الإفخارستيا الكلمات التأسيسية لها – دياكون د. مجدى وهبه

الإفخارستيا الكلمات التأسيسية لها – دياكون د. مجدي وهبه

الإفخارستيا الكلمات التأسيسية لها - دياكون د. مجدى وهبه
الإفخارستيا الكلمات التأسيسية لها – دياكون د. مجدى وهبه

الإفخارستيا الكلمات التأسيسية لها – دياكون د. مجدي وهبه

مقدمة :

          إن رواية العشاء السرى المذكورة فى الأناجيل الثلاثة (مت26:26ـ29، مر22:14ـ25، لو17:22ـ20)، تغيب من الإنجيل الرابع للقديس يوحنا وربما يرجع ذلك إلى :

          1 ـ أنه كتب إنجيله متأخرًا (فى نهاية القرن الأول الميلادى) وبالتالى اعتبر أن الإشارة لهذا الموضوع من جديد أمر زائد بعد أن أشار إليه الإنجيليون الثلاثة السابقون.

          2 ـ لأن سر الشكر الإلهى قد سبق ودخل مبكرًا فى عمل الكنيسة الليتورجي وفى حياة المؤمنين وبالتالى صار معروفًا للجميع ومحفوظًا عن ظهر قلب.

أولاً : الأفعال المستخدمة ” أخذ “، ” بارك “، ” قسم “، ” أعطى “، المذكورة هنا فى رواية العشاء السرى هى نفسها أيضًا مذكورة فى رواية معجزة إشباع الجموع (أنظر مت19:14، مر41:6، لو16:9، يو11:6)، والتى اعتبرتها الكنيسة من البداية كنموذج ومثال لسر الشكر الإلهى. هذا يشرح بكلمات بسيطة كيف أنه يمكن للسيد المسيح أن يعطى جسده للمؤمنين على عدد لا حصر له من المذابح وفى نفس الوقت.

ثانيًا : من قول السيد ” خذوا كلوا هذا هو جسدى ـ خذوا اشربوا هذا هو دمى ” ..

          يتضح لنا أن الإفخارستيا هى جسد حقيقى ودم حقيقى لربنا يسوع المسيح وليست رموزًا. أى أن الخبز الذى قدمه يسوع إلى تلاميذه، لا يرمز لجسده ولكن هو جسده، كذلك عصير الكرمة لا يرمز إلى دمه، بل هو دمه. وما يؤكد لنا هذا:

          1 ـ أن اسم الإشارة ” هذا ” يعود على الخبز الذى فى يد الرب وكذلك فى حالة الكأس.

          2 ـ أن الكلمة المترجمة ” هو ” فى الأصل اليونانى للأناجيل الثلاثة تأتى كفعل ” يكون ” أى عبارات السيد المسيح تُترجم هكذا : هذا يكون جسدى ، هذا يكون دمى .

          3 ـ استخدام الفعل ” يكون ” هنا لا يترك أى مجال للتفكير فى الرمزية للجسد والدم بالخبز والخمر .

          4 ـ فى (1كو16:10) يؤكد الرسول بولس على أن الأكل من الخبز والشرب من الكأس فى سر الشكر الإلهى، هما شركة حقيقية فى جسد ودم المسيح.

          5 ـ وفى (1كو27:11) يذكر أن من يتناول بدون استحقاق من سر الإفخارستيا هو مذنب أمام نفس جسد ودم المسيح وليس أمام شئ مماثل لهما.

          6 ـ وفى (يو53:6) أشار السيد إلى أن من لا يأكل جسد ابن الإنسان ويشرب دمه وليس من شئ مماثل لهما لن تكون له حياة .

          7 ـ فى العشاء السرى قال يسوع باللغة الآرامية ما ترجمته: “خذوا كلوا هذا يكون أنا“.

          8 ـ يقول القديس كيرلس الكبير فى تفسيره لإنجيل لوقا الإصحاح (22) [ لا تشك فإن هذا حق، مادام يقول بنفسه وبوضوح : “ هذا يكون جسدى “، “ هذا يكون دمى” بل تقبل كلمة المخلص بإيمان إذ هو الحق الذى لا يمكن أن يكذب ] [1].

          9 ـ فى الرشومات الأخيرة فى القداس الباسيلى يقول الكاهن [ جسد مقدس ودم كريم حقيقى ليسوع المسيح ابن إلهنا آمين، مقدس وكريم جسد ودم حقيقى ليسوع المسيح ابن إلهنا آمين، جسد ودم عمانوئيل إلهنا هذا هو بالحقيقة آمين ” . وفى كل مرة يرد الشعب آمين][2].

          10 ـ وأخيرًا هذه الحقيقة الإيمانية يعبر عنها الفن القبطى، عندما يرسم فى أيقونة العشاء السرى ” سمكة ” حيث السمكة باللغة اليونانية (‘IcqÚj) ترمز للحروف الأولى للعبارة ” يسوع المسيح ابن الله مخلص “. أى أن هذا الذى يُقدَّم فى سر الشكر الإلهى هو نفسه يسوع المسيح ابن الله.

 

ولكن ما هى طبيعة الجسد المتحول إليه الخبز في الإفخارستيا ؟

          الإفخارستيا هى جسد ربنا يسوع المسيح الذى تألم عن خطايانا، الذى أقامه الله الآب [3]. أى جسد المسيح المصلوب والمُمجد فى السماء. هذا ما رآه يوحنا فى السماء ” ورأيت فى وسط العرش والحيوانات الأربعة وفى وسط الشيوخ خروف قائم كأنه مذبوح ” (رؤ6:5). وما يشدد عليه الأب الكاهن فى صلاة الاعتراف [ أؤمن أن هذا هو الجسد المحيي الذى أخذه ابنك الوحيد ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح من سيدتنا وملكتنا كلنا والدة الإله القديسة مريم وجعله واحدًا مع لاهوته بغير اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير . واعترف الاعتراف الحسن أمام بيلاطس البنطى . وأسلمه عنا على خشبة الصليب المقدسة بإرادته وحده عنا كلنا] [4].

          ولكن حفظ الرب المادة المصنوع منها الخبز من أن تتحول عن شكلها الظاهر (كما تحول الماء خمرًا سابقًا بإرادته ـ أنظر يو1:2ـ11). إذ جعل التحول هنا ليس فى الشكل أو المظهر أو الطعم بل فى طبيعة المادة، أى أن الرب أعطى للخبز طبيعة جديدة وصفات جديدة لم تكن له أصلاً .

          هذه الطبيعة الجديدة لا تخضع للتغيرات المادية ولا تدركها الحواس الجسدية، تمامًا مثل جسد المسيح الذى كان يعيش به على الأرض. فالمسيح الإله ظهر فى شكل وصورة جسد ترابى والحواس لم تستطع أن تدرك لاهوته. ولكن بالإيمان فقط أدرك بطرس حقيقته (أنظر مت16:16).

ثالثًا : بالتعبيرات ” هذا هو جسدى “، ” هذا هو دمى “، يعلن يسوع أن سر الشكر الإلهى هو ذبيحة. حيث إنه وفقًا للطقوس اليهودية، يحدد مصطلح الجسد (اللحم) والدم مكونات الذبيحة، فالذبيحة التى تُرفع إلى الله على المذبح بعد ذبحها، عبارة عن لحم ودم ” فتعمل محرقاتك … لا يؤكل منها شئ البتة.. واللحم والدم على مذبح الرب إلهك ” (تث27:12).

          فصل عنصرى الذبيحة إلى جسد sèma  أو لحم s£rx ودم A‡ma من قِبل السيد هو إمعانًا فى تحقيق فعلها ووجودها. فالجسد الذى كسره وأعطاه لتلاميذه هو جسد ذبيحة كفارية، يُبذل عنهم ، ويستبدل لهم حياة بدل الموت، ” أنا هو الخبز الحى الذى نزل من السماء إن أكل أحد من هذا الخبز يحيا إلى الأبد والخبز الذى أُعطي هو جسدى الذى أبذله من أجل حياة العالم ” (يو51:6).

          والدم الذى يقدمه لهم فى الكأس هو دم ذبيحة كفارية مسفوك عنهم لمغفرة الخطايا والتطهير والتقديس ” هذا هو دمى الذى للعهد الجديد الذى يُسفك من أجل كثيرين لمغفرة الخطايا ” (مت28:26) هذا الملمح الكفارى لذبيحة الإفخارستيا يعلنه الأب الكاهن فى الاعتراف الأخير عندما يقول [ يُعطى عنا خلاصًا وغفرانًا للخطايا وحياة أبدية لمن يتناول منه ] [5].

          ويلاحظ أن كلمة ” الذى يُبذل عنكم ” (لو19:22) التى استخدمها الرب ليلة العشاء واصفًا بها جسده، كذلك كلمة ” الذى يُسفك ” (مت28:26) واصفًا بها دمه ـ هذه الكلمات جاءت فى الأصل اليونانى للعهد الجديد لا فى حالة المضارع (كما هو عليه فى الترجمة العربية) ولكن فى صيغة الحال ” مبذولاً ـ مسفوكًا “، والحال فى اللغة اليونانية لا يُستخدم أصلاً إلاّ للتعبير عن حالة مؤكدة الوقوع ليس لها زمن محدد. أى أن الرب هنا يصف الجسد أنه جسد مبذول كواقعة تأكيدية فى كل وقت، والدم أنه دم مسفوك كواقعة تأكيدية وأيضًا فى كل وقت.

          هذا وكلمة ” كثيرين ” بحسب فكر إشعياء النبى فى نبوته عن ذبيحة المسيح ” هو حمل خطايا كثيرين وشفع فى المذنبين ” (إش12:53) وبحسب فكر المسيح والنصوص الإفخارستية هى الكثرة التى تحوى كل واحد.

          أى أن الجسد المبذول والدم المسفوك هما عن شعوب العالم كلها، التى تحوى كل إنسان، فى كل الأجيال وإلى الأبد.

رابعًا : وأقول لكم ” إنى من الآن لا أشرب من نتاج الكرمة هذا إلى ذلك اليوم حينما أشربه معكم جديدًا فى ملكوت أبى ” (مت29:26، مر25:14، لو18:22) “ لأنى أقول لكم إنى لا آكل منه بعد حتى يكمل فى ملكوت الله ” (لو16:22).

          كلمات السيد هذه لا تأخذ معنى أسخاتولوجى (آخروى) غير محدد، ولكن بالتحديد معنى كنسى حيث ملكوت الله هنا يُفسر على أنه التحقيق للكنيسة. ففى داخل الكنيسة يرى المؤمن ويتذوق خيرات ملكوت الله الآتى. أو بكلام آخر يعيش المؤمنين داخل الكنيسة ملكوت الله الحاضر وفى نفس الوقت ينتظرون ملكوت الله الآتى .

          وبالتالى فإن السيد المسيح بكلماته هذه يعنى أنه بعد أن يكمل عمل الفداء بالصلب والقيامة والصعود، تتحقق الكنيسة بإرسال الروح القدس على التلاميذ وإيمان الشعوب بشخصه، فهو كما كان حاضرًا مع التلاميذ فى هذه الإفخارستيا، سيكون أيضًا حاضرًا معهم ومع المؤمنين باسمه الذين صاروا خليقة جديدة فيه فى كل إفخارستيا تُقام فى الكنيسة ” إذًا إن كان أحد فى المسيح فهو خليقة جديدة. الأشياء العتيقة قد مضت هوذا الكل قد صار جديدًا ”  (2كو17:5) و” ها أنا معكم كل الأيام وإلى انقضاء الدهر (مت20:28).

خامسًا : أخيرًا فى وصية السيد ” .. هذا أصنعوه لذكرى ” (لو19:22) لا يطلب يسوع من تلاميذه فى كل مرة سوف يتممون فيها سر الشكر الإلهى أن يتذكروا فقط هذه الإفخارستيا التى يقيمها معهم الآن ، ولكن يطلب أن يتذكروا أيضًا كل حضوره بينهم، أى تجسده، حياته، موته، قيامته، صعوده إلى السموات، ومجيئه الثانى .

          هذا وكلمة الذكرى ” `H ¢n£mnhsij ” فى اللغة اليونانية لا تعنى مجرد التذكر الذهنى لأمر حدث فى الماضى، بل تحمل أيضًا إعادة تحقيقه فى معنى فعّال. إذن التذكر هنا يعنى تذكر المسيح المتجسد، المصلوب، القائم من الأموات، لا كحدث تم فى الماضى وانتهى ، بل كحدث مُعاش وذلك بتقديم ذبيحه جسده ودمه الحقيقية. ويُضاف إلى ذلك أن الفعل ” اصنعوا ” (هو فعل أمر مستمر فى المبنى للمعلوم) يعنى أن إتمام سر الإفخارستيا يكون بصورة مستمرة، وأخيرًا نقول إنه كما طلب الرسول بولس من أهل كورنثوس كلما أكلوا من جسد الرب وشربوا من دمه أن يخبروا بموت الرب إلى أن يجيء (أنظر 1كو26:11). هكذا المؤمنين الآن باشتراكهم فى سر الشكر الإلهى، يبشرون بموت المسيح وينتظرون مجيئه الثانى المُمجد، عندما يرتلون من بعد الترديد لكلمات السر التأسيسية .

          [ حقًا حقًا حقًا يارب بموتك نبشر، وبقيامتك المقدسة وصعودك إلى السموات نعترف، نسبحك، نباركك، نشكرك يارب، ونتضرع إليك يا إلهنا ] [6].

[1] PG72, 912.

2  الخولاجى المقدس ، إعداد القمص إسيذوروس البراموسى، ص 184ـ185.

3  من رسالة الشهيد أغناطيوس الأنطاكى إلى الأزميريين ـ عن كتاب الآباء الرسوليين لمطران حلب إلياس معوض ، ص 135 سنة 1970.

4  الخولاجى السابق ص 186.

5  الخولاجى السابق ص 186.

6  الخولاجى السابق، ص 158.

مقالات ذات صلة