البتولية سماتها الحقيقية عند الآباء (1) – د. حشمت كيرلس

البتولية سماتها الحقيقية عند الآباء (1)  – د. حشمت كيرلس

البتولية سماتها الحقيقية عند الآباء (1) - د. حشمت كيرلس
البتولية سماتها الحقيقية عند الآباء (1) – د. حشمت كيرلس

البتولية سماتها الحقيقية عند الآباء (1)  – د. حشمت كيرلس   

مقدمة:

       شهدت الدراسات الآبائية ودراسات تاريخ الكنيسة الأولى في الغرب في السنوات الماضية اهتمامًا متزايدًا بموضوع النسك بصفة عامة والبتولية بصفة خاصة. وقد عُقدت مؤتمرات دولية، وكتبت مؤلفات مهمة في هذين الموضوعين[2]. ولا غرو في هذا، فالكنيسة الأولى كانت بحق كنيسة ناسكة، والبتولية كانت ظاهرة عاشها المسيحيون الأوائل بغيرة متقدة، وكتب عنها آباء الكنيسة بحفاوة كبيرة وحماس شديد، الأمر الذي لا يمكن ألاّ يسترعى انتباه دارسى تاريخ كنيسة القرون الأولى وكتابات آبائها الأوائل.

 

سمات البتولية الحقيقية:

          تهدف هذه الدراسة إلى التأكيد على أنه بينما رفع آباء الكنيسة البتولية إلى عنان السماء، وأثنوا عليها جدًا، واعتبروها أسمى من الزواج، إلاّ أنهم لم يقبلوها بلا قيد أو شرط. بل ميزوا بين البتولية الحقيقية والبتولية الزائفة. ومن أهم شروط البتولية الحقيقية عند الآباء: أرثوذكسية الإيمان عند البتوليين. وقبل أن نتناول هذه النقطة، التي ستكون موضوع هذه الدراسة، فيجدر بنا أن نذكر، باختصار شديد، بعض النقاط الأخرى التي تشكل سمات ضرورية للبتولية الحقيقية.

فمن سمات البتولية الحقيقية عند الآباء[3]:

1ـ أن تكون من أجل الرب، وبدافع من محبة الإنسان له، وأن تكون بحسب إرادة الله، وتلبية لدعوة إلهية. وأن يعيشها البتول بلا عيب، وفي كمال.

أن تُقبل بشكر كنعمة إلهية موهوبة من الله.

3ـ أن تكتسى برداء الاتضاع، فالكبرياء (أو التعالى على المتزوجين) يفسد البتولية ويقود إلى السقوط.

4ـ أن تقترن بفضيلة العفة، أو بتولية القلب، وطهارة الفكر والإنسان الداخلى. يذكر القديس يوحنا كاسيان قول القديس باسيليوس الكبير ” إننى لم أعرف امرأة. ومع هذا فأنا لست بتولاً “[4] ثم يعلق عليه قائلاً ” إنه قد أدرك أن عطية البتولية لا تُقتنى بالامتناع عن الاتصال الجنسى بامرأة، وإنما بقداسة وطهارة النفس، هذه التي بدورها تُقتنى بواسطة مخافة الله. والآباء أكدوا أيضًا أن فضيلة الطهارة لا يمكن أن تُقتنى إلاّ إذا اقتنينا أولاً اتضاع القلب”.

5ـ أن تنبع من الإيمان الصحيح والمستقيم: كيف يمكن أن يعتبر الجسد عفيفًا، وبأى معنى يكون صحيحًا، حين تزنى النفس ضد الله الحقيقى”؟ (القديس أغسطينوس)

وللأهمية الخاصة التي أولاها آباء الكنيسة لأرثوذكسية الإيمان، عند البتوليين، كيما تكون بتوليتهم صحيحة ومقبولة، نخصص هذه الدراسة لهذا الموضوع.

 

          كانت أرثوذكسية الإيمان، أو استقامة العقيدة، عند الآباء هى المعيار الذي يقاس عليه كل شئ. وفي تحمسهم الشديد للبتولية طبقوا هذا المعيار وأكدوا أنه لا قيمة للبتولية إن لم تنبع من إيمان أرثوذكسى وعقيدة صحيحة.

 

          لقد ربط كثير جدًا من آباء الكنيسة بين البتولية والإيمان، وفعلوا ذلك بطرق ثلاثة:

1ـ الطريق الأول هو أن البتولية هى ثمرة للإيمان المسيحى.

2ـ الطريق الثانى هو أن أرثوذكسية الإيمان عند البتوليين هى شرط ضرورى لكى تكون بتوليتهم صحيحة ومقبولة.

3ـ والطريق الثالث هو أن البتولية لابد أن تظهر في حياة إيمان تتجسد فيها كل فضائل الإنجيل.

وسنتناول الآن هذه النقاط بشيء من التفصيل.

 

أولاً: البتولية كثمرة للإيمان المسيحى:

          لقد أكد الآباء أن العفة والبتولية قد ميزتا المسيحيين في حياتهم الجديدة في المسيح كثمرتين للإيمان الجديد، مقابل الإباحية والانحلال الجنسى التي كانت قبل الإيمان بالمسيح. وهذه الفكرة نجدها أولاً في أسفار العهد الجديد، ولاسيما عند القديس بولس الرسول، في مواضع كثيرة من رسائله. ففي رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس ـ مثلاً ـ وفي الإصحاح السادس، يذكر مجموعة من الخطايا والانحرافات الجنسية التي لا يستطيع مُقترفوها أن يرثوا ملكوت الله بسببها، فيقول لمسيحيى كورنثوس: ” وهكذا كان أُناس منكم. لكن اغتسلتم، بل تقدستم، بل تبررتم باسم الرب يسوع وبروح إلهنا” (1كو11:6).

 

وفي رسالته الأولى إلى أهل تسالونيكى يحثهم القديس بولس على الامتناع عن الزنا، فلا يتشبهوا بالأمم الذين لا يعرفون الله. إنه يقول: ” لأن هذه هى إرادة الله: قداستكم. أن تمتنعوا عن الزنا. أن يعرف كل واحد منكم أن يقتنى إناءه بقداسة وكرامة، لا في هوى شهوة كالأمم الذين لا يعرفون الله. أن لا يتطاول أحد ويطمع على أخيه في هذا الأمر، لأن الرب منتقم لهذه كلها كما قلنا لكم قبلاً وشهدنا. لأن الله لم يدعنا للنجاسة بل في القداسة. إذًا مَن يرذل لا يرذل إنسانًا بل الله الذي أعطانا أيضًا روحه القدوس” (1تس3:4ـ8)[5].

 

لقد كان هناك عند المسيحيين الأوائل صلة قوية جدًا بين تعاليم الإيمان، من ناحية، والسلوك الأخلاقى للجنس البشرى، من ناحية أخرى، حتى إن العالِم Wayne Meeks يقول “إن المسيحيين الأوائل حين تكلموا عن السلوك البشرى فلقد تكلموا عن الله في نَفسِ واحد “[6].

أما عن الصلة بين العفة والبتولية، من ناحية، وبين الإيمان المسيحى، من ناحية أخرى عند آباء الكنيسة، فتظهر في الأمثلة التالية:

1ـ في كتاب “الراعى”، وفي “الرؤية الثالثة”، نجد قائمة بسبع[7] فضائل، يأتى الإيمان، في بدايتها، ثم تتبعه العفة)  ( self-restraint بصفتها ابنة الإيمان[8]. ثم تتكرر نفس الفكرة مرة أخرى في “المثل التاسع” حيث تأتي العفة مرتبطة بالإيمان بصفتها ثانى فضيلة في مجموعة من الفضائل يُرمز إليها بالعذارى[9]. بينما يأتي عدم الإيمان، وعدم الطهارة، والانغماس في الملذات الحسية كرذائل عكسية يُرمز إليها بنساء مكتسيات بملابس سوداء[10]. وفي “الوصية الأولى” يُنصح هرماس بأن يؤمن بالله ويخافه، وفي مخافته لله يكون متعففًا وضابطًا لنفسه[11].

يوستينوس الشهيد، في دفاعه الأول:14، يقارن ويقابل بين الانحلال الجنسى الذي ساد حياة الوثنيين قبل قبولهم للإيمان المسيحى، والعفة التي أصبحت تميزهم بعد قبولهم للإيمان، فيقول: ” نحن الذين سُررنا ذات يوم بالزنا، الآن لا نجد مسرتنا إلاّ في العفة فقط[12].

3ـ القديس كليمنضس الأسكندرى، في الكتاب الثالث من “المتنوعات” (Strom.III.8.62) يقتبس 2كو17:5: “إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة. الأشياء العتيقة قد مضت. هوذا الكل قد صار جديدًا”. ويعلق القديس كليمنضس على هذا النص شارحًا طبيعة أو معنى الخليقة الجديدة هنا بالمقارنة بالخليقة العتيقة قائلاً: ” هناك العفة بدلاً من الزنا؛ ضبط النفس بدلاً من الانحلال؛ والبر بدلاً من الفساد”[13].

أما القديس أثناسيوس الرسولى فإنه يكّرم البتولية جدًا، ويعتبرها سمة خاصة للإيمان المسيحى، ودليلاً قويًا على صحة هذا الإيمان، وهبة ثمينة منحها المسيح للمسيحيين. يقول:  ” إن ابن الله، ربنا ومخلصنا يسوع المسيح، حين صار إنسانًا لأجلنا، فإنه بالإضافة إلى كل هباته التي منحنا إياها قد أسبغ علينا هذه الهبة أيضًا وهى أن نقتنى ونحن على الأرض، حياة البتولية التي هى صورة لقداسة الملائكة. وبالتالى فإن الكنيسة الجامعة قد اعتادت أن تسمى أولئك الذين اقتنوا هذه الفضيلة (‘Aret») بعرائس المسيح. والوثنيون الذين يرونهم يعبرون عن إعجابهم بهن بصفتهن هياكل للكلمة. فبالحقيقة إن هذه الحياة المقدسة والسمائية ليس لها وجود في أى مكان إلاّ بيننا نحن المسيحيين. وهى دليل قوى جدًا على أن ديانتنا هى الديانة الأصيلة والحقيقية[14].

 

          هذه الفكرة، أن البتولية هى ثمرة للإيمان المسيحى ودليل على صحته، كانت سائدة في فكر القديس أثناسيوس، حتى أننا نجده يكررها في أعماله الرئيسية. ومثل يوستينوس الشهيد من قبله، الذي ربط بين استهانة المسيحيين بالموت وتحليهم بفضيلة العفة وبين صدق وصحة ديانتهم، اعتبر القديس أثناسيوس أن عفة العذارى والنساك الشباب، بجانب الاستشهاد، هما إعلان عن الحق الكامن في الإيمان المسيحى.

 

          ففي مقالته عن “تجسد الكلمة” يدعو أثناسيوس كل مَن يساوره أى شك في أصالة المسيحية قائلاً: ” تعال وانظر فضيلة عذارى المسيح، والشباب الذي يعيش حياة طاهرة عفيفة، والإيمان بالخلود في طغمة عظيمة من الشهداء”[15]. على أننا ينبغى أن نلاحظ هنا أن ما يشيد به القديس أثناسيوس بصفة خاصة، هى فضيلة (‘Aret») العذارى وعفة النساك، وليس التبتل (أو العزوف عن الزواج) في حد ذاته. ففضيلة العفة في نظره، هى عمل المسيح في المسيحيين، حيث أصبحت هذه الفضيلة سمة خاصة بهم تميزهم في إيمانهم بالمسيح عما كانوا من قبل. وهذا ما يحرص القديس أثناسيوس على تأكيده حين يقول: مَن ـ سوى المسيح ـ حرر البشر من أهواء نفوسهم، حتى أن الزناة أصبحوا متعففين، والقتلة طرحوا عنهم سيوفهم، والمستعبدين للخوف أصبحوا شجعانًا”[16]. فالمُهم في البتولية إذن؛ هى فضيلة العفة التي كانت تعتبر بالنسبة للمسيحيين أحد العناصر الجوهرية في حياة فاضلة صاروا يتميزوا بها في إيمانهم الجديد بالمسيح. هذا يؤكده أثناسيوس مرة أخرى بقوله: ” مَن مِن الناس بعد موته أو حتى أثناء حياته، علَّم عن البتولية، دون أن يعتقد أنه من المستحيل لهذه الفضيلة أن توجد بين البشر. أما مخلصنا ملك الكل؛ المسيح، فلقد كان لتعليمه عن البتولية من القوة حتى أن الأطفال الذين لم يصلوا بعد إلى السن القانونية، أصبحوا ينذرون بتوليتهم بما يتجاوز القانون. ومَن مِن البشر حتى اليوم تمكن من أن يتجول في أماكن عديدة جدًا، وأن يصل إلى الحبشة وبلاد فارس و أرمينيا وما وراء المحيط ومصر، لكى يكرز بهذه الفضيلة لهؤلاء الذين يؤمنون بالسحر، الذين كان التوحش سمتهم، كما فعل ربنا، قوة الله يسوع المسيح، الذي لم يكرز فقط لتلاميذه، ولكن حثهم على أن يتحولوا عن الوحشية في طرق الحياة، وألا يعبدوا، فيما بعد، الآلهة التي هى من صنع أيديهم، بل أن يقبلوه (أى المسيح)، وبواسطته يعبدون الآب[17].

 

1 قُدَّم هذا الموضوع أولاً كبحث قصير Paper في المؤتمر السنوى العاشر للجمعية الأمريكية للدراسات الآبائية The North American Patristic society في جامعة Loyola بشيكاغو في مايو 1994 ثم قُدَّم كمحاضرة في المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية بالقاهرة في 6أغسطس 2001م

2 أنظر على سبيل المثال Vincent L. Wimbush and Richard Valantasis, eds. Asceticism (New York, Oxford: Oxford University Press, 1995); Peter Brown, “The Notion of Virginity in the Early Church”, in Christian Spirituality: Origins to the Twelfth century. Eds. Bernard McGinn, John Meyendorf, and Jean Leclarcq, World Spirituality: An Ency lopedic History of the Religious Quest, 16 (New York: Crossroad, 1985); Peter Brown, The Body and society: Men, Women and sexual Renunciation in the Early Church (New York: Columbi University Press, 1988).  

3 أهم مَن تكلم عن سمات البتولية الحقيقية كليمنضس الاسكندرى في “المتنوعات”، الكتاب الثالث، الذي خصصه للحديث عن البتولية والزواج. أنظر Clement of Alexandria, Stromata, III (On Marriage), in Alexandrian Christianity. Trans. Henry Chadwick (Philadelphia: Westminster Press, 1954).

ومن أهم مَن تكلم بصفة خاصة عن ضرورة الاتضاع للبتولية، وخطورة الكبرياء، القديس يوحنا كاسيان: المناظرة الثامنة، ف5 NPNF 2nd ser. Vol. X1 (Grand Rapids, M1: William B. Eerdmans Publishing Company, 1978).

أيضًا مجمع غنفرة، قوانين 14،10،4،1 أنظر The Seven Ecumenical Councils of the Undivided Church: their Canons and Dogmatic Decrees. Ed. Henry R.  Percival. in NPNF 2nd series, vol. XIV.  

[4] St. John Cassian: “On the Eight Vices”. The Philokalia: The complete Text. Compiled by St. Nikodimos of the Holy Mountain and St. Makarios of Corinth. Vol.1. Trans. and ed. C.E.H. Palmer, Philip Sherrard, and Kallistos Ware (London: Faber and Faber, 1986), p77.

5 أنظر أيضًا 2بط5:1ـ6 ، 20:2.

[6] The Origins of Christian Morality, p.150

7 الخمس فضائل الباقية هى: البساطة . العلم . البراءة . الوقار . المحبة.

8  هذه الفضائل السبع يرمز إليها بسبع نساء يمسكن ببرج لئلا يقعThe Pastor of Hermas, Vision 3.8.ANF vol.2.p.15-16 . PG2. p. 906.

9 هؤلاء العذارى هن: الإيمان. العفة. القوة. طول الأناة.

[10] The Pastor, similitude 9.15.2-3 ANF.p.49

[11] The Pastor, commandment1, ANF.p.20.

[12] Early Christian Fathers,ed. Cyril C. Richardson, p.249; St. Justine Martyr, The First Apology, 14, trans. Thomas B. Falls. In The Fathers of the Church, vol. 6 (Washington D.C.: The Catholic University of America Press, 1977), p 47.   

[13] H.Chadwick, trans., in Alexandrian Christianity, p.69

[14] Apologia ad Constentium 33 NPNF, 2.4.p.252.

15 التجسد 48 Contra Gentes and De Incarnation. Ed. and trans. Robert W. Thompson (Oxford: The Clarendon Press, 1971), p.255 

16 التجسد 49 (Thompson p.251) وانظر أيضًا “حياة أنطونيوس” 79ـ80

  NPNF2:4, p.217,29.Historia Arianum 25.1bid p. 278.

17 التجسد 51 ) (Thompson p.263

مقالات ذات صلة