الرئيسية / آبائيات / غريغوريوس أسقف نيصّا فى التراث العربى المسيحى

غريغوريوس أسقف نيصّا فى التراث العربى المسيحى

غريغوريوس أسقف نيصّا فى التراث العربى المسيحى

غريغوريوس أسقف نيصّا فى التراث العربى المسيحى غريغوريوس أسقف نيصّا فى التراث العربى المسيحى

للكنيسة القبطية د. جوزيف موريس فلتس

1 لمحة عن شخصيته وحياته [1]

          ينتمى غريغوريوس إلى مدرسة كبادوكية اللاهوتية والتى ضمت كل من أخيه القديس باسيليوس الكبير وصديقه القديس غريغوريوس النيزينزى، والتى لعبت دورَا هاما فى تشكيل الفكر اللاهوتى المسيحى .

ولد عام 335م تقريبا فى قيصرية الجديدة ببلاد بنتطس فى بلدة اسمها ”  أنيسا ” وتوفى عام394م . وهو من عائلة أرستقراطية مشهورة فى كل منطقة كبادوكية ، بغناها وثقافتها . تتلمذ على يد أخيه القديس باسيليوس الكبير، وأظهر منذ حداثته شغفا كبيرا بالكتاب المقدس والعلوم الفلسفية، وقد خدم بالكنيسة قارئا للإنجيل.

بدأ فى دراسة فن الخطابة وأجاد فيه ولكن بمشورة صديقه القديس غريغوريوس النيزينزى ترك مهنة الخطابة بعد حين. تزوج من امرأة تقية تدعى ثيئوسيفيا وربما رزق منها بولد اسمه كينيجيوُُ. وبناء على طلب أخيه باسيليوس كتب كتابا عن البتولية بعد عام 370م.

فى عام 372م سيم أسقفا لبلدة ” نيصّا ” بآسيا الصغرى مطيعًا فى هذا أيضًا أخوه باسيليوس رئيس أساقفة قيصرية  كبادوكيا . وتعرض لهجمات شرسة ومحاربات نتيجة للاضطرابات الكنسية الأمر الذى تسبب فى مشاكل لخدمة أخيه القديس باسيليوس . ففى عام 375م ـ 376م اُتهم من قِبَل الآريوسيين ونجحوا فى أن يشكوه للحكام الموالين لهم بتهمة تبديد أموال الكنيسة ومتهمين إياه بتصرفات غير قانونية ، وبسبب هذه التهم قبضت عليه السلطات وأبعدته عن إيبارشيته ، وفى الطريق أصابه المرض ونجح أصدقاؤه فى إخفائه فى مكان آمن . وفى مجمع عقد فى ” نيصّا ” عام 378م تم عزله غيابيًا ونفيه. وبعد وفاة الحاكم الموالى للآريوسيين فى صيف 378م، عاد إلى كرسيه حيث استقبله الشعب بفرح كثير .

فى يناير عام 379م حضر وداع أخيه باسيليوس الأخير عند انتقاله ، وحينئذ شعر بمسئوليته الروحية الضخمة كوارث لتراث أخيه الكنسى . اشترك فى مجمع بأنطاكية فى خريف عام 379م حيث اعتمد المجمع تعاليم ولاهوت القديس باسيليوس الكبير لأول مرة.

وفى عودته مرة أخرى إلى ” نيصّا ” مر ببلدته” أنيسا ” حيث اشترك فى الوداع الأخير لأخته ماكرينا ورجع إلى مقر إيبارشيته حيث كان ينتظره جهاد عظيم ضد الآريوسيين .

فى ربيع 381م تواجد فى ” إفورا ” للاشتراك فى رسامة أحد الأساقفة هناك ، حينئذ طالبه أهالى بلدة ” سبسطيا ” أن يصير أسقفًا وراعيًا لهم ليحارب معهم أتباع أسقفهم السابق أوستاثيوس[2]، الذى كان يهاجم ألوهية الابن، ومن أنصار بدعة محاربى الروح القدس .. ولقد وافقهم غريغوريوس على ذلك رغم أنه واجه فيما بعد متاعب كثيرة .

وقبل نهاية عام 381م عاد إلى نيصّا حيث بدأ الكتابة ضد أونوميوس الذى أحيا الهرطقة الآريوسية من جديد فى الكنيسة [3].

من مايو عام 381م إلى يونيو من نفس العام تواجد فى القسطنطينية لحضور المجمع المسكونى الثانى حيث لعب دورا هاما معبرًا عن التعاليم الأرثوذكسية الصحيحة للآباء الكبادوك حول عقيدة الثالوث وألوهية الروح القدس ، وكُلف فى سنة 382م بمهمة خاصة سافر من أجلها إلى أورشليم وإلى بلاد العرب .. ولقد قام أيضا برحلاتٍ تتعلق بشئون الكنيسة فى كثير من بلاد بنتطس وكبادوكيا وأرمينيا وغلاطية .

فى سنة 383م اشترك فى مجمع عُقد بالقسطنطينية حيث ألقى خطابا عن ألوهية الابن والروح القدس، وفى هذا الخطاب أظهر قدرات خطابية لاهوتية فائقة مما جعله يحظى بلقب الخطيب الرسمى للإمبراطورية ، الأمر الذى جعل الإمبراطور ثيئودوسيوس يختاره فى سنة 385م لإلقاء كلمة الوداع الأخيرة فى جنازة ابنته بوليخيريا، وبعدها فى جنازة زوجته الإمبراطورة بلاكيللا سنة 387م.

بعد سنة 387م ، ليس لدينا أخبار عن غريغوريوس ، فربما بسبب تعبه وكبر سنه، انسحب من مسرح الأحداث السياسية والكنسية لكى يتفرغ للكتابة وخصوصا الكتابات النسكية.

وآخر أخباره لدينا هو اشتراكه فى مجمع آخر بالقسطنطينية عام 394م.

2 أعماله (كتاباته) [4]

لغريغوريوس أسقف نيصَّا مؤلفات كثيرة بلغت 33 كتابًا، شملت موضوعات عقائدية وتفسيرية وليتورجية وروحية نسكية ، ورسائل. نختار من أهم هذه المؤلفات، الكتابات الآتية:

1 – عن الثالوث الأقدس .                                                        

2 – عن الروح القدس .

3 – عن الفرق بين الجوهر والأقنوم .                

4 – تفسير نشيد الأنشاد .

5 – تفسير أيام الخليقة الست .                                

6 – عن المعمودية .

7 – عن قيامة المسيح .                 

8 – عن البتولية .

9 – شرح التطويبات .       

10 – رسالة إلى غريغوريوس اللاهوتى .

 

3 تعاليمه اللاهوتية [5]

غريغوريوس أسقف نيصّا هو أول لاهوتى يُعبر عن الحياة الروحية التأملية للنُساك، وهو فى نفس الوقت من أعمدة الفكر اللاهوتى، ففى شخصه يجتمع اللاهوت العميق مع الخبرة الروحية الغنية .

انشغل غريغوريوس بمشاكل الكنيسة اللاهوتية فى عصره ، مقتفيا آثار أخيه ومعلمه باسيليوس الكبير ، واعتبر نفسه الوريث لحياته الفكرية والروحية . فقد قدم غريغوريوس للكنيسة رصيدًا لاهوتيًا بما تعلمه فى أحضانها من تعاليم ولاهوت الآباء الكبادوك، وتعاليم القديس إيريناوس والقديس أثناسيوس ، وكذلك معلمى مدرسة الإسكندرية بمنهجها الرمزى فى التفسير ، وأيضًا معلمى المدرسة الإنطاكية بطابعها الحرفى فى التفسير .

وبالرغم من اعتماد غريغوريوس فى كتاباته على تعاليم وكتابات باسيليوس فيما يختص بعقيدة الثالوث والروح القدس إلا أنه تابع أيضا ما كتبه القديس غريغوريوس النازينزى عن طبيعة السيد المسيح () وطور كل هذا الفكر وعمقه وفتح آفاقا جديدة عندما تكلم عن الإنسان Anthoropolgy))، تلك الآفاق التى صارت فيما بعد أساسًا للاهوت السرى (المستيكى) أو بمعنى آخر لاهوت الهدوئيين، وبالأخص كتابات مكسيموس المعترف فى القرن السابع وكتابات غريغوريوس بالاماس فى القرن 14م ، وغيرهما.

إن  آراء أونوميوس (eÙnÒmioj) فى إنكار ألوهية الابن، وآراء اتباع بدعة مقاومى الروح فى إنكارهم لألوهية الروح القدس، وكذلك تعاليم أبوليناريوس، قد عرضت تعاليم الكنيسة عن الحق الإلهى للخطر، مما كان له الأثر فى حياة المؤمنين الروحية والرؤية المسيحية للإنسان.

فمما لاشك فيه أن جماعات الرهبان والمتعبدين الذين عُرفوا بأصحاب بدعة ” المصلين” والذين عرفهم غريغوريوس ، كان لهم بعض الأفكار الخاطئة. وفى هذا كان يكمن خطر وجود تعاليم خاطئة مع تطبيقات عملية فى العبادة لهذه التعاليم المنحرفة .

كل هذه الأمور مثلت دافعا قويا لغريغوريوس لكى يبرز الحق الإلهى، ولهذا فإننا نجده يسعى فى كتاباته للربط بين التعليم عن عقيدة الثالوث والتعليم عن شخص المسيح ، وأيضا للربط بين تعاليمه هذه، وبين رؤيته للإنسان كمخلوق على صورة الله .

ومن الصعب أن نفرق فى أعماله بين اهتماماته العقائدية المحضة واهتماماته الروحية الصرفة ، إذ يؤكد بنفسه قائلا :

[ إن الفضائل الروحية تؤدى فى الوقت نفسه إلى المعرفة الصحيحة للحقيقة الإلهية ][6].

والجديد الذى قدمه غريغوريوس بوضوح ، هو التفرقة الواضحة بين ما هو إلهى : “غير مخلوق ” وبين ما هو من العالم أى ” مخلوق ” ، فكل ما هو كائن بذاته هو ” إلهى ” وكل ما هو فى العالم هو ” موجود ” على أساس أن له صلة تربطه بهذا ” الكائن الإلهى” .

            وفى هذا الجديد قدم أيضًا تصورًا رائعًا للإنسان كمخلوق ” ذو نفس حية ” يشابه الله            “™myÚcon Ðmoiwmatoj toà Qeoà” ، أى أن الإنسان كائن حى يجب عليه أن يسعى بدون انقطاع لكى يتحد بالله ، متحركًا من حالة العدم إلى حالة الوجود .

 

4 تأثيره فى معاصريه ومن لحقه

لقد أثر غريغوريوس بتعاليمه وكتاباته ليس فقط فى تعاليم معاصريه من آباء الكنيسة، بل أيضا فيمن كتبوا بعد ذلك بكثير، ومنهم من ساهم فى تكوين التراث العربى المسيحى، ونستدل على ذلك بالأمور التالية :

أ  ـ وجود ترجمات لمؤلفاته باللغة العربية وانتشارها فى مخطوطات ترجع لعصور مختلفة.

ب ـ الاستشهاد ببعض من مؤلفاته فى كتب التراث العربى المسيحى .

ج ـ نَسْبّ بعض الأعمال فى التراث العربى المسيحى إليه .

د ـ وجود بعض ترجمات عربية حديثة لحياته وكتاباته .

 

أ ـ  وجود ترجمات لمؤلفاته باللغة العربية وانتشارها عبر العصور

يخبرنا الكاتب الموسوعى شمس الرياسة أبو البركات (ق13) فى موسوعته “مصباح الظلمة فى إيضاح الخدمة “[7] الباب السابع فى ذكره ” مصنفات الآباء ومؤلفات الفضلاء الذين كانوا قبل الفرّق (الانقسام) وبعده ” عن أن الكنيسة القبطية قد عرفت فى اللغة العربية ستة من أعمال غريغوريوس الأصيلة والمنحولة، فيقول ” اغريغوريوس أخو باسيليوس القيسرانى له من الموضوعات ” :

(أ) قداس السرائر للابن .

(ب) الثانى : تتمة الاكسيمارس الذى شرحه القديس باسيليوس أخوه[8] .

(ج) الثالث : رسالة أرسلها إلى الأب بطرس أخيه بالاعتذار إليه فى تقصير الشرح، وفيها إعادة ذكر بعض من تفسير الخليقة .

(د) الرابع : شرح نشيد الأنشاد لسليمان بن داود وشرحها شرحًا روحانيًا [9].

(هـ) الخامس: كتاب الأبواب فى صفة طبيعة الإنسان، ويذكر أبو البركات أن الذى ترجمه من اللغة اليونانية إلى العربية هو حنين بن اسحق المتطبب وأن عدد أبواب هذا الكتاب بلغ 23 بابًا .

(و) السادس : كتاب إيساغوجى لأرسطوطاليس، ويعلق شمس الرياسة على هذا الكتاب قائلاً ” وهو وإن كان كتابًا علميًا فإنه يفيد فى تقسيم المعانى وتَفَهُم أصول العقيدة التى عليها أسست المبانى ” .

(ز) السابع : يذكر أبو البركات تحت اسم القديسة مكرينا[10] أنها اخت غريغوريوس وأنه أجرى معها حديثًا عن النفس الناطقة المحيية للجسد، وذلك قبل وفاتها مباشرة، ويرى أبو البركات أنها ” مجادلة ممتعة وفيها دلائل عقلية مقنعة ” .

          أما Georg Graf  [11] فيخبرنا بالتفصيل عن المخطوطات العربية التى شملت بعضًا من مؤلفات غريغوريوس، وإن كان Graf يرى أن أعماله العقائدية لم يكن لها النصيب الوافر فى الترجمات العربية مثل باقى أعماله التفسيرية ومقالاته وميامره . ويشير إلى وجود مخطوطات لتفسير نشيد الأنشاد والتطويبات ، وكذلك ميمر عن قيامة المسيح .

 

ب ـ الاستشهاد ببعض مؤلفاته

          لقد حاولت ـ بقدر المستطاع ـ أن أحصر كل من استشهد بمؤلفات غريغوريوس أسقف نيصَّا لإيضاح تأثيره على من كتبوا بالعربية فى الكنيسة القبطية ، ويمكن أن نذكر الأسماء الآتية:

          1 ـ أنبا ساويروس بن المقفع

          عندما رأى ساويروس بن المقفع فى القرن العاشر أن اللغة القبطية لم تعد مفهومة بالنسبة للشعب القبطى، وأن الأفكار الإسلامية قد بدأت فى التغلغل فى الأوساط المسيحية ، قرر كراعٍ وأسقف أن يؤلف بالعربية كتبًا لاهوتية دفاعية يعضد بها شعبه. لهذا ففى كتابه “الدر الثمين” أو الكتاب الثانى ذو الخمس عشر فصلاً، نجد أن ابن المقفع يستعرض عقائد كنيسته القبطية وبالذات عقيدتى الثالوث وطبيعة السيد المسيح[12] شارحًا بالتفصيل معنى الاتحاد الأقنومى لطبيعتى السيد المسيح، مدعمًا أرائه بأقوال “الآباء معلمين البيعة”. ومن بين آباء ما قبل خلقيدونية، الذى استشهد بهم أسقف الأشمونين فى الفصلين الثانى والعاشر اللذين خصصهما للحديث عن ” ميلاد المسيح ” ، وعن “مضى الرب بالنفس إلى الجحيم “[13] غريغوريوس أسقف نيصّا. وفى رأينا أن السبب الذى أعطى لكتابات غريغوريوس تلك المرجعية الأصلية هو اسهاماته الفعالة فى موضوع طبيعة المسيح وما قدمه من شروحات للتعبيرات التى استخدمت فى شرح عقيدة الخريستولوجى مثل تعبير “‘An£krash”، وتعبير “¢sÚgcuth ” لكى لا تُفسر على أنها عبارات أوطاخية المعنى وهرطوقية [14]، تلك البدعة التى حاول ابن المقفع أن يبرئ منها الكنيسة القبطية ، وهو ما يتضح بنوع خاص فى رده الدفاعى على الكاتب الملكى سعيد بن البطريق [15].

        2 ـ مؤلف كتاب اعتراف الآباء [16]

     إن كتاب اعتراف الآباء هو من أهم الكتب اللاهوتية بالنسبة للكنائس غير الخلقيدونية، سواء القبطية أو السريانية أو الإثيوبية . يرجع تاريخه إلى سنة 1078، وللأسف فإن مؤلفه القبطى مجهول الهوية. يحوى هذا الكتاب نصوصًا إما من مقالات كاملة من آباء الكنيسة، أو من مقتطفات كبيرة أو صغيرة الحجم مترجمة إلى العربية بلغ عددها 253، تشرح عقيدة الكنيسة فيما يختص بسر الثالوث وسر التجسد . ومن الجدير بالذكر أن القديس كيرلس الأسكندرى هو صاحب النصيب الأكبر فى هذه الأقوال، فقد بلغ عدد الفقرات المنسوبة إليه 66 ، الأمر الذى يعكس أهمية الدور الذى لعبه القديس كيرلس عمود الدين فى خريستولوجى كنيسة الأسكندرية .

          غير أن كاتب اعتراف الآباء، لم يكتف بآباء الأسكندرية، بل حاول الاستعانة أيضًا بالآباء الكبادوك . ومن الثابت أن لاهوت كيرلس عن طبيعة المسيح قد اعتمد على ما قدمه من قبل غريغوريوس أسقف نيصّا ، ومن كتاباته الهامة فى هذا المجال : ” الفرق بين الجوهر والأقنوم ” [17].

     ولهذا كان من المهم أن يستشهد كاتب اعتراف الآباء بنصوص من كتاباته، والتى بلغ عددها أربعة مقتطفات .

          بل إن اختيار هذه النصوص بالذات يعكس مدى تقدير الكاتب القبطى للمساهمة الفعالة وللعناصر الجديدة التى أدخلها غريغوريوس فى الفكر المسيحى، وذلك بالتفرقة الواضحة بين ما هو إلهى ” غير مخلوق ” وكل ما هو فى العالم ” ومخلوق ” كما سبق القول .

          وكمثال لهذا الاختيار الواعى، نستعرض الفقرة التى جاءت فى مخطوط اعتراف الآباء من الميمر الخامس عشر من تفسير نشيد الأنشاد لأسقف نيصّا :

          [ المسيح غير خليقة وخليقة اجتمعا فى موضع واحد معًا ، أما الغير مخلوق فنقول لأجله إنه أزلى قبل كل الدهور، وأنه دايمًا إلى الأبد، وهو خالق كل شئ كائن ، فأما خليقته فهى المشاركة التى صار فيها مع جسد تواضعنا بالتدبير الذى فعله لأجلنا ] [18].

          مثال آخر لهذا الاختيار ربما يكشف لنا بعدًا جديدًا لتأثير كتابات غريغوريوس النسكية فى الحياة الرهبانية :

          هناك نص مشترك، استشهد بفقرات مختلفة منه كل من ابن المقفع[19] وكاتب مخطوط اعتراف الآباء [20]، ذلك النص هو لكتاب غريغوريوس المشهور عن ” التطويبات ” .

          فبالرغم من أن اقتباساتهم كانت بهدف تدعيم وجهة نظرهم العقائدية والتى هى الموضوع الأساسى للكتابين، هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى يمكن القول إن كتاب التطويبات لأسقف نيصّا كان معروفًا فى الأديرة القبطية. ربما يرجع السبب فى ذلك إلى أن هذا الكتاب يعتبر أهم كتابات غريغوريوس النسكية، وأحد المراجع الهامة فى هذا الموضوع الروحى، وهو يشمل ثمانية مقالات يحلل فيها الكاتب الحياة النسكية التى تقود إلى حياة الغبطة، وبالتالى إلى حياة الشركة الكاملة مع الله، أو بمعنى آخر إلى ” التأليه ” [21].

          هذا ولقد تناول القديس مقاريوس الكبير الذى عاصر غريغوريوس، الموضوع نفسه فى عظاته المشهورة [22] والتى حظيت بانتشار واسع بين الرهبان الأقباط وأثرت تأثيرًا فعالاً فى الحياة النسكية فى الشرق والغرب، وقرأها بدقة كل من اشتاق قلبه لحياة النسك والتأمل الروحى ، ولاقتناء الخبرات الروحية .

          إلاّ أن رهبان الأديرة فى القرن العاشر وما بعده الذين كانوا يتحدثون القبطية والعربية[23] لم يكتفوا قط بترجمة أعمال مقاريوس إلى العربية للاستفادة منها، بل حاولوا أيضًا ترجمة كتابات غريغوريوس والتى تحمل نفس المضمون للتعرف على ما تحتويه ، بالرغم من صعوبة فهمها، مثلها مثل باقى أعمال غريغوريوس، والتى كانت تُقرأ من رهبان عصره المثقفين فقط، لما فيها من أفكار فلسفية عالية وتحليل لاهوتى عميق، بنى عليه غريغوريوس تعاليمه النسكية.

          لقد كانت كتابات مقاريوس تمثل الدليل والمنهج العملى للرهبان فى عبادتهم النسكية ، بينما جاءت كتابات غريغوريوس لتضع الأساس النظرى لتلك الحياة .

          وفى رأينا أن الرهبان يمكن أن يكونوا قد استطاعوا أن يقتنوا لأنفسهم هذا الأساس النظرى لأسلوب حياتهم النسكى، حتى يستطيعوا أن يواجهوا التيارات الفلسفية المضادة التى برزت حين بدأ العرب فى ترجمة الكتابات الفلسفية اليونانية إلى العربية، وأن يستخدموا التعبيرات الفلسفية فى مواجهة الفكر المسيحى .

 

ج ـ نَسْبّ بعض الأعمال فى التراث العربى المسيحى إليه

          تُنسِب بعض المخطوطات عدة مؤلفات لغريغوريوس أسقف نيصّا ، الأمر الذى يدل على انتشار أعماله وقوة تأثيرها فى الفكر المسيحى، ونذكر على سبيل المثال :

          1 ـ ينسب أبو البركات فى كتابه ” مصباح الظلمة فى إيضاح الخدمة ” ، لغريغوريوس القداس الإلهى المستخدم فى الكنيسة القبطية والمعروف باسم قداس الابن للقديس غريغوريوس الناطق بالإلهيات ( القديس غريغوريوس النيزينزى).

          2 ـ ينسب كاتب اعتراف الآباء بعض المقتطفات التى استعان بها أيضًا لغريغوريوس :

          فالمقطع الذى ورد عن المعمودية فى كتاب اعتراف الآباء، والذى نجده فى الجزء 88 من مجموعة PG (1876D- 1877D) هو فى الواقع لغريغوريوس الأنطاكى [24].

          كما أن المقطع الآخر عن التوبة لا يوجد بين نصوص غريغوريوس أسقف نيصّا ، وعلى ما يبدو هو جزء من العظات المشهورة للقديس مار افرام السريانى عن نفس الموضوع [25].

 

د ـ وجود بعض من ترجمات عربية حديثة لكتاباته ونشر مؤلفات عن حياته

          بالإضافة إلى الترجمات التى تمت لبعض كتابات غريغوريوس أسقف نيصّا بداية من القرن العاشر كما سبق القول ، فنجد أن هناك ترجمات حديثة لبعض كتاباته الأخرى ، وأيضًا مؤلفات عن حياته وتعاليمه ، نشير إليها على سبيل المثال لا الحصر ونوردها حسب تاريخ نشرها :

(أ) ترجمات لكتاباته

1 ـ حياة موسى : تعريب القمص إشعياء ميخائيل ، القاهرة 1988م.

2 ـ نشيد الأناشيد : تعريب القمص تادرس يعقوب ملطى ، الأسكندرية 1993م.

3 ـ السلوك المسيحى : تعريب القمص إشعياء ميخائيل، القاهرة 1993م.

4 ـ من مجد إلى مجد : تعريب القمص إشعياء ميخائيل، القاهرة 1994م (طبعة ثانية).

5 ـ الكمال المسيحى : تعريب القمص إشعياء ميخائيل، القاهرة 1994م.

(ب) مؤلفات عن حياته وتعاليمه

      1 ـ القديس غريغوريوس أسقف نيصص: حياته ـ كتاباته ـ منهجه ـ أفكاره : القمص تادرس يعقوب ، القاهرة 1993م.

      2 ـ القديس غريغوريوس النيسى ، فصل فى كتاب دراسات فى آباء الكنيسة ، إعداد أحد رهبان برية القديس مقاريوس ص 375 ، برية شيهيت 1999م.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مراجع:

1 S. Papadopoulou. Patrolog…a, tÒmoj B`, Aqhnai 1990. sel. 615-616.

2 S. Papadopoulou. Patrologia B/, Aqhnai 1990. sel. 408.

[3] المرجع السابق sel. 579 .

4 J .Quasten, Patrology, Spectrum Publishers, Utrecht/Antwerp, Fouth printing 1975, vol III. pp.257-283 .

5 S. Papadopoulou. المرجع السابق. Sel. 590-615.

[6] PG 44, 377BC.

7 أبو البركات : مصباح الظلمة فى إيضاح الخدمة،الأب سمير خليل.نشر مكتبة مارجرجس ص290  .

8 كتبه لتصحيح بعض شروحات القديس باسيليوس والتى فهمت بطريقة خاطئة وأيضا ليضيف إليها بعض التأملات الأخرى. انظر(Quasten,P:264) ََهناك اشارة إلى وجود ترجمة عربية لهذا النص فى Clavis Patrum Graecorum II. 3152

9 أنظر المرجع السابق CPG II 3158 حيث يشير إلى وجود ترجمة قبطية لهذا النص .

10 أبو البركات : المرجع السابق ص 292.

11 Georg Graf : Geschiche der Christichen arabischen literatur, coll studie Testi, 118, citto de Vaticano 1944, Band ss. 332-335.

[12] Maiberger, Das Buch der kostbaren Perife von Severs Ibn Al-Muqaffa, Wiesbadeu 1972, s.2.

13 مخطوطة 126 لاهوت بدير السريان ـ غير منشور ص 53.

[14] S. Papadoplou,  المرجع السابق p. 602.

15 الأب الدكتور جورج شحاتة قنواتى : المسيحية والحضارة العربية ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ص200.

[16] Georg Graf: Zwei dogmatische florilegien der kopten. B. Das Bekenntnis der Väter, Roma 128, 1937, 345-402.

[17] Per… diafor©j oÙs…aj ka… Øpost£sewj. PG 32, 325-340.

18 أنظر مخطوط رقم 196 لاهوت بالمتحف القبطى 4,r .

19 أنظر مخطوط رقم 126 لاهوت بدير السريان .

20 أنظر المخطوط السابق رقم 196 42r-42v .

[21] S. Papdopoulou. المرجع السابق  p. 618.

22 أنظر ترجمة حديثة لعظات القديس مقاريوس إصدار مركز دراسات الآباء بالقاهرة سنة 1991م .

23 جاك تاجر: أقباط ومسلمون ، ترجمة عربية جرسى سيتى 1984، ص 303.

[24] Georg Graf: Zwei dogmatische.. s: 372, 42.

[25] Georg Graf: Zwei dogmatische.. s: 372, 44.

 

إقرأ أيضاً: