الرئيسية / آبائيات / الديداكية وقانونية العهد الجديد – القمص عبد المسيح بسيط

الديداكية وقانونية العهد الجديد – القمص عبد المسيح بسيط

الديداكية وقانونية العهد الجديد –

الديداكية وقانونية العهد الجديد - القمص عبد المسيح بسيط
الديداكية وقانونية العهد الجديد –

الديداكية وقانونية العهد الجديد

   كُتب هذا الكتاب في نهاية القرن الأول أو بداية الثاني كان له أهمية خاصة في العصور الأولى حتى حاول البعض ضمه إلى أسفار العهد الجديد، فأوضح آباء الكنيسة مثل البابا أثناسيوس الاسكندري[1] ويوسابيوس القيصري[2] وروفينوس أنها ليست من الكتب الموحى بها إنما من الكتب التي تقرأ[3]. وكان هذا الكتاب غير معروف للغرب حتى اكتشفه الميتروبوليت فيلوثيؤس برينّيوس سنة 1875م في بطريركية الروم الأرثوذكس بأورشليم، في مخطوطة منسوخة من سنة 1056م[4]، ونشره في القسطنطينية سنة 1883م فتهافت العلماء على قراءته ودراسته ونقل إلى لغات أجنبية[5]. كما أثار ضجة في الأوساط العلمية، خاصة في ألمانيا وانجلترا وأمريكا[6] لم يحدث مثلها في أي اكتشاف أدبي سابق.

  ويرجح العلماء أنه كتب في أنطاكية ويرى عدد كبير منهم أنه كتب في القرن الأول في حين ترى الغالبية أنه كتب في الربع الأول من القرن الثاني[7]، أي أنه كتب فيما بين سنة  80 وسنة 120م. وقد خدم هذا الكتاب الكثير من الأعمال الليتورچية والكتابات الخاصة بالقوانين الرسولية مثل الدسقولية السريانية والتقليد الرسولي لهيبوليتوس والقوانين الرسولية. ويقول عالم الآبائيات Quasten[8]: ” بين أيدينا ملخص لتوجيهات تعطينا صورة رائعة للحياة المسيحية في القرن الثاني. في الحقيقة نجد هنا أقدم نظام كنسي، نموذجًا قيِّمًا لكل التجمعات القديمة الخاصة بالنظم والقوانين الرسولية. هذا النموذج هو بداية القانون الكنسي شرقًا وغربًا “.

  وأقتبس كثيراً من الإنجيل للقديس متى وأشار إلى الإنجيل ككل، سواء الإنجيل الشفوي أو المكتوب[9] بقوله: ” كما هي عندكم في الإنجيل ” (15 :3و4) و ” كما أمر الرب في إنجيله ” (8 :2) و ” حسب ما جاء في الإنجيل ” (11 :3)  و ” كما يقول الإنجيل ” (15 :3)، ويقتبس من الإنجيل للقديس متى بقوله ” لا تصلوا كما يصلى المراؤون، بل كما أمر السيد في إنجيله، ” وَمَتَى صَلَّيْتَ فَلاَ تَكُنْ كَالْمُرَائِينَ ” (مت6 :5).

  ويطلب من الشعب أن لا يصوم الاثنين والخميس مع اليهود بل يصوم الأربعاء والجمعة وأن يصلوا الصلاة الربانية كالآتي: ” لا تصوموا مع المرائين، المراءون يصومون يومي الاثنين والخميس، أما أنتم فصوموا يوم الأربعاء ويوم الجمعة ” (8 :1). كما يقتبس الصلاة الربانية من الإنجيل للقديس لوقا: ” لا تُصلوا كما يصلى المراءون، بل كما أمر السيد في إنجيله، فصلوا هكذا: أبانا الذى فى السماوات، ليتقدس أسمك، ليأتى ملكوتك، لتكن مشيئتك كما فى السماء كذلك على الأرض، خبزنا كفافنا أعطنا اليوم، وأغفر لنا ما علينا كما نغفر نحن للمديونين لنا، ولا تدخلنا فى تجربة لكن نجنا من الشرير، لأن لك القدرة والمجد الى الأبد. صلوا هكذا ثلاث مرات فى اليوم ” (8 :2). وهو ما جاء في الإنجيل للقديس متى (مت6 :9-13).

  ويقتبس من الإنجيل للقديس متى قوله: ” لأن الرب قال لا تعطوا ما هو مقدس للكلاب ” (9 :5)، من ” لاَ تُعْطُوا الْقُدْسَ لِلْكِلاَب ” (مت7 :6). وكذلك حديث الرب عن المجيء الثاني: ” ولكن كما كتب: سيأتي الرب ومعه القديسون ” (زك14 :5) ثم يضيف ” وسينظر العالم مخلصاً آتياً على سحب السماء “، أنظر مع مت (24 :30): ” وَحِينَئِذٍ تَظْهَرُ عَلاَمَةُ ابْنِ الإِنْسَانِ فِي السَّمَاءِ “[10].

  كما يقول عن المعمودية معبراً عما كان عليه طقس الكنيسة في القرن الأول: ” بعد أن تُعلموا ما سبق، عمدوا كما يأتى: باسم الآب والابن والروح القدس[11]، بماء جارى. فإذا لم يكن هناك ماء جارى، فعمدوا بماء آخر، وإذا لم تستطع ان تُعمد بماء بارد فعمد بماء حار. اذا كنت لا تملك كلاهما، فأسكب الماء فوق الرأس ثلاثا[12] على أسم الأب والابن والروح القدس. على الذي يعمد والذي يعتمد أن يصوموا هم وغيرهم ممن يستطيعون. أوصى من يريد أن يعتمد أن يصوم يوما او يومين قبل المعمودية “.

  بل ونجد صدى واسع لحديث الرب يسوع المسيح في العظة على الجبل مما يدل على أن الكاتب أما كان يحفظ نص الموعظة من الإنجيل الشفوي، أو كان معه نص الإنجيل للقديس متى. أنظر على سبيل المثال ما جاء في الفصل الأول: ” باركوا لاعنيكم، صلوا من أجل اعدائكم صوموا من أجل مضطهديكم، أي فضل لكم ان أحببتم الذين يحبونكم؟ ألا تفعل الأمم ذلك؟ أما انتم فأحبوا مبغضيكم، فلا يكون لكم مبغضين … من ضربك على خدك الأيمن فحول له الأخر … اذا سخرك احد أن تمشى معه ميلا فأمشى ميلين، اذا أخذ احد منك وشاحك فأعطه ثوبك أيضاً “.

  وكذلك في الفصل الثاني: ” لا تقتل، لا تزن .. لا تسرق .. لا تحلف، ولا تشهد بالزور “.

  كما نجد في صلاة الأفخارستيا في الفصلين التاسع والعاشر صدى لما جاء في الإنجيل للقديس يوحنا (6 :25-58؛ ص 17)، وهو يعكس تقليداً شفوياً خاصاً بالقديس يوحنا[13].

  ويتكلم في الفصل السادس عشر عن المجيء الثاني للرب يسوع المسيح بنفس التفصيلات التي وردت في الإنجيل للقديس متى مع بعض الإشارات لما جاء في لوقا ورؤيا و2 تسالونيكي وزكريا: ” اسهروا على حياتكم، ولا تدعوا مصابيحكم تنطفيء[14]، ولا أحقاءكم تنحل[15]، بل كونوا مستعدين دائمًا لأنكم لا تعرفون الساعة التي يأتي فيها ربنا (لو١٢ :٣٥؛ مت٢٤ 00 إذ يزداد الإثم يكره الناس بعضهم بعضًا، ويضطهدون بعضهم بعضًا، ويطردون بعضهم بعضًا (مت٢٤ :٨ – ٩)، عندئذ يظهر مضلل العالم (رؤ١٢ :٩) كابن الله (٢تس٢ :٤).

ويصنع آيات وعجائب (مت2٤ :3٤) وتصبح الأرض في قبضة يديه، ويرتكب آثامًا لم يحدث مثلها منذ البدء. عندئذ تدخل الخليقة نار الاختبار، ويتعثر كثيرون ويهلكون. أما الذين يثبتون في إيمانهم فيخلصون (مت2٤ :٨و٩) من اللعنة. عندئذ تظهر علامات الحق[16]: أولاً علامة السموات مفتوحة ثم علامة صوت البوق (مت2٤ :٣١). ثانيًا قيامة الموتى، ليس جميعهم. لكن كما قيل: سيأتي الرب ومعه جميع قديسيه (زك١٤ :٥)، وسينظر العالم الرب آتيًا على سحب السماء (مت2٤ :٣٠) “.

 إقرأ أيضاً:

 

 

[1] ولزيادة التدقيق أضيف إلى ذلك، كاتباً تحت إلحاح الضرورة، أنه توجد أيضاً كُتب أخرى – إضافة لما سبق – لم تُقبل حقاً ككتب إلا أن قد أوصوا بأن يطالعها المنضمون إلينا حديثاً، والراغبون في أن يتدرَّبوا في تعليم التقوى، وهي: حكمة سليمان، وحكمة سيراخ، وأسفار أستير ويهوديت وطوبيا، وذاك الذي يُدعى تعليم الرسل، والرَّاعي. الكتب السابقة يا إخوتي هي المتضمنة في القانون، أما الأخيرة فتُقرأ فحسب. ولا يوجد أيُّ ذكر للكتابات الأبوكريفية، فهذه اختراع هراطقة، يكتبونها كما يحلو لهم، واضعين عليها استحساناتهم، ومحددين لها تواريخ، لكي تبدو كتابات قديمة، لعلهم يجدون فرصة ليضلوا البسطاء.

[2] يوسابيوس 3 :25 ،4.

[3] Com. in Symb. 38.

[4] Bruce M. Metzger The Canon Of The New Testament Its Origin, Development, and Significance p.49. 

[5] الابوين جورج نصور ويوحنا ثابت، سلسلة النصوص الليتورجية، اليداكية ص 9.

[6] المطران الياس معوض: الرسوليين، ص ٥٦.

[7] Bruce M. Metzger p.49.

[8] Quasten Petrology, vol 1, p 30.

[9] يعترض البعض من المشككين على استشهادنا بالديداكية لقانونية أسفار العهد الجديد بحجة أن آباء الكنيسة قالوا أنها ليست موحى بها!! ونقول لهؤلاء أنها من كتابات الرسوليين الذين تتلمذوا على أيدي تلاميذ المسيح ورسله، ونعرف أنها ليست موحى بها، لأن الله لم يوحي لغير أنبيائه في العهد القديم وتلاميذه ورسله فقط، في العهد الجديد. أما خلفاؤهم  فقد قدموا لنا شهادة مباشرة عن أسفار العهد الجديد وصحة وحيها وقانونيتها واستلامهم لها من أيدي الرسل أنفسهم، سواء كان ذلك شفوياً أو مكتوباً.

[10] أنظر أيضاً: ” هُوَذَا يَأْتِي مَعَ السَّحَابِ، وَسَتَنْظُرُهُ كُلُّ عَيْنٍ ” (رؤ1 :7).

[11] أنظر: ” فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآب وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ ” (مت28 :19).

[12] هنا سكب الماء على الرأس جائز عند ندرة وجود الماء، سمحت به الكنيسة فيما بعد في حالة المرض الشديد، حيث يعجز المريض عن النزول إلى المعمودية، يسميه البعض Clinical Baptism. القمص تادرس يعقوب ملطي.

[13] أنظر: ” (1) أما عن سر الشكر، فاشكروا هكذا.(2) أولاً عن الكأس. نشكرك يا أبانا لكرمة داود أبنك المقدسة التى

 عرفتنا بابنك يسوع، فلك المجد الى الأبد. (3) وحول كسر الخبز: نشكرك يا أبانا للحياة والمعرفة التى وهبتنا بيسوع أبنك فلك المجد الى الأجيال. (4) وكما أن هذا الخبز كان منثورا فوق الجبال ثم جُمع فصار خبزا واحدا، كذلك أجمع كنيستك من أقاصى المسكونة الى ملكوتك لأن لك المجد والقدرة بيسوع المسيح. (5) لا يأكل احد من كسر شكركم إلا المُعمدون باسم السيد لأنه قال لا تعطوا درركم للكلاب. الفصل العاشر: ” (1) بعد أن تشبعوا اشكروا هكذا. (2) نشكرك أيها الأب القدوس، من أجل اسمك المقدس الذى سكن فى قلوبنا ومن أجل المعرفة والأيمان والخلود، الذي عرفتٌنا بواسطة يسوع أبنك فلك المجد الى الأجيال. (3) أنت ايها السيد الكُلى القدرة جبلت الكل من أجل اسمك، أنت الذى أعطيت الغذاء والشراب للبشر للبهجة ليشكروك، ولقد وهبت لنا غذاء روحيا وشرابا وحياة أبدية بابنك يسوع. (4) قبل كل شيء نشكرك لأنك قوى فلك المجد الى الأبد “.

[14] تبدو هنا إشارة للعذارى الجاهلات في مثل الخمس عذارى الحكيمات والخمس الجاهلات: ” أَمَّا الْجَاهِلاَتُ فَأَخَذْنَ مَصَابِيحَهُنَّ وَلَمْ يَأْخُذْنَ مَعَهُنَّ زَيْتًا ” (مت25 :3).

[15] أنظر: ” فَاثْبُتُوا مُمَنْطِقِينَ أَحْقَاءَكُمْ بِالْحَقِّ ” (أف6 :14).

[16] أنظر: ” وَتَكُونُ عَلاَمَاتٌ فِي الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالنُّجُومِ، وَعَلَى الأَرْضِ كَرْبُ أُمَمٍ بحَيْرَةٍ. اَلْبَحْرُ وَالأَمْوَاجُ تَضِجُّ، وَالنَّاسُ يُغْشَى عَلَيْهِمْ مِنْ خَوْفٍ وَانْتِظَارِ مَا يَأْتِي عَلَى الْمَسْكُونَةِ، لأَنَّ قُوَّاتِ السَّمَاوَاتِ تَتَزَعْزَعُ. وَحِينَئِذٍ يُبْصِرُونَ ابْنَ الإِنْسَانِ آتِيًا فِي سَحَابَةٍ بِقُوَّةٍ وَمَجْدٍ كَثِيرٍ ” (لو21 :25-27). 

 

إقرأ أيضاً: