مواضيع عاجلة

العذراء كل حين للقديس جيروم ضد هلفيديوس

العذراء كل حين – للقديس جيروم ضد هلفيديوس

العذراء كل حين - للقديس جيروم ضد هلفيديوس
العذراء كل حين – للقديس جيروم ضد هلفيديوس

العذراء كل حين – للقديس جيروم ضد هلفيديوس

تعريب القمص متياس فريد

كنيسة السيدة العذراء بالفجالة

مقدمة:

1– طلب إليّ بعض الأخوة أن أرد على مقال كتبه هلفيديوس[1] …. والآن يجب أن يوضع فأس الانجيل على أصل الشجرة العميقة لتقطع وتلقى هي وأرواقها في النار. حتى يثوب هلفيديوس إلى رشده فيتعلم كيف يمسك لسانه فلا يتكلم بما لا يليق.

2 – واني أدعو الروح القدس لكي ينطق على لساني ويدافع عن بتولية مريم المكرمة. كما أدعو الرب يسوع أن يحفظ كرامة الرحم المقدس الذي سكن فيه تسعة شهور من أي شكوك تثار حول شبهة أي علاقة جنسية. بل أدعو الله الآب أيضاً أن يعلن لنا أن أم ابنه التي صارت أماً قبل أن تجتمع بيوسف ظلت عذراء أيضاً بعد أن ولدت ابنها. وفي هذا سوف نحتاج إلى فصاحة أو فلسفة…. بل إلى كلمات الكتاب، لكي نرد على هلفيديوس بذات الأسلحة التي استخدمها ضدنا. ليدرك كيف أنه وإن كان من السهل عليه أن يقرأ الكتاب إلا أنه ليس من اليسير بالنسبة إليه أن يستوعب حقيقة الإيمان.

الاعتراض الأول:

3 – وفي البند الأول يقول “يورد : أما ولادة يسوع المسيح فكانت هكذا: ما كانت مريم أمه مخطوبة ليوسف قبل أن يجتمعا وجدت حبلى من الروح القدس. فيوسف رجلها إذ كان باراً ولم يشأ أن يشهرها أراد تخليتها سراً. ولكن فيما هو متفكر في هذه الأمور إذا ملاك الرب قد ظهر له في حلم قائلاً: يا يوسف ابن داود لا تخف أن تأخذ مريم امرأتك لأن الذي حبل به فيها هو من الروح القدس”[2]. ويقول الكاتب أن كلمة “مخطوبة” ليوسف لا تعني أنها كانت وديعة عنده. ولكن لأنها كانت مخطوبة فإنها كانت ستتزوج منه يوماً من الأيام. وما كان يمكن للبشير أن يقول: “قبل أن يجتمعا” إذا كانا لن يجتمعا أبداً. لأنك لا تستطيع أن تقول عن إنسان… “قبل أن يتغذى” دون أن يكون مقبلاً على الغذاء.

ثم أن الملاك يدعوها زوجة يوسف وأنها مرتبطة به وإلا فلنصغ إلى ما يقوله الكتاب “فلما استيقظ يوسف من النوم فعل كما أمره ملاك الرب وأخذ امرأته ولم يعرفها حتى ولدت ابنها”[3].

قبل أن يجتمعا…

4 – والآن لنجب على هذه النقاط واحدة تلو الأخرى لكي نبين كيف أنه يناقض نفسه…

إنه يقول إن البشير لا يمكن له أن يقول “قبل أن يجتمعا” إذا كانا لن يجتمعا أبداً. ولا أن تقول عن إنسان: قبل أن يتغذى دون أن يكون مقبلاً على الغذاء… وأنا لا أدري هل أبكي على جهل هذا الإنسان أم أضحك على حماقته؟! فإذا قال إنسان: قبل أن أتناول طعام الغذاء على الشاطئ أبحرت إلى أفريقيا، فهل لا نصدق قوله إلا إذا اضطر إلى تناول الغذاء على الشاطئ!!

وإذا قلت: أن بولس قبل أن يذهب إلى اسبانيا سجن في روما. أو إذا قلت: أن هلفيديوس قبل أن يتوب اختطفه الموت فهل هذا يعني بالضرورة أن يذهب بولس إلى اسبانيا بعد روما، أو يتوب هلفيديوس بعد الموت، رغم قول الكتاب “ليس في الجحيم من يعترف لك”؟!! ألا نفهم من ذلك أن كلمة “قبل” رغم أنها تعني التتابع الزمني لكنها لا تستوجب بالضرورة حدوث الشيء التالي إذا كان هناك ما يمنع من حدوثه. فعندما يقول البشير “قبل أن يجتمعا” فهو يقرر أنها وجدت حبلى قبل أن يتم الزواج… ومن الذي وجدها حبلى إلا يوسف الذي لاحظ على خطيبته أعراض الحمل. وهذا لا يعني – كما أوردنا من أمثلة – أنه عاشرها بعد الولادة وقد انطفأت فيه الرغبة في ذلك بعد أن لمس حقيقة حبلها المقدس.

مريم امرأتك

ورغم أنه قيل ليوسف في حلم “لا تخف أن تأخذ مريم امرأتك” وقيل أيضاً “فلما استيقظ من النوم فعل كما أمره ملاك الرب وأخذ امرأته”… فلا ينزعج أحد من هذه الأقوال فيظن أنه طالما أنها دعيت امرأته فلم تعد بعد خطيبته… ذلك لأننا نعلم أن الكتاب قد اعتاد أن يسمي الخطيبة زوجة. ويؤكد ذلك ما ورد في سفر التثنية “إذا كانت فتاة عذراء مخطوبة لرجل فوجدها رجل في المدينة واضطجع معها فأخرجوهما كليهما إلى باب المدينة وارجموهما بالحجارة حتى يموتا: الفتاة من أجل أنها لم تصرخ في المدينة، والرجل من أجل أنه أذل امرأة صاحبه، فتنزع الشر من وسطك”[4]. وأيضاً “من هو الرجل الذي خطب امرأة ولم يأخذها؟ ليذهب ويرجع إلى بيته لئلا يموت في الحرب ويأخذها رجل آخر”[5].

سؤال:

وإذا تساءل أحد: لماذا حبلت العذراء بعد أن خطبت، ولم تحبل عندما كانت بلا خطيب أو بتعبير الكتاب: بلا زوج؟

إن لذلك ثلاثة أسباب:

أولا: لكي يظهر أصل مريم وعشيرتها بانتسابها إلى يوسف الذي هو قريب مريم.

ثانياً: حتى لا ترجم كزانية حسب ناموس موسى.

ثالثاً: لكي يكون يوسف عوناً لمريم عند هروبها إلى مصر رغم أنه كان مجرد حارس أكثر منه زوجاً.

لأنه من كان يصدق – في ذلك الوقت – قول العذراء أنها حبلت من الروح القدس، وأن جبرائيل الملاك أتى وبشرها بالتجسد الإلهي؟ ألم تكن عرضة لأن يشهد الجميع ضدها كزانية كما حدث مع سوسنة؟ فإنه حتى يومنا هذا، ورغم أن الجميع قد قبلوا الإيمان، فإن اليهود ما زالوا يجادلون حول قول أشعياء “هو ذا العذراء تحبل وتلد ابناً”[6] فيقولون إن الأصل العبري يعنى فتاة ولا يعني عذراء أي أن الكلمة هو “ألماه” وليست “بيثولاه”… الأمر الذي سوف نناقشه فيما بعد بالتفصيل.

حارس التجسد:

أخيراً يقول الكتاب أنه باستثناء يوسف واليصابات ومريم نفسها وقلة أخرى ربما عرفت الحقيقة، فإن الكل كانوا يعتبرون يسوع إنه ابن يوسف. وهذا هو الذي سجله البشيرون كوضع سائد في العرف والتاريخ. فقالوا عن يوسف أنه أبو مخلصنا. وعلى سبيل المثال “فأتى (سمعان) بالروح إلى الهيكل. وعندما دخل بالصبي يسوع أبواه ليصنعا له حسب عادة الناموس أخذه على ذراعيه”[7] وفي مكان آخر “وكان أبواه يذهبان كل سنة إلى أورشليم في عيد الفصح”[8] وبعد ذلك قيل “وبعد ما أكملوا الأيام بقي عند رجوعهما الصبي يسوع في أورشليم وأبواه لم يعلما”[9]. ولاحظ أيضاً أن مريم نفسها التي أجابت جبرائيل بقولها “كيف يكون هذا وأنا لست أعرف رجلاً”[10]، تقول عن يوسف “يا بني، لماذا فعلت بنا هكذا؟ هو ذا أبوك وأنا كنا نطلبك معذبين”[11]….

وليس معنى هذا – كما قلت آنفاً – أن يوسف كان حقيقة أب المخلص، ولكنه دعي هكذا لي يحفظ سمعة مريم بدليل أنه قبل أن يسمع وصية الملاك القائلة “يا يوسف ابن داود لا تخف أن تأخذ مريم امرأتك لأن الذي حبل به فيها هو من الروح القدس”[12] كان يفكر في أن يطلق سراحها سراً مما يؤكد أنه كان يعرف تماماً ان هذا الطفل الذي حبلت به ليس ابنه…

الاعتراض الثاني:

5 – نأتي الآن إلى نقطة أخرى… والآية المطروحة الآن للتفسير هي: “فلما استيقظ يوسف من النوم فعل كما أمره ملاك الرب وأخذ امرأته ولم يعرفها حتى ولدت ابنها البكر ودعا اسمه يسوع”. ولا حاجة للمعترض أن يثبت أن المقصود بكلمة يعرفها هنا هي المعرفة الجنسية وليس المعرفة العقلية…

ولكنه يقول إن كلمة “حتى” تدل على وقت محدد وهذا معناه أن يوسف عرفها بعد أن ولدت. وأن المعرفة كانت مؤجلة إلى بعد الولادة…

كلمة “حتى” في لغة الكتاب:

6 – ولكي نفند هذا الادعاء نقول باختصار أنه كما أن لكلمة “يعرفها” معنيين: المعرفة العقلية والمعرفة الجسدية… كذلك كلمة “حتى” فهي وإن كانت تحدد الزمن (كما يقول) ولكنها كثيراً ما تدل على زمن غير محدود. كما قال الله على فم أشعياء النبي لبيت يعقوب “حتى الشيخوخة أنا هو”[13]، فهل يكف عن أن يكون هو الله بعد أن يصلوا هم إلى زمن الشيخوخة؟ وعندما قال مخلصنا في الإنجيل لرسله “ها أنا معكم كل الأيام إلى (حتى) انقضاء الدهر”[14]، فهل عندما انقضاء الدهر ينسى الرب تلاميذه؟ وهل عندما يجلسون على اثني عشر كرسياً ليدينون أسباط إسرائيل الاثني عشر يحرمون من رفقة الرب معهم؟!… وعندما يكتب بولس الرسول إلى أهل كورنثوس عن الرب أنه “يجب أن يملك حتى يضع جميع الأعداء تحت قدميه”[15]… فهل يمل الرب إلى أن يخضع الأعداء جميعاً تحت قدميه ثم بعد ذلك لا يملك؟! أم أن الملك الحقيقي يبدأ بعدئذ؟!

ويقول داود النبي في المزمور الرابع من مزامير المصاعد[16] “كما أن عيني الجارية نحو يد سيدتها هكذا عيوننا نحو الرب حتى يترأف علينا”[17] فهل بعد أن ينال النبي الرحمة يحول عينيه عن الله؟!

أمثلة أخرى:

وإن كان لدينا أمثلة مشابهة لا تحصى فإننا سوف نكتفي ببعض منها ونترك الباقي ليكتشفه القارئ من نفسه.

7 – قيل في نهاية سفر التثنية عن موسى “لم يعرف انسان قبره حتى هذا اليوم”[18] أي حتى يوم كتابة السفر. فهل وجد انسان قبره بعد ذلك؟ ….

إن البشير حرص على أن ينفي عن مريم أن زوجها عرفها قبل أن تلد وذلك لكي ندرك بالحري أن يوسف الذي لم يعرفها قبل الحبل المقدس لا يعقل أن يكون قد عرفها بعد الولادة.

لماذا امتنع يوسف؟

8 – وما نود أن نعرفه الآن هو: لماذا امتنع يوسف عنها حتى ولدت؟ … سوف يجب هلفيديوس على الفور: “لأنه سمع قول الملاك “لأن الذي حبل به فيها هو من الروح القدس”[19] وسمع أيضاً “يا يوسف بن داود لا تخف أن تأخذ مريم امرأتك”[20]… إذ فقد أمره الملاك ألا يرفض زوجته أو ينفصل عنها بحجة أنها زانية… ولكنه لم يأمره ألا يعرفها. “وهل يعقل ان هذا الرجل البار يتجاسر على الاقتراب منها بعد ما سمع أن ابن الله حل في بطنها؟”.

بالأحرى بعد أمجاد الميلاد!!

حسناً…. فإذا كان يوسف البار لمجرد حلم رآه لم يجرؤ أن يقترب منها، فهل يستساغ أن يعرفها بعد أن يسمع من الرعاة أن ملاك الرب نزل من السماء وقال لهم “لا تخافوا. فها أنا أبشركم بفرح عظيم يكون لجميع الشعب. أنه ولد لكم اليوم في مدينة داود مخلص هو المسيح الرب”؟ وبعد أن يحتشد جمهور الجند السماوي مرنمين “المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وبالناس المسرة”[21]؟ …. وبعد أن يرى سمعان البار يحتضن الطفل ويصيح “الآن تطلق عبدك يا سيد حسب قولك بسلام لأن عيني قد أبصرتا خلاصك”[22]؟ وبعد أن يرى حنة النبية، والمجوس، والنجم، وهيرودس والملائكة…. هل بعد كل هذه العجائب التي عاينها يوسف يدعى هلفيديوس أنه تجاسر أن يلمس أم ربه: هيكل الله ومسكن الروح القدس؟!!

لقد كانت مريم في كل هذه الأحداث “تحفظ جميع هذه الأمور في قلبها”[23] فلا تستطيع بالأحرى أن تقول أن يوسف لم يكن يعلم لأن لوقا البشير يؤكد هذه الحقيقة قائلاً “وكان يوسف وأمه يتعجبان مما قيل فيه”[24]. كما أن مخطوطات الكتاب المقدس اليونانية هي بمنأى عن الشك، بدليل أن كل الكتاب الذين كتبوا باليونانية او اللاتينية اقتبسوا منها[25]….

ثامار ويهوذا؟

9 – فإذا اعترض هلفيديوس قائلاً: “إن الأمر لا يدعوا إلى هذا الاسترسال في القول، لأن ما أطرحه هو السؤال التالي: لماذا لم يقل الكتاب المقدس كما قال عن ثامار ويهوذا “أنه أخذ امرأته ولم يعد يعرفها أيضاً”[26]؟! ألم يكن في استطاعة أن يستخدم مثل هذا التعبير؟ ولكن أن كان قد قال “لم يعرفها حتى ولدت” أفلا يعني هذا أنه قد عرفها بعد أن امتنع عنها فترة ما قبل الولادة؟”

أيام التطهير:

10 – …. ألا تعلم يا هلفيديوس أنك بهذا تجيز المعاشرة الزوجية عقب الولادة مباشرة، وهو ما ينهي عنه الناموس الذي يقول “إذا حبلت امرأة وولدت ذكراً تكون نجسة سبعة أيام. كما في أيام طمث علتها تكون نجسة. وفي اليوم الثامن يختن لحم غرلته. ثم تقيم ثلاثة وثلاثين يوما في دم تطهيرها. كل شيء مقدس لا تمس. وإلى المقدس لا تجيء حتى تكمل أيام تطهيرها”[27]. ولكن تمشياً مع أفكارك يكون يوسف البار قد عرفها في الحال، فيتم عليه ما يقوله أرميا لائماً “صاروا حصناً معلوفة سائبة. صهلوا كل واحد على امرأة صاحبه”[28]….

الاعتراض الثالث:

11 – …. وهنا نأتي إلى النقطة الثالثة.

يقول هلفيديوس أن مريم ولدت أبناء أخر. معتمداً على قول الكتاب “فصعد يوسف أيضاً من الجليل من مدينة الناصرة إلى اليهودية إلى مدينة داود التي تدعى بيت لحم، لكونه من بيت داود وعشيرته، ليكتتب مع مريم امرأته المخطوبة وهي حبلى. وبينما هما هناك تمت أيامها لتلد. فولدت ابنها البكر وقمطته وأضجعته في المذود”[29].

وفي هذا النص يدعي أن كلمة: “البكر” لا تنطق إلى على ابن له أخوة آخرون. وبخلاف كلمة “الوحيد” التي تطلق على الابن الوحيد لوالديه.

البكر….

12 – وهنا نقول إن كل ابن وحيد هو بكر. ولكن ليس كل بكر هو وحيد. فنحن نفهم أن كلمة بكر لا تعني فقط من يتبعه آخرون، ولكنها تعني عموماً كل من لم يسبقه أحد في الميلاد. فالرب يقول لهرون “كل فاتح رحم من كل جسد يقدمونه للرب من الناس ومن البهائم يكون لك. غير أنك تقبل فداء بكر الإنسان وبكر البهيمة النجسة تقبل فداءه”[30]. فإن كلام الله يحدد أن البكر هو كل فاتح رحم. وإلا فإذا كان اللفظ يعني فقط من له أخوة أصغر منه فإنه يتعذر اذن على الكهنة تحديد من هو البكر حتى يولد بعده أخوة آخرون، لئلا لا يولد بعده أحد. فلا يدعى بعد بكراً لأنه وحيد!!

ويقول الكتاب أيضاً: “وفداؤه من ابن شهر تقبله حسب تقويمك فضة خمسة شواقل على شاقل القدس. هو عشرون جيرة. ولكن بكر البقر أو بكر الضأن أو بكر المعز لا تقبل فداءه. إنه قدس. بل ترش دمه على المذبح…”[31] وهكذا تقضي الوصية بأن نقدس لله كل فاتح رحم من الحيوانات الطاهرة، أما الحيوانات النجسة فإنها تفدى ويعطى ثمنها إلى الكاهن. فكيف أميز الحيوان البكر؟ أم لعلي أقول للكاهن: من أدراك أن هذا ابن بكر؟! فربما يولد بعده آخرون، وربما لا يولد. انتظر حتى يأتي الثاني، وإلا فليس لك على شيء!! أليست هذه حماقة يرفضها الجميع، لأن من البداهة أن البكر هو كل فاتح رحم سواء كان له أخوة أم لا!!

يوحنا المعمدان:

ولنأخذ مثالاً يوضح لنا هذه الحالة: نحن نعرف جميعنا أن يوحنا المعمدان هو ابن وحيد. ولكن ألم يكن بكراً؟ ألم يخضع للناموس؟ انه لا شك في ذلك….

وعلى أي الأحوال فالكتاب يقول عن مخلصنا “ولما تمت أيام تطهيرها حسب شريعة موسى صعدوا به إلى أورشليم ليقدموه للرب. كما هو مكتوب في ناموس الرب أن كل ذكر فاتح رحم يدعى قدوساً للرب. ولكي يقدموا ذبيحة كما قيل في ناموس الرب زوج يمام أو فرخي حمام”[32] فإذا كان البكر فقط هو من له أخوة، فما كان يحل تطبيق الناموس على المولود طالما لا يعلم أحد إن كان سيولد بعده آخرون أم لا. أما إذا كان الناموس يطبق على الكل فهذا يعني أن البكر هو من يفتح رحم أمه دون أن يسبقه في ذلك أحد.

قتل الأبكار!!

ويكتب موسى في سفر الخروج “فحدث في نصف الليل أن الرب ضرب كل بكر في أرض مصر، من بكر فرعون الجالس على كرسيه إلى بكر الأسير الذي في السجن، وكل بكر بهيمة”[33] فهل ضرب الملك الأبكار واستثنى منها الابن الوحيد؟!… إن هذا يبدو أمراً سخيفاً؟!! وإن كان الأبكار جميعاً قد هلكوا سواء منهم الوحيد او من له أخوة، ألا يسمى إذن الابن الوحيد بكراً؟!

اخوة المسيح:

13 – أما اعتراض هلفيديوس الأخير الذي أراد أن يمهد له بالحديث عن الابن البكر، فهو أن الأناجيل تحدثت عن اخوة للرب. مثلاً: “وفيما هو يكلم الجموع، إذا أمه واخوته قد وقفوا خارجاً طالبين أن يكلموه”[34]. وفي مكان آخر “وبعد هذه انحدر إلى كفر ناحوم هو واخوته وتلاميذه”[35] وأيضاً “فقال له اخوته: انتقل من هنا واذهب إلى اليهودية لكي يرى تلاميذك أيضاً أعمالك التي تعمل.

لأنه ليس أحد يعمل شيئاً في الخفاء وهو يريد أن يكون علانية. أن كنت تعمل هذه الأشياء فاظهر نفسك للعالم”[36] ثم يضيف يوحنا “لأن أخوته أيضاً لم يكونوا يؤمنون به”[37]. ومتى ومرقس أيضاً يقولان: “ولما جاء إلى وطنه كان يعلمهم في مجمعهن حتى بهتوا وقالوا: من أين لهذا هذه الحكمة والقوات؟! أليس هذا ابن النجار؟ أليست أمه تدعى مريم واخوته يعقوب ويوسي وسمعان ويهوذا؟ أو ليست أخواته جميعهن عندنا؟! [38] ويروي لوقا في سفر الأعمال ويقول “هؤلاء كلهم كانوا يواظبون بنفس واحدة على الصلاة والطلبة مع النساء ومريم أم يسوع ومع أخوته”[39]. ويحدثنا بولس الرسول عن لقائه التاريخي مع واحد منهم ويقول “ثم بعد أربع عشرة سنة صعدت أيضاً إلى أورشليم…. وإنما صعدت بموجب اعلان…. ولكني لم أر من الرسل إلا يعقوب أخا الرب”[40]. ويقول في موضع آخر “ألعلنا ليس لنا سلطان أن نأكل ونشرب؟ ألعلنا ليس لنا سلطان أن نجول بأخت زوجة كباقي الرسل واخوة الرب وصفا؟!”[41]

عند الصليب:

14 – أما عند الصليب فيذكر عن اخوة الرب: “وكانت هناك نساء كثيرات ينظرن من بعيد وهن كن قد تبعن يسوع من الجليل يخدمنه. وبينهن مريم المجدلية ومريم أم يعقوب ويوسي وأم ابني زبدي”[42]. ويقول مرقص “وكانت أيضاً نساء ينظرن من بعيد بينهن مريم المجدلية ومريم أم يعقوب الصغير ويوسي وسالومة” ثم يكمل “وأخر كثيرات اللواتي صعدن معه إلى أورشليم”[43] ويقول لوقا أيضاً “وكانت مريم المجدلية ويونا أم يعقوب والباقيات معهن”[44].

ثم يقول هلفيديوس أن يعقوب الصغير ويوسي هما ابنا مريم، وكذلك كل من يسميهم اليهود اخوته. وقد لقب يعقوب بالصغير تمييزاً له عن يعقوب الكبير ابن زبدي أم يوسي تنظران أين وضع. وبعد ما مضى السبت اشترت مريم المجدلية ومريم أم يعقوب وسالومة حنوطاً ليأتين ويدهنه”. ويستطرد هلفيديوس قائلاً: وليس من المعقول ألا تكون أمه هناك بينما تهتم المريمات الأخريات بقبر يسوع. أما إذا قلنا إنها مريم أخرى فها هو إنجيل يوحنا يشهد أنها كانت هناك عندما سلمها الرب وهو على الصليب كأمه الأرملة إلى يوحنا ليعتني بها. إلا إذا كان البشيرون قد أخطأوا عندما ذكروا إنها أم هؤلاء المعروفين عند اليهود أنهم أخوة يسوع!!

من هم أخوة الرب؟

15 – والعجيب في الأمر أن هلفيديوس يسجل أن أم الرب كانت هناك عند الصليب. وأنه أعطاها إلى تلميذه يوحنا بحكم ظروفها كأرملة تحيا بمفردها، مما يوحي إذن بأنها لم تنجب أولاداً آخرين يمكن أن يعولوها ويؤنسوا وحدتها!!. كما أنه يعطيها لقب أرملة وهذا اللقب لا وجود له في الكتاب على الإطلاق….

وإذا رجعنا إلى يوحنا نجده يقول “وكانت واقفات عند صليب يسوع أمه وأخت أمه مريم زوجة كلوبا ومريم المجدلية”[45]. وما من شك في أن لدينا رسولين باسم يعقوب وهما يعقوب بن زبدي ويعقوب بن حلفى. فهل كان يعقوب الصغير الذي قال عنه الكتاب إنه ابن مريم (وهي بالطبع ليس مريم أم ربنا) رسولاً أم لم يكن؟ فإذا كان رسولاً فلا بد أن يكون ابن حلفى لأن هذا كان يؤمن بالمسيح أما أخوته “فلم يكونوا يؤمنون به”[46]. وإن لم يكن رسولاً فهو إذاً شخص ثالث تسمى باسم يعقوب فكيف يدعى يعقوب الصغير، وهذه الكلمة تستعمل للتمييز بين اثنين فقط واحد كبير والآخر صغير وليس بين ثلاثة؟!!

ولاحظ أيضاً أن أخا الرب كان رسولاً كما يقول بولس “ثم بعد ثلاث سنوات صعدت إلى أورشليم لأتعرف ببطرس فمكثت عنده خمسة عشر يوماً. ولكنني لم أر غيره من الرسل إلا يعقوب أخا الرب”[47] ويقول في نفس الرسالة “فإذ علم بالنعمة المعطاة لي يعقوب وصفا ويوحنا المعتبرين لهم أعمدة، أعطوني وبرنابا يمين الشركة”[48]. وكي لا تظن أن يعقوب هذا هو ابن زبدي فعليك أن تقرأ سفر الأعمال لتجد أن الأخير قد قتله هيرودس.

والخلاصة أن مريم التي توصف بأنها أم يعقوب الصغير هي زوجة حلفا وأخت مريم أم الرب. وهي التي يسميها يوحنا الإنجيلي “مريم التي لكلوبا” سواء كان ذلك لأنه ينسبها إلى أبيها أو قريبها أو أي سبب آخر من الأسباب. فلا تعجب إذا قيل عنها في مكان إنها “مريم أم يعقوب الصغير”، وفي مكان أخر إنها “مريم التي لكلوبا”… لأنه من المعتاد أن يعطي الكتاب اسمين لشخص واحد: فرعوئيل[49] حمو موسى اسمه أيضاً يثرون. وجدعون[50] تغير اسمه – دون سبب واضح – إلى يربعل. وعزينا ملك يهوذا يحمل أيضاً اسم عزاريا… وبطرس يسمى سمعان ويسمى صفا. ويهوذا الغيور يسمى في إنجيل آخر تداوس… وأمثلة أخرى كثيرة يستطيع أن يجمعها القارئ بنفسه من كل جزء من الكتاب المقدس.

كيف يسمون أخوة الرب؟

16 – والآن سنجتهد أن نشرح كيف يمكن أن يدعى أولاد مريم أخت مريم أم ربنا “اخوة الرب”، رغم أنهم لم يكونوا من قبل يؤمنون به….

يوجد في الكتاب المقدس أربعة أنواع من الأخوة: بالطبيعة، وبالجنس، وبالقرابة، وبالحب.

وكمثال للأخوة بالطبيعة: يعقوب وعيس، والأسباط الاثنا عشر، واندراوس وبطرس، ويعقوب ويوحنا.

والأخوة بالجنس مثل اليهود. فهم يسمون أخوة في سفر التثنية “إذا بيع لك أخوك العبراني أو أختك العبرانية وخدمك ست سنين، ففي السنة السابعة تطلقه حراً من عندك[51]. وفي نفس السفر “فإنك تجعل عليك ملكاً الذي يختاره الرب إلهك من وسط اخوتك تجعل عليك ملكاً. لا يحل لك أن تجعل عليك رجلاً أجنبياً ليس هو أخاك“[52]. وأيضاً “لا تنظر ثور أخيك أو شاته شارداً وتتغاضى عنه، بل ترده إلى أخيك لا محالة. وأن لم يكن أخوك قريباً منك أو لم تعرفه فضمه إلى داخل بيتك، ويكون عندك حتى يطلبه أخوك، حينئذ ترده إليه”[53]. ويقول بولس الرسول فإن كنت أود لو أكون أنا نفس محروماً من المسيح لأجل اخوتي أنسبائي حسب الجسد الذين هم اسرائيليون”[54].

النوع الثالث: أما الأخوة بالقرابة فتنطبق على الذين هم من عائلة واحدة، لأنهم يتفرعون عن أصل واحد. ففي سفر التكوين نقرأ “فقال ابرام للوط: لا تكن مخاصمة بيني وبينك وبين رعاتي ورعاتك، لأننا نحن أخوان“[55]. في حين أن لوطاً لم يكن أخا إبراهيم بل ابن أخيه هاران. لأن “تارح ولد ابرام وناحور وهاران. وهاران ولد لوطاً”[56]. لذلك نقرأ أيضاً “وكان ابرام ابن خمسة وسبعين سنة لما خرج من حاران. فأخذ ابرام ساراي امرأته ولوطاً ابن أخيه”[57].

أما إذا كنت لا تزال متشككاً في أن يدعى القريب أخاً، فإليك واقعة أخرى “فلما سمع ابرام أن أخاه سبى جر غلمانه المتمرنين، ولدان بيته، ثلاث مئة وثمانية عشر”[58].

في وصف المعركة التي انتصر فيها إبراهيم يقول ” واسترجع كل الأملاك، واسترجع لوطاً أخاه”[59].

مثال آخر: وإليك مثال آخر: عندما هرب يعقوب ابن إسحاق ورفقة من وجه أخيه إلى ما بين النهرين ودحرج الحجر عند فم البئر وسقى غنم لابان خاله، “قبل يعقوب راحيل ورفع صوته وبكى. وأخبر يعقوب راحيل أنه أخو أبيها وأنه ابن رفقة”[60]. وأيضاً “قال لابان ليعقوب: ألأنك أخي تخدمني مجاناً؟ أخبرني ما أجرتك؟”[61]. بعد عشرين عاماً عندما هم بالعودة إلى وطنه مع بنيه ونسائه دون علم حميه لابان، ولحقه لابان في جبل جلعاد وهناك فتش هم أصنامه التي كانت راحيل قد خبأتها في خبائها، “أجاب يعقوب وقال للابان: ما جرمي؟ ما خطيتي حتى حميت ورائي؟ إنك جسست جميع أثاثي ماذا وجدت من جميع أثاث بيتك؟ ضعه هنا قدام اخوتي واخوتك فينصفوا بيننا نحن الاثنين”[62]. فمن هم أخوة يعقوب ولابان الذين كانوا هناك؟ أن عيسو لم يكن هناك بكل تأكيد.

كما أن لابان بن بتوئيل لم يكن له أخوة بل له أخت واحدة هي رفقة!!

النوع الرابع:

17 – …. ولئلا نطيل الحديث نأتي إلى النوع الرابع من الأخوة وهي أخوة الحب. وهذا النوع بدوره ينقسم إلى قسمين: المحبة الروحية، ومحبة المصالح الشخصية العامة. أما عن المحبة الروحية فكلنا كمسيحيين ندعى أخوة، كما يقول المزمور “هوذا ما أحسن وما أجمل أن يسكن الأخوة معاً”[63]. وفي مزمور آخر يقول المخلص “أخبر باسمك أخوتي“[64]. وفي الإنجيل يقول للمجدلية “اذهبي إلى أخوتي وقول لهم…”[65]. هذا لأننا جميعاً أخوة لأب واحد يربطنا جميعاً رباط الأخوة الواحد. يقول النبي “اسمعوا كلام الرب أيها المرتعدون من كلامه. قال اخوتكم الذين أبغضوكم وطردوكم من أجل اسمي ليتمجد الرب”[66]. ويكتب بولس الرسول إلى أهل كورنثوس “إن كان أحد مدعواً أخاً زانياً أو طماعاً أو عابد وثن أو شتاماً أو سكيراً أو خاطفاً… فلا تخالطوا ولا تواكلوا مثل هذا”[67]….

فإذا استعرضنا هذه الأنواع الأربع من الأخوة ثم قارناها بأخوة ربنا يسوع فإننا نجد أنهم ينتمون إلى نوع الأخوة بالقرابة مثل لوط وإبراهيم، ومثل يعقوب ولابان. بل مثل إبراهيم وسارة زوجته، لأنه يقول عنها “فيقتلوني لأجل امرأتي، وبالحقيقة هي أختي ابنه أبي”[68]…

مثل أبوة يوسف:

18 – وأخيراً أقول إن أخوة ربنا حملوا هذا الأسم بنفس الطريقة التي بها دعا يوسف أباً له. وهذا ما قالته مريم نفسها لا اليهود: “هوذا أبوك وأنا كنا نطلبك معذبين”[69]. ويروي البشير أن أباه وأمه كانا يتعجبان مما قيل فيه. وقد سبق أن اقتبسنا كثيراً من النصوص التي تثبت أن يوسف دعي أباه…. ونضيف إليها قول يوحنا الإنجيلي “فيلبس وجد نثنائيل وقال له: وجدنا الذي كتب عنه موسى في الناموس والأنبياء يسوع ابن يوسف”[70]… فكيف يمكن أن يدعى يسوع ابن يوسف وهو الذي ولد من الروح القدس[71]؟! فهل كان يوسف أباه الحقيقي؟ حاشا… انه من الحماقة والجهل أن تقول ذلك. أما إذا سمى يوسف أباً له كأمر شائع، فإن ما ينطبق على يوسف ينطبق على أخوة الرب أيضاً.

صوت الكنيسة واجماع الآباء:

19 – وإمعاناً في غيه، يستشهد هلفيديوس ببعض أقوال ترتليانوس[72] وفيكتورينوس[73] أسقف بيتافيم. وأنا لا أريد أن أقول عن ترتليانوس إلا أنه لا علاقة له بالكنيسة. أما عن فيكتورينوس فإني أؤكد أنه لا يقول عن أخوة الرب أنهم أبناء مريم وأنهم أخوة بالطبيعة بل بالقرابة. ويطول الوقت إذا أوردت شهادات أخرى من كتابات الآباء مثل أعناطيوس وبوليكاريوس وإيريناوس والشهيد يوستينوس وآخرين من الآباء الرسوليين وغيرهم من الذين قاوموا أبيون وثيودوتس البيزنطي وفالنتينوس، وهؤلاء الذي أذا قرأت كتاباتهم صرت حكيماً.

مقارنة سخيفة:

20 – ولم يكتف هلفيديوس بما قاله بل لجأ إلى مقارنة غريبة بين البتولية والزواج مما جعلني أتذكر المثل القائل “هل رأيت الجمل يرقص؟!” فهو يقول “هل العذارى أفضل من إبراهيم واسحق ويعقوب الذين كانوا متزوجين؟ّ … ألا يصور الله الأطفال كل يوم في بطون أمهاتهم؟! إذن فلماذا يخجلون من فكرة أن يكون لمريم زوج بعد ولادتها؟ وإذا كانوا يرون أن ذلك لا يليق، فعليهم بالتالي ألا يؤمنوا أن الله ولد من العذراء ولادة طبيعة! فإذا كان ارتباط عذراء بزوجها بعد أن تلد هو أمر شائن فكم بالحري نزول الله ليولد طفلاً من بطن امرأة وعن طريق جهازها التناسلي؟!”

أخلى ذاتـه:

21 – إننا يا هلفيديوس لا نؤمن بحلول الله في بطن العذراء فحسب بل نؤمن بكل صور الاتضاع واخلاء الذات (التي مارسها الرب بالجسد) مثل مكوثه في الرحم تسعة شهور، ونموه في البطن قليلاً قليلاً، ثم الولادة، والدم…. والمذود الخشن، وصراخ الطفل، والختان في اليوم الثامن، وأيام التطهير… إننا لا نخجل من كل ذلك بل على العكس فإنه على قدر نزوله واتضاعه لأجلي على قدر احساسي أني مديون له بكل ذلك. ومهما اجتهدت في تصوير الاتضاع فلن تجد صورة مخجلة أكثر من الصليب الذي به نعترف وبه نؤمن ونفتخر على أعدائنا.

ولكن كما نؤمن بكل ما كتب (في الإنجيل) هكذا نرفض ما لم يكتب فيه. فنحن نؤمن أن الله ولد من عذراء لأننا نقرأ هذا في الإنجيل ولكننا لا نؤمن أن القديسة مريم تزوجت بعد الولادة طالما أن الإنجيل لا يذكر ذلك.

لا نحتقر الزواج!

ونحن لا ننفي عن العذراء الزواج احتقاراً منا له، فالبتولية نفسها هي ثمرة الزواج. ولكن عندما نتكلم عن القديسين ينبغي ألا نتسرع في الحكم. وإلا فلو سرنا على هذا النهج لقلنا إن يوسف البار كان له مثل إبراهيم ويعقوب أكثر من زوجة، وأن أخوة الرب هم ثمرة تلك الزيجات[74]…

فإذا كنت يا هلفيديوس تدعى أن مريم لم تبق عذراء فإني أقول لك أن يوسف نفسه بسبب مريم قد قبل البتولية، حتى يولد ابن بتول من زواج بتول. فيوسف إذ كان قديساَ باراً قد نأى بنفسه عن أن يتهم بالزنى. كما أن الكتاب لم يذكر عنه أنه تزوج غير مريم العذراء التي كان حارساً لها فقط – فمن ثم فالذي استحق أن يدعى أبا الرب ظل هو نفسه بتولاً.

بين البتولية والزواج:

وإذا كنت في مجال المقارنة بين البتولية والزواج، فإن استسمح القارئ في ألا يظن مطلقاً أني إذ أمدح البتولية فإن أذم الزواج أو أقلل من شأنه. كذلك فإني لا أستطيع مطلقاً أن أفاضل بين قديسي العهد القديم وبين قديسي العهد الجديد، أي بين الذين تزوجوا والذين امتنعوا عن الزواج. فإنه لاختلاف الزمن والظروف لا يجوز أن نطبق على السابقين ما ينطبق علينا نحن الذين انتهت إلينا أواخر الدهور.

هم كان قانونهم “أثمروا وأكثروا واملأوا الأرض”[75] وأن العاقر التي لا تنجب في إسرائيل ملعونة[76]. لذلك هم تزوجوا وأخذوا نعمة. وترك كل منهم أباه وأمه والتصق بامرأته وصار معها جسداً واحداً. ولكن فجأة دوى لنا صوت الرسول كالرعد معلناً هذه الوصية: “الوقت منذ الآن مقصر، لكي يكون الذين لهم نساء كالذين ليس لهم”[77] فالتصقنا نحن بالرب وصرنا معه روحاً واحداً. لماذا؟!… لأن “غير المتزوج يهتم فيما للرب كيف يرضي الرب. أما المتزوج فيهتم فيما للعالم كيف يرضي امرأته. أن بين الزوجة والعذراء فرقاً: غير المتزوجة تهتم فيما للرب لتكون مقدسة جسداً وروحاً. وأما المتزوجة فتهتم فيما للعالم كيف ترضي رجلها”[78].

تقديس الجسد والروح:

هل لك أن تعترض؟ …. إن قائل هذا الكلام هو بولس الإناء المختار الذي يميز بين المتزوجة والعذراء… إذ لم تعد غير المتزوجة تسمى امرأة بل عذراء[79] وعنما يقول إن “غير المتزوجة تهتم فيما للرب لتكون مقدسة جسداً وروحاً” فإن يصف العذراء أنها هي التي تكون بالفعل مقدسة جسداً وروحاً. إذ لا فائدة في أن تكون بتولاً بالجسد وزوجة بالفكر والقلب.

الاهتمامات الزوجية:

“أما المتزوجة فتهتم فيما للعالم كيف ترضي زوجها”. فهل تظن أنه لا فرق بين من تقضى وقتها في الصلاة والصوم وبين من تهتم – عند وصول زوجها – بأن تتزين كي ترضي زوجها. وعلى نقيض هذا قد تتعمد العذراء أن تبدو أقل جمالاً، بل وتهمل في ذاتها لتخفي محاسنها الطبيعية. أما المرأة المتزوجة فهي تلجأ إلى المساحيق والتجمل أمام المرآة وتسعى – كما لو كانت تلوم خالقها – إلى أن تبدو أكثر حسناً وبهاءً ….

وناهيك عن انشغالها بأطفالها، وضجيجهم، ومتابعتهم، ومراقبة تصرفاتهم، وتدبير الانفاق عليهم، ومواجهة متطلبات الحياة اليومية من معاملة الخدم واستقبال الضيوف والعناية بنظافة المنزل وتنسيقه…. فبحقك خبرني: أين هو نصيب الانشغال بالله في دوامة هذه الاهتمامات؟!!!

[1] هلفيديوس كاتب غربي لا نعرف عنه شيئاً إلى أنه عاش في روما في أيام داماسوس بابا روما (266-384م) وكان معاصراً للقديس جيروم. وقد كتب مقالاً سنة 380 م يثبت فيه أن القديسة مريم أنجبت من القديس يوسف البار بعد أن ولدت ربنا يسوع، وأن الكتاب المقدس سماهم أخوة المسيح وأخوانه ورغم عدم معرفة القديس جيروم به شخصياً، إلا أنه حرص على كتاب هذا المقال الذي نحن بصدده سنة 282 م رداً على ادعاء هلفيديوس هذا….

[2] 1: 20.

[3] 1 24، 25.

[4] تثنية 22: 23، 24.

[5] تثنية 20: 7.

[6] أشعياء 7: 14.

[7] لوقا 2: 27.

[8] لوقا 2: 41.

[9] لوقا 2: 43.

[10] لوقا 1: 24.

[11] لوقا 2: 4.

[12] 1: 20.

[13] أشعياء 46: 4.

[14] متى 28: 21.

[15] 1كورنثوس 15: 25.

[16] مزامير المصاعد هي مزموراً (120 – 124) وكانت ترتل في الأعياد وهم صاعدون إلى الهيكل في أورشليم.

[17] مزمور 123: 2.

[18] تثنية 24: 6.

[19] متى 1: 20.

[20] متى 1: 20.

[21] لوقا 2: 14.

[22] لوقا 2: 29.

[23] لوقا 2: 51.

[24] لوقا 2: 33.

[25] من أقوى الأدلة على صحة الأسفار المقدسة القانونية أن الأباء من القرن الأول فصاعداً قد اقتبسوا منها في كتاباتهم الكثيرة، حتى أنك تكاد تجمع الكتاب المقدس كله من كتاباتهم.

[26] تكوين 28: 26.

[27] لاويين 12: 2-4.

[28] ارميا 5: 8.

[29] لوقا 2: 4 -7.

[30] عدد 18: 15.

[31] عدد 18: 16, 17.

[32] لوقا 2: 22-24.

[33] خروج 12: 29.

[34] متى 12: 46.

[35] يوحنا 2: 12.

[36] يوحنا 7: 3، 4.

[37] يوحنا 7: 5.

[38] متى 12: 54، 55؛ مرقص 9: 1-2.

[39] أعمال 1: 14.

[40]  علاطية 2: 1، 2؛ 1: 19.

[41] 1كورنثوس 9: 4، 5.

[42] متى 27: 55، 56.

[43] مرقص 15: 40، 41.

[44] لوقا 24: 10.

[45] يوحنا 19: 25.

[46] يوحنا 7: 5.

[47] غلاطية 1: 18، 19.

[48] غلاطية 2.

[49] خروج 2: 18؛ 3: 1.

[50] قضاة 6: 3.

[51] تثنية 15: 12.

[52] تثنية 17: 15.

[53] تثنية 22: 1.

[54] رومية 9: 3، 4.

[55] تكوين 12: 8.

[56] تكوين 11: 27.

[57] تكوين 14: 4، 5.

[58] تكوين 14: 14.

[59] تكوين 14: 16.

[60] تكوين 29: 10 -12.

[61] عدد 15.

[62] تكوين 31: 26، 27.

[63] مزمور 133: 1.

[64] مزمور 22: 22.

[65] يوحنا 20: 17.

[66] أشعياء 66: 5.

[67] 1كورنثوس 5: 11.

[68] تكوين 20: 11.

[69] لوقا 2: 48.

[70] يوحنا 1: 45.

[71] متى 1: 20.

[72] ترتليانوس عالم ولاهوتي أفريقي توفي ما بين 215 -220 م وعاش في قرطاجة معلماً للموعوظين. وبعد أن ترمل رفض الزواج الثاني وعاش في نسك شديد. واتهم بالمونتانية التي تطرفت في النسك وحرمت الزواج وأكل اللحم… وأنكرت سلكان الكنيسة في غفران الخطايا الكبيرة. وله تفاسير ومؤلفات كثيرة أشهرها كتاب الدفاع عن الإيمان الذي يعتبر أول دفاع عن المسيحية يقدم للحكام الرومان. وله بعض الأخطاء العقيدية ومنها هذا الرأي. وتعتبره الكنيسة عالماً لا قديساً.

[73] فيكتورينوس أسقف بيتو بقرب فينا. استشهد على يد دقليديانوس سنة 303 م وكان جيروم معجباً بكتاباته وتفاسيره التي لم يبق منها سوى تفسير سفر الرؤيا.

[74] ظهر هذا الرأي أولاً في أحد الكتب المزورة يدعى انجيل يعقوب. وانتشر عند الكنيستين اليونانية والسريانية. أما كنيستنا فنؤمن أن يعقوب بن حلفى هو نفسه ابن كلوبا. وهو أخو الرب لأنه ابن خالته كما شرح جيروم هنا. وأن معنى عدم إيمان اخوته به هو عدم إيمانهم بلاهوته. فلو كان يعقوب ابناً ليوسف من زوجة سابقة على مريم لكان أكبر من الرب سناً وهذا يتعارض مع نبوات العهد القديم (راجع: الكنيسة في عصر الرسل، لنيافة الأنبا يؤنس باب 7).

[75] تكوين 1: 28.

[76] راجع خروج 23: 26.

[77] 1كورنثوس 7: 29.

[78] عدد 32 – 34.

[79] عدد 34.

إقرأ أيضاً:

إقرأ أيضًا

الرد على: تراث المسيح الضائع: مغبوط هو العطاء أكثر من الاخذ - منقذ السقار

الرد على: تراث المسيح الضائع: مغبوط هو العطاء أكثر من الاخذ – منقذ السقار

الرد على: تراث المسيح الضائع: مغبوط هو العطاء أكثر من الاخذ – منقذ السقار الشبهة …