الرئيسية / أبحاث / الخلفية اليهودية لصلوات السواعي في الكنيسة المسيحية (2)

الخلفية اليهودية لصلوات السواعي في الكنيسة المسيحية (2)

الخلفية اليهودية لصلوات السواعي في الكنيسة المسيحية

الخلفية اليهودية لصلوات السواعي في الكنيسة المسيحية
الخلفية اليهودية لصلوات السواعي في الكنيسة المسيحية

الخلفية اليهودية لصلوات السواعي في الكنيسة المسيحية (2)

 إقرأ أيضا: الخلفية اليهودية لصلوات السواعي في الكنيسة المسيحية (1)

الصلوات اليهوديَّة ونظامها في القرن الأول المسيحي

قبل انفصال الكنيسة عن المجمع اليهودي، وقبل خراب هيكل أورشليم الذي حدث سنة 70م نعلم أن المسيحيين المنحدرين من أصل يهودي في فلسطين كانوا يشاركون في الصلاة مع اليهود في المجامع، وفي الهيكل بأورشليم. بينما كان المسيحيَّون من أصل يوناني (أي من غير فلسطين) ينظرون إلى نظام العبادة في الهيكل كأمر يلزم تجنبه([1]). ورسالة القديس بولس الأولى إلى أهل كورنثوس تعتبر وثيقة لنظام العبادة عند المسيحيَّين من أصل أممي. وهي في ذلك أقدم وأهم وأوضح مصدر للعبادة المسيحيَّة في العهد الجديد. والأصحاح الحادي عشر من نفس الرسالة يختص بنظام هذه العبادة في عشاء الرب. أما الأصحاح الرابع عشر منها فيُعتبر بحق النص الحقيقي لمضمون هذه العبادة المسيحيَّة، إذ يصف الاجتماعات بما تحوي من تكلُّم بألسنة ورؤى وإعلانات ونبوَّات وتعليم وترتيل للمزامير وصلوات بركة، وصلوات شكر، بل وصيغ محدَّدة من هذه الصلوات مثل: ”مارانا ثا“، ”آمين“.

كذلك أعطت بعض الرسائل الأخرى صيغاً أخرى، ولكن مع ذلك فإنه يبدو من غير الممكن الربط بين هذه المعطيات وبين ما عُرف فيما بعد باسم صلوات السواعيLiturgy of Hours إلاَّ من خلال نظرة عامة تربط بينهما فحسب.

أما التباين في الآراء بخصوص أوقات الصلوات اليهوديَّة في هذه الفترة فمرجعه أن العبادة اليهوديَّة في القرن الأول المسيحي كانت بعيدة عن أن تكون عبادة موَّحدة تُمارس في كل مكان، نظراً لوجود مدارس فكريَّة كثيرة، فريسيُّون وصدوقيُّون وأسينيُّون فضلاً عن المسيحيَّين الأوائل الذين كانوا إمَّا من أصل يهودي أو يوناني.

ولما كان شكل الليتورجية اليهوديَّة غير محدَّد المعالم في هذه الفترة، فلا نستطيع أن نسلِّم بوجود رباط واحد أو نموذج واحد لنظام تقديم الذبيحة الصباحيَّة أو المسائيَّة في الهيكل. أما الصلوات الخاصة التي كانت تُقدَّم في الهيكل في هذا الوقت عينه، أي في وقت تقديم الذبيحة، فقد كانت هي النواة التي نشأت على غرارها خدمتا الصباح والمساء الرئيسيَّتان في الكنيسة المسيحيَّة. ثم أضاف الربيُّون ساعة صلاة ثالثة في الهيكل في وقت الساعة التاسعة. وأضاف الأسينيُّون إلى هذه الساعة – كما فعل جماعة الثيرابيوتا([2]) Therapeuta قبلهم – تسابيحاً من سفر دانيال (10:6)، ومزمور (55/17:56)، ونبوة أخنوخ الثانية([3]) (4:51). ولدينا شهادات من العهد الجديد عن وجود هذه الأوقات الثلاثة في خدمة الهيكل اليهودي: الصباحيَّة ونصف النهاريَّة والمسائيَّة.

ولقد تركَّزت الصلوات اليهوديَّة المبكِّرة في ثلاثة أماكن رئيسيَّة هي الهيكل، والمجمع، والبيت. وهو ما سنعرض له في السطور التالية.

1ـ هيكل أورشليم

معروف أن هناك ذبيحتان كانتا تقدَّمان يومياً في الهيكل واحدة صباحاً والأخرى مساءً. أي أن خدمة الصلاة اليهوديَّة في الهيكل كانت مرتين في اليوم، إذ كان تقديم الذبائح مقترناً بصلوات طويلة. أما كتاب العهد الجديد فيخبرنا بأن المسيحيَّين الأوائل كانوا يباركون الله باستمرار في الهيكل «وكانوا كل حين في الهيكل يسبِّحون ويباركون الله» (لوقا 53:24)، «وكانوا يواظبون كل يوم في الهيكل بنفس واحدة» (أعمال 46:2). وهكذا صار هيكل أورشليم هو أول مكان اجتمع فيه المسيحيَّون الأوائل لتقديم صلواتهم، حتى وإن كانت هذه الصلوات المسيحيَّة في شكل وطقس العبادة اليهوديَّة، ولكن ليس بروحها وعهدها الذي شاخ. 

أما العالم الليتورجي الأب برادشو Bradshaw فله رأي آخر، إذ يرى أن ما ورد في سفر الأعمال عن كراز الرسل بالمسيح بين اليهود في هيكل أورشليم([4]) يوضِّح لنا أن هؤلاء المسيحيَّين الأوائل كانوا يجتمعون في رواق سليمان كجماعة منفصلة ليكرزوا بيسوع أنه هو المسيح، لهذا كانوا يُضَّطهدون من اليهود الآخرين.

وعلى كل حال يمكننا القول بتحفُّظ بأن مسيحيي أورشليم الأوائل قد نقلوا ببساطة نظام العبادة اليهودي من الهيكل مع نصوص الصلوات التي تقال فيه، دون إضافة أو تعديل لتصبح هي ممارستهم المسيحيَّة الأولى ونظام عبادتهم([5]).

2ـ المجمع اليهودي

ليس واضحاً تماماً ممَّا كانت تتكوَّن الصلوات المجمعيَّة المشتركة خلال القرن الأول المسيحي، أو كم يوماً في الأسبوع تُعقد فيها هذه الاجتماعات. ولكن يبدو لنا وجود خدمات مجمعيَّة عامة في أيام محدَّدة من الأسبوع، وهي على الأقل يومي الاثنين والخميس، بالإضافة إلى يوم السبت طبعاً.

ويقترح العالم الليتورجي بيكويذ Beckwith نموذجاً من أربعة اجتماعات: صلاة الصباح، وصلاة إضافيَّة في أي ساعة من ساعات النهار، وصلاة بعد الظهر، وصلاة المساء([6]).

أما يوم السبت ففيه اجتماع للصلاة في الصباح وآخر بعد الظهر. وتحوي خدمة الصباح ترتيل كل من الـ ”شيما – Shema “، ”تيفيللا – Tefilla “، بالإضافة إلى قراءة من التوراة وفصول أخرى من الأنبياء([7]).

والشيما أو الشمَّع أو السماع، هي قانون العقيدة عند اليهود، وهي: ”اسمع يا إسرائيل، الرب إلهنا رب واحد، فتحب الربَّ إلهك من كل قلبك، ومن كل نفسك، ومن كل قوتك…“ وهي تتكوَّن من ثلاثة أجزاء من أسفار موسى الخمسة[8]، بالإضافة إلى الوصايا العشر. وهذه النصوص الكتابيَّة لهذا القانون تسبقها صلاتان للبركة والشكر من أجل الخليقة والإعلان الإلهي. وهي متضمَّنة في صلاة بركة وشكر من أجل الخلاص من عبوديَّة مصر. وفي المساء تُقال صلاة من أجل الراحة (راحة الليل).

أما التيفيللا Tefillah أي ”الصلاة“ وهي بالتحديد صلاة التضرُّع والتشفُّع، فهي مجموعة صلوات قديمة العهد جداً، مجموعها 18 صلاة ـ أصبحت الآن 19 ـ يرتِّلها اليهود في المجمع وقوفاً أمام التابوت الذي يحوي الأسفار المقدَّسة، والذي وجهته ناحية هيكل أورشليم. لذلك تجئ أحياناً هذه الصلوات تحت الاسم العبري ”أميداه – Amidah “ أي وقوفاً standing . ومعظم هذه الصلوات مأخوذ من آيات من العهد القديم تُرتَّل في أيام الأسبوع في الثلاثة اجتماعات اليوميَّة في المجمع اليهودي.

أما الثلاث صلوات الأولى منها فهي صلوات بركة benedictions، والثلاث الأخيرة هي صلوات شكر thanksgivings . وهي تُرتَّل في السبوت والأعياد وعيد كيبور (عيد الغفران)([9]). أما باقي الصلوات فهي طلبات ذات أهداف محدَّدة، وهي طبقاً للتلمود تعود إلى الحكماء الأوائل أو إلى الـ 120 شيخاً بينهم مجموعة من الأنبياء.

وقد نُقِّحت هذه الصلوات وعُدِّلت تعديلاً يمتنع معه امكانيَّة استخدامها بواسطة المسيحيَّين الأوائل من أصل يهودي، أو بواسطة الغنوسييِّن. وكان ذلك في أيام غمالائيل الثاني (80ـ120م). فقد أُضيفت ـ حوالي سنة 90 ميلادية ـ فقرة على البركة الأخيرة التي تُختم بها صلوات المجمع اليهودي، ونصها هو: ”… للمرتَّدين لا يكن لهم رجاء، ولتسقط وتنقرض مملكة المتعجرِّفين من أصولها في أيامنا، وليهلك أتباع يسوع الناصري والهراطقة في لمحة عين، وليُمح اسمهم من سفر الحياة، ولا يُحسبوا مع الصدِّيقين. مباركٌ أنت يارب الذي تذلِّل المتكبِّرين“.

ولقد تعدَّلت هذه البركة في الليتورجيا الحديثة للمجامع اليهوديَّة المعاصرة لتكون أكثر اعتدالاً، وذلك بحذف اسم النصارى والهراطقة، واستبداله باسم ”النمَّامين والأشرار والمتكبِّرين“. وحتى ترتيب القراءات التي تُتلى من الأسفار المقدَّسة قد تعدَّلت أيضاً في المجمع اليهودي نتيجة الخوف من التيار المسيحي، وهو حذف نبوة إشعياء عن الخروف الصامت أمام جازِّيه([10])، وهو الفصل الذي شرحه فيلبس المبشِّر لخصي كنداكة ملكة الحبشة([11])، رغم دخول الفصول السابقة واللاحقة ضمن خدمة القراءات في المجمع اليهودي. ويعلِّق على ذلك أحد الربييِّن المعاصرين بقوله: ”إن السبب في ذلك هو التفسير المسيحي الذي أُعطي لهذا الفصل“.

وتبدأ التيفيللا Tefillah عندما يقول رئيس الصلاة باللحن: ”يارب افتح شفتىَّ، ولينطق فمي بتسبحتك“.

– البركة الأولى عنوانها: ”أبوت – Aboth “ أي من أجل الآباء.

– البركة الثانية عنوانها: ”جِبروت – Geburoth “ أي الجبَّار، حيث تبدأ بـ ”أنت الجبَّار إلى الأبد يارب…“

– البركة الثالثة عنوانها: “قدوشات هاشم – Qedushat hashem” أي الاسم القدُّوس.

ويلي ذلك الاثنتا عشرة طلبة.

– الطلبة الأولى وتُدعي: ”نيبا – Nibah “ أو النباهة أو المعرفة، وتُدعى أيضاً ”بيركات حوكمة – Birakat Hokmah “ أي بركة الحكمة.

– الطلبة الثـانية وتُــدعي: ”التوبة – Tehubah “.

– الطلبة الثـالثة وتُــدعي: ”سليكا – Selicah “ أي المغفرة والعفو.

– الطلبة الرابـعة وتُـدعي: ”جولاه – Geullah “ أي الفداء.

– الطلبة الخامسة وتُدعى: ”ريفا – Refa “ أي الشفاء والترفيه.

– الطلبة السادسة وتُدعى: ”بيراكوت هاشانيم – Birakoth ha- shanim “ أي بركة السَّنة.

– الطلبة السابعة وتُدعي: ”جيبوس جاليوت – Gibbus galuyoth “ أي جمع شتات المنفييِّن.

– الطلبة الثامنة وتُدعي: ”بيراكوت مشباط – Birakoth Mishpat “ أي بركة القضاة.

– الطلبة التاسعة وتُدعي: ”بيراكوت صديقيم – Birakoth Saddiqim “ أي بركة الصدِّيق.

– الطلبة العاشرة وتُدعي: ”بيراكوت يروشاليم – Birakoth Yeroshalim “ أي بركة أورشليم.

– الطلبـة الحـادية عشر وتـُدعي: ”بيراكوت دافيد – Birakoth David “ أي بركة داود.

– الطلبة الثانية عشر وتُدعي: ”تيفيللا – Tefillah “ أي الصلاة التشفعيَّة أو التوسليَّة. وتقول: ”اسمع أصواتنا يارب وارحمنا، واقبل إليك طلباتنا بالرحمة والنعمة، لأنك إله تسمع لصلواتنا وتوسلاتنا من مكان حضرتك، يا ملكنا لا تصرفنا فارغين لأنك تسمع لصلاة كل فم. مباركٌ أنت يارب سامع الصلاة“.

ثم تُختم هذه الطلبات أو الصلوات بثلاث بركات أو تشكُّرات:

– البركة الأولى: ”عبوداه – Abodah “ أي العبادة.

– البركة الثانية: ”هوذاه – Hodeh “ أي تسبحة.

– البركة الثالثة: ”بيراكوت كوهانيم – Birakoth Kohanim “ أي بركة الكهنة.

هذه هي الصلوات التي استقرت في المجمع اليهودي بعد توقُّف العبادة تقريباً في الهيكل بسبب توقُّف تقديم الذبائح. وفصل الإنجيل الذي يورده القديس لوقا البشير([12]) يصف لنا مشاركة يسوع في واحدة من هذه الاجتماعات.

ومن جهة أخرى فإن القديس إبيفانيوس (315- 403م) يتحدَّث عن ثلاث ساعات للصلاة في المجمع اليهودي يمارسها اليهود فيقول([13]):

[… في الصباح وفي نصف النهار وفي المساء ثلاث مرات في اليوم عندما يتلون صلواتهم في المجامع].

ويخبرنا كتاب العهد الجديد أن القديس بولس الرسول كان يتردَّد على المجامع المحليَّة في رحلاته التبشيريَّة قبل سنة 61م. ومن النصوص الكتابيَّة يتَّضح لنا أنه كان يذهب إليها ليكرز بالمسيح، وكان ذلك سبب اضطهادات له من اليهود المتعصِّبين لدينهم([14]). لذلك فمن الصعوبة أن نظن بوجود عبادة مسيحيَّة للمسيحييِّن الأوائل في مثل هذه المجامع. ويتضح لنا فعلاً أن المسيحيَّين الأوائل من أصل يهودي قد شيَّدوا لأنفسهم مجامع تختص بهم يصلُّون فيها. ورسالة القديس يعقوب التي كتبها حوالي سنة 49-58م وأرسلها إلى اليهود الذين تحوَّلوا إلى المسيحيَّة، يشير فيها إلى عبارة ”مجمعكم“ في قوله: ” فإنه إذا دخل إلى مجمعكم رجل” (يع2:2)، مما يعني أنه يخاطب مسيحييِّن لهم مجمع عبادة خاص بهم. إلاَّ أن بشارة القدِّيس متى تسوق لنا أحداثاً من الاضطهاد الذي كانت تتعرَّض له الكنيسة المسيحيَّة الناشئة من المجمع اليهودي في ذلك الوقت([15]). لذلك كانت نصيحة الرب يسوع لأتباعه أن يصلّوا في بيوتهم([16]).                                                                                                          (يتبع)

[1] انظر: أعمال 6:8-الخ

[2] هي أول جماعة مسيحيَّة من أصل يهودي هلليني نشأت في مصر.

[3] وتُسمى كتاب أسرار أخنوخ، ويبدو أنه كُتب في مصر بواسطة يهودي هلليني في بداية ظهور المسيحية.

[4] انظر: أعمال 11:3-31:4 ؛ 12:5- 42

[5] Robert Taft, S. J., op. cit., , p. 6.

[6] Beckwith, Daily and Weekly Worship, p. 96ff

[7] F.L. Cross & E.A. Livingstone, The Oxford Dictionary of the  Christian Church (ODCC), 2nd edition, 1988, p. 449.

[8] تثنية 4:6- 9 ؛ تثنية 13:11- 21 ؛ عدد 37:15- 41

[9] انظر: لاويين 23:16، 27- 32 ؛ عدد 7:29- 11

[10] انظر: إشعياء 13:52- 12:53

[11] انظر: أعمال 32:8- 35

[12] انظر: لوقا 16:4-30

[13] Adv. Haer., 25: 9

[14] انظر: أعمال 20:9- 23؛ 5:13- 7:14؛ 13:16- 24؛ 1:17- 17؛ 4:18- 19؛ 8:19- 10.

[15] انظر: متى 17:10 ، 34:23

[16] انظر: متى 5:6-6

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.