خلق الإنسان على صورة الله ومثاله د. جوزيف موريس فلتس

خلق الإنسان على صورة الله ومثاله د. جوزيف موريس فلتس

خلق الإنسان على صورة الله ومثاله د. جوزيف موريس فلتس
خلق الإنسان على صورة الله ومثاله د. جوزيف موريس فلتس

خلق الإنسان على صورة الله ومثاله د. جوزيف موريس فلتس

          تمثل عقيدة ” خلق الإنسان على صورة الله ومثاله ” بعدًا أساسيًا وجوهريًا في التعاطى مع موضوع الإنسان وغاية وجوده. فلا يمكن أن يكون هناك إجابة على التساؤل عن غاية الإنسان وهدف وجوده إلاّ إذا وضعنا أمامنا هذه الحقيقة الكتابية والإيمانية بأن الإنسان قد خُلق على صورة الله ومثاله[1]. ولقد حاول الكثير من آباء الكنيسة المعلمين تفسير آية سفر التكوين هذه ليس فقط في حديثهم عن ماهية الإنسان (Anqrwpologίa) بل وأيضًا في سياق حديثهم عن سر التدبير الإلهى (qe…a o…konomia) أى ما فعله الله منذ أن خلق الإنسان حتى تم فداؤه.

          ولم يكتف الأباء بإيضاح هذه الحقيقة بل عملوا على شرح كل ما تعنيه هذه العقيدة حتى وإن كانوا لم يتفقوا على تحديد صفة واحدة بعينها في الإنسان لتعبر عن أنه مخلوق على صورة الله ومثاله. ومنذ وقت مبكر كان من الأمور المسلم بها أن الصورة تقوم على الاتصال بالأصل، وبما أن الله حال حلولاً مباشرًا في أعماله فإن الصورة الإلهية تعنى أولاً أن الإنسان يكون له صلة وجودية مع الله من عمق قلبه وصميم كيانه لأننا مخلوقين للدخول في شركة مع الله لكى نشترك في الحياة الحياة الإلهية. وكما يقول القديس أثناسيوس بأن الله ” لم يكتف بخلق الإنسان مثل باقى الكائنات غير العاقلة على الأرض، بل خلقهم على صورته وأعطاهم شركة في قوة كلمته حتى يستطيعوا بطريقة ما، ولهم بعض من ظل (الكلمة) وقد صاروا عقلاء أن يبقوا في سعادة ويحيوا الحياة الحقيقية حياة القديسين في الفردوس”[2]. غير أن الصورة الإلهية ترتبط بصفات إنسانية محددة مثل العقل والعقلانية والحرية والقدرة على إدراك الحقائق الروحية والتمسك بالفضائل مثل الصلاح والحكمة والعدل والرأفة والمحبة. ويرتبط بهذا كله ما قد أُعطى للإنسان من أن يكون ” متسلطًا ” ليس فقط على شهواته أى على تلك النزعات الحيوانية في داخله بل أيضًا التسلط على الأرض وبقية الكائنات الحية. كما أننا يمكن أن نعبر أن ما “يبدع” فيه الإنسان هو صورة لما نراه من “إبداع” الله الخالق.

          كل هذا يعنى أن الصورة الإلهية في الإنسان هى متعددة ولا يمكن حصرها في صفة واحدة بعينها وبالتالى كما يقول القديس غريغوريوس النيسى أن الإنسان يعكس صورة الله غير المدرك[3]. ” وكثير من الآباء الشرقيين ـ وإن لم يكن كلهم ـ يميز بين: على “صورة” الله وعلى “مثال الله”. فالصورة بالنسبة لأولئك الذين يميزون بين اللفظين تدل على “إمكانية” الإنسان على الحياة في الله و “المثال” يدل على تحقيقه لهذه القدرة أو الإمكانية. الصورة هى كل ما يمتلكه الإنسان منذ البداية والتي تمكنه من أن يضع خطاه في المحل الأول على الطريق الروحى. أما الشبه فهو ما يرجوا أن يصل إليه في نهاية رحلته … وبحسب القديس إيريناؤس فإن الإنسان في بدء خلقته كان “مثل طفل صغير ” واحتاج أن “ينمو” إلى كماله. بعبارة أخرى فإن الإنسان في بدء خلقته كان بريئًا وقادرًا على التطور روحيًا (الصورة) لكن هذا التطور لم يكن حتميًا أو أتوماتيكيًا، دُعى الإنسان للتعاون مع نعمة الله. هكذا من خلال الاستخدام الصحيح لإرادته الحرة فإنه ببطء وتدريجيًا يمكن أن يصير كاملاً في الله (الشبه أو المثال). ويُظهر هذا الأمر كيف يمكن لمفهوم الإنسان كمخلوق “على صورة الله” أن يُفسر بالأحرى بمعنى ديناميكى متحرك لا استاتيكى ساكن. وهذا لا يعنى بالضرورة أن الإنسان قد وهبه (الله) منذ البداية كمالاً محققًا بالكامل وأعلى قداسة ومعرفة ممكنة، بل إنه ببساطة قد أُعطى الفرصة لينمو إلى شركة كاملة مع الله “[4]. هذه الشركة التي هى غاية الإنسان وهدف وجوده.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هوامش : 

[1]   انظر تك26:1ـ27.

[2]   تجسد الكلمة، ترجمه عن اليونانية د. جوزيف موريس فلتس، إصدار المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية، فصل3:3 ص8.

[3]   عن خلق الإنسان 3:11 PG 44. 156B

[4]   الطريق الأرثوذكسى … ص12ـ13.

مقالات ذات صلة