مواضيع عاجلة

الآن – الزمن فى كتاب العهد الجديد –  د. موريس تاوضروس

الآن – الزمن فى كتاب العهد الجديد –  د. موريس تاوضروس

الآن - الزمن فى كتاب العهد الجديد -  د. موريس تاوضروس
الآن – الزمن فى كتاب العهد الجديد –  د. موريس تاوضروس

الآن – الزمن فى كتاب العهد الجديد –  د. موريس تاوضروس

نناقش مفهوم ” الزمن ” فى كتاب العهد الجديد ، من خلال الكلمات التى تعبر عنه ، ونبدأ بمناقشة مفهوم ” الآن ” .

          ويعبر عن مفهوم ” الآن ” بالكلمات (nun) و(nuni) و(arti) .

أما بالنسبة للعلاقة بين هذه الكلمات فنلاحظ الآتى :

          1 ـ الظرف ” nuni ” هو ضيغة تأكيد من الظرف ” nun ” ولكنه أقل استعملاً فى العهد الجديد ، وشاع استعماله فى الترجمة السبعينية لبعض كتابات العهد القديم مثل ” أيوب ” ، “المكابيين ” . وفى العهد الجديد يكثر استعماله فى رسائل بولس الرسول (دون الرسائل الرعوية). أما الظرف ” nun ” فيتفاوت استعماله بين كتب العهد الجديد ، فقد ورد فى رسائل بولس الرسول 52 مرة ، وفى إنجيل القديس لوقا 39 مرة ، وفى إنجيل القديس يوحنا 28 مرة .

          وفى لغة العهد الجديد اليونانية فإن الظرف ” arti ” فى استعمالاته الزمنية ، يرادف الظرف ” nuni ” ولكنه أقل شيوعًا على وجه الإطلاق لا فى الإنجيل للقديس مرقس ولا فى الإنجيل للقديس لوقا ولا فى سفر الأعمال ، ولا فى الرسائل الرعوية ولا فى الرسالة إلى العبرانيين .

 

          2 ـ على الرغم من أن ” nun ” تستعمل على نحو تام كظرف ، إلاّ أنها فى العهد الجديد تستعمل أحيانًا كاسم وكصفة . وينطبق هذا الأمر أيضًا بصورة جزئية على الظرفين ” nuni  و arti ” .

          + تستعمل ” nun ” و ” arti ” كاسم إذا جاء بعد حروف المعنى ، مثل ” ap arti ” من الآن (مت39:23) ، ” acri tou nun ” إلى الآن (رو22:8) .

          + تستعمل “nun  ” كاسم ، عندما تكون مسبوقة بأداة التعريف وحرف معنى ، مثل : “apo tou nun ” منذ الآن (لو48:1) .

          + كذلك تستعمل ” nun  ” عندما تكون مسبوقة باداة تعريف فقط (بدون حرف معنى) مثل “ta nun” الان (أع30:17) .

          + arti , nuni , nun  يمكن أن تستعمل كصفات عندما تجيئ بين أداة التعريف والاسم مثل “o nun aiwn  ” فى الدهر الحاضر (1تى17:6) .

            3 ـ الاستعمال غير الزمنى للظرف ” nun ” :

          + كأداة ربط kai nun  والآن (أع22:20) .

          + عندما تستعمل لتعارض شيئًا حقيقيًا مع افتراض أو فكرة غير حقيقية مثل ” nun de ” ولكنكم الآن (يو40:8) وأنظر يو41:9 ، 22:15 و لو42:19 ويو36:18 .

 

المفهوم الزمنى لكلمة ” nun

          لكى تظهر أهمية معالجتنا لمفهوم ” الآن ” فى العهد الجديد ، يجدر بنا فى البداية أن نشير إلى الفرق فى مفهوم ” الآن ” بين كتاب العهد الجديد وبين الفلسفة اليونانية .

          لقد تناولت الفلسفة اليونانية الحديث عن مشكلة ” الزمن ” حتى استنفدتها وعلى الأخص ، فإن أرسطو، والرواقيون والشكاك الذين تأثروا بآرائه، قد تناولوا مفهوم “الآن” وعلاقته بالزمن بوجه عام، ولكنهم ساهموا قليلاً للتمهيد لهذا المفهوم على النحو الذى استعمل فيه فى العهد الجديد ، ذلك لأن كل تفكيرهم قد انصب فى دراسات صورية نظرية . لقد عالج أرسطو مشكلة ” الآن ” فى كتاب “الطبيعة ” وعلى الأخص الكتاب الرابع ، مبينًا أن ” الآن ” ليس جزءاً من الزمن . وبينما يهتم العهد الجديد بمفهوم ” الآن ” ويعالج ” الآن ” باعتباره يعنى ” الزمن الحاضر ” ، فإن أرسطو، والرواقيين قللوا من شأن ” الآن ” . ويقول أرسطو: [ وأما ” الآن ” فليس بجزء] (1) .

          ويشرح الدكتور عبد الرحمن بدوى فكرة أرسطو عن الزمان فيقول : الزمان قد يبدو لنا حينما ننظر إليه أول الأمر أنه ليس له وجود ، فالماضى قد فات ، والمستقبل آت ، والحاضر لا يمكنه تثبيته . واللحظة نفسها ـ أو الآن ـ طرف موهوم بين ماضٍ ذهب ، ومستقبل لم يوجد بعد . كما أن الزمان لا يمكن تثبيته ، لأنه يفقد حينئذ طابعه الجوهرى ، وهو كونه مكونًا من أوجه متتالية ، يتلو الواحد الآخر . فمن هذا يبدو لأول وهلة أن الزمان غير موجود …. ويقول أرسطو إنه لا وجود للزمان إلاّ إذا وجدت النفس (لأن الزمان وهو مقدار الحركة لا يوجد ـ حال كونه معدودًا ـ إلا إذا وجد العاد (النفس) ، فبدون وجود النفس إذن لا يوجد الزمان (2) .

          وهكذا فيما يعلق Kittle على نظرية أرسطو ، بالمقارنة بتعليم العهد الجديد ، فيقول: [ إن الحاضر، كفترة طويلة من الزمن، لا يجد له مجالاً فى فكر أرسطو ] (3) .

          فلنحاول الآن ، أن نناقش مفهوم ” الآن ” فى العهد الجديد ، لنتبين ما أضفاه العهد الجديد من أهمية على هذا المفهوم ، لم يحظ بها الفكر البشرى السابق .

 

” الآن ” كحد للزمن:

          من الطبيعى أن يعبر مفهوم ” الآن ” عن ” الحد ” . إنه الحد بين الماضى والمستقبل ، وهو “حد ” لا يمكن أن نمسكه أو نفصله ، لأنه على الدوام يوجد فى حالة تلاشٍ واختفاء . وعلى ذلك “فالآن ” هو الحد الفاصل كنهاية وبداية لفترات زمنية معينة .

          بالنسبة ” للنهاية ” ، فإن مفهوم ” الآن ” يَردُ غالبًا فى العهد الجديد ليعبر عن “الحد المؤقت” للعالم ” لأنه حينئذٍ يكون ضيق عظيم لم يكن مثله منذ ابتداء العالم إلى الآن ولن يكون  ” (مت2:24) ، ” فإننا نعلم إن كل الخليقة تئن وتتمخض معًا إلى الآن ” (رو22:8) ، وعن الحياة الفردية (تك34:46 ، حز14:4) وعن النعمة المؤقتة (عدد17:14ـ19) وعن زمن غلاظة الشعب الإسرائيلى (أنظر 2كو14:3) ـ وأنظر أيضًا فى1:5 ، 1كو11:4،13. وفى هذا المعنى  استعملت أيضًا arti  (إلى الآن لم تطلبوا شيئًا باسمى) يو24:16 ، على أن arti فقدت هذا المعنى فى يو17:5 (فأجابهم يسوع أبى يعمل حتى الآن وأنا أعمل) ذلك لأنه ليس هناك زمن محدد لأعمال الله .

          وبالنسبة للبداية ، فإن خاصية ” الآن ” كحد تكون أكثر قوة وبشكل أساسى عندما تشير إلى بداية الفترات الزمنية . وفى الكتاب المقدس ، تكون هذه الفترات عادة فترات إلهية محددة ، سواء بالنسبة لعصر الخلاص للعالم ، أو العصر الجديد ، كما فى ميخا7:4 ” وأجعل الظالعة  (العرجاء) بقية ، والمقصاة أمة قوية ، ويملك الرب عليهم فى جبل صهيون من الآن إلى الأبد ” ، إش21:59، أو زمن الخلاص بالنسبة للأمميين، والذى يعنى أيضًا رفض اليهود أع6:18 ” من الآن أذهب إلى الأمم “، أو زمن البركة الشخصية، كما هو الحال مع القديسة مريم لو48:1 “فهوذا منذ الآن جميع الأجيال تطوبنى ” . وبطرق متعددة ، فإن نهاية حياة يسوع على الأرض هى نقطة بداية، أى بداية الزمن بين المجيئين، وهو زمن الانفصال والضيق بالنسبة للعالم والتلاميذ (لو18:22، مت39:23) ، زمن الويلات المرتبطة بعصر المسيا (لو52:12) ، والذى هو فى نفس الوقت بالنسبة للمسيح هو زمن ربوبيته وسيادته (لو69:22) ” منذ الآن يكون ابن الإنسان جالسًا عن يمين قوة الله ” ، ومن أجل ذلك فإن ” الآن ” هو فى نفس الوقت نقطة التنكر للمسيح وكذلك هو نقطة بداية تمجيده .

 

” الآن ” كفترة من زمن:

          بالنسبة لاستعمال كلمة ” nun ” فى العهد الجديد ، فإن مفهوم ” الحد المؤقت ” يمكن أن يمتد ليصير مفهومًا ” لمدة زمنية ” . فالنقطة تصير خطًا . إن الظرف ” nun ” يمكن أن يشير ليس فقط إلى نقطة فاصلة (قاطعة جازمة) للزمن، ولكن أيضًا إلى الحاضر، المماثل فى امتداده  للأبدية ، كما يبدو هذا فى صور التعبيرات التالية :

          فى20:1 ” كما فى كل حين كذلك الآن يتعظم المسيح فى جسدى ” .

          2بط18:3 ” له المجد الآن وإلى يوم الدهر ” = قبل كل الدهور والآن وإلى كل الدهور ، ذلك لأنه بالنسبة لله فإن ” الآن ” له معنى الأبدية (السرمدية) ، سواء بالنسبة لما هو قبل ” من الأزل أقمت، من الأول قبل أن كانت الأرض ” (أم23:8) ، ” بل نتكلم بحكمة الله فى سر ، الحكمة المكتومة التى سبق الله فعينها قبل الدهور لمجدنا ” (1كو7:2)، أو لما هو بعد “أجاب دانيال ليكن اسم الله مباركًا من الأزل وإلى الأبد” (دا 20:2) ، ” ويعطيه الرب الإله كرسى داود أبيه، ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد ولا يكون لملكه نهاية ” (لو33:1) ، ” عبدوا المخلوق دون الخالق الذى هو مبارك إلى الأبد أمين ” (رو25:1) .

 

” الآن ” مع الإشارة إلى الماضى والمستقبل:

          فى ضوء الاستعمال السابق ” للآن ” لتشير إلى الامتداد إلى فترة طويلة الزمن ، يمكننا أن نلاحظ بسهولة ، لماذا يستعمل العهد الجديد ” الآن ” ليشير إلى أحداث ماضية وأحداث مستقبله:

          + استعملت ” nun ” و ” arti ” على الأخص مع الزمن الماضى البسيط للإشارة إلى أحداث وقعت فى الماضى :

          ” arti “: ” إن ابنتى الآن ماتت ” (مت18:9) ، ” الآن صار خلاص إلهنا وقدرته وملكه وسلطان مسيحه لأنه قد طرح المشتكى على إخوتنا ” (رؤ10:12) .

          ” nun “: ” قال لهم يسوع قدموا من البسمك الذى أمسكتم الآن ” (مت10:21) . وفى معظم الحالات ، فإن ” nun ” لا تشير إلى مجرد حدث قد تم وكمل مرة واحدة فى الماضى ، بل إلى عمل أو إلى حالة بدأت به ، مثل ” فإنه كما كنتم أنتم مرة لا تطيعون الله ، ولكن الآن رحمتم بعصيان هؤلاء ” (رو30:11) ، ” فقاال له اليهود الآن علمنا أن بك شيطانًا . قد مات إبراهيم والأنبياء ، وأنت تقول إن كان أحدٌ يحفظ كلامى فلن يذوق الموت إلىالأبد ” (يو52:8) ، ” أى الأنبياء لم يضهده آباؤكم وقد قتلوا الذين سبقوا فأنبأوا بمجيئ البار الذى أنتم الآن صرتم مسلميه وقاتليه ” (أع52:7) .

          كذلك تستعمل ” nun ” بسبب ارتباطها الوثيق بالحاضر ، لتشير إلى المستقبل القريب ” الآن دينونة هذا العالم ، الآن يُطرح رئيس هذا العالم خارجًا ” (يو31:12) ، ” هكذا هؤلاء أيضًا الآن لم يطيعوا لكى يرحموا هم أيضًا برحمتكم ” (رو31:11) . (وبالنسبة لـ” arti ” أنظر مت53:26) .

          يقول أحد الباحثين فى إظهار فضل المسيحية فى النظر إلى الزمن على هذا النحو الذى يرتبط فيه الماضى بالحاضر والمستقبل أى بالتاريخ :

          بتلك الروح المنطلقة إلى المستقبل القريب والمستقبل البعيد والتى تلوح دائمًا بالماضى المنكود أثرت المسيحية فى تصورات الفلاسفة المحدثين للزمان بل كان لها أثرها فى خلق روح الحضارة الغربية . ويقول إميل برييه عن أثر المسيحية فى الفكر الغربى : إن فكرة العلاقة بين الإنسان والتاريخ لم تتطرق إلى التفكير الغربى إلا بعد مجئ المسيحية : ذلك أن التفكير اليونانى كان يجهل الإنسان من الوجهة التاريخية : فالفكرة الإغريقية المألوفة عن الزمن هى ” أنه زمن دائرى يتجدد على الدوام ، وفى هذه الحالة لا ينطوى الزمن على قبل أو بعد . ولذا لم يكن الإنسان ليكترث بتاريخ لا يؤثر فى مصيره أوفى تأثير . أما الرضى بالمصير الذى أوحى به الفلاسفة الرواقيون فإنه يصير جنبًا إلى جنب مع إنكار الطابع التاريخى للإنسان . وبظهور المسيحية تبدل الأمر كله إذ تطرقت إلى الأذهان فكرة التاريخ الذى يتألف من لحظات ويعبر عن تقدم حقيقى ، والذى ينطوى على ماضى بدأ من خلق آدم حتى هبوطه إلى الأرض ومن الهبوط إلى فداء المسيح ، ومن مستقبل يبدأ من فداء المسيح حتى نهاية التاريخ . وهكذا أصبح للزمان دلاله فى نهاية الأمر بفضل التاريخ الدينى الذى يعتمد على التاريخ الزمنى . أضف إلى هذا أنه قد أصبح لهذا التاريخ دلاله فى نظر المؤمنين لأن التاريخ العام ينعكس فى ذاتية كل واحد منهم ماداموا يرون أن الخطيئة قد أرجعت إلى الماضى على نحو ما بفضل أملهم فى العفو الإلهى . فالتاريخ الخارجى الموضوعى والتاريخ الداخلى الذاتى يتضمن كل منهما الآخر ويكمله . وبذلك وبفضل هذه الروح الجديدة أصبح الزمان بآناته الثلاثة متصلاً مستمرًا ركناه الأساسيان هما الماضى والمستقبل ، وما الحاضر غير معبر تجتازه الذات المدركة لماضيها المقبلة على مستقبلها(4).

 

” الآن ” = اللحظة الإلهية :

          تعنى ”  nun ” ( وكذلك arti ) فى المعنى الصارم للكلمة ، فقط ، لحظة زمنية ” ثم أصعده أبليس إلى جبل عالى وأراه جميع ممالك المسكونه فى لحظة من الزمان ” (لو5:4) .

ولكن حيث إن هذه اللحظات تعبر عن وقت معين أو زمن معين ، فإن كل لحظة من هذه اللحظات لها معنى . ومن بين سلسلة اللحظات غير المتناهية ، فإن بعض هذه اللحظات تظهر متميزة لأن فيها على الأخص ، تبرز ملامح الأبدية بالتزاماتها وهباتها . وكما أن التدبير الإلهى يختار بعض الناس وبعض الأمم ، كذلك فإنه يختار بعض اللحظات لأجل تحقيق أغراضه . فى

العهد القديم مثلاً ، من بين هذه اللحظات الإلهية ما يشار إليه فى يشوع 13:5ـ15 حيث يتدخل الله فى التاريخ لصالح شعبه ” وحدث لما كان يشوع عند أريحا أنه رفع عينيه ونظر وإذا برجل واقف قبالته وسيفه مسلول بيده ، فسار يشوع إليه وقال له هل لنا أنت أو لأعداءنا ، فقال كلا بل أنا رئيس جند الرب . الآن أتيت .. ” . وكرازة بولس الرسول للأمم ” وإذ كانوا يقاومون ويجدفون نفض ثيابه وقال لهم دمكم على رؤوسكم . أنا برئ من الآن أذهب إلى الأمم ” (أع6:18) . أو بداية فترة ما بعد الرسل فى (أع20:32) ” والآن استودعكم يا إخوتى لله ولكلمة نعمته ” أو تشير إلى لحظات حاسمة فى حياة السيد المسيح على الأرض ” الآن نفسى قد اضطربت ” (يو27:12) ، ” فلما خرج قال يسوع الآن تمجد ابن الإنسان وتمجد الله فيه ” (يو31:13) ، ” وأما الآن فأنا ماضٍ إلى الذى أرسلنى ” (يو5:16) ، ” وأما الآن فإنى آتى إليك” (يو13:17) (وأنظر لو52:12، 18:22، مت39:23، لو69:22 وفى التجلى يو27:12 وما بعده ) .

 

” الآن ” كفتره إلهية مرسومة :

1 ـ تاريخ المسيح ” كحاضر ” :

          هناك شئ خاص لهذه اللحظة بالنسبة لجميع اللحظات الأخرى ، كلحظة تتضمن كل تاريخ المسيح . إن التأكيد المميز للإنجيل ينبر على حقيقة أن الله قد أحدث مرة بالكامل ، تحولاً جديدًا لتاريخ الجنس البشرى . على أن هذه اللحظة الجديدة التى حدثت فى الماضى ، ليست هى مجرد حدث قد مضى وانتهى ، ولكنها لحظة تحتفظ بقوة حاضرة وبكل ملء ” الآن ” وهذا ما يعبر عنه فى الآيات التالية 

رو9:5 ” فبالأولى كثيرًا ونحن متبررون الآن بدمه نخلص به من الغضب ” .

كو22:1 ” قد صالحكم الآن فى جسم بشريته بالموت ليحضركم قديسين ” .

2تى10:1 ” وإنما أظهرت (النعمة) الآن بظهور مخلصنا يسوع المسيح الذى أبطل الموت وأنار الحياة والخلود بواسطة الإنجيل ” .

عب26:9 ” ولكنه الآن قد أظهر مرة عند انقضاء الدهور ليبطل الخطية بذبيحة نفسه ” . وشبيه بهذه اللحظة من التحول العالمى ، تلك اللحظة التى تتصل بحياة الأفراد ، حيث يتم فيها اتخاذ قرار إما للإيمان بالمسيح أو رفضه ” فإنه كما كنتم أنتم مرة لا تطيعون الله ولكن الآن رحمتم بعصيان هؤلاء .. ” (رو30:11) ، ” لأنكم كنتم كخراف ضالة لكنكم رجعتم الآن إلى راعى نفوسكم وأسقفها ” (1بط25:2) ، ” هكذا هؤلاء أيضًا الآن لم يطيعوا لكى يُرحموا هم أيضًا برحمتكم ” (رو31:11) .

          هناك سمتان هامتان لمفهوم ” الآن ” فى العهد الجديد :

          + أن التاريخ يُختبر ويُعاش كحاضر .

          + أن ” الآن ” فى العهد الجديد ، غالبًا ما يشير إلى فترة لها معنى أبدى ، فما يميز ” الآن ” فى العهد الجديد أن فيه يُختبر أيضًا المستقبل ” كحاضر” وهذا يقودنا إلى النقطة التالية .

 

2 ـ مفهوم ” الآن ” بين حدثين :

          جاء فى الرسالة الثانية للرسول بطرس ” وأما السموات والأرض الكائنة الآن فهى مخزونة بتلك الكلمة عنها محفوظة للنار إلى يوم الدينونة وهلاك الناس الفُجار ” (2بط7:3) . هذه الآية تكشف عن استعمال الآن (nun) لتشير إلى فترة فاصلة بين فترتين . بين زمن كارثة الطوفان وبين دمار العالم فيما بعد بالنار . وهذا الاستعمال الذى يختص به العهد الجديد يمكن أن يُعبر عنه بصورة مكانية ، فهو يُشبه بسلسلة من الجبال تقع بين دولتين ، وعلى ذلك فهى تتبع كليهما وتنظر إلى كليهما . ويعنى هذا حرفيًا ” فترة انتقالية ” بين فترتين ، أى بين حدثين ، الأول يختص ببداية فترة جديدة والحدث الثانى يختص بنهاية فترة قديمة . وعلى ذلك ، فهذا الاستعمال المميز ” للآن ” يتبع كلا الدهرين .

          وبالنسبة لهؤلاء الذين يعيشون فى هذه الفترة الانتقالية، فإن الحاض، هو من ناحية “ما يزال” (أى مازال فى الزمن القديم) ومن ناحية أخرى فهو “الآن المتحقق” فى الزمن الجديد. وكل من هذين الطرفين يعتبر متناقضًا مع الطرف الآخر (إن القديم يتناقض مع الجديد) .

          ويظهر هذا الاستعمال بوضوح فى عبارة للقديس بولس يستعملها دائمًا وهو يشير إلى الزمن الانتقالى بين حدثين ، وهى عبارة ” فى الزمن الحاضر ” (فكذلك فى الزمن الحاضر أيضًا قد حصلت بقية حسب اختيار النعمة) (رو5:11) . هذا هو بالنسبة لإسرائيل زمن بقية النعمة بين فترة وضعهم كشعب الله وإعادة قبولهم فى النهاية (رو5:11) . وبالنسبة للمسيحيين ، فهو وقت المعاناة بين الفرح بمجئ المسيح وظهوره الثانى (رو18:8) .

          وكذلك فإن عبارة ” o kairoV outoV ” ” هذا الزمان” التى وردت فى الأناجيل تشير إلى هذه الفترة الانتقالية بين فترتين . إنها الفترة المسيانية التى ضل اليهود عن إدراكها (لو56:12) ، وذلك لأن هذه الفترة لا تعرف إلا لمن كشف المسيح له عنها بالإيمان ، ذلك لأن هذه الفترة هى جزء من السر المسيانى . وبالنسبة للمسيحيين ، فإن هذا الزمان (مر30:10) هو فترة معاناة ، ولكن من ناحية أخرى هو فترة ثواب ومكافأة (لو29:18،30) .

          إن ” الوقت الحاضر ” الذى تشير إليه الرسالة إلى العبرانيين فى (9:9) ، هو أيضًا زمن المسيح بين مجيئه الأول ومجيئه الثانى (عب28:9) . وهنا أيضًا فإن التشديد يقع على التناقض مع الماضى الذى هو زمن الرمز والظلال ، وبين الحاضر الذى هو زمن الحقيقة (عب8:9ـ14) .       

 

رسائل القديس كيرلس الأسكندرى

(أربعة أجزاء)

          صدرت الترجمة العربية لهذه الرسائل فى أربعة أجزاء بين سنة 1988م (تاريخ صدور الجزء الأول) وسنة 1997م ( تاريخ صدور الجزء الرابع) .

 

          الجزء الأول :

صدر بعنوان ” رسائل القديس كيرلس إلى نسطور ويوحنا الأنطاكى ” ويحوى هذا الجزء ثلاث رسائل هى : رسائل أرقام 4 ، 17 ، 39 . والقصد من نشر هذه الرسائل الثلاث معًا فى كتاب واحد هو أنها رسائل أخذت صفة مسكونية ، ذلك أنها تحوى التعليم العقائدى عن المسيح ، فالرسالتان 4 ، 17 أرسلهما القديس كيرلس إلى نسطور قبل انعقاد مجمع أفسس المسكونى سنة 431م . وعندما انعقد المجمع المذكور اعتمد الرسالة (4) . كما أن مجمع خلقيدونيا سنة 451م ومجمع القسطنطينية الثانى اعتمدا كلاهما الرسالة نفسها . أما الرسالة (17) وهى تحوى فى نهايتها الحروم المعروفة باسم ” الحروم الأثنى عشر ” . وقد أُضيفت هذه الرسالة أيضًا إلى أعمال مجمع أفسس .

 

          والرسالة الثالثة فى هذا الجزء ، وهى رقم 39 ، أرسلها البابا كيرلس إلى البطريرك يوحنا الأنطاكى سنة 433م بعد استعادة السلام والوحدة مع كنيسة أنطاكية . وتحوى هذه الرسالة وثيقة الاتحاد التى أرسلها مجمع أساقفة أنطاكية إلى البابا كيرلس . وقد وافق البابا كيرلس على هذه الوثيقة كما يظهر فى هذه الرسالة . وبسبب الأهمية المسكونية لهذه الرسائل الثلاث ، فإنها لا تزال تشكل أساسًا لمحاولة تحقيق الوحدة الكاملة بين الكنائس الأرثوذكسية بعائلتيها الخلقيدونية وغير الخلقيدونية .

 

          صدر هذا الجزء فى يوليو 1988م ، وعدد صفحاته 50 صفحة من القطع المتوسط . وتمت الترجمة عن مجموعة الآباء باليونانية مجلد 77 ـ مينى Migne , P.G . 77 . قام بالترجمة دكتور موريس تاوضروس ودكتور نصحى عبد الشهيد، ونشره مركز دراسات الآباء بالقاهرة .

 

          الجزء الثاني :

          يحوى هذا الجزء من رسائل القديس كيرلس ، الرسائل من 1 ـ 31 فيما عدا ما نُشر منها فى الجزء الأول . وتحوى الرسالة رقم (1) الموجهة إلى آباء الرهبنة والذين يمارسون معهم حياة التوحد ، شرحًا مفصلاً لعقيدة التجسد ضد البدعة النسطورية . ورسائل هذا الجزء تعتبر مصدرًا تاريخيًا هامًا للأحداث التى صاحبت بدعة نسطوريوس وانعقاد مجمع أفسس المسكونى الثالث سنة 431م . وقد صدرت رسائل هذا الجزء فى يوليو 1989م فى 108 صفحة من القطع المتوسط . وترجمها الدكتور موريس تاوضروس والدكتور نصحى عبد الشهيد عن اللغة اليونانية من مجوعة الآباء اليونانية مجلد 77 ـ مينى Migne , P.G . 77 . ونشرها مركز دراسات الآباء بالقاهرة .

 

          الجزء الثالث :

يحوى هذا الجزء الرسائل من 32 ـ 50 بالترتيب فيما عدا الرسالة 39 التى نُشرت فى الجزء الأول . رسائل هذا الجزء تعالج مشكلة انقطاع الشركة بين البابا كيرلس الأسكندرى والبطريرك يوحنا الأنطاكى وأساقفته وذلك بعد مجمع أفسس ، وإلى أن تم الصلح بين كنيستى الأسكندرية وأنطاكية سنة 433م . ويؤكد القديس كيرلس فى هذه الرسائل اتحاد الطبيعتين إذ يقول : حينما نوّحد الطبيعتين فإننا نعترف بمسيح واحد ، وهو نفسه ربٌ واحد وإذن فنحن نعترف بأن طبيعة الابن المتجسدة واحدة ، ونعترف أنه لم يحدث امتزاج ولا اختلاط ، بل إن الجسد كان جسدًا لأنه مأخوذ من امرأة ، والكلمة هو الكلمة لأنه مولود من الآب . ومع ذلك فالمسيح والابن والرب هو واحد حسب قول يوحنا ” والكلمة صار جسدًا ” (رسالة 44 فقرة 3) .

 

          وفى الرسالة 41 من هذا الجزء ، يتحدث القديس كيرلس عن التيس المرسل ، وتضمن حديثه نقطتين أساسيتين ، الأولى يوضح فيها أنه لا يمكن أن يكون التيس المُرسل (عزازيل) تقدمة للشيطان ، ويبرهن على ذلك باستفاضة من كتب العهد القديم . والنقطة الثانية يوضح فيها أن كلا التيسين يشيران إلى الواحد الابن الوحيد الرب يسوع المسيح .

 

          وقد صدر هذا الجزء فى ديسمبر 1995م فى 136 صفحة من القطع المتوسط : وترجمه الدكتور موريس تاوضروس والدكتور نصحى عبد الشهيد عن اليونانية من مجموعة الآباء اليونانية مجلد 77 ـ مينى Migne , P.G . 77 . ونشره مركز دراسات الآباء بالقاهرة .

 

          الجزء الرابع :

          يحوى هذا الجزء الرسائل من 51 ـ 74 بالإضافة إلى الرسالة رقم 83 . ومن أهم رسائل هذا الجزء رسالة 55 ، وهى رسالة طويلة يشرح فيها القديس كيرلس قانون إيمان نيقية والقسطنطينية بتفصيل ، وهى أطول رسائل القديس كيرلس على الإطلاق . أما الرسالة 83 ، فيعالج فيها القديس كيرلس موضوعًا آخر غير الذى عالجه فى جميع الرسائل السابقة ألا وهو التصورات الخاطئة عند رهبان أرسينوى (الفيوم) القائلين بأن اللاهوت له هيئة بشرية . وقد صدر هذا الجزء فى يونيو 1997م فى 96 صفحة من القطع المتوسط ، وعلى غلافه أيقونة روسية ملونة للقديس كيرلس . وترجمه الدكتور موريس تاوضروس والدكتور نصحى عبدالشهيد عن اليونانية ( والإنجليزية بالنسبة للرسائل المفقود أصلها اليونانى) من مجموعة الآباء اليونانية مجلد 77 ـ مينى Migne , P.G . 77 . ونشره مركز دراسات الآباء بالقاهرة .

______________________________________________

(1) أرسطو ، كتاب الطبيعة ، ترجمة اسحق بن حنين ، تحقيق عبد الرحمن بدوى ، الجزء الأول ، الدار القومية للطباعة والنشر، القاهرة 1964 ص 405 .

(2) المرجع السابق : ص 216 ـ 220 .

(3) Kittle (G.), Theological Dictionary of the New Testament (translated by Bromiley (G.W.), vol.IV , p. 1108 .

(4) محمد عبد الواحد حجازى ،  فلسفة الأيام ، مطبعة النصر الجديدة ، القاهرة ص 74،75 .

 

إقرأ أيضاً: