhnikÒj lÒgoj e„nai “ἄsarkoj” ™nî Ð biblikÒj “œnsarkoj”.

بمعنى أن الكلام الكتابى هو ـ بطريقة ما ـ يحمّل بقوة السر الإلهى، فهو المثال والنموذج للروحيات والمعانى، وهو يرفع العقل من الماديات إلى الروحيات[11].

          2 ـ نقطة أخرى يشدّد عليها القديس كيرلس خاصة بالتفسير الروحى وهى أن العنصر التاريخى واللغوى والحسى في الكلام الكتابى هو البداية والأساس والمحتوى للتفسير الروحى. فالقيام بتفسير الكتاب المقدس روحيًا يُلزمنا أن نفهم جيدًا البعد التاريخى والمصطلحات اللغوية للنص الكتابى وهنا فقط يكتشف المفسر قوة النص وسوف يقودنا النص من ذاته إلى نعم روحية هائلة.

وهذه القاعدة تنطبق ليس على العهد القديم فقط بل على العهد الجديد أيضًا. فالقديس كيرلس يؤمن بأنه لا توجد أية أحداث تمت بالمصادفة في الكتاب المقدس كله[12]. وإيمانه هذا يدل على إيمانه بوحى الكتاب المقدس، هذا الوحى لا ينسحب بالطبع على الحرف الكتابى بل على تسجيل أحداث التدبير الإلهى في نص الكتاب. هذه الأحداث الإلهية هى محمّلة بقوة سرائرية[13].

بمعنى أنه ليس الحروف في حد ذاتها أو التعبيرات اللغوية في حد ذاتها هى التي تكشف الحقيقة اللائقة بالله، لكنها الأحداث الإلهية عينها. غير أننا نتعرف على سر التدبير الإلهى بمساعدة التاريخ والكلام، لأنه هكذا فقط نستطيع أن نقترب ـ وطبقًا لمعاييرنا البشرية ـ من السر الإلهى كما رأينا سابقًا.

          وبالتالى فتفسير القديس كيرلس الروحى هو في الواقع للأحداث وشرح “لجوهر” ما حدث، يعبُر عناصر التاريخ واللغة والحرف. وبالتالى فإن الدقة في التفسير اللغوى والتاريخى والصدق فيهما، هو أمر مهم وضرورى في التفسير الكتابى طالما أنه عن طريق الشرح التاريخى واللغوى يتم توضيح المعنى وفهم الأمر أو الحدث الذي يعبر عنه والذي يجب في النهاية أن نصل إليه. لهذا فإن تشدّيد القديس كيرلس على أهمية التفسير التاريخى يرجع للأسباب الآتية:

1 ـ أنه يُعتبر هو الظل الذي يقود إلى عمق الروحيات[14].

2 ـ أنه يشهد بصدق الكلام الإلهى، لأن ما هو تاريخى هو نموذج وظلال لما هو روحى.

3 ـ له هدف تربوى وتعليمى وأخلاقي لأن حياة مختارى الله سواء في العهد القديم أو في العهد الجديد هم نماذج وقدوة للحياة المسيحية الحقيقية.

          وأخيرًا لابد وأن ننوّه إلى أنه بالرغم من حدوث تطرفات كثيرة من البعض في استخدامهم لمنهج التفسير الروحى إلاّ أن القديس كيرلس كان واعيًا جدًا لأبعاد هذا الأمر. لقد كانت قناعته الأساسية أن الكلمة المكتوبة لها طبيعتان أو وجهان وبالتالى فلها مفهومان: تاريخى ومفهوم روحى ولابد أن نعمل على أن نصل إلى هذين المفهومين. والقديس كيرلس لا ينحاز إلى أى من التفسيرين التاريخى أو الروحى فلكل منهما قيمته ولابد من استخدامهما بحذر[15]. والعلاقة بين التفسيرين التاريخى والروحى تشابه ـ بحسب القديس كيرلس ـ العلاقة بين الإيمان والمعرفة. فلابد أن يوجدا معًا في حياة المؤمن وإن كان الإيمان لابد وأن يسبق المعرفة (انظر إشعياء 9:7) وبالحرى فالإيمان يصل بالمرء إلى المعرفة الكاملة[16]. وغير ذلك فإن الإيمان هو في الواقع المعرفة الحقيقية عن الله[17]. كما أن المعرفة الحقيقية عن الله هى مزدوجة: عقيدية وسلوكية. بمعنى المعرفة القوية بالله وبناء عليها تكون الحياة في الفضيلة[18].

          إن إتحاد الطبيعة الإلهية بالطبيعة البشرية في شخص المسيح الواحد قد أعاد للعالم الروحى والعالم الحسى وحدتهما. قد أعاد وحدة عمل كل أعضاء الإنسان معًا كما أعاد وحدة الحياة الروحية والجسدية معًا. وأخيرًا يتضح لنا أنه لكى نصل إلى المعنى السرى والعميق للكلمة الكتابية هناك احتياج دائم إلى تطبيق الهدف العام له، بمعنى أن نتعرّف داخل الشخصيات والأحداث والروايات التاريخية والأخرى الكتابية على أفعال التدبير الإلهى وبالتحديد نتعرّف على سر المسيح. هذه الطريقة تمنع وجود مسافة فاصلة أو اختلاط بين العهدين القديم والجديد أو كل منهما بمعزل عن الآخر. فالعهد القديم والعهد الجديد بينهما علاقة لا تنقطع. هذه العلاقة تفرضها طبيعة وهدف الأحداث عينها (أى أحداث التدبير الإلهى) والتي يصفها ويسجلها كل من العهدين القديم والجديد.

          ولقد كان القديس كيرلس أحد آباء التقليد الأسكندرى الذي دافع عن هذه العلاقة بين العهدين واعتمد على ما جاء في (2كو6:3)، (عب1:10) موضحًا أن العهد القديم هو نص نبوى له شكل الظل والمثال والنموذج فهو يتنبأ عن سر المسيح وهذا يسرى على أسفار موسى الخمسة وأيضًا على كل الكتب النبوية[19]. والعهد القديم يستعلن كظل للعهد الجديد، وهذا يمكن فهمه فقط في حالة تفسيره ًا روحيًا.

 

3 ـ التوجه الكنسى في التفسير:

          يقول القديس كيرلس “إنه من الصعب جدًا أن نشرح الأسرار الإلهية”[20]. هذه الصعوبة تكمن في حقيقة أن الأسرار الإلهية تنتمى إلى العالم الروحى والذهنى، حيث لا يوجد للإنسان تدخل مباشر فيه، فما نعرفه عن هذا العالم هو ظلال وقشور، فالطبيعة الإنسانية الفاسدة والذهن المريض لا يسمحان بمعاينة المجد الإلهى معاينة كاملة”[21]، وبالتالى فعلى المفسر أن يعرف أن عمله سيكون دائمًا غير كامل[22]. ومع ذلك فعلى المرء أن يفسر الكتب المقدسة حتى ولو كان قد سبقه آخرون[23]. ويجب على المفسر أن يكون لديه وعى بما سيقابله من صعوبات في التفسير الكتابى وأن يبحث عن الأساسيات التي ستساعده وخصوصًا فيما يتعلق بفهم الأسرار الإلهية. هذه الأساسيات تتعلق بإيمان الكنيسة وتخص حياتها.ولقد عمل القديس كيرلس دائمًا على البحث عن التعاليم والخبرات الكنسية وقد رأى فيها دليلاً ومرشدًا له في تفسيره الكتابى وكان ما فعله القديس كيرلس متوافقًا مع التقليد الكنسى أو التسليم الذي عاشت به كنيسة الأسكندرية وكنيسة أنطاكية.

          هذه الأساسيات الكنسيّة هى:

+ الوحى الإلهى فيما يتعلّق بالنص الكتابى وتفسيره.    + الإيمان القويم وعقيدة الكنيسة.

+ التقليد الحى في الكنيسة.                                                                    + الحياة الليتورجية داخل الكنيسة.

+ السلوك المسيحى.                                                                                               + الحياة النسكية.

1 ـ تعتبر مسألة الوحى الكتابى أساسًا مشتركًا في تعاليم كل الذين سبقوا القديس كيرلس. وهو نفسه يؤكد ذلك معتمدًا على ما جاء في رسالة تيموثاوس الثانية (16:3)    ” وكل الكتاب هو موحى به من الله ونافع للتعليم“[24]. وعندما يتعرّض للطريقة التي قَبِلَ وكَتَبَ بها الكتّاب المقدسين كلام الله فإنه يواصل التقليد الأسكندرى الذي يعلّم بأن الكتّاب قد قَبِلوا الكلمة الإلهية بإعلان مباشر من فم الرب وسجلوه وسلّموه بإلهام مباشر من الروح القدس”[25].

ووساطة الروح القدس في اعلان الحكمة الإلهية يرجع إلى حقيقة أن الروح القدس هو الذي يعرف ويفحص أعماق الله (1كو10:2) والروح القدس يمنح الأنبياء الآذان الروحية ليسمعوا كلام الله[26]. وفي هذه الحالة لا يفقد النبى قوته ووعيه الذهنى ولا يصير كأداة ميكانيكية للروح ـ على العكس فبطريقة واعية وتفكير في الأشياء المعلنة[27] يسجلون الإعلان الإلهى سواء عن طريق السمع أو الرؤى وهو على ذلك ناقص وليس كاملاً. لأنه يتجاوب ويتمشى مع محدودية الطبيعة البشرية. فالكلمة الإلهية المكتوبة في علاقتها بجوهر الشئ الذي تريد أن تعلن عنه، هى نموذج ومثال ولغز وسر وتحتاج لحضور الروح القدس لكى يُعلن المفهوم الروحى العميق المستتر وراء الكلمة.

وبناء على ذلك فالكتاب المقدس يُفهم فقط داخل الكنيسة وذلك بواسطة الروح القدس الحاضر في الكنيسة. وبالتالى فالطبيعة البشرية بمفردها لا تستطيع أن تكشف الأسرار الإلهية[28]. فقط الروح القدس هو القادر على أن يكمّل ما ينقص وهو يهب الكلمة الإلهية، إن كانت تتعلق بما سيأتى أو إن كانت تتعلق بمعرفة الأسرار الإلهية[29].

          الروح القدس بالتالى هو العامل الأساسى في معرفة وفهم ما هو مخفى ومستتر وراء النص اللغوى ولهذا فهو يمثل عاملاً أساسيًا في عملية التفسير الكتابى[30].

          إن معرفة سر الله هى عطية إلهية للإنسان ويصل الإنسان إلى هذه المعرفة بغنى النعمة الإلهية فقط[31]. هذا العمل يتمّمه الروح القدس، الذي يهب للطبيعة البشرية الصلاح، أى معرفة الأسرار الإلهية. وهذه المعرفة تنير القلب والعقل. وبالتالى فمن البديهى أن الفهم القويم للكلمة الكتابية يتطّلب صلاة لله حتى يرسل نعمته لتضئ العقل وتنيره[32].

          إذًا فالتفسير القويم للكتاب المقدس والذي يفضى إلى الرؤية الروحية، وإلى جمال وروعة الحق الإلهى هو عطية المسيح والروح القدس[33].

          الكتاب المقدس ـ عند القديس كيرلس ـ له الأولوية المطلقة فيما يتعلّق بالموضوعات الإيمانية والعقائدية والسلوكية[34]. والذي يجب أن يلتف إليه القارئ للكتاب المقدس، أول كل شئ هو أن يطبق الهدف العام للكتاب[35]. ولقد استلم القديس كيرلس من القديس أثناسيوس المحتوى اللاهوتى لـ “هدف” الكتاب المقدس[36]. والذي يتطابق ـ كما رأينا ـ مع سر المسيح أى مع حدث التجسد الإلهى. ولكنه امتد بهذا الهدف ليشمل كل سر التدبير الإلهى[37]، أو الوحدة الجوهرية بين الآب والابن[38]، أو في الأساس للحديث عن الثالوث الأقدس[39]. وبالتالى “فهدف” الكتاب المقدس يتطابق مع الإيمان القويم فيما يتعلّق بعمل التدبير الإلهى للثالوث. هذا  الإيمان يسميه القديس كيرلس “المعرفة الكاملة” والتي تتوافق مع دقة العقيدة، ويتجاوب مع الهدف الداخلى للكتاب والتي نحصل عليها باستنارة الروح القدس[40].

          إن استقامة الإيمان أو المعرفة الكاملة ليست هى الهدف الداخلى للكتاب فقط لكنها ترتبط أيضًا بتوافق فكر [41]. إن توافق فكر هو المفهوم القويم للكتب الإلهية إذ هى في فكر وقلب القديسين الذين أدخلهم الروح القدس إلى بحار معرفة المسيح غير المحدودة[42]. فنحن إذًا بصدد تقليد حيّ مُلهِم للآباء، بفعل استنارة الروح القدس لهم، قد صاغوه في اعترافات إيمانية[43]. هذا التقليد يمثل معيار وعلامة محورية للتفسير الكتابى ولذلك فمن الضرورى أن نقتفى آثار “هدف” هذه الحكمة الآبائية.

          3 ـ إن هدف الكتاب المقدس حسب ما ذكرنا من قبل، يحيا ويعمل في الحياة الليتورجية في الكنيسة. فالكنيسة ترتبط مباشرةً بتدبير التجسد وتبعًا لذلك فهى تربط مباشرةً بهدف الكتاب. لذلك فإن القديس كيرلس كان يعطى دائمًا للتعبيرات “جبل صهيون، جبل، الجليل، أورشليم، الخ .. معنى الكنيسة ناسبًا دائمًا لها معنى روحيًا[44]. ويرى القديس كيرلس أن سر التدبير الإلهى يُتمم بطريقة سرّية في الكنيسة لذلك فهى “البيت المقدس للمخلّص وكل من يتجاهل هذا البيت وكل من يكتفى بالتفسير الجسدى (الحرفي) للكتاب ليس لديهم إمكانية للخلاص. وعندما يأتى أحد لهذا البيت فقط، وبإيمانه ويشترك في الأسرار فإن له إمكانية للخلاص”[45].

          وهكذا فإن حياة الإيمان المعاش والمشاركة في الحياة الليتورجية الكنسيّة واختيار حياة الفضيلة اليومية، هى أمور ضرورية وأساسية للتفسير الصحيح للكتاب المقدس.

 

[1] نص المحاضرة التى أُلقيت بمؤتمر تثبيت العقيدة السابع بالفيوم، عام 2004.

[2] PG 76.1373C عن الإيمان المستقيم: 3

[3] PG 75.393Bالكنز في الثالوث 24

[4] PG 73. 132C.شرح يو9:1

[5] PG 70, 1084Aتفسير إشعياء 4:4

انظر أيضًا القداس الغريغورى في وصفه للابن.

[6] PG 69. 689Bعن سفر الملوك

[7] PG 69. 792.تفسير المزامير

[8] PG 74.28B.شرح إنجيل يوحنا

[9] PG 76.33C.ضد نسطور 3:1

[10] PG 70, 565C.تفسير إشعياء

[11]  الدفاع ضد يوليانوس فصل 7 PG 76. 852

[12] PG 68. 663C. العبادة بالروح والحق 10

ويكرر هذا في مواضع كثيرة في كتاباته.

[13] PG 73 964A شرح إنجيل يوحنا

[14] PG. 68. 540B العبادة بالروح والحق 3

[15] PG 70. 192 Bتفسير إشعياء 4:1

[16] PG 73. 576D. 628D شرح إنجيل يوحنا 2:4

[17] PG. 74. 485C شرح إنجيل يوحنا 11

[18] PG. 74. 565D شرح إنجيل يوحنا 12

[19] PG. 68, 440Aالسجود والعبادة بالروح والحق 6

[20] PG 73. 16A. شرح إنجيل يوحنا

[21] PG. 74. 646AB شرح إنجيل يوحنا 11

[22] PG 74. 537B.شرح إنجيل يوحنا 11

[23] PG. 71. 12A.تفسير إشعياء

[24] PG 77. 204Cرسالة 41 .

[25] PG 71. 945A.تفسير سفر الحكمة

[26] PG. 70, 349Dتفسير إشعياء 2:2

[27] PG. 70, 489Aالمرجع السابق

[28] PG 74. 464Bشرح إنجيل يوحنا 11

[29] PG 73, 193Bالمرجع السابق

[30] PG. 73, 557Aتفسير يوحنا 1:4

[31] PG 73, 552Aالمرجع السابق

[32] PG 73, 665Dتفسير يوحنا 3:4

[33] PG 73. 412Dشرح يوحنا 3:2 PG. 70. 800Bتفسير إشعياء 4:3

[34] PG 73. 268B. شرح يوحنا 2:2

[35] PG 68. 268A. السجود والعبادة بالروح والحق 3

[36] PG 76. 205A. ضد نسطور 6:5

[37] كان القديس أثناسيوس قد سبق واستخدم هذا التعبير من قبل معطيًا إياه أهمية كبيرة في فهم الكتاب المقدس. انظر: د. جوزيف موريس فلتس: المواجهة العملية للتيارات النقدية المعاصرة بمؤتمر تثبيت العقيدة بالفيوم 2003. نُشر في: دورية دراسات آبائية ولاهوتية، المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية. العدد الثالث عشر. يناير 2004، ص79.

[38] PG 74. 509…شرح إنجيل يوحنا 11

[39] PG 74, 23A-460C. شرح إنجيل يوحنا 9، 11

[40] المرجع السابق.

[41] PG. 74. 216C. شرح يوحنا 9

[42] PG 75, 1413A. عن التجسد

[43] PG. 77. 109Dرسالة 7:17

[44] PG. 76, 68D تفسير إشعياء 2:1

[45] PG. 73. 217AB. شرح يوحنا 1:2

إقرأ أيضاً: