الرئيسية / أبحاث / الخلفية اليهودية لصلوات السواعي في الكنيسة المسيحية (1)

الخلفية اليهودية لصلوات السواعي في الكنيسة المسيحية (1)

الخلفية اليهودية لصلوات السواعي في (1)

الخلفية اليهودية لصلوات السواعي في الكنيسة المسيحية
الخلفية اليهودية لصلوات السواعي في

الخلفية اليهودية لصلوات السواعي في (1)

 إقرأ أيضا: الخلفية اليهودية لصلوات السواعي في الكنيسة المسيحية (2)

لقد ذهب كثير من علماء الليتورجيا إلى أن الساعات القانونيَّة لخدمة صلوات المزامير في المسيحيَّة هي من أصل يهودي، وامتداد لخدمة المجمع اليهودي. هذا هو الرأي الذي شاع بين علماء الليتورجيا واستقر لفترات طويلة حتى جاء عالم ليتورجي هو الأب بيير باتيفول Pierre Battifol وهو كاهن فرنسي – والذي أسعده الحظ أن حضر محاضرات العالم دي روسّي Rossi – إذ جاء بنظرية معاكسة يتردَّد المرء كثيراً في قبولها. فيرى الأب باتيفول P. Battifol أن الساعات القانونيَّة لا علاقة لها على الإطلاق بساعات الصلاة اليهوديَّة، بل هي وليدة خدمة السهر ليلة السبت، وقد كان منشأ هذه مسيحياً بحتاً، وكانت تُقسم إلى ثلاثة أقسام:

– خدمة المساء وصلاة الغروب.

– خدمة صلاة نصف الليل.

– خدمة صلاة السحر والتسابيح.

ثم ما لبثت خدمة سهر ليلة السبت أن تعممَّت في الاستعمال في تذكارات الشهداء. وفي أيام ترتليان (160ـ225م) ـ إن لم يكن قبله ـ صار لكل من يومي الأربعاء والجمعة خدمة خاصة، ولما انتشرت السيرة النسكيَّة والرهبانيَّة صارت هذه الخدمة تُقام كل يوم.

 

ويضيف الأب باتيفول P. Battifol قائلاً: إن هذه العادة دخلت أنطاكية نحو سنة 350م، وللحال انتشرت حتى عمَّت الشرق كله. أما الساعات الصغرى (أي الثالثة والسادسة والتاسعة) فيعتقد أنها نشأت بدءًا من الأديرة، وأن الساعات الأولى وصلاة النوم انتقلت من غرف المنامة إلى تماماً مثلما انتقلت إليها خدم تذكارات الشهداء من قاعات الطعام.

ويتَّفق العالم فان اسبن Van Spin مع الأب باتيفول P. Battifol ، وذلك في معرض تعقيبه على القانون 66 الذي وضعه مجمع ترولو سنة 692م والذي ينص على: ”من يوم قيامة إلهنا المقدَّسة إلى الأحد الأول بعده أي مدة الأسبوع كله يجب أن يواظب المؤمنون على الحضور إلى المقدَّسة وهم أحرار من العمل متهلِّلين بالمسيح بمزامير وتسابيح وترانيم روحيَّة، وفي احتفالاتهم بالموسم يحصرون أذهانهم في قراءة الكتب المقدَّسة ويتنعَّمون بالأسرار الإلهيَّة، لأننا لذلك نرتفع مع المسيح ونقوم“. فيقول فان اسبن Van Spin : ”مما لا ريب فيه أن كلها في الشرق والغرب كانت تحفظ أسبوع الفصح كله موسم عيد وفرح. فلم يدخل المجمع في قانونه هذا عادة جديدة. وفي هذا القانون وصف جلي للأسلوب الذي كان يقضي المسيحيَّون فيه يوم العيد. فقد كانوا يستسلمون بكليتهم إلى ترتيل مزامير وترانيم وتسابيح روحيَّة. ومن هذه نُظِّمت خدم الصلوات القانونيَّة ولاسيما خدمتي السحر والغروب. ومن هذا نفهم أيضاً أن كل المؤمنين يجب أن يشتركوا في الترتيل، وقد استمرت هذه العادة قروناً عديدة كما بينت في بحثي عن نشأة خدم الساعات القانونيَّة“.

 

على أن نظرية الأب باتيفول P. Battifol ما لبث أن أنتقدها وفندها الأب سويبرت بومر Suibber Baumer وهو راهب بندكتي ألماني، فيقول إن المسيحيَّين الأولين انفصلوا عن مجامع اليهود نحو سنة 65م بعد المسيح، وفي هذا الوقت من الانفصال كان الرسل قد وضعوا بجانب خدمة القدَّاس خدمة ساعات صلوات قانونيَّة على الأقل، وربما خدمتين هما صلاة السحر وصلاة المساء. وإذا كانت هذه الخدمة تُقام يومياً في أورشليم في عهد الرسل فقد انحصر استعمالها في العصر التالي لهم مباشرة في أيام الآحاد، إذ حال الاضطهاد دون مداومة التقليد الرسولي بإقامة الصلاة العامة صباح كل يوم ومساءه. على أن فروض الصلوات الشخصيَّة في الساعات الثالثة والسادسة والتاسعة حسب التقليد الرسولي لم تنقطع، وهكذا عندما توقف الاضطهاد عادت فكرة الصلوات العامة في هذه الساعات وجرى العمل بها حسب التقليد الرسولي القديم. لعل هذا هو الرأي الأكثر قبولاً والأشد انطباقاً على ما سبقه من أبحاث العلماء في هذا الموضوع([1]).

 

أما العالم الليتورجي روبرت تافت Robert Taft فقد أخذ موقفاً وسطاً، حين قال([2]): أنا أشك تماماً في أي محاولة تحاول الربط المباشر بين ما بدأ في الظهور في القرنين الثالث والرابع للميلاد من ساعات صلاة قانونيَّة ذات أوقات محدَّدة، وبين الصلوات اليهوديَّة المسيحيَّة المبكِّرة المشتركة التي نشأت في فترة العهد الجديد المبكِّرة.

 

واضح مما سبق أن آراء علماء الليتورجيا بخصوص الخلفية اليهوديَّة لصلوات السواعي المسيحيَّة تباينت بين مؤيد لهذه الخلفية اليهوديَّة، وبين رافض لها كلية، وبين رأي وسط تبناه الأب روبرت تافت Robert Taf حين لم ينف تأثير هذه الخلفية اليهوديَّة على صلوات السواعي المسيحيَّة، ولكنه لم ير أنها ذات تأثير مباشر.

 

وفي السطور التالية سنعرف أن هذا التباين في الأراء حول هذا الموضوع سببه عدم توافر أية وثائق تفيدنا في تتبع أساسيَّات الخدمة اليهوديَّة في القرن الأول المسيحي على وجه التحديد. لذلك ظل هذا الموضوع قيد البحث ولم يُحسم بعد.

 

أساسيَّات الخدمة الليتورجيَّة اليهوديَّة

لازالت الآراء سجالاً بين علماء الليتورجيا على الأساسيَّات التي تنبني عليها الخدمة الليتورجيَّة اليهوديَّة، ونظام الصلوات في المجمع اليهودي، في زمن السيد المسيح، باستثناء نظام العبادة في هيكل أورشليم والذي تتَّفق حوله الآراء.

ويبحث علماء الليتورجيا عن إجابات شافية لأسئلة حائرة تدور حول هذا الموضوع. ومن بينها: هل كانت الخدمات الليتورجيَّة في المجامع اليهوديَّة Synagogues يوميَّة أم تختص ببعض أيام الأسبوع دون غيرها؟ وإن كانت يوميَّة فأي الساعات بالتحديد تختص بمثل هذه الخدمات الليتورجيَّة؟. وماذا كانت بنيتها الأساسيَّة؟. هذه أسئلة لازالت قيد البحث، ولم تنل حقها في الإجابة عليها بتحديدات قاطعة. هذا من جهة العبادة اليهوديَّة ذاتها. أما من جهة العبادة المسيحيَّة، فماذا كان تأثير العبادة اليهوديَّة ونظامها على تطوُّر نظام العبادة المسيحيَّة في كنيسة العهد الجديد؟ وهل هناك ثمة رابطة مباشرة بينهما؟. لقد تطلَّبت الإجابة على هذه التساؤلات من الشرَّاح جهداً كبيراً بين مؤيد ومعارض.

 

إن الأمر الذي لا خلاف عليه هو أن المسيحيين الأوائل من أصل يهودي كان لهم نفس بنيَة الصلوات ونفس أوقاتها كما كان يمارسها اليهود المعاصرون لهم، ولكن بأسلوبها المسيحي، وبمفهومها الخلاصي الذي صار في العهد الجديد. حتى أنه يتعذَّر على المرء أحياناً أن يفرِّق فيما إذا كان الذي يراه أمامه هو مجمع يهودي أم كنيسة مسيحية ناشئة([3]).

 

وكانت صلوات الصباح والمساء أهم ساعات الصلاة في الخدمة  الليتورجيَّة اليهوديَّة، وهو ما صار بالفعل في الكنيسة المسيحيَّة. وبالطبع فإن موضوعات ونصوص بعض صلوات العهد القديم قد شكَّلت جانباً من الصلوات المسيحيَّة منذ البداية، ولكن من وراء هذا التعميم فإن غموضاً لا زال يكتنف الأمر.

(يتبع)

[1] أرشمندريت حنانيا كسَّاب، مجموعة الشرع الكنسي، منشورات النور، بيروت 1975م، ص 208، 209.

[2] Robert Taft, S. J., The Liturgy of  the Hours in East and West, U.S.A., 1986, p. 10, 11

[3] بعد مرور ألفين من السنين وظهور الحركات الماسيانية بين اليهود المعاصرين الذين آمنوا بالسيد المسيح واعترفوا به أنه هو مسيّا إسرائيل الذي رفضه أجدادهم، تلك الحركات التي اشتد أوارها بدءًا من سنة 1967م، يقرِّر واحد منهم هذه الحقيقة في سبتمبر سنة 1994م، وقد ألقى محاضرة عميقة التأثير والمعنى على الرهبان، أوضح فيها كيف يعمل الروح القدس في القلوب ليرد الخراف الضالة من شعب إسرائيل إلى حظيرة الإيمان. وذكر أنه يوجد في إسرائيل نفسها 37 كنيسة مسيحية تغطي البلاد من شمالها إلى جنوبها. بعض هذه الكنائس لا تفرِّقها في مظهرها الخارجي عن شكل المجمع اليهودي التقليدي، أما في الداخل فتميِّزها نصوص الصلوات والتسابيح التي تُرتَّل فيها والبهجة العارمة التي تغمر قلوب مؤمنيها.

إقرأ أيضاً:

إقرأ أيضًا

كتاب مختصر تاريخ المسيحيّة في القرون الخمسة الأولى - ا/ أمجد بشارة

كتاب مختصر تاريخ المسيحيّة في القرون الخمسة الأولى – ا/ أمجد بشارة

كتاب مختصر تاريخ المسيحيّة في القرون الخمسة الأولى – ا/ أمجد بشارة كتاب مختصر تاريخ …