الرئيسية / آبائيات / إيريناؤس أسقف ليون وقانونية العهد الجديد – القمص عبد المسيح بسيط

إيريناؤس أسقف ليون وقانونية العهد الجديد – القمص عبد المسيح بسيط

إيريناؤس أسقف ليون وقانونية العهد الجديد

إيريناؤس أسقف ليون وقانونية العهد الجديد
إيريناؤس أسقف ليون وقانونية العهد الجديد

إيريناؤس أسقف ليون وقانونية العهد الجديد (120 – 202م)

  كان إيريناؤس أسقف ليون، بفرنسا حاليا، أحد الذين تتلمذوا على أيدي تلاميذ الرسل، خاصة القديس بوليكاربوس أسقف سميرنا، وتلميذ الرسل وأحد خلفائهم، كما أكد هو نفسه، كما بينا أعلاه، ويضيف القديس جيروم: ” من المؤكد أنه كان تلميذا لبوليكاربوس “[1]. وكان بوليكاربوس تلميذا للرسل، كما يقول إيريناؤس نفسه[2].

” ولكن بوليكاربوس لم يتعلم من الرسل فقط بل وتحدث مع الذين رأوا المسيح، ولكن أيضاً تعين أسقفا من الرسل في أسيا على كنيسة سميرنا، الذي رأيته أنا أيضا في شبابي، لأنه بقي على الأرض زمنا طويلاً وصار عجوز جدا، وعانى استشهاد مجيد بنبل وغادر هذا العالم. وقد علم دائماً الأمور التي تعلمها من الرسل والتي سلمتها الكنيسة والتي هي وحدها الحق. هذه التعاليم التي شهدت لها كل كنائس آسيا “[3].

  ويقول يوسابيوس أن إيريناؤس في مؤلفه عن الثماني: ” الذي يبين فيه أنه هو نفسه تعرف على أول خلفاء الرسل “[4].  

  ويقول أيضا: ” في الرسالة إلى فلورينوس السابق التحدث عنها، يذكر إيريناؤس أيضاً أنه كان تلميذا لبوليكاربوس قائلاً: … وأنني أتذكر حوادث ذلك الوقت بوضوح أكثر من السنوات الأخيرة. لأن ما يتعلمه الصبيان يرسخ في عقولهم. لذلك ففي أمكاني وصف نفس المكان الذي كان يجلس فيه المغبوط بوليكاربوس وهو يلقي أحاديثه، ودخوله وخروجه، وطريقة حياته وهيئة جسمه، وأحاديثه للشعب، والوصف الذي قدمه عن عشرته ليوحنا والآخرين الذي رأوا الرب.

ولأن بوليكاربوس كان متذكرا كلماتهم وما سمعه منهم عن الرب وعن معجزاته وتعاليمه لاستلامها من شهود شهدوا بأعينهم كلمة الحياة فقد روى كل شيء بما يتفق مع الأسفار المقدسة “[5].   

  وأيضاً: ” إنه لا يزال ثابتاً في مخيلتي ما كان يتصف به القديس بوليكاربوس من احتشام ورصانة مع احترام هيئته ووقار طلعته وقداسة سيرته، وتلك الإرشادات الإلهية التي كان يعلم بها رعيته وبأبلغ من ذلك كأني أسمع ألفاظه التي كان ينطق بها عن الأحاديث التي تمت بينه وبين القديس يوحنا الإنجيلي وغيره من القديسين الذين شاهدوا يسوع المسيح على الأرض وترددوا معه وعن الحقائق التي تعلمها وتسلمها منهم “[6].

  فقد كان إيريناؤس حلقة الوصل بين الآباء الرسوليين تلاميذ الرسل ومن جاءوا بعده. وقد أكد هو نفسه أنه عرف الإنجيل الحقيقي النقي وذلك بالمقارنة بالأناجيل المزيفة التي وضعها الهراطقة ودافع عنها طوال حياته. وقد كتب مجموعة من الكتب بعنوان ” ضد الهراطقة “، دافع فيها عن المسيحية وأسفارها المقدسة وشرح لنا كيف انتشر الإنجيل من خلال التسليم الرسولي في العالم المعروف وقتئذ، حوض البحر المتوسط وما بين النهرين (سوريا والعراق) والعربية وفارس وجنوب الهند.

هذا العالم العظيم في زمانه، والذي شهد لعلمه ودقته وأمانته جميع العلماء والدارسين، نقل لنا صورة حية عن التقليد الشفهي وكيفية انتقاله وانتشاره في الكنيسة الأولى والوحي الإلهي وقانونية العهد الجديد وكيفية انتقال أسفاره بدقة من المسيح لتلاميذه لخلفائهم وتلاميذهم حتى أيامه، في كل البلاد التي انتشرت فيها المسيحية، فيقول:  

  ” إذ أن الرسل وضعوا في أيدي الكنيسة كل الأمور التي تخص الحق بغزارة بلا حدود، مثل رجل غنى (أكتنز ماله) في بنك، لذلك فكل إنسان أيا كان يستطيع أن يسحب منها ماء الحياة “[7].

  ويقول أيضاً: ” المعرفة الحقيقية قائمة في تعليم الرسل وقيام الكنيسة في العالم كله، وفي امتياز إستعلان جسد المسيح بواسطة تتابع الأساقفة الذين أعطوا الكنيسة القائمة في كل مكان أن تكون محروسة ومصانة دون أي تزييف أو ابتداع في الأسفار بسبب طريقة التعليم الكاملة والمتقنة التي لم تستهدف لأي أضافه أو حذف، وذلك بقراءتها بغير تزوير مع مواظبة شرحها باجتهاد بطريقة تلتزم بالأسفار دون أي خطورة من جهة التجديف، وبواسطة المحبة الفائقة التي هي أكثر قيمة من المعرفة وأعظم من النبوّة والتي تفوق كل ما عداها من المواهب “[8].

ويضيف: ” كما سبق أن أوضحت، الكنيسة وقد تقبلت هذه الكرازة وهذا الإيمان، بالرغم من انتشارها في العالم كله إلا أنها كمن تقطن في بيت واحد، تحافظ على هذه الأمور بكل عناية … وتتباين لغات العالم، لكن معنى التقليد واحد في كل موضع. فالكنائس التي قامت في ألمانيا لا تؤمن ولا تسلم أمرًا مغايرًا، وكذلك الكنائس التي في أسبانيا أو بلاد الغال أو التي في الشرق أو في مصر أو في ليبيا أو تلك التي قامت في مركز العالم “[9].

  ” إذ نشير ” للهراطقة ” عن التقليد المنحدر إلينا من الرسل والمحفوظ خلال تتابع الشيوخ “، أي رجال الكهنوتفي الكنائس نقول أنهم يقاومون التقليد مدعين أنهم أكثر حكمة من الأساقفة ” الشيوخ ” بل ومن الرسل أنفسهم، وأنهم قد وجدوا الحق الأصيل، ” ويؤكدون ” أن الرسل قد خلطوا الأمور الخاصة بالشريعة بأقوال المخلص … من هذا يظهر أنهم (الهراطقة) لم يتفقوا لا مع الكتاب المقدس ولا مع التقليد … أنه في قدرة الجميع، في كل كنيسة، أن يروا الراغبين في رؤية الحق وأن يتأملوا بوضوح تقليد الرسل معلنًا في العالم كله … بهذا الترتيب وخلال التتابع ” منذ الرسل “، وصل إلينا التقليد الكنسي من الرسل وأيضًا الكرازة بالحق. وهذا هو برهان قوى أنه يوجد إيمان واحد محيى، حفظ في الكنيسة منذ الرسل إلى يومنا هذا، وسلم بالحق.

إذ لدينا مثل هذه البراهين، لا نطلب الحق من الآخرين ” الخارجين عن الكنيسة ” إذ يسهل الحصول عليه من الكنيسة. لأنه في الكنيسة أستودع الرسل وديعتهم كما يصنع الرجل الغنى ” مودعًا أمواله ” في مصرف، إذ سلموا كل ما يتعلق بالحق. بهذا يستطيع كل إنسان يريد أن يشرب مياه الحياة (رؤ22 :17). أنها مدخل الحياة! وكل الآخرين هم سراق ولصوص.

لهذا يلزمنا أن نجتنبهم، وأن نسعى بكل غيرة واجتهاد في التمسك بما يخص الكنيسة، متمسكين بتقليد الحق. فانه ماذا يكون الموقف لو ثار نزاع فيما يخص أمرًا هامًا حدث بيننا؟ أما كنا نلجأ إلى أكثر الكنائس قدمًا، التي أودع فيها الرسل حديثهم الدائم، ونتعلم منها ما هو أكيد وواضح في ذلك الأمر؟! فإنه ماذا لو أن الرسل لم يتركوا لنا كتبًا مكتوبة؟ أما كان يلزمنا أن نتبع ” قانون التقليد ” الذي سلموه إلى الذين استأمنوهم على رعاية الكنائس؟!

  إلى أي شئ يلتجئ كثير من البرابرة ” الذين لم يترجم الكتاب المقدس إلى لغتهم حتى ذلك الحين” الذين يؤمنون بالسيد المسيح، وقد كتب الخلاص في قلوبهم بالروح وليس على ورق وبحبر، حافظين التقليد القديم بكل حرص. ما دام التقليد المنحدر إلينا من الرسل موجودًا في الكنيسة وهو دائمًا بيننا، فلنرجع إلى البرهان الكتابي الذي أقامه الرسل، الذين كتبوا الإنجيل، وسجلوا فيه التعليم الخاص بالله، مشيرين إلى ربنا يسوع المسيح على أنه الحق (يو6 :14) وليس فيه كذب.

  لقد وهبت عطية الله هذه ” أي الأيمان بالمسيح الذي قبلناه خلال التقليد ” للكنيسة، وكأنها النسمة التي أعطيت للإنسان الأول، لكي يتمتع الأعضاء جميعهم  بالحياة بقبولهم هذه العطية وينالوا ” وسائط الشركة مع المسيح ” التي هي: الروح القدس، لنوال عدم الفساد، وسائط الثبوت في الإيمان، السلم المرتفع نحو الله. فقد قيل إن الله أقام في الكنيسة رسلاً وأنبياء ومعلمين (1كو12 :28).

وقدم كل الوسائط الأخرى التي من خلالها يعمل الروح. أما الذين ليست لهم شركة في الكنيسة ولا هم منتمين إليها فيحرمون أنفسهم من الحياة بآرائهم المضادة وسلوكهم المشين. لأنه حيث توجد الكنيسة، ونجد كل نوع من النعمة، لأن الروح هو الحق[10].

  وأقتبس إيريناؤس من كل أسفار العهد الجديد حوالي 1075 اقتباسا، فقد اقتبس منها 626 من الأناجيل الأربعة وحدها 54 اقتباس من سفر أعمال الرسل 325 من رسائل القديس بولس الرسول الأربعة عشر (84 من رومية، 102 من 1كورنثوس، 18 من 2كورنثوس، 27 من غلاطية 37 من أفسس، 18 من كولوسي، 2 من 1تسالونيكي، وو9 من 2تسالونيكي، 5 من 1 تيموئاؤس، 5 من 2 تيموثاؤس، 4 من تيطس. كما اقتبس واستشهد بسفر الرؤيا 29 مرة[11].

  وهو بهذا يؤكد لنا أن العهد الجديد، بل والكتاب المقدس بعهديه، كان وحدة واحدة في الكنيسة الأولى لا يمكن تجزئتها أو فصلها, وأن كل أسفار العهد الجديد كانت متساوية في فكره وفكر جميع الآباء.

  وأكد على حقيقة انتشار الأناجيل الأربعة في كل مكان بقوله ” لقد تعلمنا خطة خلاصنا من أولئك الذين سلموا لنا الإنجيل الذي سبق أن نادوا به للبشرية عامة، ثم سلموه لنا بعد ذلك، حسب إرادة الله، في أسفار مقدسة ليكون أساس وعامود إيماننا[12].

لأنه من غير اللائق قانوناً أن نؤكد أنهم بشروا قبل أن يمتلكوا ” معلومات كاملة ” … لأنه بعد أن قام ربنا من الموت امتلأ الرسل بقوة من الأعالي عندما نزل عليهم الروح القدس وامتلئوا بمواهبه مع معلوماتهم المؤكدة فقد انطلقوا إلى اقاصي الأرض كارزين بالأخبار المفرحة والأمور السارة من الله لنا ونادوا بسلام السماء للبشر، فقد كانوا يمتلكون بالحقيقة إنجيل الله، كل بمفرده وبالتساوي، فقد نشر متى إنجيلاً مكتوباً بين العبرانيين بلهجتهم عندما كان بطرس وبولس يكرزان ويؤسسان الكنائس في روما.

وبعد رحيلهما سلم لنا مرقس تلميذ بطرس ومترجمه، كتابة ما بشر به بطرس. ودون لوقا، رفيق بولس في سفر الإنجيل الذي بشر به (بولس)، وبعد ذلك نشر يوحنا نفسه، تلميذ الرب والذي اتكأ على صدره إنجيلا أثناء أقامته في أفسس في آسيا الصغرى “[13].

  وقال عن وحدة الإنجيل ” لا يمكن أن تكون الأناجيل أكثر أو أقل مما هي عليه

الآن حيث يوجد أربعة أركان في العالم الذي نعيش فيه أو أربعة رياح جامعة حيث انتشرت الكنيسة في كل أنحاء العالم وأن “عامود الحق وقاعدة ” الكنيسة هو الإنجيل روح الحياة، فمن اللائق أن يكون لها أربعة أعمدة تنفس الخلود وتحي البشر من جديد، وذلك يوضح أن الكلمة صانع الكل، الجالس على الشاروبيم والذي يحتوى كل شيء والذي ظهر للبشر أعطانا الإنجيل في أربعة أوجه ولكن مرتبطة بروح واحد … ولأن الإنجيل بحسب يوحنا يقدم ميلاده الأزلي القدير والمجيد من الآب، يقول ” في البدء كان الكلمة وكان الكلمة عند الله وكان الكلمة الله ” ” كل شيء به كان وبغيره لم يكن شيء مما كان.

لذا فالإنجيل يستحق كل ثقة لأن هذا كان شخصه في الحقيقة 00 ولكن الذي بحسب لوقا يركز على  شخصيته (المسيح) الكهنوتية فقد بدأ بزكريا الكاهن وهو يقدم البخور لله. لأن العجل المسمن ( أنظر لوقا 23:15)، الذي كان سيقدم ذبيحة بسبب الابن الأصغر الذي ُجد، كان يعُد حالاً … ويركز متى على ميلاده الإنساني قائلاً ” كتاب ميلاد يسوع المسيح ابن داود ابن إبراهيم ” ” وكان ميلاد يسوع المسيح هكذا “. فهو إذا إنجيل الإنسانية، ولذا يظهر [ المسيح ] خلال كل الإنجيل كإنسان وديع ومتواضع. ويبدأ مرقس من جهة أخرى بروح النبوة الآتي على الناس من الأعالي قائلاً ” بدء إنجيل يسوع المسيح، كما هو مكتوب في اشعياء النبي ” مشيراً إلى المدخل المجنح للإنجيل. لذلك صارت  رسالته وجيزة ومختصره لمثل هذه الشخصية النبوية  “[14].

  كما يؤكد لنا القديس إيريناؤس وجود الأناجيل الأربعة في كل مكان حتى مع الهراطقة. فقد اعتمدت كل هرطقة منها أما على الأناجيل الأربعة ككل أو على واحد من الأناجيل الأربعة. ونظرا لأن الكتابات الغنوسية[15]، في معظمها، بنيت على أساس ما بعد قيامة المسيح أو بعد صعوده إلى السماء، ولم تذكر شيئاً عن تعليم المسيح وأعماله قبل ذلك، عدا إنجيل توما المنحول وإنجيل بطرس المنحول، لذا لم تستغنى عن الأناجيل الأربعة أو حتى على واحد منها على الأقل. وقد أكد ذلك القديس إيريناؤس قائلاً: ” الأرض التي تقف عليها هذه الأناجيل أرض صلبة حتى أن الهراطقة أنفسهم يشهدون لها ويبدأون من هذه الوثائق، ويسعى كل منهم لتأييد عقيدته الخاصة منها.

فالأبيونيين الذين يستخدمون الإنجيل بحسب متى، يستخرجون فقط بنفس الأسلوب، مفترضين افتراضات كاذبة بخصوص الرب. ولكن ماركيون يشوه الإنجيل بحسب لوقا، مبرهنا أنه جدف على الله الواحد الموجود من هذه الفقرات التي لا يزال يحتفظ بها. وأولئك الذين يفصلون يسوع عن المسيح مدعين أن المسيح بقي غير متألم، وأن الذي تألم هو يسوع، يفضلون الإنجيل بحسب مرقس، والذي لو قرءوه بمحبة الحق لكانوا قد صححوا أخطاءهم. وأيضاً هؤلاء الذين يتبعون فالنتينوس، يستخدمون الإنجيل بحسب يوحنا كثيراً موضحين بأمثلة ارتباطهم مبرهنين كل أخطائهم من الإنجيل نفسه، كما بينت في كتابي الأول. ونظراً لأن خصومنا يشهدون لنا ويستخدمون هذه الوثائق، فبراهيننا المأخوذة منها قوية وحق “[16].

  ويحدثنا القديس إيريناؤس عن الأبيونيين والناصريين واستخدامهم للإنجيل للقديس متى قائلاً: ” أنهم يستخدمون الأنجيل بحسب متى فقط “[17]. كما تكلم عن ماركيون الذي استخدم الإنجيل للقديس لوقا وحذف منه نصوصاً كثيرة ليتفق مع فكره الغنوسي: ” إلى جانب هذا فقد شوه (ماركيون) الإنجيل الذي بحسب لوقا وحذف منه ما كتب بخصوص مواليد الرب ووضع جانباً كما كبيراً من تعاليم الرب “[18]، مؤكدا قوله أنه حتى الهراطقة يشهدون للأناجيل الأربعة.

  كما أكد على كتابة كل من القديسين متى ومرقس ولوقا ويوحنا للأناجيل الأربعة المعروفة بأسمائهم وأكد على محتوى كل سفر ونسبه لكاتبه؛ فقال عن الإنجيل للقديس متى: ” متى أيضاً اصدر أنجيلا مكتوبا للعبرانيين بلهجتهم, بينما بطرس وبولس كانوا يبشرون في روما ويضعون أسس الكنيسة “[19].

  ويقتبس من هذا الإنجيل حوالي 210 اقتباس ويؤكد لنا في الكثير منها أن كاتب الإنجيل هو القديس متى وفيما يلي أمثلة لذلك، حيث يقول: ” ويركز متى على ميلاده كإنسان قائلاً ” كتاب ميلاد يسوع المسيح ابن داود ابن إبراهيم (مت1 :1) ” أيضاً ” وكان ميلاد يسوع المسيح هكذا “. فهو إذا إنجيل إنسانيته، ولهذا السبب يظهر [ المسيح ] خلال كل الإنجيل كإنسان وديع ومتواضع “[20].

  بل ويلخص لنا محتوى الإصحاح الأول من الإنجيل للقديس متى قائلاً: ” وقد أدرك متى أيضا أن يسوع المسيح هو نفسه واحد ويقدم لنا ميلاده كإنسان من عذراء، وكما سبق أن وعد الله داود أنه سيقيم من ثمرة جسده ملك أبدي[21]، وقد أعطى نفس الوعد لإبراهيم قبله بزمن طويل قائلا: كتاب ميلاد يسوع المسيح ابن داود ابن إبراهيم (مت1 :1)، وليحرر عقولنا من الشك فيما يختص بيوسف، يقول: أما ولادة المسيح فكانت هكذا. لما كانت مريم أمه مخطوبة ليوسف قبل أن يجتمعا وجدت حبلى من الروح القدس.

ثم عندما فكر يوسف أن يتخلى عن مريم بسبب حبلها بطفل، يخبرنا متى أن ملاك الرب وقف به وقال له: ” لا تخف أن تأخذ مريم امرأتك لأن الذي حبل به فيها هو من الروح القدس فستلد ابنا وتدعو اسمه يسوع لأنه يخلّص شعبه من خطاياهم. وهذا كله كان لكي يتم ما قيل من الرب بالنبي القائل. هوذا العذراء تحبل وتلد ابنا ويدعون اسمه عمانوئيل الذي تفسيره الله معنا “[22].

  ويتحدث عن كتابة القديس مرقس للإنجيل المعروف باسمه قائلا: ” وبعد رحيلهم سلمنا مرقس, تلميذ ومفسر بطرس, كتابةً ما بشر به بطرس “. ويقتبس منه حوالي 18 مرة.

ويذكر بداية الإنجيل للقديس مرقس قائلاً: ” بينما يقول مرقس أيضاً: بدء إنجيل يسوع المسيح ابن الله كما هو مكتوب في الأنبياء “[23]. ويقول في نفس الكتاب: ” بينما بدء مرقس مفسر بطرس وتابعه رواية إنجيله: بدء إنجيل يسوع المسيح ابن الله كما هو مكتوب في الأنبياء ها أنا أرسل ملاكي أمام وجهك ليعد طريقك. صوت صارخ في البرية اعدوا طريق الرب اصنعوا سبل مستقيمة أما إلهنا “[24].

  ويقول عن كتابة الإنجيل للقديس لوقا: ” لوقا أيضاً رفيق بولس سجل أيضاً في كتاب الإنجيل الذي بشر به, بعد ذلك “. ويقتبس منه 130 مرة. ويذكر لنا مقدمة الإنجيل قائلاً: ” وهكذا سلم لنا الرسل ببساطة ودون اعتبار للأشخاص ما تعلموه بأنفسهم من الرب.

وهكذا أيضا فعل أيضاً لوقا دون اعتبار للأشخاص فقد سلم لنا ما تعلمه منهم كما شهد هو نفسه قائلاً: كما سلمه لنا الذين كانوا من البدء شهود عيان وخداما للكلمة ” (لو1 :3)[25]. 

  ويقتبس القديس إيريناؤس من الإنجيل للقديس لوقا الحديث عن بداية كرازة الرب يسوع المسيح والسن التي بدأ فيها وينسب النص للقديس لوقا مؤكدا لنا أن كاتب هذا النص هو القديس لوقا بل والذي يصفه بالذي ذكر سنوات المسيح ولذلك أقتبس النص منه مما يعطى ترابطا في فكر إيريناؤس بين القديس لوقا وبين اختياره هو لاقتباس هذا النص من البشارة التي دونها: ” لوقا, الذي ذكر سنواته (أي المسيح) قد عبر عنها: لما ابتدأ يسوع كان له نحو ثلاثين سنة ” (لو3 :23)[26].

ويقدم لنا شهادته لكتابة القديس لوقا للإنجيل وكيفية استلامه من شهود العيان كقوله: ” وهكذا سلمنا لوقا، دون اعتبار للأشخاص، ما تعلمه منهم (أي الرسل) كما شهد هو نفسه قائلاً: كما سلمها إلينا الذين كانوا من البدء شهود عيان وخدم للكلمة ” (لو1 : 2)[27].

  وقال عن تسجيل القديس لوقا لميلاد يوحنا المعمدان: ” لوقا أيضاً تابع وتلميذ الرسل يشير إلى زكريا واليصابات اللذين طبقا للوعد، ُلد لها يوحنا قائلا وكانا كلاهما بارين أمام الله سالكين في جميع وصايا الرب وأحكامه بلا لوم “[28]. بل وفي هذا الفصل العاشر من كتابه الثالث يشرح لنا معظم ما جاء في لوقا الإصحاحين 12[29].

  وهو هنا يقدم لنا جزء آخر من محتويات الإنجيل للقديس لوقا. كما يذكر تسبحة العذراء كما جاءت في الإنجيل للقديس لوقا (1 :46) قائلا: ” مريم أيضاً تهللت, ولذلك بكت متنبأة عن الكنيسة “، مشيرا إلى نبوّة العذراء عن تطويبها في جميع الأجيال, ثم يضع نص تسبحة العذراء.

وفي مكان أخر يستشهد بالنص ” ولما تمت أيام تطهيرها حسب شريعة موسى صعدوا به إلى أورشليم ليقدموه للرب ” قائلا: ” أن لوقا يتكلم عن الرب قائلا “.

  واقتبس قول القديسين متى ولوقا الذي يشير إلى نبوّة اشعياء عن المعمدان الذي جاء ليعد الطريق للرب: ” فان هذا هو الذي قيل عنه باشعياء النبي القائل صوت صارخ في البرية اعدوا طريق الرب.

اصنعوا سبله مستقيمة ” (مت3 :3؛ لو3 :4) اش 40 :1) قائلا: ” أن متى ولوقا قالا مثله “. ثم سرد النص كما هو في أنجيل متى موفقا نفس المعنى مع ما جاء في خطاب يوحنا المعمدان في أنجيل لوقا الإصحاح الثالث, فأن كان اللفظ أختلف إلا أن معنى النصين واحد وروح النصين واحد[30].

  ثم يتكلم القديس إيريناؤس عن ماركيون الهرطوقي الذي ظهر في القرن الثاني وأعترف فقط بالإنجيل للقديس لوقا وعشر من رسائل القديس بولس فقط قائلا ” أنه أخذ أنجيل لوقا فقط “[31]، وذلك بنفس الأسلوب والصيغة التي تكلم بها عن الأبيونيين وكأنه يريد أن يقول لا يصلح أن نأخذ بشارة واحدة فقط فالكل هو وحى الرب.

  وبعد ذلك يتكلم عن ماركيون ناقداً إياه, قائلا عن الإنجيل: ” هؤلاء الرسل الذين سلموا لنا الإنجيل بأيديهم “. مؤكدا أن ما بين يديه هو ما تسلمه من خلفاء الرسل وتلاميذهم، وقد كان هو، إيريناؤس نفسه، تلميذا لبوليكاربوس تلميذ الرسل، والذين استلموه هم بدورهم من الرسل تلاميذ الرب يسوع المسيح. موضحا التسلسل الرسولي

المكتوب بدون انقطاع وذلك إلى جانب التقليد الشفوي جنبا إلى جنب[32].

  ويقول عن سفر أعمال الرسل مؤكدا أن كاتبه هو القديس لوقا في حديثه قائلاً: ” سيمون السامري كان ذاك الساحر الذي قال عنه لوقا تلميذ وتابع الرسل: ” كان هناك رجل في المدينة اسمه سمعان قبل الوقت يستخدم فنون السحر ويضل شعب السامرة قائلاً أنه شيء عظيم … ” (أع 8: 9-11)[33].

  والقديس إيريناؤس في هذه الفقرات التي اقتبسناها منه يؤكد لنا على الحقائق التالية:

(1) أن التلاميذ تسلموا الإنجيل من الرب يسوع المسيح نفسه وحملوه للعالم بالروح القدس شفويا ثم دونوه في أسفار مكتوبة.

(2) أن تلاميذ المسيح ورسله بشروا المسكونة كلها وكرزوا لها بالإنجيل وخلفوا وراءهم تلاميذهم وخلفاءهم الذين اقاموهم كأساقفة وقسوس وشمامسة (شيوخ الكنيسة).

(3) أن الآباء الرسوليين، تلاميذ التلاميذ والرسل استلموا منهم، الإنجيل الشفوي والإنجيل المكتوب وسلموه لخلفائهم بنفس الطريقة.

(4) أنه كان في الكنيسة كلها إنجيل واحد له أربعة أوجه، أو أربعة أناجيل للقديسين متى ومرقس ولوقا ويوحنا، وأن هذا الإنجيل بأوجهه الأربعة كان مع الهراطقة أيضاً.

(5) ومن المقدمات التي ذكرها عن كل إنجيل وذكره لكل بدايات الإنجيل بأوجهه الأربعة يؤكد لنا أن هذا الإنجيل هو نفسه الذي معنا الآن كما كان معه وفي عصره وفي الكنيسة المسيحية كلها في كل مكان انتشرت فيه في المسكونة.

  كما استشهد من الرسالة إلى العبرانيين بقوله: ” الآب الوحيد خلق كل شيء ما يرى وما لا يرى … ما في السماء وما على الأرض بكلمة قوته “[34]، مشيرا إلى ما جاء في العبرانيين: ” وحامل كل الأشياء بكلمة قدرته ” (عب1 :3).

  واقتبس من الرسالة إلى يعقوب قوله: ” تم الكتاب القائل فآمن إبراهيم بالله فحسب له برا ودعي خليل الله ” (يع2 :23). فيقول إيريناؤس: ” وإبراهيم نفسه بدون الختان

وبدون تقديس السبت آمن بالله وحسب له ذلك براً ودعي خليل الله “[35].

  واقتبس من رسالة بطرس الأولى قوله: ” يقول بطرس: ذلك وان لم تروه تحبونه. ذلك وان كنتم لا ترونه الآن لكن تؤمنون به فتبتهجون بفرح لا ينطق به ومجيد ” (1بط1 :8)[36].

  ويستشهد بما جاء في رسالة القديس يوحنا الأولى قائلاً: ” ولهذا السبب فقد شهد لنا في الرسالة: أيها الأولاد هي الساعة الأخيرة. وكما سمعتم أن ضد المسيح يأتي قد صار الآن أضداد للمسيح كثيرون. من هنا نعلم أنها الساعة الأخيرة. منا خرجوا لكنهم لم يكونوا منا لأنهم لو كانوا منا لبقوا معنا لكن ليظهروا انهم ليسوا جميعهم منا … من هو الكذاب إلا الذي ينكر أن يسوع هو المسيح. هذا هو ضد المسيح الذي ينكر الآب والابن ” (1يو2 :18 22؛4 :3)[37].

  وكان دائما يرجع لأسفار العهد الجديد، خاصة الأناجيل الأربعة التي يسميها الدليل المكتوب: ” ولأنه هكذا يوجد تسليم الرسل في الكنيسة ودائم بيننا، لنعود إلى الدليل المكتوب الذي وضعه هؤلاء الرسل الذين كتبوا الإنجيل والذي سجلوا فيه العقيدة من جهة الله مؤكدين أن الرب يسوع المسيح هو الحق وليس فيه كذب ” (يو14 :6)[38].

  ويضيف: ” ولكن إيماننا أكيد وصادق، والإيمان الوحيد الصحيح وله برهانه الواضح من الأسفار المقدسة والتي تم تفسيرها بالطريقة التي رويتها وأن تبشير الكنيسة بدون تحريف. لأن الرسل أقدم بكثير جداً من كل هؤلاء الهراطقة متفق مع التفسير السابق والترجمة متجانسة مع تقاليد الرسل. لأن بطرس ويوحنا ومتى والباقين الذين خلفوهم وأيضا أتباعهم أعلنوا كل استحقاقات الإعلان كما حوتهم تفسيرات الشيوخ “[39].

 

[1] مشاهير الرجال ف 35.

[2] Ag. Haer. 3.3.4c.

[3] وكان بوليكاربوس قد استشهد سنة 167م في حكم مركوس أورليوس، وكان عمره 86 سنة مما يعني أنه عاصر القديس يوحنا وهو في سن العشرين، أي في شبابه: ” وعندما كان المغبوط بوليكاربوس في روما، في وقت انيسيتوس واختلفا قليلا في بعض أمور أخرى، حل السلام بينهما في الحال، دون أن يتشاجرا بصدد هذا الأمر. لأن انيسيتوس عجز أن يقنع بوليكاربوس بالعدول عن إتباع ما كان يمارسه دواما مع يوحنا رسول ربنا وباقي الرسل الذين أختلط بهم، كذلك عجز بوليكاربوس عن إقناع انيسيتوس لحفظه، إذ قال أنه يجب أن أتباع العادات التي مارسها المشايخ قبله ” (يوسابيوس ك 5 ف 24).

[4] يوسابيوس ك 5 ف20 ،1.

[5] يوسابيوس ك 5 ف20 ،1و4.

[6] الآباء الرسوليين للقمص تادرس يعقوب ص 126.

[7] N. T. Apoc     رؤ 17:22 

[8] Adv. Hear. B 5;33.

[9] Probably referring to the in Palestine(Ante Nicene Frs, vol1, p 331.

[10] Irenarus: Against Heresies 1:10:2;3:2,2:3, 3L:3:1; 3:3:3; 3:4:1, 2; 3:5:1;3:24:1. Ante-Nicene , vol 1. j. Stevenson: A Eusebius, London, 1974,p 115 – 117.

 

[11] Ante N. F. Vol. 2, pp. 598 – 602.

(1 :5؛ 1 :12؛  1 :15؛ 1 :17؛ 2 :5؛ 2 :6؛ 2 :17؛ 3 :7؛ 4 :7؛ 5 :6؛ 5 :8؛ 6 :2؛ 7 :5-7؛ 11 :19؛ 12 :14؛ 13 :2؛ 13 :11 و14؛ 15 :26؛ 17 :8؛ 17 :12؛ 19 :11-17؛ 19 :20؛ 20 :2؛ 20 :6؛ 20 :11و 15؛ 20 :12-14؛ 20 :15؛ 21 :1-4؛ 21 :2؛ 21 :5و 6؛ 22 :17؛ 22 :19).

[12] أنظر ” بَيْتِ اللهِ، الَّذِي هُوَ كَنِيسَةُ اللهِ الْحَيِّ، عَمُودُ الْحَقِّ وَقَاعِدَتُهُ ” (1تي3 :15).

[13] Ag. Haer.3:1.

[14] Ag.Haer. 3:11,8.

[15] لأنه لما ظهرت الهرطقة الغنوسية الدوسيتية وبدأ أتباعها يكتبون الكتب الخاصة بأفكارهم وعقائدهم وينسبوها لتلاميذ المسيح بصورة مكشوفة لا تتفق وفكر الكنيسة، بل وراح كل كتاب من هذه الكتب أما ينسب نفسه لأحد التلاميذ أو يزعم أن المسيح خصه هذا التلميذ المنسوب له الكتاب المنحول قد ظهر له المسيح بعد قيامته من الأموات أو بعد صعوده إلى السماء وخصه بأسرار لم يخص بها غيره من التلاميذ وطلب منه أن يدونها بع ذلك في كتاب!!

[16] Ag. Haer. 3:11,8.

[17] Ag. Haer. 1: 26, 2.

[18] Ag. Haer. 1 :27,2.

[19] Ag.Haer. 3:1.

[20] Ag.Haer. 3:11,8.

[21] اقسم الرب لداود بالحق لا يرجع عنه. من ثمرة بطنك اجعل على كرسيك (مز132 :11).

[22] Ag. Haer. 3.16.2.

[23] Ag. Haer. 3.16.3.

[24]Ag. Haer. 3: 10.5.

[25] Ag. Haer. 3: 15.2.

[26] Ag. Haer.2 :22,5.

[27] Ag. Haer.2 :14,2.

[28] Ag. Haer.3 :10,1.

[29] Ag. Haer.3 :10.

[30] Ag. Haer.3 :9.

[31] Ag. Haer.2 :27,2.  

[32] Ag. Haer.3 :3.

[33] Ag. Haer.1 :23,1.

[34] Ag. Haer. 2.30.9.

 

[35] Ag. Haer. 4.16.2.

[36]Ag. Haer. 5.7.2.

[37] Ag. Haer. 3.16.5.

[38] Ag. Haer. 3.5.1a.

[39]Ag. Haer.3.21.3c.

إقرأ أيضاً:

إقرأ أيضًا

الدكتور منقذ السقار متلبسا - كيف يقول المسيح لأمه يا إمرأة؟

الدكتور منقذ السقار بطل لكنه من ورق – كيف يقول المسيح لأمه يا إمرأة؟

الدكتور منقذ السقار متلبسا – كيف يقول المسيح لأمه يا إمرأة؟ الدكتور منقذ السقار متلبسا …