مواضيع عاجلة

المسيح المعلّم (2) – دكتور جورج عوض

المعلّم (2) – دكتور جورج عوض

المسيح المعلّم (2) - دكتور جورج عوض
المعلّم (2) – دكتور جورج عوض

المعلّم (2) – دكتور جورج عوض [1]

دكتور جورج عوض

تحدثنا فى العدد السابق عن: المعلم فى الأناجيل: مرقس، متى، لوقا، يوحنا، وتكلمنا عن لقب معلم الذى أُطلق على أكثر من أى لقب آخر، وطرحنا أسئلة تمثل الهدف من المقال مثل: ما الذى أعطى لتعليم هذه الجاذبية الدائمة؟ وكيف احتفظ هذا التعليم بفاعليته فى كل العصور؟ لذا بعدما تكلمنا عن المعلم فى الأناجيل سوف نكمل بقية الموضوع ونتكلم عن: التربية فى عصر ـ محتوى التنشئة العبرية فى المجتمع العبرى، ثم نبدا القسم الثانى الذى هو عن تعليم التربوى.

 

2 ـ التربية في عصر :

          إن الشرط الأساسى لفهم أى عمل تعليمى تربوى هو دراسة الحالة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وأيضًا الثقافية للمجتمع الذي في إطاره قُدم هذا العمل.

          لقد شكلّت البنية الثيوقراطية للمجتمع اليهودى قوانينه ومبادئه وأُسسه، ومن بينها بالطبع التربية. ومن المعروف أن تاريخ شعب إسرائيل هو بمثابة تسجيل لعلاقاته مع الله. بالتالى طالما أن الله كان المحور المركزى في حياة المجتمع العبرى، فإن التربية أخذت الملمح الإلهى qeokentrikÒ أى أن الله هو مركز كل شئ.

          إذن ما هى بنية النظام التربوى العبرى في عصر ؟ علينا قبل الاجابة على هذا السؤال أن نتعرف على الشكل العام للواقع التربوى العبرى لهذه الفترة.

          كان المجمع اليهودى هو مكان التعليم الذي نمى واتسع في حقل العبادة الإلهية، والتي كانت تشمل الصلاة والتعليم الدينى خاصةً في السبوت والأعياد. الهدف الأساسى للسبوت في المجمع لم يكن العبادة بالمفهوم الضيق لها بقدر قراءة الناموس وشرحه. لذلك يصف فيلون المجامع بالأماكن التعليمية التي يتلقى فيها اليهود حب الفضيلة[2]. وفي زمن كتابة العهد الجديد نجد أن التعليم هو العمل الأساسى للمجمع[3]. وكان التعليم في المجمع يوم السبت هو قانون محدد[4]. وفق أعمال الرسل 21:15 ” لأن موسى منذ أجيال قديمة له في كل مدينة مَن يكرز به، إذ يُقرأ في المجامع كل سبت“. لذلك فإن يوسابيوس المؤرخ وأيضًا فيلون اليهودى يرجعان قانون المجامع إلى موسى[5].

          لقد كان المجمع بمثابة نوع من التربية الدينية المفتوحة الشعبية حيث يذهب المرء بحرية لكى يجد إجابات على مشاكله، ويسمع أيضًا مقترحات ليواجه مآزق حياته اليومية[6]. وكانت هناك إمكانية للتدخل للمناقشة، وكان مسموح للتعبير عن أفكار عضو الجماعة وقناعاته المتعلقة بالمقاطع، التي كانت تُقرأ بهدف توضيح هذه النصوص للفائدة العامة. كان المجمع هو المكان الأول الذي علّم فيه المسيح وأيضًا الرسل، وكان أيضًا بالنسبة لهم هو المكان الذي تم فيه اعلانهم الموقف العدائى لرؤساء المجامع.

          كان هناك تقليد بأن يجلس المعلّم في موضع عالٍ، لذا كان يفعل المسيح هكذا أثناء تعليمه (انظر مت1:5، لو20:4). ومثل الرابونيون هكذا فسر المسيح الناموس (انظر مر14:12، لو25:10)، بينما كانت هناك مداخلات وأسئلة مثلما كان يحدث مع المعلمين الآخرين (انظر مت36:22، لو25:10). وعلى هذه الأسئلة ينبغى أن يجيب. أيضًا وفق نظام الرابونيين ويوحنا المعمدان الذي دُعىّ معلّم rabb… فإن المسيح جمّع تلاميذ وعلّمهم (انظر لو12:3، مت14:9، يو25:3).

          كان الكتبة يمثلون أرسطوقراطية فكرية، وكانوا بالنسبة للشعب قادة ومعلمين. كانت توجد قوانين صارمة لتربية الكتبة في عصر المسيح. وكان المرشح لكى يكون معلمًا rabb… يتم إعداده من عمر 7 إلى 10 سنين. ويظل دائمًا في المرحلة الأولى لاستعداده بجانب أحد الكتبة كتلميذ يتتلمذ على يديه، يتابع تعليمه في هذه الفترة ويلاحظ ممارسته للبرنامج وطريقة الإمتثال لأوامر الناموس. وعندما يتحقق من أنه يملك المحتوى الأساسى للتقليد، وقادر على تطبيقه يُقلد في رتبته ويباشر واجباته. بالنسبة ليسوع لا نعلم أنه قد تلقى إعداد لمباشرة تعليمه أم لا[7].

 

3 ـ محتوى التنشئة التربوية في المجتمع العبرى:

          استنادًا على العهد القديم والتقليد العبرى نجد أن تربية الغلمان كانت تؤخذ بجدية في العائلة العبرية، وتبين مدى مكانة الرجل ودوره الرجولى في المجتمع العبرى. لقد أخذت عائلة المسيح بجدية هذا الاتجاه التربوى متممة مطالب الناموس (لو22:2). لذا علينا أن ندرك أن التربية كان لها مفهوم متسع يشتمل على خبرات من الميلاد حتى الموت في إطار العلاقة بين المجتمع والمجمع والهيكل. إن وحدانية كيان الإنسان النفسى والجسدى هى المبدأ أو الأساس لفهمنا كل الموضوعات التربوية في المجتمع العبرى. ونستطيع أن نستنتج هذا بوضوح من دراسة الصلاة اليومية العبرية Shema (انظر تث4:6ـ9، 13:11ـ21، عد73:15ـ41).

          المبدأ الآخر والذي هو بمثابة الوصية الأولى في المجتمع العبرى الثيوقراطى هو المحبة. لذا فإن الأناجيل الثلاثة الأولى تقدم بدقة مطالب العهد القديم وإيمان إسرائيل (انظر مت36:22، مر28:12ـ34، لو25:10 وما بعده). فالوصية الأساسية لأبناء الملكوت هو أن يحبوا الله مطبقين إرادته (انظر مت21:7، 50:12). فيجب عليك أن تحب الله “من كل قلبك” أى بكل كيانك الداخلى وأيضًا انعكاس هذا الحب في مواقف وسلوكيات الإنسان اليومية. عكس النفاق والتملق وحفظ الإيمان الشكلى، وكذلك هذه العبارة تعنى الطاعة الكاملة. وفي الفكر العبرى فإن القلب هو عرش الأعمال الذهنية (انظر مت 34:12، مر21:7، 23:11، لو45:6، 14:2، يو40:12، أع23:7، 27:28، 23:11). وأيضًا مصدر القرارات (الإرادة) (أع23:11، 2كو7:9)، أيضًا “من كل قلبك” تعنى استعداد الإنسان لأن يقدم حياته ذبيحة (مت24:16).

          “ومن كل فكرك” يعنى الولاء والإخلاص التام، مثلما كان يكرز المسيح بعد ذلك (فيما بعد) قائلاً: ” لا يستطيع أحد أن يخدم سيدين … ” (مت24:6).

          التربية العبرية كانت تدفع الإنسان لأن يصنع علاقة مع يهوه، علاقة فيها ولاء وإخلاص تام له، لأن يهوه هو مصدر كل الحكمة، وهو المربى والمعلّم بالنسبة للشعب العبرانى. والعبرانى لا يثق في الإنسان لكى يُربيه ” لتكن يا رب رحمتك علينا حسبما انتظرناك” (مز22:33). لقد كانت أفكار الإنسان غير أفكار الله، بالرغم من أن قصد الله أن يصير الإنسان متشبهًا به. وبالرغم من درس الطوفان استمر ” قلب الإنسان شرير منذ حداثته” (تك21:8). لذا يترجى العبرانى الله قائلاً: “علمنى أن أعمل رضاك لأنك أنت إلهى. روحك الصالح يهدينى في أرض مستوية” (مز10:143). لقد كان العبرانى مدرك بمدى ضعفه في أن يكون صادقًا في وعده ” أحمدك باستقامة قلب عند تعلى أحكام عدلك. وصاياك أحفظ لا تتركنى إلى الغاية. بم يزكى الشاب طريقه بحفظه إياه حسب كلامك. بكل قلبى طلبتك. لا تُضلنى عن وصاياك” (مز7:119ـ10).

          إذن يهوه هو بمثابة المعلم الحقيقى للشعب العبرانى. ومارس عمله التعليمى بطرق متنوعة: بأقوال وأعمال بواسطة الأنبياء، وبالوالدين (أم8:1، 2:4)، وبواسطة البشر الحكماء (أم14:13)، وبواسطة الكهنة (ميخا11:3، ملا7:2)، وبواسطة التجارب والآلام، لكنهم لم يسمعوا (إر4:33). فعاموس النبى يقدم لنا قائمة من أمثلة تدميرية (جدب، جفاف، وباء، تدميرات متنوعة …) والتي أرسلت كرسائل تأديبية لكى يحذر البشر ليرجعوا إليه (عاموس6:4ـ12). أيضًا في (تث2:8ـ5): ” وتتذكر كل الطريق التي فيها سار بك الرب إلهك …….. “.

          إن مشكلة صعوبة قبول التعليم من جانب الشعب العبرانى بسبب قساوة قلوبهم هى موجودة في كل أسفار العهد القديم. وكان رجاء الشعب أن الله ـ ذات مرة ـ سوف يفعل شيئًا بخصوص هذه المشكلة وسوف يقودهم مباشرةً نحو تحقيق سعادتهم في حياتهم (إش9:11، 2:3، إر33:31، يو45:6، عب11:8).

          الخطوة الأولى للتربية لدى العبرانى هو البيت، بعد ذلك كان المدرسة والمجمع. ما يتعلمه الطفل في سنواته الأولى يستقيه من أمه. سفر الأمثال يشدد دائمًا على أهمية التعليم الدينى والتربية الأخلاقية التي يقوم بها الوالدين في البيت (أم8:1). يقضى الطفل الجزء الأكبر من يومه في اللعب وابتكار أشياء مختلفة من الفخار، وأيضًا ممارسة الغناء والرقص في الطرق والميادين مع أولاد وبنات آخرين في نفس عمره (إر11:6، 21:9). لكن عندما يكبر الولد يتسلمه الأب، والبنت أيضًا عندما تكبر تتولاها الأم. الكاهن الذي يقوم بالتربية والتوجيه يأخذ لقب “أب” أى كمثل الأب في البيت يقوم بدور تربوى (انظر قض10:17). والعلاقة بين المعلّم والتلميذ يُعبر عنها بمصطلحات أب وابن (أم1:4).

          كانوا يعلمون العبرانى بأن الأرض تنتمى إلى الله، وأنه هو مجرد ساكن فيها. أيضًا أداء فلاحة الأرض تعتمد على الله (تث13:11). يحتوى سفر التثنية على نص مدهش يصف القيم ومثاليات التربية العبرية، مضيفًا تشديدًا على الطريقة التي يقوم بها الوالدين الوالدين في تربية أولادهم: ” اسمع يا إسرائيل الرب إلهنا رب واحد. فتحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل قوتك. ولتكن هذه الكلمات التي أنا أوصيك بها اليوم على قلبك. وقصها على أولادك وتكلم بها حين تجلس في بيتك وحين تمشى في الطريق وحين تنام وحين تقوم واربطها علامة على يدك ولتكن عصائب بين عينيك، واكتبها على قوائم أبواب بيتك وكل أبوابك” (تث4:6ـ9).

          هذه التربية ليست لها بنية معينة أو تعليم محدد. وكانت تمارس بين العائلة في البيت أثناء ساعة الأكل أو الراحة أو عندما تحين الفرصة عندما توجد مواضيع للحوار. وعادةً كانت تبدأ من الصباح وتستمر حتى وقت متأخر في المساء. أيضًا أثناء ساعة التَريُض الأمر، الذي فعله مرارًا المسيح. التربية كانت عند العبرانيين في الأساس تربية دينية. فالتربية لم تكن بالضبط اكتساب معرفة أكاديمية أو فنية أو ثقافية، بل إعداد دينى وأخلاقى. كانت تربية لطريقة حياة وإيمان معينة تلخصها كلمة واحدة هى: القداسة. كان يجب على الطفل أن يتغذى على محتوى التوراة: ألف باء، تاريخ، جغرافيا، … كل شئ يتعلموه في إطار التوراة. فالكتاب المقدس هو مصدر المعرفة الدقيقة. وهدف التربية أن يصير الطفل خادم مخلص ليهوه. يهتم العبرانيون بأخلاقيات المعلم، فيجب أن يعرفوا أى نوع من البشر هذا المعلم، حتى يستنتجوا أى نوع من التلاميذ سوف يُنشئهم[8].

          هناك ثلاث أعياد يهودية رئيسية وهى: البصخة، والخمسين، والمظال تلعب أدوارًا مهمة في التربية العبرية، بالإضافة إلى الاجتماعات المنتظمة في المجمع، كما ذكر لوقا أن المسيح شارك في هذا (لو16:4). يطلب الناموس من الأب أن يشرح لأبنائه أهمية هذه الأعياد ومفهوم التسابيح والنواميس والعادات (خر18:13، تث9:4ـ10، تث19:31). والكهنة يستطيعون أن يكملوا مسئولية هذا التعليم في الأعياد (تث9:17).

          أيضًا فرقة أخرى من معلمى إسرائيل تُدعى الحكماء كانوا يعلمون تلاميذهم ويُفترض أنهم ظهروا في القرن الثامن قبل الميلاد. كانوا مربيين للقادة، وكانوا يهتمون بالتعلم عن طريق الخبرة التي لابد أن يلاحظها التلميذ فيهم، وفي منهجهم الذي كان يتألف من المقارنات (أمثال، أقوال مأثورة، رموز، ألغاز). وكانوا بمنهجهم هذا يغطون تفصيلات الحياة اليومية. لدينا شهادات كاملة عن تعليمهم في أسفار مثل الأمثال، وحكمة سيراخ، وحكمة سليمان. وهذه الحكمة العملية كانت أساسًا دينية. الموضوع المحورى لهذه الأسفار هو مخافة الله الذي هو البداية والملء وقمة الحكمة. لقد كانت الحكمة الحقيقية هى عطية الله إلى الإنسان، ولا تُكتسب نتيجة عبقرية الإنسان. هذه الحكمة يمكن أن تمتد إلى كل الأشياء المعروفة، وفق حكمة سليمان (15:7ـ22): مثل علم النجوم، وعلم النفس، وعلم النبات… الخ. وتُمنح الموهبة إلى الأكثر نشاطًا وترحالاً كما توصف في حكمة سيراخ (2:39ـ5).

          في سفر الأمثال يتم التشديد على الفضائل العملية: الانضباط، النقاوة، الصراحة، العناية بالفقراء، ومحبة الأعداء، الصداقة الحقيقية، قيمة النساء الفاضلات.

          وفي إطار هذه المعتقدات فإن الرجل المثالى هو الساكن، الهادئ، المنضبط غير الغاضب (أم29:14).

          بالتأكيد في هذا العصر، أى قبل المسيح كانت توجد مدارس وأماكن لتعليم الكتابة[9].

          وكان الأولاد يجلسون على الأرض حول معلمهم، ومحاولتهم كانت تكرار ما يقوله المعلم حتى يحفظوه على ظهر قلب. فالمقارنة والتكرار والعناصر الفنية الأخرى للكلام الشفوى كانت تُستخدم، لكى تحقق أهداف التعليم، وسوف نرى هذه الملامح في تعليم المسيح.

          إن كل ما ذكرناه يصف ويحدد المناخ والعملية التربوية في عصر المسيح. والعمل التعليمى للمسيح كان في إطار حقيقة تربوية معينة لا يمكن لأحد أن يتجاهلها عندما يشرع في تقديم العمل التعليمى للمسيح.

 

القسم الثانى

تعليم المسيح التربوى

1 ـ البيئة التربوية فى عمل المسيح:

          إن البيئة تلعب دورًا واضحًا لممارسة العمل التعليمى، إذ تشكل المفتاح التعليمى وتساهم في تحقيق النتيجة المرجوة للتعليم. ونقصد بالبيئة تلك الرؤية الواسعة للعناصر المرتبطة بممارسة العمل التعليمى ولها ملامح تربوية. لذا فمصطلح “بيئة” يشمل على المعطيات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية والدينية للمكان الذي مارس فيه المسيح عمله التعليمى.

          وهذه البيئة لها أهمية لأن التعليم كان يهدف إلى مساعدة الإنسان لكى يفهم مدى انحرافه وسقوطه الأخلاقى ووضاعته الروحية في كل مستويات حياته اليومية، ولكى تظهر مدى مأساة هذا الإنسان الوجودية والناتجة عن تغربه. بالتأكيد لقد كان تعليم المسيح يهدف إلى تقديم طريقة حياة أخرى مضادة للطريقة الحالية المعاشة. وقبول هذه الحياة يضمن إنضمام قابلها إلى مجتمع آخر جديد، إلى مجتمع ملكوت الله: ” إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة ” (2كو17:5).

          تغيير العالم أو تجليه يعنى للإنسان دينونة داخلية تقوده إلى ولادة سلوك روحى جديد. هذه الحقيقة لا يمكن أن تظل على مستوى الشعور أو العاطفة، لأن تعليم المسيح يدعو إلى رجوع واضح، وتغيير كيانى لكل حياة الإنسان يُعبر عنه في كل مستويات الحياة اليومية.

          بالتالى فإن تعليم المسيح كان يدفع الإنسان إلى اختبار ولادة شخصية، وتجديد يصير للعالم بواسطة هذه الولادة. ونجاح هذا التعليم كان يعتمد على عظته المقنعة الموجه إلى إرادة الإنسان باستخدام أساليب تعليمية. المبدأ الأساسى لتأمين النتائج التعليمية المنتظرة هو وجود بيئة مناسبة لهذا الهدف وشروط واستلزمات تعليمية معينة. ومن الجدير بالملاحظة أن المسيح مارس عمله التعليمى وسط بيئة صعبة، منها على سبيل المثال: الموقف السلبى للرؤساء تجاه المسيح، قاد تدريجيًا إلى منعه من الذهاب إلى المجمع، بالتالى فإنه قدّم تعليمه في أماكن مفتوحة: الأسواق، التلال، الشواطئ، الخلاء.

ولكى يكون التعليم ذو فعالية يتطلب الشروط الآتية:

          أ ـ مكان للتعليم حتى يضمن عدم تشتت الذهن لكى يكون لدى المستمع إمكانية التركيز لفهم محتوى التعليم[10].

          ب ـ يجب على المعلّم أن يبرهن أنه من أول لحظة يمكنه أن يشد انتباه المستمع. لكن هذا له شرط توفر الهدوء، الأمر الذي كان غير متوفر في حالة المسيح، لأنه كان دائمًا يعلّم في أماكن مفتوحة[11]. وبالرغم من ذلك فإن مستمعيه استطاعوا أن يظلوا في مكانهم يتابعون تعليمه، كما لو كانوا في قاعة مخصصة للتعليم[12].

          ج ـ ضرورة وجود أعمار واحدة للمستمعين وذلك لضمان الفهم وبالعكس في حالة المسيح كان مستمعيه أُناس على مستوى فكرى وثقافى متنوع، لهم أعمار مختلفة ومن طبقات إجتماعية مختلفة.

          بالرغم من ذلك فإن المسيح كانت له إمكانية عظيمة لجذب انتباه الجموع بحيوية حديثه وخاصةً البشر البسطاء (مر38:12) مستخدمًا طريقة التكرار، دون أن يعنى هذا أنه لم يجذب انتباه مفكرى عصره (انظر مر12:12ـ44). كان يشعر المسيح بارتياح شديد تجاه كل نوع من المستمعين مثل مستمع الهيكل، والمجمع، والسوق، والخلاء وفي الوقت نفسه لم يصد أحد، بالعكس كان قريبًا من الكل.

 

2 ـ ملامح تعليم المسيح

أ ـ بساطة الحديث:

          لم يكتب المسيح أى كتاب، لكن كان المستمعون يتذكرون حديثه بسهولة ويسترجعونه في ذاكرتهم بسهولة شديدة مثل الأمثال: الابن الضال، السامرى الصالح،… والروايات أيضًا التي كانت معروفة في البيوت وصارت أمثال تُحكى.

          ومثل معاصريه استخدم المسيح التناقضات والمفارقات الشديدة في تعليمه، على سبيل المثال: الله أم المال. لم يتردد في استخدام تعبير متطرف أو مبالغة، لكى يشدد على نقطة ما جالبًا نوعًا من الاضطراب أو الهزة النفسية لكى يساعد المستمعين لكى يدركوا الحقيقة، على سبيل المثال: ” فقال لتلاميذه الحق أقول لكم إنه يعسر أن يدخل غنى إلى ملكوت السموات. وأقول لكم أيضًا أن مرور جمل من ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غنى إلى ملكوت الله ” (مت23:19ـ24)، منح الغفران 77 مرة، وعلى التلميذ أن يبغض أباه وأمه أو زوجته وأولاده لكى يشدد على الولاء والاستعداد والتضحية من جانب التلميذ الحقيقى. مرات كثيرة يصل بتعليمه إلى نقطة مطلقة بـ “ولا” أو “بـ “أو” على سبيل المثال: الله أو المال.

يشدد يوحنا في إنجيله على الطريقة التي كان يستخدمها المسيح ولها مفاهيم مزدوجة، على سبيل المثال: “الريح تهب حيث تشاء وتسمع صوتها لكنك لا تعلم من أين تأتى ولا أين تذهب. هكذا كل مَن وُلد من الروح” (يو8:3). أيضًا تعبير “ماء حياة” (يو10:4). استخدم أيضًا المسيح السخرية أو التهكم المضحك كما في تلك الصورة المؤثرة: ” ولماذا تنظر القذى التي في عين أخيك. وأما الخشبة التي في عينك فلا تفطن لها” (مت3:7). واستطاع أيضًا أن يستخدم بسهولة كبيرة الأمثال (مت23:16)، انظر أيضًا (يو8:3، إر11:1ـ12، عا1:8ـ2).

          أيضًا ملمح آخر غير معتاد بالمقارنة بمعلّمى عصره هو استخدام المسيح للألغاز، والتي لم تستفز فقط مستمعيه، لكن كل الناس في كل عصر. على سبيل المثال: ” الحق أقول لكم لم يقم بين المولودين من النساء أعظم من يوحنا المعمدان. ولكن الأصغر في ملكوت السموات أعظم منه” (مت11:11)، ويستمر قائلاً: ” ومن أيام يوحنا المعمدان إلى الآن ملكوت السموات يُغتصب والغاصبون يختطفونه ” (مت12:11).

أيضًا العرض التصورى المؤثر للجديد والقديم:  ” ليس أحد يخيط رقعة من قطعة جديدة على ثوب عتيق وإلاّ فالملء الجديد يأخذ من العتيق فيصير الخرق أردأ ” (مر21:2). أيضًا عن استنزاف زمن حضوره الأرضى: ” نحن سمعناه يقول إنى أنقض هذا الهيكل المصنوع بالأيادى وفي ثلاثة أيام أبنى آخر غير مصنوع بأياد ” (مر58:14). أيضًا انظر (لو49:11، مت34:10، لو36:22) والتي تخص موته على الصليب وقيامته (مر11:9، لو32:13). وبالنسبة لشروط الدخول لملكوت السموات التي فيها تحدى لعادات عصره: ” لأنه يوجد خصيان خصوا أنفسهم لأجل ملكوت السموات. ومَن استطاع أن يقبل فليقبل” (مت12:19).

          أيضًا يجب أن نلفت النظر إلى عنصر فعال في تعليم المسيح وهو استخدام التعابير البرجماتية (العملية) والتي كانت تُكتب في الذاكرة بطريقة مدهشة: “ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه” (مت26:16) أو ” لأن كل من يرفع نفسه يتضع ومَن يضع نفسه يرتفع ” (لو11:14).

          أيضًا استخدم متناقضات تستفز الفكر وتحفزه، على سبيل المثال: ” فإن مَن أراد أن يخلّص نفسه يهلكها، ومَن يهلك نفسه من أجلى فهذا يخلصها ” (لو24:9) أو ” من قَبِل هذا الولد باسمى يقبلنى. ومن قبلنى يقبل الذي أرسلنى. لأن الأصغر فيكم جميعًا هو يكون عظيمًا ” (لو48:9). أو ” كل مَن يرفع نفسه يتضع ومَن يضع نفسه يرتفع ” (لو11:14). التطويبات أيضًا على نفس المنوال (مت1:5ـ وما بعدها، لو20:6، مت3:8، لو25:18).

ب ـ التكرار أو التوازى المترادف

          هذا الشكل التعبيرى الذي نجده في تعليم المسيح يعنى أن النصف الثانى من العبارة لا يضيف شيئًا على المفهوم، حتى أنه يمكن أن يُحذف بدون أن تفقد العبارة مفهومها: ” أحبوا أعداءكم. احسنوا إلى مبغضيكم” (لو27:6، انظر مر22:4ـ30، 38:10، مت6:7، 24:10)

ج ـ التوازى المعاكس:

          في هذا الشكل التعبيرى نلاحظ أن النصف الثانى من العبارة هو تكرار بتعبيرات عكسية مثل: ” مَن أراد أن يخلص نفسه يهلكها. ومَن يهلك نفسه من أجلى فهذا يخلّصها ” (لو24:9). الحديث هنا عن توازى معاكس لأنه يتكلم عن اثنين من المفاهيم المعاكسة فالواحد يلغى الآخر، مثل: ” لأن ما من شجرة جيدة تثمر ثمرًا رديًا ولا شجرة ردية تثمر ثمرًا جيدًا ” (لو43:6، انظر مر27:2، مت14:6ـ15، 17:7، 39:10، 16:20). هذه الحقيقة تقود المستمع إلى تشكيل موقف بحسب المنطق وإلى قبوله، طالما يهدف إلى مصلحة الإنسان.

د ـ التوازى التكميلى أو التصاعدى التربوى:

          حيث النصف الثانى من العبارة هو استمرارية للأول وفيه نمو واتساع وتصاعد للمفهوم الأول، مثل: ” من قبل هذا الولد باسمى يقبلنى. ومَن قبلنى يقبل الذي أرسلنى ” (لو48:9، راجع مت40:10، 5:25ـ10، مر37:9). هنا التوازى متدرج وتصاعدى ويصل إلى قمته في الجزء الأخير من العبارة.

          إن التوازى المضاد يمثل الملمح السائد في النهج التعليمى للمسيح، فنحن نتقابل مع هذا التوازى أكثر من مائة مرة في الأناجيل الثلاثة الأولى، وأكثر من ثلاثين مرة في إنجيل يوحنا[13].

كان يستخدم المسيح التوازى المعتاد ليعقد مقارنة مع العبادة اليهودية في عصره والاستخدام اليهودى للتوازى المضاد من جانب المسيح كان لأجل تشكيل أمثال وقوانين، وحقائق من الحياة، وحِكَمْ سلوكية (انظر مر2: السبت لأجل الإنسان …، مر35:8، مت14:6، مت3:7ـ5، مت12:23). أيضًا في النصوص التعبدية استخدم المسيح التوازى المضاد في مناسبات كثيرة كوسيلة هجوم (مر17:8) وتأنيب (مت18:11) واتهام (مت 23:23)، أو إنباء مسبق أو تحذير (مت24:7)، صّد (مر18:10)، تخويف (مت34:10)، إرشاد للتلاميذ (مت2:6ـ4)، نصائح عن نشاطهم (مر10:6)، وعد (مت46:25)، تعضيد أخلاقى لتلاميذه (مر20:13)، مقارنة متماثلة (مر44:12)، تحديد رسالته (مت17:5).

          لقد لجأ المسيح إلى التوازى المضاد، لأن هذا التوازى يُظهر الإدانة المباشرة وأيضًا لسهولة كتابتها وقوة تأثيرها وانعكاسها في ذاكرة البشر.

2 ـ استخدام المنطق في تعليم المسيح

          لقد استخدم المسيح المنطق كوسيلة صياغة، ليس فقط لآرائه ومواقفه لكن كمعيار، بواسطته تظهر بسهولة الأخطاء وكذلك النتائج. واستطاع أن يعزل خصومه في قمة الحيرة باستخدام المنطق.

+ الحيرة ـ التشكك

          عندما ندرس الأشكال المختلفة لمبرراته المنطقية نرى الآتى:

 

أ ـ جذب الاهتمام  Argumentum ad hominem

          لقد جعل المبرر فردى وطرح سؤال:

          ”  مَن منكم بلا خطية فليرمها بحجر ” (يو7:8).

          ” هل يحل في السبت فعل الخير أو فعل الشر ” (مر4:3).

          ” معمودية يوحنا هى من السماء أم من الناس ” (مر30:11).

 

ب ـ مبرر يعضد العقل لكى يندفع من حقيقة معروفة إلى اعتقاد مستنتج

Argumentum a fortiori uperocikÒthta       

          نرى مثلاً في (لو13:11) ” فإن كنتم وأنتم أشرار تعرفون أن تعطوا أولادكم عطايا جيدة فكم بالحرى الآب الذي من السماء يعطى الروح القدس للذين يسألونه ” (لو3:11، راجع مر11:7، مت46:5). لدينا هنا تصاعد تربوى anagwg» مؤسس على الخبرة الشخصية العامة لمستمعيه.

 

ج ـ تقليل بواسطة إظهار عدم المنطقية Reductio ad absurdum

          مثلاً عندما اتهمه اليهود بأنه ببعلزبول رئيس الشياطين يخرج الشياطين، أجاب بسؤال قائلاً: ” كيف يمكن أن يخرج شيطان شيطانًا ” (مر22:3ـ23، مت24:6).

د ـ القياس H analog…a

          منطق القياس عن طريق عرض أمثلة يستطيع فيها الإنسان أن يقيس بها نفسه ويحدد موقفه تجاه الله[14]. هنا نجد استخدام الخبرة المعيشية، فمثلاً يذكر لنا لوقا أمثلة توضيحية: الغنى الغبى (لو13:2ـ21)، السامرى الصالح (لو25:10ـ37)، الفريسى والعشار (لو9:18ـ14) وهذه الأمثلة تصوّر حالات لتصرفات الإنسان، وهذه التصرفات يُدعى إليها المستمع ليقتدى بها أو يتجنبها.

          أيضًا ثلاثة أمثلة لإنجيل لوقا (القاضى الظالم 1:18ـ8، وكيل الظلم 1:16ـ13، والتينة غير المثمرة 6:13ـ9). وهناك ثلاث أنواع من القياسات:

أ ـ القياس المباشر:

          هو المقارنة المباشرة بشئ أو شخص أو فكرة، وبواسطة هذه المقارنة ننقاد إلى الفهم. مثلاً لكى يجعل المسيح المستمع يعيد التفكير ثانية في تقليده الدينى، عرض عليه أمثال مثل: “مثل الزارع”، مثل “حبة الخردل”، مثل “الكنز المخفى”،… وكلها مذكورة في (مت1:13ـ52). هنا يدفع المسيح المستمع إلى تقييم تقليده الدينى.

ب ـ القياس الشخصى:

          استخدم المسيح هذا القياس لكى يُحفز مستمعيه مستغلاً الخبرات الشخصية والمعيشية، فمثلاً في (مت12:7) يقول لليهود: ” فكل ما تريدون أن يفعل الناس بكم افعلوا هكذا أنتم أيضًا بهم “.

ج ـ التصادم المكثف:

هو قياس مباشر لكن في فكرة مطلقة ومستوى مجرد يقود إلى التناقض. على سبيل المثال (مت39:10) ” مَن وجد حياته يضيعها ومن أضاع حياته من أجلى يجدها“، (26:14): ” إن كان أحد يأتى إلىّ ولا يبغض أباه وأمه وامرأته وأولاده واخوته واخواته حتى نفسه أيضًا فلا يقدر أن يكون لى تلميذًا“.

 

3 ـ التحديد Sugkekrimenopo…hsh

          يبتعد المسيح دائمًا عن الاقتراحات المجردة، ويميل دائمًا للتحديد الذي يميزالمعلّم الصالح. لذا كان يعرض الموضوع بطريقة محددة:

          ” ولماذا تنظر القذى التي في عين أخيك. وأما الخشبة التي في عينك فلا تنظر لها” (مت3:7ـ5، 224:23).

          الصورة التي يعرضها تحتوى على عنصر تقليل أو سخرية أو تهكم مثل عرض العقوبة الظاهرة والمحددة في (مر25:10) ” مرور جمل من ثقب إبرة“. المسيح يشجع إظهار المحبة للناس: ” فمتى صنعت صدقة فلا تصوت قدامك بالبوق” (مت2:6). أيضًا يعطى تشديد على تأثير العلاقات الشخصية على علاقتنا بشخص الله: ” فإن قدمت قربانك إلى المذبح وهناك تذكرت أن لأخيك شيئًا عليك…” (مت23:5ـ24).

          كان يقدم أمثلة محددة من الخبرة الشخصية لمستمعيه: ” سمعتم أنه قيل عين بعين…” (مت38:5ـ39). لقد كان المسيح محدد وفعّال في تعليمه عن الله وعن ذاته. فالله يهتم بالإنسان (مت29:10). والمسيح هو “ابن الإنسان”، “رافع خطية العالم” الذي قدم ذاته” كطريق وحق وحياة ” وهو الذي أعلن ” ما جئت لأُخدم بل لأخدم“.

4 ـ السرد الروائى والقصصى

          لقد وجه المسيح تعليمه لكل الإنسان (العقل، والمشاعر والأحاسيس)، واستخدم الأمثال ذات السرد الدرامى: مثل لعازر المسكين، الفريسى والعشار، العذارى الجاهلات،.. الخ، مع التشديد على نهاية المثل أو القصة، نستطيع أن نجد الشكل الثلاثى التعبيرى في الأناجيل الثلاثة الأولى. على سبيل المثال:

* ثلاث أنواع من العناية: زرع، حصاد، تخزين: ” انظروا طيور السماء. إنها لا تزرع ولا تحصد ولا تجمع إلى مخازن ” (مت26:6).

* ثلاث أنواع من التهديدات الطبيعية: المطر، الطوفان، إنهيار البيوت: ” فنزل المطر وجاءت الأنهار وهبت الرياح ووقعت على ذلك البيت فلم يسقط لأنه كان مؤسسًا على الصخر. وكل مَن يسمع أقوالى هذه ولا يعمل بها يشبه برجل جاهل بنى بيته على الرمل فنزل المطر وجاءت الأنهار وهبت الرياح وصدمت ذلك البيت فسقط. وكان سقوطه عظيمًا” (مت24:7ـ27).

* ثلاث أنواع من الخصيان: ” لأنه يوجد خصيان…” (مت12:19).

* ثلاث أنواع من الاحتياجات المعيشية: طعام، وماء، وملبس: ” لا تهتموا لحياتكم بما تأكلون وبما تشربون ولا لأجسادكم بما تلبسون. أليست… ” (مت25:6).

أيضًا في سرده للأمثلة نتحقق من حفظ المبدأ السابق وهو الشكل الثلاثى للتعبير. فثلاثة هم العبيد في مثل العشارين، ثلاثة هم الذين مرّوا في مثل السامرى. أيضًا التكرار هو ملمح هام في المنهج التعليمى للمسيح، ونلاحظ هذا في مثل الوزنات (مت14:25ـ30) أو مثل الرجل العاقل والرجل الجاهل (مت24:7ـ27، كو47:6ـ49).

 

ارتباط تعليم المسيح بالواقع المعاصر

          معروف أن التربية الحديثة تحاول أن تتخلص من عقم المعرفة بربط المكاسب الفكرية للإنسان بالواقع الاجتماعى المتطور والمتغير. فالمدرسة ليست جزيرة منعزلة عن واقع الحياة. فعليها أن تنمى قدرة التلميذ للفكر النقدى، وربط العناصر الثقافية التي تقدمها بمعطيات الواقع المعاصر مع مواجهة الاحتياجات الحقيقية للإنسان على كل مستويات الحياة. المسيحية هى دعوة للتغيير الوجودى. ومن المعروف أن جوهر التعليم هو الإيمان بالتجسد والمناداة بملكوت الله كحقيقة تاريخية. والعناصر الأساسية لرسالة ملكوت الله هى:

1 ـ الحاجة لتغيير الحياة الشخصية لأجل ملكوت الله.

2 ـ يوم الخلاص أشرق.

3 ـ العلامة الأساسية والمتعارف عليها للملكوت هى الغفران التام ومحبة الله.

4 ـ بغض النظر عن معوقات ملكوت الله وما يحدث، فإن الملكوت هو حقيقة وسينتصر.

5 ـ وطالما قبلنا رسالة الخلاص لانتصار الملكوت يجب أن نفرح ونتهلل.

          إن المسيح لم يأتِ لكى يعلن اعلانًا بسيطًا ومجردًا عن ملكوته، بل جعل الملكوت حقيقة بحياته، وتعاليمه وعمله. بهذه الطريقة جعل كل مقاصد ونجاحات ملكوت الله محسوسة. لم يكن المسيح هو فقط ” ابن الله ” بل أيضًا ” ابن الإنسان ” بانحياز واضح لإخوته الصغار، لذلك ابن الإنسان “جال يصنع خيرًا ويشفى جميع المتسلط عليهم إبليس لأن الله كان معه” (أع38:10).

حث المسيح البشر أن يفضلوا إرادة الله وسوف يكونون قادرين على معرفة الحقيقة عنه وعن تعاليمه. العمل يقود الإنسان إلى المعرفة: ” إن شاء أحد أن يعمل مشيئته يعرف التعليم هل هو من الله أم أتكلم ـ أنا من نفسى” (يو17:7). حث المسيح أيضًا كل الناس على أن يغيروا طريقة تفكيرهم لكى يستطيعوا أن يُغيروا حياتهم. الأهم هو ما يأتى من داخل الإنسان. إن قلب الإنسان وفق المعتقدات اليهودية ليس فقط مجال العاطفة، لكن هو عرش للفكر. إن الإنجيلى متى الذي قدم لنا المسيح كمعلّم عظيم قد لخص في نهاية العظة على الجبل الديانة في اعلان عظيم وعملى: ” فكل ما تريدون أن يفعل الناس بكم افعلوا هكذا أنتم أيضًا بهم لأن هذا هو الناموس والأنبياء ” (مت12:7).

          هنا جدير بالاستحقاق أن تنشغل بالكلمات (افعلوا) و “ثمر” و “أعمال” التي نجدها كثيرًا في إنجيل متى (16:28، 23، 31، 31:70، 16:5). وإنجيل مرقس يقوم بإنباء مسبق عن جماعة المسيح وأعضائها وشهادتهم للإيمان وللحياة وثمارهم المنظورة، وبدون كل هذا سوف ينقادون إلى الهلاك.

          عظة المسيح على الجبل تنتهى بدعوة لاتخاذ قرار ودعوة للنشاط والعمل. هناك عنصران هامان في تعليم المسيح هما: سماع كلمة الله وتحقيق مشيئته (مت24:7). هذان العنصران يجعلان البشر حكماء وغير منقادين إلى الاختلاف والانعزال بل إلى الوحدة. ومن الجدير بالملاحظة أن لوقا يتبع بطريقة مماثلة ـ في مثل السامرى الصالح هذا الارشاد، عندما استخدم تعبير: “اذهب أنت أيضًا واصنع هكذا” (لو37:10). هذا التعبير يعلن القبول الحر والامتثال لمشيئة الله. أيضًا تعبير “أبانا” عندما علم المسيح تلاميذه كيف يصلون في (لو2:11ـ40) يصادر أى شكل للاستقلالية، لأن الله هو المصدر وخالق الكل.

          لقد تجنب المسيح الاستغراق في الطرق النظرية، لذا انفرد مرات كثيرة لكى يصلى ليالى كاملة. إنه المعلّم الكامل الذي في شخصه تجسد محتوى تعليمه. فإن فكره ينبع من حياته. لذلك استطاع أن يقول “تعلموا منى”، “كما أحببتكم أنا” (يو34:13). إنه هو الراعى الصالح، الذي قدّم نفسه على الصليب من أجل رعيته. إنه الراعى الصالح الذي يبذل نفسه عن الخراف” (يو11:10).

          في هذا الاطار يدعو البشر إلى الكنيسة حيث خدمة غسل الأرجل، وخدمة المحبة. المعيار في الدينونة الأخيرة هو الأعمال واستثمار المواهب (مت1:35 وما بعده). إن إنجيل يوحنا من البداية حتى النهاية يشدد على أن المسيح هو مصدر الحياة (يو4:1). لقد أتى المسيح ” لتكون لهم حياة وليكن أفضل” (يو10:10).

لقد كُتب الإنجيل الرابع بهدف أن نؤمن ” أن هو المسيح ابن الله ولكى تكون لكم إذا آمنتم حياة باسمه ” (يو31:20). والحياة الأبدية التي نادى بها المسيح ليست فقط حياة ينالها المؤمن في المستقبل، لكن هذه الحياة تُعاش من الآن، لذا كانت حياة المسيح دعوة للعمل إذ كان ينتقل إلى أورشليم يواجه المضادين لشخصه ولعمله وأمامهم أعلن الحرب ولم يلتزم بالصمت (مر1:12ـ9).

          إن المجتمع يتأثر بالأعمال، بينما يسئ الظن ويرتاب من الكلام. لذلك حياة الشخص لابد أن تكون نور العالم وملح للأرض. هكذا فلابد أن يرتبط التعليم بالواقع الحياتى.

 

 

 

تعديلات خاصة بموضوع المسيح المعلّم

الصفحة/ السطر

الأصل

التعديل

62/ 23

للسبوت

لاجتماع يوم السبت

63/ 17

أرسطوقراطية

النخبة المثقفة

63/الأخير

بالنسبة ليسوع (إلى آخر الفقرة

(يُحذف)

64/الأخير

لا يثق فى الإنسان لكى يربيه

يثق فى الله ثقة مُطلقة

66/ 18

البصخة

الفصح

67/ 7

ترحالاً

سعيًا

67/ عنوان

1ـ البيئة التربوية فى عمل المسيح

1ـ الظروف التربوية التى علّم فيها المسيح

67/22

البيئة (وكل ما تحت العنوان)

الظروف

68/ 16

قاد تدريجيًا إلى منعه من الذهاب إلى المجمع

(تُحذف)

69/ 14

التناقضات

المتناقضات

69/15

تعبير متطرف أو مبالغة

تعبيرات صعبة

69 /25

السخيرة أو التهكم المضحك كما فى تلك الصورة المؤثرة

التوبيخ

70/3

للألغاز

لكلمات تبدو غامضة

70/4

تستفز

تثير

70/9

استنزاف زمن حضوره

وجوده بيننا فى الجسد

70/15

التعابير

التعبيرات

70/19

متناقضات تستفز

تناقضات تثير

71/عنوان

ج ـ التوازى المعاكس

ج ـ التوازى المتباين

71/5

الحديث هنا عن توازى معاكس

الحديث يعكس توازيًا متباينًا

71/5

المفاهيم المعاكسة

المفاهيم المتباينة

71/6

يلغى

يضاد

71/الأخير

كتابتها

تسجيلها

73/23

أو سخيرة أو تهكم

أو توبيخ

74/7

الدرامى

المأساوى

75/20

الديانة

الرسالة المسيحية

75/24

جماعة المسيح

تلاميذ المسيح

76/12

الأعمال

أعمال المحبة

76/18

وأمامهم أعلن الحرب

وواجههم بقوة

 

 

[1] انظر إلى المرجع الأساسى: قسطنطين يوكارينى، تعليم وتربية المسيح في ضوء علم النفس التربوى الحديث، إصدار “خبز الحياة”، أثينا 1998 (باللغة اليونانية).

[2] f…lwnoj, per… toà lo…ou Mwusšwj. LÕgoj 3,27.

[3] انظر مت23:4، مر21:1. 2:6، لو15:4ـ31. 6:6. 10:13، يو59:6.

[4] انظر أع14:13، 27، 42، 44، 21:15، 13:16، 2:17، 4:18. مر21:1، 2:6. لو16:4، 6:6، 10:13.

[5] انظر يوسابيوس kat£ Ap…wnoj 2,17 وأيضًا فيلون: حياة موسى LÒgoj 3,27.

[6] فيلون، المرجع السابق LÒgoj 2,27.

[7] Johim Jer, New Testament Theology, vol I, S.C.M, London, 1972. P.30.

[8] Barclay W. Educational Ideals in the Ancient World, Baker Book House, Michigan, 1974.

[9] f…lh c. Louk£, H “ koin» “wj glîssa toà Ihsoà kai 27 bisl…wn thj K.D. Aq»na 1992, 6.98.

[10] crusostÒmou I, per… ‘Annhj, omil…a E/, PG 54, 670.

[11] crusostÒmou I, Eij Matqa‹on, omil…a IE/, PG 57,233.

[12] crusostÒmou I, prÒj egkaloÚntaj I, PG 51,123.

[13] Burney F.C. The Poetry of our Lord, Oxford university press, London 1975. P.135.

[14] Curtis, A.W.Jesus Christ the teacher, oxford university press. London 1944, P.72-79.

إقرأ أيضاً:

إقرأ أيضًا

عاموس 11:8 - بماذا يقصد عاموس بقوله أن سيكون هناك مجاعة لسماع كلمات الرب؟ ترجمة: تريزا شحاته حنا

عاموس 11:8 – بماذا يقصد عاموس بقوله أن سيكون هناك مجاعة لسماع كلمات الرب؟ ترجمة: تريزا شحاته حنا

عاموس 11:8 – بماذا يقصد عاموس بقوله أن سيكون هناك مجاعة لسماع كلمات الرب؟ ترجمة: …