لمحة سريعة حول التعاليم عن الثالوث فى القرون الأولى المسيحية – إعداد دكتور ميشيل بديع

لمحة سريعة حول التعاليم عن الثالوث فى القرون الأولى المسيحية – إعداد دكتور ميشيل بديع

لمحة سريعة حول التعاليم عن الثالوث فى القرون الأولى المسيحية - إعداد دكتور ميشيل بديع
لمحة سريعة حول التعاليم عن الثالوث فى القرون الأولى المسيحية – إعداد دكتور ميشيل بديع

لمحة سريعة حول التعاليم عن الثالوث فى القرون الأولى المسيحية – إعداد دكتور ميشيل بديع

            لقد كان القرن الرابع للميلاد هو بداية حسم الكنيسة الجامعة بشأن التعاليم عن عقيدة الثالوث حيث إن آباء ومعلمى الكنيسة وضعوا حدًا للنزاع حول تعاليم الثالوث وكان هذا واضحًا فى المجمع المسكونى الأول بنيقيا 325م والثانى بالقسطنطينية 381م حيث وضعوا الأساس السليم الذى سارت عليه الكنيسة حتى الان وهو ” قانون الإيمان نيقية /القسطنطينية ” .

            وهنا نتساءل أين تكمن المشكلة التى سببت النزاعات والصراعات حول عقيدة الثالوث خاصة فى القرن الرابع الميلادى بظهور بدعة آريوس ؟ المشكلة الرئيسية منحصرة فى السؤال : كيف أن يسوع المسيح يمكن أن يكون هو الله وهو إنسان ؟

            وفى الواقع إن ألوهية المسيح ذُكر عنها فى العهد الجديد وأيضًا قال عنه الآباء المدافعون أنه ” الكلمة LogoV ” . فكيف إن الله تجسد ؟ كيف  يتخذ الطبيعة البشرية ويصير إنسانًا ؟ هذا كله يقودنا إلى أن نستعرض فى إيجاز شديد تعاليم الثالوث منذ القرون الأولى للمسيحية وحتى مجمع القسطنطينية الثانى 381م .

            أولاً يجب أن نعرف أن المسيحيين الأوائل الذين اهتدوا من اليهودية إلى المسيحية كانوا يُسمون موحدين Monotheis (مذهب التوحيد) مع ملاحظة أن هناك فرقًا كبيرًا بين فكر المسيحيين الأوائل وبين اليهود حول معتقد التوحيد ولكن كانت لكليهما هذه الفكرة أى ” التوحيد ” ضد المعتقد الوثنى ” مذهب التعدد ” Polytheisum.

            المسيحيين الأوائل لم يعتقدوا فقط بالمفهوم اليهودى عن الله ” أى الوحدانية ” ولكن آمنوا ايضًا بيسوع المسيح والروح القدس وكانوا يشددون دائمًا على وصية المسيح حول المعمودية كأساس لعقيدة الثالوث . فالمسيح بالنسبة لهذه الجماعات المسيحية الأولى كان هو المسيا . فهو كائن مع الآب فى شركة لا تنحل كما يسجل ذلك يوحنا الإنجيلى: المسيح أن كان فى البدء عند الله (يو1:1ـ18) .

            من القرن الثانى إلى الثالث كان هناك اتجاه فى روما لم يقبل اللوغوس ـ خريستولوجى. وأيضًا لاهوتيى آسيا الصغرى لم يتفقوا على كيفية وبأى طريقة يمكن التعبير عن ألوهية المسيح . ففى كتاب ” تفنيد جميع الهرطقات ” لهيبوليت يذكر أن ثيوديت Theodot البيزنطى يقول مع الجماعات الغنوسية : يسوع ولد إنسانًا بحسب إرادة الآب ومن مريم العذراء. ولأن يسوع كان تقيًا للغاية ارتفع إلى درجة الابن بسبب إرادة الآب بمعنى أنه حدث له تبنى (Adoption) . ففى المعمودية، ” يسوع ” حل عليه الروح فى شكل حمامة .

            أما ” نويت ” Noet من أزمير فيقول إن الآب والابن هما صورتان لظهور الله ، والثالوث بالنسبة له هو ترتيب زمنى حيث يبرز الله منه . فالله هو الكل قبل كل شئ وكل ما ظهر منه هو دائمًا الله . لكن سابيليوس الذى كان على صلة بــ” نويت ” أراد أن يدافع عن وحدة الله ضد نظرية اللوغوس فصاغ الاصطلاح uiopatwr ” إيوباتير” أى الآب والابن : الأشخاص الثلاثة هم فقط ثلاثة ظهورات للإله الواحد .

            أما فى شمال إفريقيا فيعتبر ترتليان هو أول من صاغ فى الغرب أفضل تعبير عن العلاقات بين اللاهوت الواحد والثلاثة أشخاص الإلهيين فكتب هذه العبارة باللاتينية Una substantia – tres personae . وقد نادى ترتليان بوحدة الله ، ولكن هذه الوحدة هى وحدة الأقانيم ، فإن الله هو آب وابن وروح قدس ، هؤلاء الثلاثة أقانيم هم إله واحد ، الله الواحد المثلث الأقانيم من جوهر واحد . وفى هذا يقول : ” أؤمن بأنه يوجد جوهر واحد فى الثلاثة ” . ويعتبر ترتليان أول كاتب كنسى لاتينى يستعمل إصطلاح “التثليث ” ويعتبر أول من استخدم الاصطلاح Persona الذى يمكن أن نسميه أقنومًا .

            وفى الأسكندرية علّم أوريجينوس أن اللوغوس منبثق من الآب وهذا الانبثاق لا يعد تقسيمًأ فى ذات الله بل إن هذه العملية هى عملية روحية . فالابن هو صورة الله الغير منظورة وهو أيضًا حكمة الله . فالابن بالنسبة للآب هو الحق . أما بالنسبة لنا فهو الذى يقودنا إلى الحق . وهذا الابن هو ابن أزلى ، لابداية له ، وهو موجود منذ الأزل ولا يوجد وقت ما لم يكن الابن موجودًا فيه . وهنا نلاحظ مبدأ مرفوض من قبل أوريجينوس وعلّم به فيما بعد آريوس وهو أنه يوجد وقت ما لم يكن الابن موجودًا فيه . كما أنه يرفض عقيدة التبنى أى أن يسوع المسيح ابن بالتبنى وليس بالطبيعة . ويقول أوريجينوس : ” بما أن الحكمة انبثق من الله فهو الله ، ومولود من جوهر إلهى ” .

            فى بداية القرن الثالث ظهر فى الكنيسة الغربية هيبوليتوس حيث تعهد بمحاربة بدعة الـModalism التى اعتقدت أن الآب والابن والروح القدس ليسوا ثلاثة أقانيم بل ثلاث هيئات أظهر الله فيها نفسه . فإن الله الآب هو نفسه الله الابن هو نفسه الله الروح القدس . ولكى يهدم هيبوليتوس هذه النظرية التى لاتميز البتة بين الآب والابن والروح القدس فقد شدد على التمييز بين الأقانيم وإنها لا تعبّر عن حالة أو عن هيئة أو مرحلة وُجِدَ فيها، أو مر بها نفس الشخص ، بل إن هذه الأقانيم الثلاثة حقيقة إلهية وإن الآب ليس هو الابن ولا الابن هو الروح القدس ، فإن هؤلاء الثلاثة ثلاثة أقانيم وليسوا ثلاث طرق ظهر بها الله .

            أما القرن الرابع الميلادى فقد شاهد أكبر صراع وإنشقاق فى صفوف الكنيسة بظهور آريوس، وقد حُسم هذا الصراع فى المجمع المسكونى الأول بنيقيا 325م .

            النقطة الرئيسية فى تعاليم آريوس هى التشديد على علو مكانة الله . وانبثقت تعاليمه من تعاليم الوحدانية حيث قال : ” الله وحيد ، غير مخلوق وغير مولود agennhtoV ” . وقال فى قانون الإيمان الخاص به : ” نحن نعترف بإله واحد ، الوحيد الغير مولود ، الوحيد الأبدى ، الوحيد الذى ليس له بداية ، الوحيد الحقيقى ، الوحيد غير المائت ، الوحيد الحكيم ، الوحيد الصالح ،  الرب الوحيد ، العادل الوحيد ” . وفهم آريوس أن كلمة الله QeoV تعنى الله ـ الآب فقط. لأن جوهره مُطلق ومنزه وغير متغير وهذا لا يمكن أن يشترك فيه مع أحد . كل شئ يُوجد خارج الله المنزه ، يجب أن يُخلق وهذا يعنى أن يوجد من العدم . وبحسب آريوس فإن الابن أخذ وجوده بطريقة غير مباشرة من الآب، ولكن لم يولد من جوهر الآب . فالابن مخلوق من العدم ولهذا يسميه آريوس مخلوق.

            كان البابا ألكسندروس فى ذلك الوقت هو رئيس أساقفة الأسكندرية وقد وصفه بونيفاس بالقول أنه كان شيخًا ضعيفًا ومريضًا . ولو لم يكن الشاب أثناسيوس المتقد غيرة وحماسة بجانبه لمرت الأمور دون أن يعرها أحد اهتمامًا كبيرًا . وعندما سمع ألكسندروس بتعاليم آريوس، وناقش معه فحوى تعاليمه المضللة ولكن آريوس رفض الرجوع عن تعاليمه. وفى 19 يونيو 325م دعا قسطنطين إلى مجمع مسكونى فى نيقية وناقش المجمع مشكلتين رئيسيتين : 1 ـ النزاع الآريوسى .

2ـ تحديد الاحتفال بالفصح .

            وقد أكد مجمع نيقيا على مساواة الآب والابن . وفى قرارات المجمع أضاف الآباء فى نص قانون الإيمان التالى :

            ” نؤمن .. برب واحد يسوع المسيح ، ابن الله الوحيد المولود من الآب، الذى  هو من جوهر الآب ، … إله حق من إله حق ، مولود غير مخلوق ، واحد مع الآب فى الجوهر ، الذى به صار كل شئ ” وفى نهاية قانون الإيمان النيقاوى أُضيفت حرمانات ضد الآريوسية :

            ” محروم كل من يقول : إنه كان هناك وقت لم يكن موجودًا فيه ،… أو إنه يكون من أقنوم أو جوهر آخر ، أو إن ابن الله مخلوق ، متحول أو متغير ” .

            وقد كان القديس أثناسيوس الرسولى بارعًا فى تفنيد بدع الآريوسيين وكتب عدة كتب ضد آريوس والآريوسية بالإضافة إلى دوره الرائد فى مجمع نيقيا المسكونى .

            بالنسبة لموضوع الروح القدس فقد كان الكلام عنه ضيئلاً فى مجمع نيقيا المسكونى بسبب إنشغال الكنيسة بالرد على هرطقة آريوس . وقد توقف المجمع فى قانون الإيمان عند عبارة ” وبالروح القدس ” فنتج عن ذلك عدم وضوح تام . وعلى ما يبدو فإن الهرطقة الآريوسية تناولت موضوع الروح القدس بالإضافة إلى الابن حوالى عام 356 أو بعده بقليل . فقد اعتبر بعض الهراطقة أن الروح القدس خليقة ذات كرامة وسلطان، أو كائنًا وسطًا لا إلهًا ولا خليقة . وجماعات هراطقة الروح القدس يسمونهم “أتباع مقدونيوس ” نسبة إلى مقدونيوس أحد أساقفة القسطنطنية(342ـ360). وقد رفع الآريوسيين مقدونيوس إلى كرسى القسطنطينية ظنًا منهم أنه يتبعهم لأنه كان يجدف مثلهم على الروح القدس بقوله إنه مخلوق ولكنهم طردوه عاجلاً لأنه لم يكن يحتمل إنكار لاهوت الابن وقد عُزل نهائيًا من قبل الآريوسيين عام 360 .

            وكانت هناك فئة أخرى تحارب لاهوت الروح القدس وظهروا فى مصر وكانوا أولاً من محاربى عقيدة نيقيا المتعلقة بلاهوت الابن ثم انفصلوا عنهم عام 358 إلاّ أنهم بقوا ينكرون لاهوت الروح القدس . وقد عمل أثناسيوس على دحض بدعتهم، فقام مجمع محلى فى الأسكندرية عام 362م وحكم عليهم محرمًا الذين يقولون بأن الروح القدس مخلوق ومنفصل عن جوهر المسيح وقد سماهم أثناسيوس ” التروبيك ” ، فى رسائله إلى سرابيون أسقف تيميس، نسبة لكلمة يونانية تعنى اللعب على الألفاظ وتفسير الايات بغير معناها .

            ولكن ما هى أفكار كل من ” المكدونيين ” و ” التروبيك ” ؟

            يقول المقدونيون إن الروح القدس مشابه للآب والابن ولكن ليس فى جوهرهما وطبيعتهما . ويرفضون إدخال الروح القدس فى ألوهية الثالوث الأقدس ويؤكدون أن الروح أدنى من الآب والابن فى الكرامة وإنه خادم ويطبق عليه كل ما يقال عن الملائكة .

            أما التروبيك فيعتقدون أن الروح القدس ليس إلهًا كالآب والابن وليس من جوهر وطبيعة الآب والابن لكنه من الكائنات التى أُوجدت من العدم .

            وفى عام 381 دعا الأمبراطور ثيئودوسيوس لعقد مجمع مسكونى فى القسطنطينية وكان يضم حوالى 150 أسقفًا وتولى رياسة جزء من هذا المجمع الأسقف غريغوريوس النزينزى. وحرص المجمع على متابعة نص دستور الإيمان مركزًا على الروح القدس ومؤكدًا أنه غير مخلوق وإنه أقنوم من أقانيم الثالوث .

            وقد دار نقاش حول عبارتين يونانيتين : ” سينوسيوس ” أو وحدة الأقانيم الثلاثة فى الجوهر بحيث لا متسع لأى تمايز بين أقنوم وآخر ، وعبارة ” هومووسيوس ” أو أن أقانيم الثالوث لها جوهر واحد وطبيعة واحدة مع وجود تمايز بين أقنوم وأقنوم آخر . فالقضية كما اكد المجمع ليست بحثًا فيمن هو الله بل هى بحث فى كيف نعرف الله من خلال الكتاب المقدس والتقليد الشفاهى .

            وقد قرر آباء المجمع المسكونى الثانى قبول إيمان قانون الإيمان النيقاوى ثم أضافوا إليه الفقرة الخاصة بإيضاح ألوهية الروح القدس ” … الروح القدس الرب المحيى المنبثق من الآب مسجود له وممجد مع الآب والابن ، الناطق فى الأنبياء ” .

 

 

 

مقالات ذات صلة