الرئيسية / آبائيات / المسيح المتألم – دكتور مجدي وهبه

المسيح المتألم – دكتور مجدي وهبه

المتألم – دكتور مجدي وهبه

المسيح المتألم - دكتور مجدي وهبه
المتألم – دكتور مجدي وهبه

المتألم – دكتور مجدي وهبه

مقدمة:

 من بداية خدمة السيد العلنية، بعد معموديته مباشرة، وهو يواجه ردود أفعال مضادة، وحسد، وكراهية، وهجوم على شخصه، منها من هو من الشيطان نفسه (أنظر مت1:4ـ11، لو1:4ـ13) ومنها ما هو من شعبه الخاص، الشعب اليهودى (أنظر يو11:1) وبالذات من الرؤساء الدينيين (أنظر على سبيل المثال مر 1:3ـ6، لو 9:20ـ19، يو1:9ـ34).

وترجع أسباب هذه المقاومة إلى العوامل التالية:

1ـ عمل السيد وسلطانه الذى ظهر في إتمام المعجزات الكثيرة في الوقت الذى لا نسمع ولا نقرأ فيه عن عمل مقابل من جانب الرؤساء الدينيين، الأمر الذى أربكهم وجعلهم في خوف على فقدان مراكزهم ووضعهم أمام الشعب (أنظر يو17:12ـ19).

2ـ تعليم السيد الذى ركز فيه أساسًا على الحياة حسب الروح وليس حسب الحرف، الأمر الذى اعتبره الحرفيين من أنه خطر على تقاليدهم وعلى ميراثهم الآبائى (أنظر مر1:3ـ6، يو1:9ـ34، يو1:11ـ44).

3ـ شخصية السيد كابن لله، حيث إنه كلما أعلن السيد عن نفسه أنه “ابن الله” وساوى نفسه بالله الآب، كلما جاء في صدام مباشر مع الذين بحسب مفاهيمهم الدينية المطلقة، اعتبروا أن السيد إنسان يساوى نفسه بالله بل واعتبروا أن كلامه هو تجديف على الله (أنظر يو1:5ـ18، 22:10ـ39).

ولكن على مدى ثلاثة سنوات متواصلة، ورغم خطط الزعماء الدينيين للقبض على السيد بطرق مختلفة، إلاّ أن أحد لم يستطع أن يلقى عليه الأيادى. لأنه بحسب، الإنجيليين الثلاثة الأُّول، إن رؤساء الدينيين قد خافوا من الشعب الذى احترم السيد وآمن به كنبى (أنظر مت 45:21ـ46، مر12:12، لو19:20). وبحسب الإنجيلى الرابع ” لأن ساعته لم تكن قد جاءت بعد” (يو25:7ـ30). أما في السنة الرابعة لخدمته وقبل آلامه وصلبه بقليل وقع حدثان كبيران جعلا قرار القبض عليه وقتله واجب التنفيذ الفورى، هذان الحدثان هما:

1 ـ إقامة لعازر :

بحسب الإنجيلى يوحنا كانت معجزة إقامة لعازر بعد أربعة أيام من موته ودفنه (يو1:11ـ45). فمن المعروف أن رؤساء كهنة كانوا من الصدوقيين الذين لم يكونوا يؤمنون بقيامة الأموات (أع17:5، 23:6ـ8)، وبالتالى كانت إقامة لعازر بالنسبة لهم، ضربة قوية لتعاليمهم ووضعهم أمام الشعب، ولذا نجدهم من بعد هذه المعجزة مباشرة، يدعون لاجتماع عاجل، أفتى فيه قيافا رئيس كهنة في تلك السنة ” إنه خير أن يموت إنسان واحد عن الشعب ولا تهلك الأمّة كُلّها” (يو50:11) ومن ذلك اليوم “أصدروا أمرًا أنه إن عرف أحد أين هو () فليدل عليه لكى يمسكوه” (يو57:11)[1].

2ـ دخول المسيح أورشليم :

وبحسب الإنجيليين متى ومرقس ولوقا، كان دخول السيد الانتصارى لأورشليم وتطهيره للهيكل من باعة الحمام والصيارفة ومن كل الذين يبيعون ويشترون، الإجراء الذى اعتبرته القيادات الدينية وقتئذ تعديًا صارخًا على واجباتهم وتحديًا قويًا لسلطانهم.(مت1:21ـ13، مر1:11ـ10، 15ـ17، لو29:19ـ40، 45ـ46)، وطلبوا من ذلك اليوم كيف يهلكونه (مر18:11، لو47:19)[2].

وسنقتصر هنا على معالجة موقفين فى ليلة آلام السيد المسيح هما:

1 ـ القبض على السيد .

2 ـ محاكمة السيد الدينية أمام مجمع السنهدريم.

أولاً: القبض على السيد المسيح في بستان جثسيمانى:

          (قراءات الساعة التاسعة من ليلة الجمعة العظيمة). ” فأخذ يهوذا الجند وخُدّامًا من عند رؤساء الكهنة والفريسيين وجاء إلى هناك بمشاعل ومصابيح وسلاح (يو3:18، تث47:26، مر43:14). ” في تلك الساعة قال للجموع كأنه على لص خرجتم بسيوف وعصى لتأخذونى ..” (مت55:26، مر48:14، لو52:22) كل مشهد القبض عليه يفسره السيد على أنه:

          1ـ إعلان لسلطان الظلمة أى سلطان الشيطان (لو53:22). وذلك لأن كل الذين جاءوا للقبض عليه كانوا تحت قيادة الشيطان. فالتلميذ الخائن يهوذا قال عنه السيد ” أليس أنى أنا اخترتكم الاثنى عشر وواحد منكم شيطان” (يو70:6، أنظر يو23:13ـ27، لو3:22ـ4).واليهود ورؤسائهم قال عنهم سابقًا السيد ” أنتم من أب هو إبليس وشهوات أبيكم تريدون أن تعملوا..” (يو44:8). هذا وبقول السيد “.. وسلطان الظلمة” يعنى أن إرادة الشيطان واليهود في ساعة القبض عليه كانت واحدة. يصف الفترة الزمنية لسلطان الظلمة على أنها “ساعة” وذلك لأن كل سلطان الظلمة للشيطان هو في حقيقته وقتى، ففي حالة آلام السيد، ظهر هذا السلطان في منتصف ليلة الخميس بالقبض عليه وتلاشى تمامًا مع الساعات الأولى لفجر يوم الأحد بقيامته المقدسة.

          2ـ تكميل للكتب (مر49:14، مت56:26) أى أن كل ما يحدث له، لا يحدث بالصدفة ولكن كل شئ قد تم التنبؤ به منذ القديم في الناموس والأنبياء والمزامير (أنظر لو 26:24ـ27، 44ـ46).

ثانيًا: محاكمة السيد المسيح الدينية أمام مجمع السنهدريم اليهودى:  (قراءات الساعة الحادية عشر من ليلة الجمعة العظيمة وباكر من يوم الجمعة).

1ـ تحقيق رئيس الكهنة السابق حنان مع (يو12:18ـ13، 19ـ24). هذا الإجراء كان أساسًا غير قانونى، لأن حنان لم يكن هو رئيس الكهنة الرسمى لليهود، رئيس الكهنة الرسمى كان قيافا صهر حنان ـ والذى اعترافًا بجميل حماه عليه ـ (رفعه إلى هذا المنصب وزوجّه ابنته) أعطى له إمكانية التحقيق مع المسيح أولاً [3].

          لقد وجّه حنان سؤالاً مزدوجًا إلى السيد عن تلاميذه وعن تعليمه. وهو بالتأكيد لا يسأل لكى يعرف مَن هم تلاميذ المسيح، فهو يعرفهم جيدًا وواحد منهم (يوحنا) كان ماثلاً أمامه (أنظر يو15:18)، ولكنه يسأل لكى يعرف:

أ ـ هل تعليم السيد هو وفق الناموس الموسوى

بـ وهل يُعلّم السيد تلاميذه تعليم آخر جديد غريب عن الناموس، لأن هؤلاء بدورهم سيقومون بتعليم الشعب بهذا التعليم الجديد. وبالتالي لو تأكد حنان من صحة ما يظنه عن المسيح، فهذا سيكون لديه بمثابة سبب قوى لا لاتهام السيد فقط أنه مخالف للناموس بل ولاتهام تلاميذه أيضًا. وتكون الفرصة مواتية جدًا بالتالي لهم للتخلص النهائي من السيد وتلاميذه في مرة واحدة[4].

          نلاحظ في إجابة السيد على حنان أنه لم يقل شيئًا يخص تلاميذه لأنه دائمًا يحافظ عليهم (أنظريو12:17)، بينما عن تعليمه قال ” أنا كلمت العالم علانية. أنا علَّمت كل حين في وفي الهيكل حيث يجتمع دائمًا. وفي الخفاء لم أتكلم بشئ. لماذا تسألني أنا أسأل الذين قد سمعوا ماذا كلمتهم هوذا هؤلاء يعرفون ماذا قلت أنا” (يو20:18ـ21). وهنا قَبِل السيد لطمة على خده من أحد خدام رئيس الكهنة (أنظر يو22:18). وأعتقد أنه من المناسب هنا أن نبحث عن السبب الذي جعل ذلك الخادم يتجاسر ويضرب الذي لم يجب على السؤال بإجابة غاضبة، بل أجاب في وداعة، وأيضًا مع ملاحظة أن رئيس الكهنة لم يطلب من هذا الخادم أن يضرب المسيح. بحسب رأى ق. كيرلس الأسكندرى أن هذا الخادم كان من ضمن الخدام الذين أرسلهم رؤساء الكهنة والفريسيون مرة للقبض على (أنظر يو32:7)، ولكنهم اندهشوا من تعليمه وعادوا وهم يقولون لرؤسائهم “لم يتكلم قط إنسان هكذا مثل هذا” (يو46:7). ولذلك حنق الفريسيون عليهم بشدة وقالوا لهم ” ألعلكم أنتم أيضًا قد ضللتم..” (يو47:7).

وهكذا أعادت كلمات المخلص إلى ذاكرة الرؤساء غضبهم السابق على خدامهم، خاصة عندما أشار إليهم كشهود على تعليمه “..هوذا هؤلاء يعرفون ماذا قلت أنا” (يو21:18). وهكذا صار هذا الخادم بالذات أحد المتهمين أمام رؤسائه بأنه معجب بالمسيح، وبالطبع كان عليه أن يبعد هذه الشبهة عن نفسه. ولكي يوجه أنظار رؤسائه إلى عدم إعجابه بالمسيح، ضربه على فمه لكي لا يقول شيئًا يحرج أيًا من الخدام! متعللاً في نفس الوقت بالتبرير غير المقنع ” أهكذا تجاوب رئيس الكهنة” (يو22:18). في حين ـ كما قلنا سابقًا ـ أن السيد في إجابته لم يقل كلام يثير غضب رئيس الكهنة[5].

2ـ تحقيق قيافا رئيس الكهنة والمجمع اليهودى مع (مر 53:14ـ65، مت 57:26ـ68، لو 54:22 ، 63ـ65).

أـ الجلسة المسائية

وفقًا لمرقس53:14ـ65 ، متى57:26ـ68 نعلم أن رئيس الكهنة قيافا، قد دعى أعضاء اليهودى (السنهدريم) ليلاً في بيته لكى يبدأ في إجراءات محاكمة . كان اليهودى يتكون من (71)عضوًا (70 شيخًا من شيوخ الطوائف الدينية اليهودية ويرأسه رئيس الكهنة)[6] وكانت الاجتماعات تتم صباحًا في المكان المخصص لذلك في الهيكل والمسمى “بالمجلس”، ولكن ربما لأن هذا المكان كان يشغله في ذلك الوقت القائد الرومانى المختص بحفظ النظام في الهيكل والهدوء في المدينة أيام عيد الفصح الكبير، لذلك فقد اجتمع الأعضاء في بيت رئيس الكهنة. هذا ووفقًا للأبحاث الأثرية لمدينة أورشليم القديمة أمكن معرفة أن دار حنان ودار رئيس الكهنة قيافا كانت دارًا واحدة[7].

1ـ اجراءات المحاكمة

طلب الشهود

حسب تعليم الكتاب في تثنية (15:19)، فإن الشهود أمر ضرورى في المحاكمات التى من هذا النوع. هذا وبينما وفقًا للتشريع القضائى اليهودى في المحاكمة، يُستدعى أولاً شهود الدفاع، بهدف المساعدة على تبرئة المتهم، نجد في محاكمة يسوع أنه قد حدث العكس تمامًا، إذ استدعوا أولاً شهود الاتهام[8]. وعلى الرغم من أن هؤلاء كانوا كثيرين وأطلقوا على السيد اتهامات عديدة إلاّ أن اتهاماتهم كانت كلها باطلة ولم تتفق فيما بينها. وحتى الشاهدان اللذان قالا: ” نحن سمعناه يقول أنى أنقض هذا الهيكل المصنوع بالأيادى وفي ثلاثة أيام أبني آخر غير مصنوع بأياد” (مر 58:14 ، مت 61:26)، لم يقولا الحقيقة. فالسيد أولاً لم يقل هذا من نفسه بل كان ردًا على سؤال “أيّة آية تُرينا حتى تفعل هذا” (يو18:2) وثانيًا أن السيد أجاب قائلاً ” انقضوا هذا الهيكل وفي ثلاثة أيام أقيمه” (يو19:2) وثالثًا أن السيد كان ” يقول هذا عن هيكل جسده” (يو21:2)[9]. ولذا وُصف هذان الشاهدان من الإنجيليين بأنهم شاهدى زور. صمت يسوع أمام شهادات الزور، يذكرنا بنبوة إشعياء عنه ” ظُلم أمَّا هو فتذلّل ولم يفتح فاه كشاة تساق إلى الذبح وكنعجة صامتة أمام جازيها فلم يفتح فاهُ” (53:7). فهو المسيح المتألم الذى يسير بإرادته نحو الآلام والموت، وقد عرف جيدًا أن الدفاع عن نفسه لن يأتِ بأية نتيجة إيجابية مع قضاة وشعب قد قرروا قتله.

2ـ سؤال رئيس الكهنة قيافا واعتراف السيد المسيح بأنه المسيا:

          السؤال الذي وجهّه رئيس الكهنة قيافا ليسوع ” أستحلفك بالله الحي أن تقول لنا هل أنت المسيح ابن الله“؟ (مت63:26، مر61:14). كان يحوي ثلاثة احتمالات ويضمن ثلاثة ضمانات لمحاكمة يسوع:

أـ ففي حالة عدم إجابة يسوع، سيحكم عليه عندئذ أنه مزدرى بالقسم الإلهى.

ب ـ وفي حالة إجابة يسوع سلبيًا، أى أنه ليس ابن الله، سيُتهم عندئذ انه كاذب ومضلّل للشعب إذ قد علّم أكثر من مرة أنه ابن الله (أنظر مثلاً يو35:9ـ38 ، 30:10ـ39).

ج ـ وفي حالة إجابة السيد المسيح إيجابيًا، أى قبل وأعلن أنه حقيقة المسيح ابن الله، سيتهم أيضًا بالتجديف. وهذا ما حدث[10]، فأجابة يسوع وكما يظهر في الأناجيل الثلاثة ” قال له يسوع أنت قلت وأيضًا أقول لكم من الآن تبصرون ابن الإنسان جالسًا عن يمين القوة وآتيًا على سحاب السماء” (مت 64:26) ” فقال يسوع أنا هو. وسوف تبصرون ابن الإنسان جالسًا عن يمين القوة وآتيًا في سحاب السماء” (مر 62:14). ” فقال لهم إن قلت لكم لا تصّدقون وإن سألت لا تجيبونني ولا تطلقونني. منذ الآن يكون ابن الإنسان جالسًا عن يمين قوة الله. فقال الجميع أ َفأنت ابن الله. فقال لهم أنتم تقولون أنى أنا هو” (لو 67:22ـ70)، إذن كانت إجابة المسيح إيجابية تمامًا، لأنه بغير ذلك لا يمكن تعليل غضب رئيس الكهنة والمجمع وتمزيق رئيس الكهنة ثيابه واتهام يسوع بالتجديف والحكم عليه انه مستوجب الموت (انظر مت 65:26ـ66 مر 63:14ـ64 ، لو 71:22).

          هذا الاتهام يعني أن يسوع تجاوز بحسب المفاهيم الدينية لليهود حدود الطبيعة البشرية، طالما هو يعلن بنوته لله الآب (أنظر يو16:5ـ18). وهذا قول غير مقبول إطلاقًا عند اليهود إذ وهو إنسان ـ بحسب فكرهم ـ يساوى نفسه بالله، ولذا فإن هذا القول يعتبر عندهم تجديفًا على الله وعاقبته الموت رجمًا (أنظر لا16:24يو30:10ـ34). يضاف إلى هذا انه قد جرت العادة انه في حالة تجديف إنسان ما على الله أمام الكهنة، فهؤلاء يقومون بتمزيق ثيابهم معبرين بذلك على مدى بشاعة هذه الخطية وعلى انهم في نفس الوقت أبرياء منها (انظر مثلاً أع 13:14ـ18)[11].

          هكذا حُكم على السيد أنه مذنب ذنب الموت. ولكن من الجدير بالذكر هنا، أنه في قرار المحاكمة هذه لم يكن هناك اتفاق كامل بين أعضاء ، فيوسف الرامى على سبيل المثال ” لم يكن موافقًا لرأيهم وعملهم” (لو 51:24) وأيضًا نيقوديموس (أنظر يو50:7ـ53 ، 39:19).

الاستهزاءات بيسوع:

          من بعد انتهاء الجلسة المسائية للمجمع مباشرة واتهام السيد فيها بالتجديف وإصدار الحكم عليه بالموت، وقبل أن تصير الجلسة الثانية في الصباح تسجل لنا الأناجيل الثلاثة (مت67:26، مر65:14، لو67:22) أن السيد سيق إلى ساحة دار رئيس الكهنة حيث بدأ هناك في تقبل صنوف من الاستهزاءات ووابل من اللطم والبصق واللكم والجلد وذلك من الخدام والرجال الذين كانوا ضابطين له، وهو يظهر أمام كل هذا احتمال عظيم وصبر كبير. وعلى الرغم من أن التاريخ يعلمنا أن جلد المتهمين بعد إصدار قرار المحاكمة كانت عادة ـ ومازالت ـ عند الشعوب الشرقية القديمة، وذلك حتى يكونوا درسًا وعبرةً للآخرين، إلاّ أن كل هذا سبق وتنبأ عنه الكتاب المقدس تفصيليًا عن ابن الإنسان كما في إشعياء (6:50، 1:53ـ12)[12]

مجمع اليهود السنهدريم وحقه في إصدار قرارات الحكم بالموت:

في نهاية حديثنا نتعرض للسؤال التالي:

هل كان للمجمع اليهودى وقتئذ حق إصدار قرار حكم بالموت في قضية ما وتنفيذه دون الرجوع للسلطة الحاكمة الرومانية؟ أم أن دور كان ينحصر فقط في جمع أدلة الاتهام لتقديمها بعد ذلك مع المتهم عند مثوله لدى القضاء الرومانى؟

          في الحقيقة أن اليهود أيام السيد المسيح ورغم أنهم كانوا تحت قبضة السلطة الرومانية إلاّ أنهم كانوا يمتلكون، في نظام مجمعهم الدينى (السنهدريم) الحق في إصدار أحكام بالموت وتنفيذها أيضًا وذلك فيما يخص الجرائم أو القضايا الدينية فقط، أما القضايا الأخرى (القتل، الفتنة) فكانت من اختصاص الحاكم الرومانى. وهذا يظهر من :

أـ قول بيلاطس لهم عندما ساقوا إليه السيد المسيح ليحاكمه “خذوه أنتم واحكموا عليه حسب ناموسكم” (يو31:18). وحتى عندما ردوا على بيلاطس بقولهم “لا يجوز لنا أن نقتل أحدًا” (يو31:18)، قالوا هذا بسبب مناسبة عيد الفصح والتى يجب عليهم أن يكونوا فيها أنقياء ليتمكنوا من ذبح الخروف وأكله (أنظر يو14:19). ولم يكن قولهم ذلك راجعًا إلى أنه لم يكن مسموحًا لهم بتنفيذ عقوبة الموت في شخص ما.

ب ـ يذكر لنا أكثر من حادثة تكشف لنا أن اليهود عندما كانوا تحت الحكم الرومانى لم يفقدوا إمكانية إصدار قرارات بالموت وتنفيذها في حالة القضايا الدينية فعلى سبيل المثال لدينا محاولة اليهود رجم المرأة الزانية في (يو 1:8ـ11)، رجم اسطفانوس رئيس الشمامسة وأول الشهداء (أع7) ومحاولاتهم قتل بولس الرسول (أع 12:23ـ15).

ج ـ القضايا التى كانت تخص الأمن والنظام في الدول الخاضعة للحكم الرومانى كانت من حق الحاكم نفسه، على سبيل المثال قضية باراباس ورفقائه الذين كانوا قد طرحوا في السجن بسبب فتنة حدثت في المدينة وقتل (أنظر مر 7:14 ، لو 19:23)[13].

وبالتالى فاليهود كان في استطاعتهم وبسهولة قتل السيد المسيح وبالتحديد عن طريق الرجم، كما حُددت هذه الطريقة كعقوبة للمجدف في لاويين (16:24). لكننا نجد أنهم لم يفعلوا أى شئ من هذا، بل في الجلسة الثانية لمجمعهم في صباح يوم الجمعة تشاوروا على قتل يسوع وأوثقوه ومضوا به إلى الوالى بيلاطس البنطى (أنظر لو66:22ـ71 ، 1:23 ، مر 1:15 ، مت 1:27ـ2). وهم قد فعلوا هكذا للأسباب التالية:

1ـ كان هدفهم التأكد من موت السيد، موت الصليب المهين ولذا اتهموه لدى الرومان بتهمة سياسية “وجدنا هذا يفسد الأمّة ويمنع أن تُعطى جزية لقيصر قائلاً أنه هو مسيح ملك” (لو 2:23).

2ـ لكى يقتله القائد الرومانى وليس هم، وبالتالى سيظهرون أمام الشعب أنهم أبرياء من دم المسيح، وأمام الحكام الرومان أنهم يعملون لصالح الإمبراطورية.

3ـ من المحتمل جدًا أنهم تخوفوا من استخدام طريقة الرجم، وذلك لأنه ربما لن يجرؤ أحد أن يلقى ولو حجر واحد على السيد.

4ـ لا شك أنهم فكروا أنه بموت السيد المسيح على الصليب سيضمنون بذلك محو كل أثر طيب وتأثير حسن تركه السيد في قلب الشعب اليهودى الذى سيأتى من كل مكان إلى أورشليم بسبب عيد الفصح (أنظريو55:11).

          ومما ساعد رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب على تحقيق خطتهم الشريرة العوامل الآتية:

1ـ وجود بيلاطس البنطى الوالى الرومانى في أورشليم في ذلك الوقت لأجل الإشراف والمحافظة على النظام أيام عيد الفصح، (إذ أن المقر الرئيسى له كان في قيصرية فلسطين، وفي فترة الأعياد كان ينتقل إلى أورشليم لكى يحافظ بنفسه على الأمن فيها)[14].

2ـ أن القيادات الرومانية لن تتوان في القبض على أى إنسان ومحاكمته إذا أُتهِمَ بأنه يهيج الشعب على أحكام قيصر.

3ـ كانوا يعلمون أن الوالى الرومانى سوف يُطلق في عيد الفصح واحدًا من المتهمين كما جرت العادة وسيقدم الآخرين للصلب (أنظر مر6:15، مت15:27، لو17:23، 32، يو39:18). وهو ما اعتبروه بمثابة فرصة ذهبية لهم لتحقيق هدفهم الشرير بسرعة. لكن السيد كان بالطبع يعرف كل هذا جيدًا وسبق وأخبر تلاميذه عدة مرات كيف وبأى طريقة سوف يموت (أنظر مثلاً مت 18:20، مر 32:10ـ34، لو 31:18ـ33). كما أن العهد القديم سبق ورمز لموت المسيح بالصليب بالحية النحاسية التى رفعها موسى النبى في البرية (أنظر عد 9:21 ، يو14:3ـ15). وهكذا يتأكد لنا أكثر وأكثر أنه بإرادته قبل الصليب بسببنا ولأجلنا.

ويقول القديس ألكسندروس أسقف الأسكندرية (ق3 م) “لماذا كان يجب أن يموت المسيح ؟ هل كان مذنبًا ذنب الموت!.. إنه من محبته غير المحدودة لصورته ومثاله ـ لخليقته ـ الإنسان الذى فقد هدف وجوده. لهذا أراد أن يعيده بنفسه مرة أخرى إلى مسيرته السليمة ” [15].

[1]  أنظر تفسير إنجيل يوحنا (ج2) للأب متى المسكين ـ دير القديس أنبا مقار 1990 ، ص698.

[2]  أنظر تفسير إنجيل متى للأنبا أثناسيوس ـ بنى سويف 1985 ص 227

[3] Hengstenberge E.W., “ Commentary on the Gospel of St John”, Edinburgh, 1871,P.351

4 أنظر تفسير إنجيل يوحنا للقديس كيرلس الأسكندرىP.G. M:74,600؛ أنظر أيضًا تفسير إنجيل يوحنا لأمونيوس الأسكندرىP.G.M:85,1505.

5  أنظر P.G.M:601-604

[6] E. Sclurer, “A History of Jewish people in the Time of Jesus Christ”, Edinburgh, 1901, part II,  P. 163-195.

[7] Westcott, B.F., “ the Gospel according to st. John “, Eerdmans, 1962, P.267.

8 أنظر تفسير إنجيل يوحنا ج2 ، للأب متى المسكين ص 1138

9 أنظر القول الصحيح في آلام المسيح بطرس السدمنتى القاهرة 1872 ص 184.

10 أنظر ” البيان في كشف ما استتر من لاهوت المسيح.. “، للشماس أبو شاكر أبو الكرم ـ إصدار الأب جرجس السريانى القاهرة 1905 ص 254ـ255؛ أنظر أيضًا ” القول الصحيح.. ” بطرس السدمنتى ص 196ـ197.

[11] A. Eedersheim “ The life and Times of Jesus the messiah “, Eerdmans, 1965, vol. II, P. 561.  

[12] Bl. Iw. KarabidÒpoulou, « TÒ k£ta M£rkon Euaggšlio» Qes|n…kh1988 s. 477.

13 أنظر شرح إنجيل يوحنا للقديس كيرلس الأسكندرى (إصحاحات 21:18) د. جورج حبيب، القاهرة 1977، ص 44.

[14] Bl. Iw. KarabidÒpoulou, « TÒ k£ta M£rkon Euaggšlio» Qes|n…kh1988 s. 429.

[15]  من مقالة عن آلام السيد (ترجمة عن السريانية) P.G 18, 596.

إقرأ أيضاً: