القديس ايسيذورس الفرمي (2) – د. وهيب قزمان

القديس ايسيذورس الفرمي (2) – د. وهيب قزمان

القديس ايسيذورس الفرمي (2) - د. وهيب قزمان
القديس ايسيذورس الفرمي (2) – د. وهيب قزمان

القديس ايسيذورس الفرمي (2) – د. وهيب قزمان

ثانيًا: أعماله

 

أ ـ رسائله

 

إلى جانب شهرته بالجرأة فى الحق وجهره به حسب الإنجيل أمام أباطرة وحكام وبطاركة، فقد عرفه التاريخ بالعلامة واسع الإطلاع وغزير الإنتاج، إذ بلغ عدد رسائله أكثر من 2000 ألفى رسالة، شملت كل نواحى الإرشاد والتوجيه، ويكتب القديس ساويرس الأنطاكى بأنه ألف  ” 3000 رسالة “. وقد قام بجمعها رهبان ” دير الأكوميت ” بالقسطنطينية فى 4 مجلدات كل مجلد يحوى 500 رسالة. وقد نشرت فى باريس عام 1638م فى مجموعة الأباء مينى Patrologia Migne المجلد )67([1]. كما نشرت مجموعة من هذه الرسائل تحوى 1012 رسالة فى 5 كتب، كما يذكر تلمونت[2].

ومن الصفات المميزة لهذه الرسائل أن ” غالبية مخطوطات العصور الوسطى القديمة[3]، والثلاثة إصدارات[4] الخاصة برسائل القديس إيسيذوروس تؤكد أنه ” مفسر بالدرجة الأولى”، ويشير القديس إيسيذوروس فى رسائله إلى عملين من كتاباته؛ الأول كتابه رسالة إلى الوثنيين Lògoj prÕj ›llhnaj، والذى لا يزال مفقوداً، والثانى عن القدرية Log…dion perˆ toà m¾ eŒnai eƒmarmšnhn وفيه ينفى وجود القضاء والقدر فى المسيحية. ويبدو أنه نفس رسالته الطويلة إلى هاربوكراس[5].

ويقترب أسلوب القديس إيسيذوروس من أسلوب الأنطاكيين. وكان يوقر القديس يوحنا ذهبى الفم كثيراً، إذ قرأ كتاباته وتأثر بها، خاصة كتابه ” عن الكهنوت “، وإتخذ موقفاً بجانبه فى مواجهة قريبه البابا ثيئوفيلس الإسكندرى بسبب حرمه للقديس يوحنا ذهبى الفم، كما حث البابا كيرلس عمود الدين على رفع هذا الحرم حتى استجاب له. ولكن القديس إيسيذوروس لم يكن تلميذاً للقديس ذهبى الفم كما قال المؤرخ البيزنطى نيثيفوروس[6]. ولكنه كان قريباً منه بالروح فى أمور كثيرة، حتى قيل إن رسائله الملتهبة بحب خلاص الآخرين لا تقل عن أعمال القديس يوحنا ذهبى الفم[7].

وقد تمسك القديس إيسيذوروس بعقيدة الكنيسة الأرثوذكسية حول شخص المسيح، ودافع عنها ضد الكثير من الهرطقات . متتبعاً فى ذلك منهج القديس أثناسيوس الرسولى[8]. كتب ضد الآريوسية التى اعتبرها أخطر عدو للكنيسة ودحضها بتحليلات وأسانيد من الكتاب المقدس وفقه اللغة اليونانية وبمنهجية تفسيرية فى غاية العمق. واستند القديس إيسيذوروس على مجمع نيقية المسكونى الأول ملقباً إياه بـ [ المجمع المقدس الذى عقد فى نيقية والذى يجب أن ُيتَّبع بدقة بدون إضافة أو اختزال شئ منه. لأنه قد علم الحق بروح الله]. وكان يستخدم دائماً التعبير الذى وضعه المجمع عن المسيح وعلاقته بالآب “هوموأوسيوس Ðmoousioj من نفس جوهر الآب”[9]، كما قام بدور عظيم أيضاً فى مقاومة النسطورية.

 

مقتطفات ناطقة من رسائله[10]

1 ـ الغيرة الحسنة

يجب علينا أن نحتمل الإهانة بصبر ودعة إذا لحقت بأشخاصنا، وأما حينما تلحق الإهانة بالعزة الإلهية فحينئذ يجب أن تأخذنا الغيرة المقدسة، فلا نقبل ذلك بجبن ونخشى غضب الآخرين. ولكننا عادة ما نتقد غضباً ونشتعل بنار الغيرة ضد أعدائنا فيما يصادفنا شخصياً. أما فيما يخص الله وكنيسته فنحن فاترون، بخلاف القديسين.

فموسى الأكثر حلماً ووداعة من جميع الناس قد حمى غضبه ضد الشعب الإسرائيلى حينما صنعوا العجل الذهبى ليسجدوا له. وهنا ظهر غضبه أكثر قداسة من أى حلم ودعة كانت. وإيليا تسلح بالغيرة المتقدة ضد عابدى الأصنام، والقديس يوحنا المعمدان ضد هيرودس الملك، والقديس بولس الرسول ضد عليم الساحر.

 

2ـ إكليل الفضيلة

وإن كان للغيورين على الكنيسة أعداء فى كل العصور، فلا عجب أن ينقم حاكم الولاية على القديس إيسيذوروس ويضطهده ويرسله إلى المنفى لأنه عارضه ووبخه جهارًا لظلمه واستهانته بحقوق الكنيسة[11]. ولكنه كان فرحاً لما أصابه، حتى أنه خاطب صديقاً له فى إحدى رسائله قائلاً: ” إن كان السوء يصيب من يقوم بالتزاماته خير قيام، وتنزل به الاضطهادات، فى حين أن من يصنع الشر ُيمدح وُيكافأ، فعلى الإنسان أن يختار عمل الخير، لأنه حتى إن لم ننظر إلى المكافأة  السماوية المعدة للصالحين والعقاب الأبدى للأشرار، فالفضيلة وحدها هى إكليل ومكافأة البار. كما أن الشرير ينال قصاصه فى شر الرذيلة. ولهذا فالفضيلة دائماً محبوبة حتى إن اضطهدت باطلاً، بينما الرذيلة مكروهة دائماً مهما امتدحها الضالون! “

 

ب ـ القديس إيسيذوروس شارحاً إنجيليا[12]

 

بالكتاب المقدس كان القديس إيسيذوروس يقود النفوس إلى الحياة المسيحية الحقة، إذ كان يرى فيه أعلى سلطان سماوى وأكمل حق إلهى مستعلن. ومع هذا لم يكتب قديسنا دراسة تفسيرية منهجية (Systematic) على أى سفر من أسفار الكتاب المقدس، وكل ما كتبه من تفسيرات نجدها موزعة هنا وهناك، وكان قد كتبها أصلاً للإجابة على أسئلة البعض، أو تلبية لاحتياجات البعض الآخر وتركها لنا ذخراً لكل العصور[13] .

 

أحب القديس إيسيذوروس الكتاب المقدس واعتبر ما عداه أموراً ثانوية تقل عنه فى الأهمية[14]. لذا كان يتعزى بالتأمل فى المزامير والأنبياء والأناجيل ورسائل بولس الرسول. ويقول إن الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد، قد كتب بسبب خطايا الإنسان ولمساعدته وخلاصه (إش13:54، إر39:32، 40، 2كو3:3 )[15] .

 

السلطان الإلهى للكتاب

يقول القديس إيسيذوروس: [ عندما يتكلم الله أو يعد بشئ، فإن كل الأفكار والاحتمالات البشرية يجب أن تختفى، لأن كل هذه الأمور هى لا شئ أمام شخص الله المتكلم][16]. وكمثال على أن كلمة الله أقوى من أى برهان قد يطلبه الإنسان، تفسيره لنص الآية “ لا تخافوا من الذين يقتلون الجسد ولكن النفس لا يقدرون أن يقتلوها، بل خافوا بالحرى من الذى يقدر أن يُهلك النفس والجسد كليهما فى جهنم” (مت28:10) إذ يقول: [ يجب أن تُعتبر قدرة الله على فعل أى شئ، غير محتاجة إلى برهان][17]. ويختم القديس إيسيذوروس كلامه مؤكداً السلطان الإلهى للكتاب المقدس قائلاً: [ لا يليق بالإنسان أن يعترض على الكتاب المقدس أو يقاومه، بل يجتهد أن ينفذ ما يسمعه ويقرأه بأمانة وصدق لأجل خلاص نفسه. لأن الله هو الذى يأمرنا، ويزيل كل عقبة من طريقنا ويعيننا على طاعة وصاياه ][18].

وكشارح إنجيلى أرسى القديس إيسيذوروس عدة قواعد لتفسير العهد الجديد، وهى قواعد بخصوص المفسر، وأخرى بخصوص التفسير ومناهجه :

أ ـ مفسر الكتاب: يتساءل القديس إيسيذوروس قائلاً من هو الشخص الذى يقوم بتفسير الكتاب المقدس، وما هى الصفات الواجب توافرها فيه؟ وما هى الأمور التى يجب عليه مراعاتها؟ ويجيب: [ لما كان الكتاب المقدس أعلى سلطان إلهى فإنه يلزم أن يكون مفسره مؤهلاً لهذا العمل العظيم ” وعليه أن يكون تقياً نقى الفكر بليغاً طلق اللسان][19]، توطدت بينه وبين الكتاب المقدس علاقات خاصة، تجعله يدرك جيداً أنه ليس من السهل فهم ما تحويه نصوص الكتاب من أسرار دفينة، هكذا بسرعة ودون تروٍ أو تأمل … لذا على المفسر أن يبدأ دائماً بالصلاة، وأن يعيش حياة الجهاد الروحى فى صبر[20].

ب ـ تفسير الكتاب: على المفسر أن يتبع الكتاب المقدس لا أن يسبقه، وألا ُيخضع فكر الكتاب لفكره هو، لكى يتفق مع ما يريد أن يقوله بخصوص نص ما النصوص. لأن هناك خطراً عظيماً على من يتجاسرون على إساءة تفسير الكتاب المقدس[21].

2ـ ليس التفسير عملاً سهلاً ولا بسيطاً، “ فهناك أشياء عسرة الفهم ُيحرفها غير العلماء وغير الثابتين، لهلاك أنفسهم“[22]. لهذا كان على المفسرين [ أن يشرحوا الكتاب المقدس بطريقة علمية ومنهجية وأن يستخلصوا ما فيه من قوة، ولا يليق بالأيدى غير المستحقة أن تلمس أسراره التى لا يمكن فحصها ][23].

3ـ على المفسر أن يبرهن الأقوال الكتابية، وألا يعلن عن آرائه العقيدية الشخصية، بمعنى أن [ تلك الأقوال التى تحتاج إلى مزيد من البحث والبرهان، لا ُتفسر إلا بعرض                  بعض النصوص الكتابية التى تشرحها][24].

 

جـ ـ مناهج التفسير

 

يقول القديس إيسيذوروس إن للتفسير منهجين :

بالإشارة إلى أدلة من الكتاب هناك حالات تكون الإجابة فيها على الأسئلة المطروحة موجودة فى الكتاب المقدس، وما علينا إلا أن نشير إلى بعض الأمثلة للإيضاح. فمثلاً هناك نصوص ُيسيء البعض فهمها مثل ما ورد عن السيدة العذراء فى (مت25:1): “ ولم يعرفها حتى ولدت ابنها البكر“. حيث راح بعض المضللين يزعمون أن ” حتى ›wj ” معناها أن يوسف النجار عرف العذراء بعد ولادة الرب يسوع. هنا يلجأ القديس إيسيذوروس إلى نصوص أخرى فيها لفظة “حتى” ليثبت أنها تعنى نفى الحدث والفعل تماماً، بمعنى أن يوسف لم يعرف العذراء أبداً حتى بعد ولادة الرب(مت 12:8، مز19:10، إش9:46 )[25].

ثم يورد مثالاً آخر من (مت34:10، 35): ” ما جئت لألقى سلاماً بل سيفاً، فإنى جئت لأُفرق الإنسان ضد أبيه..“، حيث راح البعض يزعمون أن المسيح ليس داعية للسلام. لكن القديس إيسيذوروس يوضح أن نوع السلام الذى يقصده الرب هنا، ليس هو سلام التحالف مع الشر، أى سلام الأشرار أو السلام المنقوص، لأن المسيح يقول فى موضع آخر ” سلامى أعطيكم ” (يو27:14)، لأن السلام الحقيقى هو السلام المقرون بالبر والتقوى.[26]

هكذا يفسر القديس إيسيذوروس نصاً من النصوص بالإشارة إلى نصوص أخرى فى الكتاب المقدس، حتى قيل عنه إنه يفسر الكتاب بالكتاب نفسه.

2ـ بالإشارة إلى أدلة من خارج الكتاب كان القديس إيسيذوروس يعرف الأدب والثقافة اليونانية معرفة جيدة، ويدين لها بتعليمه العالى. وكثيراً ما أشار فى رسائله إلى كتاب وفلاسفة أمثال ديموستين وأفلاطون وسقراط وهوميروس، واستعان بأفكارهم فى كتاباته، فأتى بأقوالهم ليبرهن بها على صحة ما يكتب وما يشرح. ولكنه كان يعتمد على أعمال الآباء السابقين له، رغم أنه لا يذكر أحياناً المرجع الذى استعار منه، وكان يقول: [ إنى أكتب ما سمعته من رجل حكيم، لكنى أكتب أيضاً آرائي الخاصة لتجدوا ما هو أكثر وضوحاً ][27].

 

د ـ القديس إيسيذوروس لاهوتياً وإنجيلياً

معرفة الله

إن طبيعة الله غير مدركة[28] ومعرفتها مستحيلة لأنها فائقة للطبيعة البشرية، لذا لا ينبغى أن نبحث فى ماهية الله وطبيعته[29]. لأنه ليس من الممكن معرفة جوهر الله[30]. وليست هناك أدلة طبيعية لإدراك الحقائق الإلهية الفائقة للطبيعة[31]. إن الله نور بهى أكثر تألقاً ولمعاناً من الشمس، ومن المستحيل أن نراه، لأن عيوننا الطبيعية غير ُمهيأة لمثل هذه الرؤيا، لكن ليس من المستحيل التفكير فى الله، لأنه بواسطة عنايته وتدبيره يرسل أشعة إدراكه للذهن النقى[32]، فهو يعلن لنا ما يريد أن نعرفه عنه الآن، وإن كان الله سيسمح لمداركنا أن تعرفه فى الحياة الأبدية.

لا يمكن لنا أن نرى الله أو نلمسه، لكن يمكننا أن نتيقن أنه كائن، لأن العالم موجود. [فالمخلوقات تشهد لخالقها، والبيت لا يمكن بناؤه بدون مهندس، ولا يمكن إقامة سفينة بدون بنَّاء، كما لا يمكن وجود آلة موسيقية بدون صانع][33]. ويدل نسق الكون وترتيبه وانسجامه على أن الله موجود ” فحيث هناك نظام وترتيب فبالضرورة هناك واضع لهذا النظام    وُمبدئه[34] وبالتالى [ يجب أن ندرك الله بعقولنا من خلال العالم الذى خلقه، لأننا لا يمكن أن نراه بعيوننا الجسدية ][35].

 

لاهوت المسيح

كان شخص المسيح الابن كأحد أقانيم الثالوث، هو أكثر ما يشغل بال وفكر القديس إيسيذوروس، وهناك عدة رسائل يتناول فيها قديسنا لاهوت المسيح وتجسده، وعلاقته بالآب. وكان لقب الابن هو اللقب المحبب، الذى اهتم به القديس إيسيذوروس من بين الأسماء العديدة     للرب يسوع، والذى يعنى أصالة بنوته للآب [ كالابن الوحيد الجنس، ويستبعد فكرة أنه مخلوق ][36].

وحتى يعلن الكتاب المقدس عن أزلية الابن من الآب يقول : ” فى البدء كان الكلمة ” ( يو1:1 )، ثم يعلن العلاقة الأزلية الأبدية بين الآب والابن قائلاً : ” والكلمة كان عند الله “. ثم لا يلبث أن يعلن حقيقة طبيعة الابن فيقول ” وكان الكلمة الله “.

 

المسيح هو الله، لكنه ليس إلهاً بالتبنى أو بالنعمة بل بالطبيعة. هو الله وألوهيته قبل الزمان، وحين جاءنا كانسان لم يفقد لاهوته. تظهر هذه الحقائق فى تفسير القديس إيسيذوروس لرسالة بولس الرسول إلى أهل فيلبى (2: 6ـ8) ” الذى إذ كان فى صورة الله، لم يحسب خلسة (اختطافاً) أن يكون معادلاً لله. لكنه أخلى نفسه آخذاً صورة عبد، صائراً فى شبه الناس. وإذ وُجد فى الهيئة كانسان، وضع نفسه…” إن لم يكن المسيح مساوياً لله لكانت الآية التى أوردها الرسول بقوله ” لم يحسب خلسة أن يكون. معادلاً لله ” فى غير محلها، إذ يكون المسيح قد فعل ما فعله طائعاً لذلك الذى أمره. لكن إن كان المسيح مساوٍ لله ـ وهى الحقيقة. فإن الآية السابقة تشرح معنى وغاية اتضاع المسيح وإخلائه لذاته. لأنه لو كانت مساواة المسيح لله شيئاً مستجداً عليه لما قال الرسول إن المسيح ” وضع نفسه “. لكن لما كان الابن مساوٍ للآب بالطبيعة، وكان له هذا الامتياز بالطبيعة وليس بالنعمة، فإنه هكذا يكون قد ” وضع نفسه “[37]. وهكذا تؤكد هذه الآية اتضاع المسيح.

 

كل العبارات التى نطق بها المسيح الكلمة المتجسد، إنما تعبر عن وحدة الجوهر والمشيئة بين الآب والابن. فالابن يقول إن ” أبى أعظم منى ” (يو28:14). ويقول ” لا أقدر أن أفعل من نفسى شيئاً ” (يو30:5). لأن المشيئة واحدة والجوهر واحد لأن كلمة ” أعظم ” و” أقل” تتضمنان مفهوم نفس الطبيعة الواحدة من حيث اللاهوت، لكن التمايز جاء بسبب أن الابن الكلمة وضع نفسه إذ صار إنساناً بالحقيقة فشابهنا فى كل شئ ماخلا الخطية وحدها[38].

 

الخلاص

لقد تم خلاصنا من الخطايا بالمسيح[39]، الذى [ تجسد لأجل خلاصنا، وبتجسده رفع خطايا العالم كله][40]. [ وهكذا انطلقت البهجة والفرح من مهد المسيح ومذوده][41]. لأن كلمة الله بموته الذاتى أباد موت الخطية[42]. لكن هل الخلاص مقدم للجميع؟ يجيب قديسنا بنعم ولا. نعم، لأن البشرية جمعاء مدعوة للخلاص. ولا، لأن ليس الجميع يطيعون المسيح ويقبلون هذا الخلاص، لأن نية أولئك الذين قبلوا الدعوة، جعلتهم ينالون الخلاص؛ لأنها دعوة اختيارية وليست إجبارية[43]. 

 

وللخلاص عند القديس إيسيذوروس وسائله الثلاث

1 ـ الإيمان: الإيمان أولاً بالدرجة والقدر الذى به يخلص الإنسان[44]، لكن الإيمان وحده لا يخلص الإنسان [ لأن الإيمان ُيبرهن بالأعمال الصالحة والتى بدونها لا يمكن الخلاص ][45].

 

2ـ الأعمال الصالحة : يجب أن نقرن الإيمان بالأعمال، وندعمه بهذه الأعمال الصالحة.  [لأن الإيمان بدون أعمال ميت ][46].

 

3ـ النعمة الإلهية : لأن الإنسان لا يستطيع أن ينال الخلاص بنفسه وقدرته الذاتية، وهذا صحيح. لأن كل ما يصنعه الإنسان يبيد سريعاً ويزول ما لم تحفظه نعمة الله[47].[ والكنيسة الحقيقية هى التى ُتزين بالنعمة، وليست تلك التى ُتزين بالرخام النادر وتبقى عارية من المواهب الروحية ][48].

ولا تساعد النعمة الإلهية إلا الذين يرغبون فى الخلاص، ويعملون جاهدين لأجله[49]. لأنه لا يكفى فقط أن تتمنى خلاصك، بل أن تسعى لأجله [ فالذين يعملون الصالحات يجب أن يطلبوا نعمة الله لأجل خلاصهم، أما الذين لا يمارسون العمل الصالح فحتى إن طلبوا معونة الله فإنه لا يستجيب لهم][50].

من هنا نخلص إلى القول إن القديس إيسيذوروس ُيعلَّم بأن التبرير والخلاص هما ثمرة الإيمان ومؤازرة نعمة الله للإنسان، التى تسند نيته الصادقة وأعماله الصالحة.

ـــــــــــــــــــــــــ

[1] Corpus Isidorianum, Acoemetae Monastery “دير الذين لا ينامون” Constantinople; Migne Patrologia Latina 67, 573; P.G. 78,177-1646.

2 Tillem. XV.117, 847  أنظر كتاب “دراسات فى آباء الكنيسة”، لأحد رهبان برية مقاريوس القاهرة 1999 ص566 ـ 573.

[3] M. Smith, The M.S Tradition of Isidore of Pelusium, in Harvard Theological Review 47, 1954 pp. 205-10.

[4] V. Supra : Editions 2;6;8. cf. Suidas, loc. cit. II 150 N.Callistus, MG 146, 1352.

5  فى مجمع البلوطة عام 403م.

[6]  Nicephorus Callistus, Church History. 14, 53.

7 القمص تادرس يعقوب ملطى، قاموس آباء الكنيسة وقديسيها سنة 1986، ص 648.

[8] J. D., Dictionary of the Christian Church, Michigan 1978, p. 518.

[9] G.F., Vol.10, p. 191/2 

9 القس منسى يوحنا، تاريخ الكنيسة القبطية، سنة 1983، ص 249، 251.

11 إيريس حبيب المصرى، قصة الكنيسة القبطية سنة 1968، ص 446 ـ 449.

12 المرجع الرئيسى لكل من ب،ج : Rev. C. M. Fouskas, Saint Isidore of Pelusium and New Testament, Athens 1967.

[13] Menologium Graecorum MG 117, 293D-296B. Anastasius Sinaita : Guide Chap. XMG 89. 156D.

[14] Bouvy L.A.De Isidore Pelusiota Libri Trés, Nemausi 1884.

15 III 106, 812 AD تم تصنيف رسائل القديس ايسيذوروس إلى 4 مجموعات، يُشار إلى كل مجموعة بالرقم اللاتينى، ويُشار إلى ترتيب كل رسالة داخل المجموعة بالرقم الإنجليزى، (وهكذا فإن الرسالة 106 III تعنى الرسالة 106 فى المجموعة الثالثة.

[16]  III 6, 732 A.

[17] 295, 969 BC. 972 A

[18] II 249, 688 A.

[19] III 292, 965D.

[20] II 106, 548C.

[21] III 292, 965 D.

22 قابل 2 بط 16:3.

[23] I 24, 197 A.

[24] V64, 1364 A. كما فعل القديس إيسيذوروس فى شرحه (رومية8:11) بسلسلة من النصوص الكتابية التى تؤيد الحوار

[25] I. 18, 182  B-93A.

[26] III 246, 924 D-25A.

[27] III 152, 844 A.

[28] II 93, 537 C.

[29] III 214, 893C; III 232, 913 C; II 299

[30] II 299, 728 A.

[31] I 405, 409 A; IV 211, 1305A.

[32] II 186, 636 C.

[33] V28, 1344 D-45 A.

[34] IV 186, 1277A; IV 58,1113C.

[35] IV 186, 1277.

[36] V28, 1344 A.

[37] IV 22, 1072 AB.

[38] I 121, 264A; I123, 197; I 289, 352C.

[39] Ibid.

[40] I 42, 209A.

[41] I 168, 293B.

[42] II 157, 613B.

[43] IV 51, 1101AB.

[44] I 20, 313A.

[45] III 3, 781A.

[46] IV 65, 1121C.

[47] I 397, 405A.

[48] II 88, 246.

[49] II 2, 457; II 27, 473D; III 271, 949D-52A; III 316, 981; IV 13, 1061B; IV 171, 126A; V 327, 1524D.

[50] V 459, 1593A; III 406, 1040D.

مقالات ذات صلة