الرئيسية / آبائيات / الخطاب اللاهوتي الثاني – غريغوريوس النزينزي

الخطاب اللاهوتي الثاني – غريغوريوس النزينزي

الثاني –

الخطاب اللاهوتي الثاني
القديس

الثاني –

في اللاهـوت

1 – بما أننا طهرنا اللاهوتي[1] بخطابنا[2]، عندما عرضنا ماذا يجب أن يكون، وأمام من يجب أن يناقش، وفي أي وقت، وإلى أي حد – أمام أناس يكونون من الطهارة بحيث يلتقط النور النور؛ أمام من يكونون أشد الناس إصغاء كي لا تكون الكلمة عقيمة بسقوطها في أرض مملحة[3]؛ وفي الوقت الذي نكون فيه هادئي الداخل وبعيدين عن دوامة الخارج بحيث لا ينقطع نفسنا ونكون كالمسعورين؛ وإلى الحد الذي نكون عند قد فهمنا وأفهمنا. وإذا كان الأمر كذلك، وكنا قد “حرثنا حرثاً”[4] إلهياً فينا، بحيث لا يكون “الزرع بين الشوك”[5]، و”سوينا وجه الأرض”[6]، وبالكتاب المقدس كيّفنا[7] أنفسنا والآخرين، فهيا بنا في الحال إلى الكلام على اللاهوت، مفتتحين هذا الخطاب بالآب والابن والروح القدس الذي هم موضوعه، على أن يؤيدنا الأول، ويرافقنا الثاني، ويهدينا الثالث؛ أو بالأحرى أن تأتينا من الألوهة الواحدة إنارة وحيدة، متميزة في الوحدة، ووحيدة في التميز، وذلك أمر غريب!

2 – إني أصعد إلى الجبل[8] في اندفاع، أو بكلام أصح، في اندفاع وقلق، والواحد عن رجاء، والآخر عن ضعف، وذلك لكي أدخل في الغمام[9]، وأكون مع الله – عن أمر منه –[10] فهل من هارون[11] يصعد معي ويقف إلى جانبي، وإن اضطر أن يبقى خارج الغمام. هل من ناداب أو أبيهو أو أحد الشيوخ[12] يصعد، ويقعد من بعيد[13] وفاقاً لأهلية تطهيره! هل من أحد في هذا الجمهور ومن غير المؤهلين لهذا العلاء ولهذه المشاهدة؛ وإن كان غير طاهر البتة فلا يقترب، لأن اقترابه غير آمن[14]، وإن كان تطهره لوقت موقوت فليمكث في الأسفل، وليكتف بسماع الصوت، والبوق، وكلمات التقوى فقط، ولينظر إلى الجبل مدخناً وساطعاً البروق[15]؛ إنه تهديد لمن لا يستطيعون الصعود، وفي الوقت نفسه مبعث تعجب وإعجاب. وإن كان هنالك وحش شرير ضار غير قادر البتة على تقبل أقوال التأمل واللاهوت فلا يتخف في الغابات على تستر ومكر، لكي ينقض فجأة ويتلقط رأياً أو كلمة، ويمزق بافتراءاته “الأقوال الصحيحة”[16]، وليمكث بعيداً ولا يقترب من الجبل، وإلا رجم رجماً[17] وحطم[18]، “فيهلك ذلك الرديء على شر وجه”[19]؛ لأن الأقوال الحقيقية والمتينة حجارة في وجه من يُشبهون الوحوش. إن كان فهداً فليمت مع “رقطه”[20]. وكذلك إذا كان “أسداً” ضارياً و “زائراً” و “ملتمساً ما يفترسه”[21] في نفوسنا وفي عباداتنا؛ وإذا كان “خنزيراً يدوس بأرجله جواهر” الحقيقة الجميلة والمتألقة؛ وإذا كان “ذئباً من بلاد العرب”[22] وغريباً، أو كان أشد نهشاً من هذه الوحوش بسفسطته، وإذا كان “ثعلباً”، نفساً ماكرة وخداعة، يتلون وفاقاً للأحوال والحاجات، هو الذي تغذوه الأجسام المائتة والمنتنة، أو “الكروم الصغير”[23] إذ إن “الكبيرة”[24] تفوته، وكذلك كل حيوان آخر من آكلات اللحوم النيئة التي يرذلها الناموس والتي ليست طاهرة[25] ولا تصلح للغذاء والاستعمال. فخطابنا يجانب هؤلاء، ويريد أن يُحفر على ألواح صلبة وحجرية[26]، وعلى صفحتي الألواح، بسبب القسم الظاهر من الناموس والقسم الخفي: هذاك للجم الغفير الباقي تحت، وهذا للعدد القليل والذين يرقون إلى فوق.

3 – ماذا جرى لي، أيها الأصدقاء، الواقفون على الحقيقة والكلفون بها بمقدار ما أنا كلف بها؟ لقد أسرعت لبلوغ الله، وصعدت هكذا إلى الجبل، ودخلت الغمام، منعزلاً في داخلي عن المادة والماديات، ومنكفئاً على ذاتي قدر المستطاع. وعندما نظرت لم أكد أرى سوى قفا الله[27]، وكنت محتمياً بالصخرة[28]، وبالكلمة[29]، والذي صار جسداً من أجلنا[30]، وعندما انحنيت قليلاً أبصرت، لا الطبيعة الأولى الخالصة من كل اختلاط، التي تدرك ذاتها، أعني الثالوث، وكل ما يبقى وراء الستر الأول الذي يغشيه الكروبين[31]، بل ما يقع في الطرف ويصل إلينا. إنه، على ما أرى، عظمة الله في المخلوقات وفي الأشياء التي أبدعها وساسها، وما يسميه داور الإلهي “جلاله”[32]، هذا ما يُرى في قفا الله[33]، وما يدرك بعد اجتيازه[34]، إنه كظلال الشمس على المياه، والأخيلة تمثل الشمس في العيون الضعيفة، إذ لا يمكن التحديق إلى ذات الشمس، لأن صفاء نورها يتغلب على الحواس. هكذا يجب أن تعالج اللاهوت، وإن كنت موسى، و “إلهاً لفرعون”[35]، وإن كنت بلغت “السماء الثالثة” كبولس، وسمعت “كلمات تفوق الوصف”[36]، وإن تفوقت عليه، في أحد المواقع أو الصفوف التي لرؤساء الملائكة. فكل كائن، سواء كان علوياً أو فوق العلوي، وإن كان بطبيعته أرفع منا جداً أقرب من الله، هو أبعد من الله ومن إدراك كامل لله بعده عنا نحن الخليط المركب السفلي والميال إلى الأرض.

4 – فلا بد والحالة هذه من العودة إلى المسيرة على النحو التالي: يصعب إدراك الله، ويستحيل التعبير عنه، على حد ما علمه أحد “لاهوتيي” الإغريق[37]، في أسلوب لا يخلو من حذق، على ما أظن، وهكذا كان يبدو مدركاً ما يصعب قوله، كما كان ينجو من اللوم بكون هذا الأمر لايمكن التعبير عنه. وفي رأيي أن التعبير عن الله مستحيل، وإن إدراكه أشد استحالة. فمن الثابت أن ما أدرك يستطيع النطق أن يُبينه، وإن لم تكن الإنابة وافية تكون على الأقل غامضة، لمن لم تغلق أذناه إغلاقاً تاماً، ولم يفسد العقل عند إفساداً كاملاً. ثم أن حقيقة كهذه لا يستعصي إدراكها ولا يمتنع على الغارقين في الخمول والنزاعين إلى السفليات وحسب، بل يستعصي ويمتنع أيضاً على المغرقين في الترفع والتعلق بالله، بل على كل طبيعة مولودة، أي على كل من تقف الظلمات وكثافة الهيولى الجسدية دون إدراكه الحقيقة. ترى هل يكون الأمر هو هو لدى الطبائع العليا، أي الطبائع الروحية؟ لست أدري. إنها قريبة من الله وتتلقى منه فيضاً من النور، وقد تكون في غمرة من ذلك النور، وإن لم تكن استنارتها كاملة فهي بلا مراء أكمل وأوفى من التي نتلقاها نحن، وهي تكون لهذه أوفر مما تكون لتلك، وذلك بحسب المصاف والمراتب.

5 – لنقف بهذا المسألة عند هذا الحد! ولننتقل إلى موضوعنا، فليس هو “سلام الله” وحده، الذي “يفوق كل فهم”[38] وكل إدراك، وليس كل ما أعد للصديقين ووعدوا به مما لم تره عين ولا سمعت به أذن، وقلما تأمل فيه فكر[39]، وليس هو معرفة الخليقة الدقيقة – كن على يقين أنه لم يبلغك من ذلك سوى الظلال عندما تسمع هذا القول: “إني أرى سماواتك عمل أصابعك، القمر والكواكب”[40]، والدليل الثابت في ذلك أن ما لا تراه الآن ستراه فيما بعد؛ لا ليس في هذا موضوعنا، بل إنه، قبل هذه الأمور كلها، في الطبيعة التي ينضوي تحتها ويصدر عنها كل شيء، في الطبيعة التي لا يمكن إدراكها والإحاطة بها، أعني إدراك انيتها والإحاطة بها، لا إدراك وجودها وفهمه. فليست “كرازتنا باطلة ولا إيماننا باطلاً”[41]، وليس من الباطل ما نعلمه. وهكذا لن تستطيع أن تلتقط من بعد في صراحتنا مبدأ “إلحاد” و”خداع”، ولن تستطيع مناهضتنا على أننا نقر بجهلنا[42]. والفرق شديد جداً بين التثبت في وجود الشيء ومعرفة إنيته.

6 – فأن يكون الله العلة الفاعلة لكل شيء، وأن يكون هو علة ذاته، هذا ما يعلمناه النظر ونظام الطبيعة: أما النظر فبوقوعه على مرئيات ثابتة ثبوتاً جيداً ومتحركة في آن واحد، وبكلام آخر: محركة ومسيرة في غير حركة؛ وأما نظام الطبيعة فبدلالته على مكون كل شيء من خلال المرئيات ونظامها. فكيف كان يبدأ هذا الشيء كله ويحفظ لو لم يمده الله بالجوهر ويتعهده بالحفظ؟ ولئن أبصرنا قيثارة في أبهى زينتها، وفي دقة بضّها، أو سمعنا أنغامها، ألا ننتقل بالفكر إلى صانع القيثارة وإلى الضارب عليها، ألا نرتقي بالفكر إليها وإن غائبين عن أنظارنا؟[43] هكذا يبدو لنا الخالق الذي يحرك ويفظ ما خلق، وإن لم يحط به فكرنا؛ وإنه لفي غاية الغفلة من لا يتدرج تلقائياً إلى هذه النتيجة، ولا يأخذ بالأدلة التي توفرها الطبيعة؛ إلا أني لا أقول بأن الله هو ما تخيلناه، أو ما تمثلناه، أو ما رسمه عقلنا.

لئن توصل يوماً أحد إلى إدراك هذا الكائن، ولو إدراكاً جزئياً، فهل يكون على ذلك دليل؟ من توصل هكذا إلى مشارف الحكمة؟ من استحق يوماً هذه الموهبة الروحية؟ من “فتح” هكذا “فم” عقله و”اجتذب الروح”[44] الذي “يفحص كل شيء حتى أعماق الله”[45] لكي يعمل ذلك الروح على إبلاغه الله، فلا يشعر بحاجة إلى أي شيء آخر، بعد حصوله على منتهى ما يتشوق إليه، على ما تسعى الحياة كلها إليه، وتترامى إليه فكرة الإنسان المتسامي.

7 – فأي فكرة تكون فكرتك عن الألوهة إذا كنت تثق ثقة حقيقة بالاستدلالات العقلية؟ وإلى أين يصل بك هذا النقاش، إذا نظرت فيه نظرة عميقة، أيها الفيلسوف العظيم، واللاهوتي القدير، يا من يتعاظم تعاظماً لا حد له؟ هل الألوهة جسد؟[46] كيف هي إذاً غير محدودة، وغير متناهية، وغير ذات شكل خارجي، وغير قابلة اللمس والرؤية؟ هل تكون الأجسام هكذا؟ يا للتفريط في الكلام! لا، ليست هذه طبيعة الأجسام. أو هل تكون الألوهة جسداً مجرداً من هذه الخصائص؟ يا لجهالة الجهلاء! وذلك كي لا يكون للألوهة شيء ليس فينا! فكيف تعد إذا كانت ذات حدود؟ وكيف تنجو من أن تكون مركبة من عناصر وقابلة الانحلال إلى تلك العناصر، أو من الفناء الكامل؟ فإن التركيب عامل صراع؛ والصراع عامل انقسام؛ والانقسام عالم زوال؛ والزوال أمر مفارق تمام المفارقة لله وللطبيعة الأولى. فليس ثمت انقسام كي لا يكون زوال؛ ولا صراع كي لا يكون انقسام؛ ولا تركيب كي لا يكون صراع؛ ولهذا فليس ثمت جسد كي لا يكون تركيب. فالاستدلال ينطلق من الأفكار الأخيرة ويرتقي إلى الأولى ويتوقف عندنا.

8 – إذا كان الله يحد جزئياً ويحد جزيئاً فكيف نصون واقع كونه يخترق كل شيء ويملأ كل شيء، على حد ما جاء في الكتاب: “ألست مالئ السماوات والأرض؟ يقول الرب”[47]، و “روح الرب ملأ المسكونة”[48]. وهكذا فإما أن يقيم في فراغ، وتغيب الأشياء كلها عنا، فيهان الله بتحوله إلى جسم وتفلت من سلطانه جميع مصنوعاته؛ وإما أن يكون جسماً بين الأجسام، وهذا أمر مستحيل[49]؛ وإما أن يدخل في أجسام أخرى[50] ويخرجها عن شبيهاتها، فيختلط بها اختلاط السوائل، فيذيب أو يذوب، وهذا أمر أشد سخفاً من ذرات أبيقورس ومن “الخرافات العجائزية”[51]، وهكذا تسقط أمامنا جدلية الجسم ولن يكون لنا من بعد جسم ولا قوام.

إذا قلنا إن الله غير مادية، وإذا كان هو العنصر الخامس، على ما يراه البعض[52]، وكان مندفعاً في الحركة الدائرية – ولنحسب أنه كائن غير مادي، وأنه الجسم الخامس، وأنه، إذا أرادوا، جسم غير جسماني، على حد تعبيرهم الواسع وغير المنضبط، وأنا لا أريد الآن مناقشة هذا الموضوع – إذا كان الله كذلك فأين يجد مكانه بين الكائنات المتحركة التي تعصف بها الحركة، وهذا بغض النظر عن الإهانة التي تلحق بالصانع إذا تحرك بحركة مصنوعاته، وبالقوام إذا تحرك بحركة الكائنات التي تقوم به وتحفظ – هذا إذا سلموا بهذا الرأي؟ وهذا الحركة من باعثها؟ من يبعث الحركة في هذا كله؟ وهذا الكائن من يحركه؟ وهذا الأخير ممن يستمد الحركة؟ وهكذا إلى ما لا عد له. وإذا كان الله في دوامة هذه الحركة فكيف لا يكون له مكان البتة؟

ولئن قالوا بأن الله هو العنصر الخامس أو إنه ذو جسم ملائكي، فأنى لهم أن يكون الملائكة أجساماً، وما تكون تلك الأجسام؟ وما أرفع ما يكون الله عن الملاك[53] والملاك خادم له![54] وإذا كان الله في أعلى هذه الأجسام كان لنا أيضاً سيل فرق من الأجسام، وهوة من الحماقة لا يمكن أن يحدها مكان.

9 – وهكذا فليس الله في نظرنا جسماً. ولما يقم نبي[55] ويقل بذلك أو يوافق على ذلك، وليست العقيدة هذه من “حظيرتنا”[56]. بقي أن الله لا جسم له. ولكن خلوه من الجسمية لا يكفي لإدراك جوهره والإحاطة به، كما لا تكفي التعبيرات “غير مولود”، “لا مبدأ له”، “غير قابل للتغير”، “غير قابل للفساد”، وسائر ما قيل في الله وعن الله. فماذا يعني، في موضوع طبيعته، أن يقال “ليس له مبدأ”، و “لا يتغير”، و “لا تحده حدود”؟ إن إدراكه إدراكاً كاملاً متروك لتبحر من عنده “فكر الله”[57] حقاً كان أكثر إيغالاً في التأمل. لا يكفي أن يقل “الجسد”، أو “المولود” لكي يفهم أن الكلام يُشار به إلى هذا أو ذاك، بل يجب أن يكشف عن الحقيقة الكامنة في كل لفظة، إذا قصد الوقوف على مفهومها وقوفاً كافياً ومرضياً – فقد يكون هذا الكائن الجسماني المولود والقابل الزوال إنساناً، أو ثوراً، أو حصاناً؛ وهكذا لا يكفي هنا أن نتوقف عند قول ما ليس هو، إذا تطفلنا وبحثنا في طبيعة من “هو الكائن”[58]؛ بل يجب علينا، بعد قول ما ليس هو، أن نقول أيضاً ما هو. وإنه لمن الأسهل أن ندرك الشيء في ذاته من أن ننفي جميع العناصر واحداً فواحداً لكي نوصل ما نفكر فيه إلى ذهن السامع، فارزين أولاً ما ليس هو، ثم مثبتين ما هو. فمن يقول عن الشيء ما ليس هو ويتغاضى عما هو يجري وكأنه يجيب عن السؤال “ما مجموع خمسة وخمسة” قائلاً: لا هو اثنان، ولا ثلاثة، ولا أربعة ولا خمسة، ولا عشرون، ولا ثلاثون، ولا هو بموجز القول، من الأعداد التي دون العشرة أو فوق العشرة، من غير أن يقول إنه عشرة ويجنب عقل السائل عناء انتظار ما يبحث عنه. فالانطلاق مما يكون الكائن وإبراز كل ما لا يكون أشد سهولة وأقرب إلى التناول من طريقة الفرز ونفي ما لا يكون لإظهار ما يكون. أليس هذا أمراً ثابتاً لدى الجميع؟

10 – إذا كانت الألوهة في نظرنا غير جسمانية كان علينا ان نواصل بحثنا شيئاً فشيئاً: هل الألوهة لا مكان لها أم هل هي في مكان ما؟ فإن لم يكن لها أي مكان انطلق أحد مقامينا اللد يقول: كيف يمكن إذن أن يكون لها وجود. فإن ما لا وجود له لا مكان له، وما لا مكان له لا يكون في الأغلب له وجود أيضاً. وإن كان الألوهة في مكان – إذاً هي موجودة – كانت إما في الكل، وأما فوق الكل. فإن كان في الكل كانت إما في الجزء، وإما في جميع الأجزاء. وإن كانت في جزء حدها هذا الجزء الذي هو أصغر من الكل؛ وإن كانت في جميع الأجزاء حدها شيء أكبر[59]، شيء كبير ومختلف عنها، أقول إن الموسع يحده ما يسعه، إذا كان لا بد للكل (أي الله) من أن يحتويه الكل (أي الكون)، وألا يكون منزهاً عن أن يكون محدوداً في مكان. هذا إذا كانت الألوهة في الكل. وأين كانت قبل وجود الكل؟ ليس ذلك بالأمر اليسير في باب الصعوبة.

وإذا كانت الألوهة فوق الكل أفلم يكن هنالك شيء يفصلها عن الكل؟ وأين هذا الذي فوق الكل؟ وكيف تصوروا ما يرفع إلى فوق وما هو مرفوع إلى فوق عندما لا يكون هنالك حد يقسم هذه الأشياء ويفصها بعضها عن بعض؟ أليس من الضرورة أن يكون هنالك وسيط يقوم طرفاً للكل ولما هو فوق الكل؟ وهذا ما هذا؟ أليس مكاناً حاولنا أن نتهرب منه؟ ولست أقول أيضاً إن الألوهة في الضرورة محدودة إذا كان الفكر يستطيع أن يدركها، فإن قابلة الإدراك نوع من المحدودية.

11 – ترى لماذا تماديت في هذا الأمور التي تدق جداً على آذان الكثيرين وتجاري تيار المناقشات الشائعة في هذا الأيام، تلك المناقشات التي استخفت بما هو صريح ويسبط لتدخل ما هو ملتو ومعمى؟ وكما تعرف الشجرة بثمارها[60] أقول بأن مثل هذه التعاليم من أعمال الظلمة[61] لما في مضمونها من ظلام؟ فليس هدفي أن أظهر متفوهاً بالمفاجئات، ولا أن أتظاهر “بالبراعة في العلم” عاقداً “العقد وحالاً الألغاز”[62] – إنما هذا المعجز العظيم من شأن دانيال – ولكني أردت أن أبين المجرى الذي جرى فيه خطابي منذ بدايته. فماذا كان؟ كان أن الفكر البشري لا يستطيع أن يدرك الألوهة، وأن يتخيلها في كامل ذاتها أمر غير ممكن. وما ذلك حسداً منها – لأن الحسد بعيد عن الطبيعة الإلهية[63]، تلك الطبيعة المنزهة عن الأهواء، والصالحة وحدها، والمطلقة السلطة، ولا سيما بالنسبة إلى أشرف خلائقها عندها – ومن في نظر كلمة الله أشرف من الإنسان الناطق بالكلمة والذي غمر الله وجوده بفيض من صلاحه الأعظم؟ وما ذلك تطلباً منه تعالى لشرف ذاتي ومجد ذاتي، وهو “الشبعان”[64] من ذلك كله، ولا استجلاباً للتكريم والعبادة، وهو السامي فوق كل سمو. وما السعي وراء التكريم والتعالي على الغير بالسفسطة والتعمية إلا شأن سفسطائي وهو بعيد أشد البعد لا عن الله وحسب، بل عن كل إنسان أيضاً فيه كفاية من نزاهة وبعض وعي للصدق والاستقامة.

12 – وإن كان هنالك أسباب أخرى فقد يكون الأقربون إلى الله والذين ينقبون عن أحكامه “التي لا تستقصى”[65]، قد يكون أمثال هؤلاء على علم بها، هذا إذا كان هنالك أناس يتحلون بمثل هذه الفضيلة و”يجولون في أعماق الغمر”[66] على حد ما يقال. ونحن، في نطاق طاقتنا الإدراكية، إذ نقيس الأمور التي تصعب دراستها بمقاييس صغيرة، نقول إن ذلك قد يكون منعاً لأن تصبح سهولة التحصيل طريقاً إلى سهولة أشد في فقدان ما نكون قد حصلناه، ذلك أن ما يحصل بتعب وكد يكون الحرص عليه أشد، وما يحصل بسهولة يبدد بسرعة، لا لشيء إلا لكون العودة إلى تحصيله خالية من العسر؛ وهكذا فمن الخير أن يكون الخير صعب المنال، على الأقل عند من يتصفون بسلامة التفكير. وقد يكون ذلك لتجنيبنا المصير الذي صال إليه لوسيفورس الساقط[67]، والحؤول دون التوصل، بعد حصولنا على النور الكامل، إلى “التجبر”[68] على الرب الكلي القدرة، والهبوط من علائنا أقبح ما يرثى له من هبوط. وقد يكون ذلك أيضاً لكي يكون هنالك مكافأة أعظم على الشجاعة والحياة الصافة اللتين يتحلى بهما أولئك الذين تطهروا على هذا الأرض وسعوا سعياً حثيثاً إلى الغاية المنشودة. بسبب ذلك كله يقوم بيننا وبين الله “ظلام”[69] مصدره الجسد، وهو أشبه بالغمام الذي كان يقوم قديماً بين المصريين والعبرانيين[70]. وقد يكون هذا معنى القول: “جعل الظلمة حجاباً له”[71]، والظلمة هي كثافتنا التي لا ترى القلة من خلالها إلا القليل. وعلى من يهمهم هذا الموضوع أن يخوضوا فيه ما شاءوا، وليوغلوا في البحث إلى أقصى ما استطاعوا. أما نحن “أسرى الأرض”[72]، على حد قول إرميا الإلهي، نحن الذين تغمرهم كثافة الجسد، فجل ما نعرفه أنه كما يستحيل على الإنسان، وإن شديد السرعة، أن يسبق ظله – والظل كلما حاولت إدراكه وجدته متقدماً عليك – أو كما يستحيل على النظر أن يباشر المرئيات بمعزل عن النور والهواء، أو كما يستحيل على جماعة السباحة أن يعوموا خارج الماء، كذلك يستحيل على من هم في الجسد أن ينقطعوا تمام الانقطاع إلى الأمور الروحية بمعزل عن الأمور الجسدية. فلا بد من تسرب شيء من جسدياتنا، حتى ولو تجردت النفس تجرداً شديداً من المنظورات وصارت إلى ما هي عليه في ذاتها، وحاولت أن تعكف على ما يوافقها من غير المنظورات. هذا ما يجب أن تدركه.

13 – “روح”[73]، “نار”[74]، “نور”[75]، “محبة”[76]، “حكمة”[77]، “عدل”[78]، “عقل”[79]، “كلمة”[80]، أليست هذه الألفاظ وما شابهها أسماء للطبيعة الأولى؟[81] وماذا؟ هل تتصور نفساً (روحاً) بغير انطلاق وانتشار؟ ناراً في خارج المادة وبغير تشبب إلى فوق، وبغير لون ولا شكل؟ نوراً غير ممتزج بالهواء ومنفصلاً نوعاً ما عن مصدره وباعثه؟ عقلاً، وأي عقل؟ هل هو عقل في آخر، عقل تصوره حركة، عقل ساكن أم مندفق على الخارج؟ كلمة، وأي كلمة؟ هل هو المقيم فينا أو المنتشر، ولا أجرؤ أن أقول المتبدد؟ وإن كان حكمة، فأي حكمة هي؟ أما هي الخلة المألوفة التي تعمل في أثناء التأمل، وسواء كان ذلك في الأمور الإلهية أو في الأمور البشرية؟ عدلاً ومحبة؟ أليسا خلتين حميدتين تخالف إحداهما الظلم، وتخالف الأخرى الحقد والضغينة، وتشتدان وتتراخيان، وتبرزان وتتواريان، وتعملان فينا على كل حال تأثيراً تغييراً، كما تفعل الألوان في الأجسام؟ أم ترى هل يجب أن ندع هذا وننظر إلى الألوهة في ذاتها، قدر المستطاع، ونتصور لها صورة ولو جزئية؟ فماذا يكون هذا الابتداع: أفيكون من هذا ولا يكون هذا؟ أو كيف يكون كل هذا وكيف يكون كل شيء من هذه الأشياء على وجه كامل، هو الواحد بطبيعته في غير تركيب ولا مماثلة لأحد؟ هكذا يستنفد عقلنا قواه لكي يتملص من الأمور الجسدية ويباشر غير الجسدية، وهو عبثاً يسعى ما دام في ضعفه الذاتي يتشوق إلى ما فوق طاقته. وهكذا فكل طبيعة عاقلة تتجه إلى الله والعلة الأولى؛ وهي لا تتمكن من إدراكها للأسباب التي ذكرتها. وفي شوقها المضطرم، واختلاجات قلقها تعمل على تجنب الضرر فتبحر للمرة الثانية، فإما إنها تتوقف بنظرها عند الأشياء التي ترى ويقودها الضلال إلى أن تجعل من أحدها إلهاً – وأي شيء من المرئيات أرفع وأشبه بالله من الذي يراها، إلى حد أن يكون الواحد منها عابداً والآخر معبوداً – وإما أن يكون الجمال والنظام في المرئيات طريقاً إلى معرفة الله، فتكون الرؤية دليلاً على ما وراء الرؤية، من غير أن يضيع الله في غمرة العظمة التي تتجلى في الأشياء المرئية.

14 – هكذا عبد بعضهم الشمس، وآخرون القمر، وعبد هؤلاء مجموعة الكواكب، وأولئك السماء نفسها وعبدوا معها كواكبها التي أناطوا بها إدارة الكل وفاقاً لاندفاعها في حركتها او لسعة نطاق تلك الحركة، وعبد آخرون العناصر، التراب والماء والهواء والنار، لما لها من فائدة، ولكون الحياة الإنسانية لا تقوم إلى بها؛ وعبد غيرهم كل واحد ما شاء من المرئيات، مؤلهاً أشدها جمالاً. وكان من عبدوا الصور والتماثيل، صور ذويهم وتماثيلهم أولاً، لما كان يخالجهم من حزن وأسف ولما كانوا عليه من تعلق بهيئات أمواتهم الجسمية، فكانوا يكرمون أولئك الأموات بتكريم ما يذكر بهم؛ ثم صور الغرباء وتماثيلهم، أولئك الذين شط بهم الزمن وتراخت بأخبارهم المسافات؛ وما ذلك إلا لأنهم جهلوا الطبيعة الأولى وتمسكوا بأمجاد موروثة على أنها شرعية وضرورية؛ وقد رسخ الزمن العادة فأصبحت في نظرهم شرعة ونظاماً. وهنالك آخرون، على ما أظن، أعظموا السيطرة، فامتدحوا القوة وأعجبوا بالجمال، فقادهم الزمن إلى تأليه من كانوا يعظمون، ونسجوا حول خزعبلاتهم درعاً من الأساطير[82].

15 – من كانوا منهم أكثر خضوعاً للشهوات رأوا في تلك الشهوات آلهة أو أدوا تكريم الآلة للغضب، والقتل، والسكر، والفسق، ولأي شيء آخر مما يُشبه ذلك، متذرعين لأضاليلهم بأعذار قبيحة وجائرة. وقد تركوا بعض هذه الآلهة على الأرض، وواروا بعضها في الأعماق – وكانوا في هذا الأمر وحده عاقلين – ورفعوا بعضها إلى السماء. ويا للقسمة المهزلة! ثم إنهم أطلقوا على كل من هذه الكائنات المختلفة اسم إله أو شيطان[83]، جرياً مع ما كانوا يتمتعون به من حرية واستقلال في ضلالهم، وقد رفعوا لها أنصاباً كانت في روعتها طعوماً لاجتذاب النفوس، وقادهم التفكير إلى تكريمها بالدم ورائحة الدهن، بل تكريم بعضها بالمخزيات من الأعمال كالسكر والذبائح البشرية؛ ولا شك في أن مثل هذا التكريم كان لائقاً بمثل هذه الآلهة. والمخزيات أمعنوا فيها عندما كرموا “الطيور، والدبابات والزحافات”[84] وما كان منها الأحقر والأغرب، وخصوها بالمجد الذي لله، بحيث أصبح من الصعب معرفة من هو أخلق بازدراء أكبر: العابد أو المعبود؛ قد يكون أولئك الذي يؤدون العبادة، لأنهم، وقد وهبوا طبيعة عاقلة وتلقوا نعمة الله، فضلوا الأسوأ على أنه في نظرهم الأفضل. تلك كانت خدعة الخبيث الذي تعدى الخير ليعمل الشر، وهذا دأبه في مجمل أعماله الشريرة. لقد لمس لديهم الرغبة الشاردة في تطلب الله، فعمل على اقتناص الهيمنة لنفسه والاستئثار برغباتهم، آخذاً بيدهم وكأنهم عميان يبحثون عن طريق، وهنا وهناك أهوى بهم في المهواة، وشتتهم في هاوية الموت والضياع.

16 – هذا بالنسبة إليهم. أما نحن فإن العقل قد استقبلنا عندما كنا نطلب الله، ولا نتحمل غياب القائد والربان، وإذ أكب على الأشياء المنظورة وتتبع ما كان منذ البدء، لم يتوقف عندها – إذ لم يكن من المعقول أن تلقى السلطة المهيمنة إلى من يساووننا في المشاعر – فقادنا عن طريقها إلى من هو فوقها، ومن به كان لها الوجود. فمن ذا الذي نظم السماويات والأرضيات، وكل ما في الهواء وعلى الماء، أو بالأحرى، قبل ذلك، السماء والأرض والهواء وعنصر الماء؟ من ذا الذي مزجها وفصلها؟ ما هذا التآلف القائم بينها، وهذا التلاحم، وهذا التناغم؟ إني أوافق على قول القائل، وإن كان القائل من غير جماعتنا: “من ذا الذي بعث الحركة في هذه، والذي يقودها في مدار لا يحد ولا يرد؟”[85] أليس هو العامل الذي عملها، وجعل في جميع الأشياء مبعث مسيرتها ونظامها؟ ولكن من يكون هذا العامل؟ أليس هو الصانع الذي صنعها وأتى بها إلى الوجود؟ وإنه لمن الثابت أن ليس للصدفة مثل هذا القدرة. ولنحسب أن الوجود من صنع الصدفة، فمن يكون المنظم؟ ولنحسب، إذا شئت، أن النظام أيضاً من وضعها، فمن يكون حافظ المخلوقات ومدبرها وفاقاً لما أقيمت عليه؟ هل هو غير الصدفة؟ أم هو الصدفة؟ إنه ولا شك غير الصدفة. إنه الله ولا أحد سواه. وهكذا فإن العقل الآتي من الله والمرافق لطبيعتنا، والشرعة الأولى فينا التي لا تغيب عن بصيرتها شيء، هذا العقل ارتقى بنا إلى الله انطلاقاً من الكائنات المنظورة. والآن فلنتكلم ناحين في كلامنا منحى جديداً.

17 – الله، في طبيعته وفي جوهره، لم يتوصل أحد قط ولن يتوصل أحد إلى اكتشافه؛ ترى هل يتوصلون إلى ذلك يوماً ما؟ فليترك هذا الموضوع لبحث من أرادوا من الباحثين ولتحريات علمهم. وفي رأيي أن هذا الاكتشاف لن يتم إلا عندما يصبح الشيء الإلهي الذي فينا، أعني روحنا وعقلنا، على صورة الله، عندما يصبح غارقاً فيمن ينتمي إليه، عندما ترتقي الصورة إلى من أخذت عنه ومن تصبو إليه. وإنه ليبدو لي فيما يبدو أن الفلسفة كل الفلسفة في أننا سنعرف يوماً بقدر ما نحن معروفون[86]. وكل يصلنا الآن إنما هو شعاع ضئيل، أو شبه عبس نزر[87] من نور عظيم. وهكذا فإن كان أحد قد عرف الله أو عد عارفاً لله فليست معرفته سوى أنه تعرض للنور أكثر من غيره. وهذا القسط الذي حصل عليه من المعرفة عد كاملاً، لا في الحقيقة، بل بالنسبة إلى إمكانية جاره الذي لم يصب من النور ما أصاب هو.

18 – لهذا رجا أخنوخ أن “يدعو باسم الرب”[88]: إنه لم يحصل إلا على الرجاء، لا رجاء معرفة الله، بل رجاء دعوته. وأُخذ أخنوخ[89]، ولم يعرف بعد هل كان ذلك بعد إدراكه طبيعة الله، أو من أجل إدراكها. وجميل نوع أنه أرضى الله ونال حظوة في عينيه[90]، وقد عهد إليه في إنقاذ العالم كله، أو قل نواة العالم، على حاملة صغيرة من خشب نجت من الطوفان[91]. وإبراهيم برر بالإيمان[92]، هو أبو الآباء الكبير، وقد قدم ذبيحة غريبة كانت رمزاً للذبيحة الكبرى[93]؛ إنه رأى الله، لا الله في ألوهته[94]، ولكنه قدم له الطعام على أنه إنسان[95]، فامتدح لكونه أدى العبادة بمقدار ما أدرك من حقيقة ما جرى. ويعقوب رأى في حلمه سلماً منتصبة وملائكة تصعد عليها[96]، وقد صب دهناً على النصب بوجه رمزي[97] – لعل في ذلك إشارة إلى الحجر[98] المسيح الذي مسح لأجل خلاصنا[99] – وأسمى الموضع “مشهد الله”[100] إكراماً للذي شاهده؛ وصارع الله على أنه إنسان[101] – أياً كانت تلك المصارعة، أو لعلها تكون مقارنة لفضيلة الإنسان بالله – وحمل في جسده علامة صراعه[102]، وهي تشير إلى هزيمة الطبيعة المولودة؛ ونال جزاء تقواه تبديلاً لاسمه، فانتقل اسمه من يعقوب إلى إسرائيل[103]، إلى ذلك الاسم العظيم والشريف؛ ولكن لا هو، ولا أحد من أسباط الاثني عشر، الذين كان لهم أباً، استطاع إلى هذا اليوم أن يدعي بأنه عرف طبيعة الله، أو أنه شاهدها مشاهدة تامة.

19 – وإيليا لم يعبر إليه الله في الريح الشديدة، ولا في النار. ولا في الزلزلة، كما أورد التاريخ ذلك إلى سمعك، بل في النسيم اللطيف[104] حيث تمثل له طيف الحضور الإلهي، لا طبيعة الله ذاتها. وإيليا، من يكون؟ هو من ارتفعت به مركبة نارية إلى السماء[105]، وأظهرت ما كان عليه من بر يفوق طبيعة البشر.

وكيف لا نعجب بالقاضي منوح[106]، ثم بالتلميذ بطرس من بعده؟ أما الأول فما كان ليتحمل رؤية الله الذي تراءى له، وكان لذلك يقول لامرأته: “إنا سنموت لأنا عاينا الله”[107]. ففي نظره أن البشر لا يستطيعون تحمل رؤية الله، فكيف بطبيعته الإلهية. وأما الآخر فقد شاهد المسيح ولم يدعه يقترب من سفينته، ولهذا كان يطلب إليه أن يتباعد[108]. هذا مع أن بطرس كان أشدهم حرارة للاعتراف بالمسيح، ولهذا نعت بالطوباوي”[109]، وأودع الوديعة العظمى[110]. وماذا تقول في أشعيا، وحزقيال الذي شاهد أعظم الأمورـ وسائر الأنبياء؟ أما الأول فقد رأى رب الصابئوت جالساً على عرش مجد يحيط به السرافون ذوو الأجنحة الستة ويسبحونه وسترونه، ورأى أن جمرة مست شفتيه وطهرته وهيأته لدور النبوة[111]. وأن يكون هذا رؤيا نهارية لا يراها غير القديسين، وأن يكون رؤيا نهارية لا يراها غير القديسين، وأن يكون رؤيا ليلية غير كاذبة، أن يكون حدساً جارياً في القسم الآمر من النفس، حدساً هو بمثابة اتصال بما سيأتي وكأنه حاضر، وأن يكون أي نوع آخر لا يعبر عنه من أنواع النبوة، ليس لي في ذلك كله أي قول، ولكن الذي يعرف ذلك هو إله الأنبياء ومن تجرى فيهم هذه الآيات. ومع ذلك فليس هؤلاء الذين ذكرتهم ولا غيرهم ممن يشبهم قد وقفوا في مجلس الرب”[112] وفي موقف حقيقته، على حد قول الكتاب؛ إنهم لم يروا طبيعة الله ولا فسروها.

20 – أما بولس، فلو أعطي له أن يكشف عما اشتملت عليه السماء الثالثة[113]، والتقرب، أو الصعود أو الاختطاف إلى هنالك ربما كان لنا اطلاع أوسع على ما يتعلق بالله، على أن يكون ذلك هو السبب الخفي لهذا الاختطاف، ولكن بما أنها أمور تفوق الوصف[114]، كان علينا نحن أيضاً أن نقدرها في صمت. ولنستمع فقط لبولس نفسه يقول: “فإن علمنا ناقص، ونبوتنا ناقصة”[115]. إنه يعترف بهذا الأمر كما يعترف بغيره، هو غير المتطفل في المعرفة، هو الذي يهدد بأن يقدم الرهان على أن المسيح ينطق فيه[116]، هو المدافع الكبير عن الحقيقة والمعلم الكبير لها. وهو يقر أن كل علمنا ههنا ليس سوى نظر في المرآة وفي الألغاز[117]، وأنه يتوقف عند بعض الصور الهزلية للحقيقة. ولئن بدوت في نظر البعض غير مالك من الفضول والتطفل ما يحملني على تقصي هذه المسائل فلأنها قد تكون مما ذكره الكلمة نفسه عندما تكلم على الأمور التي لا يطاق الآن حملها[118] – وسيأتي يوم يطاق فيه حملها وتكشف – تلك الأمور التي أشار إليها يوحنا، سابق الكلمة، وصوت الحقيقة العظيم، وأعلن “أن العالم نفسه ههنا لا يستطيع أن يسعها”[119].

21 – وهكذا يصعب في كل حقيقة وفي كل خطاب أن يقع الإنسان على براهين، وأن يبلغ المشاهدة. إننا كمن يريد أن يقوم بعمل كبير بوسيلة صغيرة، عندما نعمل على اقتناص معرفة الحقيقة بالحكمة البشرية، وعندما نواجه المعقولات بالحواس أو بغير أن نتغاضى عن الحواس التي تطوح بنا وتضللنا[120]، وإنه ليتعذر علينا، ونحن نقابل الأشياء معراة بعقلنا المعرى، أن نقترب من الحقيقة اقتراباً أشد، ونسم عقلنا بميسم المدركات. أما النقاش في موضوع الله فبقدر ما يكون أوسع وأعمق يكون أصعب وأغلق، ويكون مجالاً لاعتراضات كثيرة، ولردود معقدة عسيرة. فكل عائق، وإن هزيلاً وضئيلاً، يوقف مسيرة النقاش، ويشله، ويحول دون انطلاقه، كما يفعل الشد المفاجئ لأعنة الخيل المندفعة، عندما ترتد وتستدير في عنف الصدمة المفاجئة. هكذا سليمان الذي نال فيضاً من الحكمة ولم يقم قبله ولا معه أحد نظيره[121]، والذي آتاه الله “سعة الصدر” وفهماً ذكياً جداً كالرمل الذي على شاطئ البحر[122]، كلما أغرق في سبر الأعماق[123] عراه الدوار، ورأى في خاتمة مطافه كم تباعدت الحكمة عنه[124]. وقد حاول بولس أن يدرك، لا أقول طبيعة الله – إذ كان يعلم أن الأمر شديد الاستحالة – ولكن “أحكام”[125] الله لا غير، وعندما لم يجد في تصعيده منفذاً ولا مقراً، ولم يقف فضول تفكيره عند حد معلوم، إذ كان يرى أبداً شيئاً ما مفلتاً منه – يا للأمر العجيب![126] هذا لكي أشاركه في الشعور – موه كلامه بالذعر، وعبر عن ذلك الأمر بقوله “غنى الله وعمقه”، واعترف بأن أحكام الله لا تدرك[127]، وفاه بما يقارب الألفاظ نفسها التي فاه بها داود إذ كان يطلق تارة على أحكام الله “الغمر العظيم”[128] الذي يتعذر سبره بالمقاييس والحواس، ويقول تارة أخرى إن هذا “علم عجيب” بالنسبة إليه وإلى حاله، وإنه “فوق طاقته وأرفع من أن يدركه”[129].

22 – إنه يقول: “إذا ألقيت عني كل شيء لأوجه نظري إلى ذاتي وإلى مجمل الطبيعة البشرية ومقوماتها، فما نحن وهذا الخليط الذي فينا؟ ما هذه الحركة التي نتحركها؟ كيف امتزج غير المائت بالمائت؟ كيف أهوي إلى تحت وأنا محمول إلى فوق؟ كيف تتسرب النفس في الجسد؟ كيف تبعث الحياة وتشترك في الآلام؟ كيف يكون العقل محدوداً وغير محدود معاً، مقيماً فينا وممتداً إلى كل شيء في اندفاع واندفاق سريعين؟ كيف يعبر في الكلام وينتقل إلى الغير، يسير في الهواء ويخترق حجب الأشياء؟ كيف يتواصل والحواس ثم ينكفئ مبتعداً عن الحواس؟ وقبل هذا كله كيف جبلنا أولاً ونسجنا في مصنع الطبيعة؟[130] وكيف نلنا صورتنا الأخيرة وكامل قوامنا؟ كيف تنشأ لدينا الرغبة في الطعام وكيف يتوزع فينا هذا الطعام؟ ومن كان دليلنا في توجهنا العفوي إلى ينابيع الحياة الأولى[131] وإلى التوسل بالوسائل الأولى للحفاظ على الحياة؟ كيف يتغذى الجسم بالأطعمة والنفس بالفكر؟ ما هذه النزعة الطبيعية، هذا الميل المتبادل بين الآباء والأبناء إلى التواصل العاطفي؟ كيف تكون الأنواع ثابتة في خلقها، متمايزة في تعدد طبائعها التي لا تحصى؟ كيف يكون الكائن الحي الواحد مائتاً وغير مائت، مائتاً بكونه يزول، وغير مائت بكونه يتناسل؟[132] وهكذا يخلو إنسان فيقوم في مكانه آخر، على مثال مجرى النهر الذي يواصل جريه في غير توقف. وإنه لمن الممكن أيضاً الإفاضة في حديث الفلسفة والتطرق إلى الأعضاء وأجزاء الجسم وتناغم تركيبها، وتوافق بعضها البعض الآخر، وما يجتمع فيها من فائدة وجمال، مجتمعة أو متفرقة، كريمة أو أقل كرامة، متحدة أو منقسمة، حاوية أو محوية، ذلك كله وفاقاً لناموس الطبيعة ومنطقها. وهناك مادة غنية للكلام في موضوعي الأصوات والأسماع: كيف تعبر الأصوات الأجهزة الصوتية، وكيف تتلقاها الأسماع، وكيف تجري الصلة فيما بينها بوساطة الذبذبات والتموجات في الهواء المتوسط بينها. وهنالك أمور كثيرة يمكن الكلام عليها في شأن النظر الذي يتصل بالمرئيات اتصالاً لا يمكن التعبير عنه، وهذا الاتصال يجري بإمرة الإدارة، مرافقاً لها في تحركها، ومماشياً العقل في الحالة التي يكون فيها، إذ إن اتصال العقل بالمعقولات والنظر بالمنظورات بجري في سرعة لا يختلف فيها الواحد عن الآخر. وهنالك أمور كثيرة يمكن التحدث عنها في شأن الحواس الأخرى التي هي أشبه بمواطن تقبل للأشياء الخارجية في غير تنظر للعقل. وهنالك النوم وما يجلب من راحة، وتخيلات الأحلام، والذاكرة والتذكر، والعقل والتعقل، والغضب، والرغبة، وبموجز القول، كل ما يقوم به وعليه هذا العالم المصغر الذي الإنسان.

23 – هل تريد أن أُعدد لك ما بيننا وبين سائر الأحياء من فوارق، وما يميز الأحياء بعضها من بعض، وأن أبين لك طبيعتها وولادتها وإعالتها لصغارها، وسُكناها وغرائزها، ونظام حياتها؟ كيف تكون هذه قطعاناً وتكل وُحداناً؟ هذه عشبية المأكل وتلك آكلة لحوم؟ هذه ضارية، وتلك داجنة؟ هذه صديقة الإنسان ومؤاكلته، وتلك متوحشة ومستقلة؟ هذه شبه قريبة من الفهم وشبه قابلة للتدريب، وتلك على الدرجة القصوى من البلادة والامتناع على التدريب؟ هذه بأعضاء تحسسية كثيرة، وتلك بعدد قليل منها؟ هذه ساكنة لا حركة لها، وتلك قادرة على التحرك؟ هذه سريعة جداً، وتلك غارقة في الثقل؟ هذه متفوقة في القد والجمال أو في أحدهما، وتلك على أقبح ما يكون القصر أو القبح أو كلاهما معاً؟ هذه قوية، وتلك ضعيفة؟ هذه متحفزة للدفاع عن نفسها، وتلك مختالة ومكارة؟ هذه حكيمة وتلك خالية من الفطنة؟ هذه نشيطة ومقتصدة، وتلك كسول وقصيرة النظر؟ وقبل ذلك أيضاً كيف تكون هذه زاحفة، وتلك واقفة؟ هذه ذات مكان واحد، وتلك برمائية؟ هذه أنيقة، والأخرى كثيثة؟ كيف تكون ذات قرين أو بلا قرين؟ معتدلة أو شهاءة؟ خصبة أو قليلة الخصب؟ معمرة أو قليلة الأيام؟ وقد يعرو كلامنا الوهن والثقل لو أفضنا في التفصيل[133].

24 – أجل لي نظرك أيضاً في عالم السوابح التي تنساب في المياه وكأنها تطير في العنصر المائع، وتستخرج منه ما تحتاج إليه من هواء، وهي تلقى في جونا من الخطر ما نلقاه في مائها، تأمل في غرائزها وأحاسيسها، وتزاوجها، وولادتها، والعظمة والجمال، والتعلق بالمقر، والهجرة، والتجمع، والتفرق، والخصائص التي تكاد تشبه خصائص الحيوانات الأرضية، وأحياناً تشاركها فيها، والخصائص التي تخالفها فيها مظهراً واسماً. أجل لي نظرك أيضاً في جماعات الطيور وتنوعها أشكالاً وألواناً، وما كان منها صامتاً وما كان منها مغرداً. ما سر هذا التغريد وأنى لها الألحان؟ من علق على صدر الصرار حاملة أوتار، ومن وهبه الأناشيد والصرصرة على الأغصان، عندما تهيج الشمس الجماعة الصرارة في ظهيرة النهار فتنطلق في موسيقاها وتملأ الغابات صرصرة، وترافق بأصواتها عابر السبيل؟ من يساعد التم على نسج تمتمته، عندما يبسط جناحيه للريح ويجعل صفيره نغماً من الأنغام؟ وإني لأغفل ذكر الأصوات التي يبعثها الضغط وكل ما تصطنعه الحذاقة على غير مجرى الحقيقة. والطاووس، هذا الطائر المتغطرس ذو الأصل الميديوني، أنى له هذه الأناقة الفريدة وهذا الاعتداد بالنفس، بحيث إنه – وهو المدرك لما أوتي من جمال – إذا أبصر مقترباً، أو إذا درج، على ما يقال، أمام إناثه، نصب عنقه، ونشر ذنبه من طيه، بريش كالذهب الوهاج نثرت عليه الكواكب، وماس بزيفانه فكان مشهد بهاء في عيون المعجبين. والكتاب المقدس يشيد أيضاً بمهارة النساء في صناعة النسيج ويقول: “من وهب النساء المهارة في صناعة النسيج وعلمهن التطريز؟”[134] إنه صنع كائن عاقل، فياض الحكمة، يرقى أعراف السماوات.

25 – انظر لي بأعجاب في الذكاء الطبيعي عند العجماوات، وقدم لي عن ذلك بياناً. كيف تقيم العصافير لها في الصخور والأشجار والسقوف أعشاشاً يجتمع فيها الأمان والجمال، وتكون متأنية لتلقيم الفراخ؟ من أين استمدت النحل والعناكب نشاطها وبراعتها، حتى تقيم النحل أقراص عسلها متشابكة بمخاريب مسدسة الزوايا يقوم الواحد منها بظهر الآخر، وتجعل لمسكنها قاعدة من تعاقب الزوايا التي تتقاطع هي والخطوط المستقيمة، وذلك في خلايا كالحة الظلام، وبأعمال بعيدة عن الأنظار، وتمد العناكب في اتجاهات متعددة خيوطاً دقيقة جداً تكاد تكون هوائية، وتنسج عليها شباكاً كثيرة الأطواء، وذلك في غير منطلق ظاهر، وتقيم لها منها مسكناً كريماً، ومصيدة لاصطياد الضعاف والتمتع بالتهامها؟ أي أفقليذس[135] قلد هذا العمل باحثاً في الخطوط الوهمية وجاهداً في إقامة البراهين؟ أي بلميذس[136] لهذه المخططات الحربية والخطط الفنية، وهي، على ما يقال، طريقة الكراكي في التحرك المنظم والطيران المنوع؟ أي فيدياس وزفكسيذس وبوليغنوتس، وأي باراسيوس وأغلافونتس[137] للإبداع في رسم الجمال ونحته؟ أي رقص تناسقي في كنوسيوس أحياه ذيذالس[138] لغانية شابة[139] وبلغ فيه من الروعة كل مبلغ؟ أو لافورنثس كريق الضيق المدخل، والمستعصي الملاوي الدهليزية – على حد قول الشعراء – والملتف على ذاته التفافاً برع الفن في ابتداعه والإكثار منه؟ وإني لأعرض عن الكلام على مخازن النمل وخازنيها، وعلى مخزونها من المؤونة الكافية لشتى أحوالها، وعلى ما تورده لنا الأحاديث عن تجولها وعن قوادها، وعن النظام الدقيق الذي تجري عليه أعمالها.

26 – إذا كان تفسير هذه الأمور لا يفوتك، وإذا كنت قد أدركت ما فيها من حكمة، فانظر في النبات وتنوعه، وما يتجلى في أوراقه من براعة، فهي فتنة للنظر ووقاء للثمر. أجل لي نظرك أيضاً في الفواكه وتنوعها وغزارتها، وفي أن أشدها ضرورة أوفرها جمالاً. وتمعن لي في فضيلة الجذور والعصير، والزهور، والعبير، فهي ليس عذبة وحسب، بل هي العذوبة والمصحة؟ وتمعن في زهوة الألوان ومزاياها، وفي غنى الجواهر وألقها، فالطبيعة قد بسطت أمامك كل شيء وكأنه وليمة أعدت للجميع: بسطت الضروري كما بسطت الممتع، حتى إذا ما أخلصت الرؤية ترى الله في صنائعه ويبعث فيك فقرك مزيداً من الفطنة والتيقظ.

من هنا جُلْ لي في الأرض، أم الجميع، عرضاً وطولاً، في مطاوي البحار متصلاً بعضها ببعض وبالأرض، وتأمل جمال الغابات، والأنهار والينابيع الدائمة التدفق، ينابيع المياه السائغة والعذبة التي تجري على سطح الأرض، وتلك التي تجري في أعماقها، غائرة في المهاوي، ثم مندفعة في تيار جوفي، تضرمها الحرارة المنطلقة من حركة الدفع والصد العنيفة، إلى أن تجد لها بعد لأي منفذاً ممكناً فتنبجس لنا حمة في أمكنة كثيرة من الأرض – مع إمكان خروجها على خلاف ذلك –[140] طِباً مجانياً وفي غير كلفة. قل كيف ذلك ومن أين؟ ما هذا النسيج الوسيع الذي مد خيطه ولم تمدد له يد؟ وهذه الأشياء لا تقل روعة إذا تأملتها في علاقتها بعضها ببعض عما هي عليه في ذاتها واحدة فواحدة.

كيف ترسو الأرض ثابتة وفي غير انحناء؟ على أي شيء تنتقل، وعلى أي شيء أقرت؟ هذا الشيء أيضاً على أي شيء أقر؟ ليس لعقلنا في الحقيقة شيء يستند إليه غير الإرادة الإلهية. كيف يرتفع شطر من الأرض إلى قمم الجبال، وينبسط آخر سهولاً، في تنوع وتعدد أشكال، وفي تبدل يجري مع الزمن، وفيم يكون قسم منها أخصب من قسم لفائدتنا، أو قسم أبهج من قسم باختلاف المشاهد؟ كيف قسم لهذه أن تكون مسكونة ولتلك أن تكون مقفرة تعزلها أعالي الجبال وتفصلها، فتكون في انتفاضتها أعظم شاهد على عظمة الله.

27 – والبحر إذا لم يكن لي أن أقف أمام سعته موقف إعجاب، فإني أعجب بطواعيته، وبالتزامه، وهو غير المقيد، حدوداً لا يتعداها[141]. ولئن اعرضت عن طواعيته لم أعرض عن الإعجاب بسعته وعظمه. وإذا كان له هذه وتلك فإني أمتدح مقدرته فيهما جميعاً. فبماذا جمع؟ وبماذا قيد؟ كيف يتعالي، ثم يتوقف وكأنه يداري ما جاوره من الأرض؟ كيف يتلقى جميع الأنهار ويبقى كما هو[142]، لاتساع لجته أو لما لا أعرف الإفصاح عنه؟ كيف يكون الرمل حداً له[143]، لمثل هذا العنصر المائي؟ هل لعلماء الطبيعة ما يقولونه، إذا قاسوا مثل هذه الأمور بما لهم من آراء هم علماء الباطل الذين يكيلون البحر بالفنجان؟ أو هل عليّ أن أرجع إلى الكتاب المقدس لتفسير ذلك تفسيراً موجزاً وأشد إقناعاً وصحة من المطولات الخطابية؟ “رسم حداً حول وجه المياه”[144]، هذا هو المغلاق الذي يكبل عنصر الماء. وكيف يسوق هذا العنصر المائي ساكن الأرض البحار على قليل من خشب وبقليل من هواء؟ ألا ترى في ذلك عجباً عندما تراه؟ ألا يستخف روحك المشهد؟ بحيث يجتمع البر والبحر في تأدية الخدمة المتبادلة، وتكون هذه الأمور، في اختلاف طبيعتها، مجتمعة في سبيل مصلحة الإنسان؟

ما هي ينابيع الينابيع الأولى؟ تحر عنها أيها الإنسان، إن استطعت أن تسلك أحد هذه السراديب وتقف على الحقيقة. ومن فصل الأنهار، والسهول والجبال، ومن آتى الأنهار اندراء لا يصد؟ وكيف تجري هذه المعجزة في اجتماع النقيضين: بحر لا يفيض، وأنهار لا تغيض ولا تتوقف عن الجري؟[145] ما هذا الغذاء الذي تحتمله المياه، وفيم تنوعه، بحيث يروي بعض النبات عن طريق أوراقه، والبعض الآخر عن طريق جذوره، هذا وكم في الكلام على “مباهج الله”[146] من بهجة!

28 – هيا بنا الآن، دع الأرض وما يتعلق بها، وطر في الهواء بأجنحة النفس[147]، لكي يواصل هذا الخطاب مسيرته في اطراد. من هنا سأصعد بك إلى الأمور العلوية، إلى السماء نفسها وإلى ما فوق السماء. إن هذا الخطاب ليتردد في التقدم إلى ما يلي، ولكنه مع ذلك سيتقدم قدر المستطاع. من نشر الهواء، هذه الثروة الطائلة والفياضة، التي لم تقس بالمراتب، ولا بالأحوال، والتي لم تضبط بحدود، ولم توزع وفاقاً للأعمار، بل كان شأنها شأن المن في التوزيع، فينال كل منها كفاف حاجته، في مساواة الحظوظ والأنصبة؟ والهواء مركبة الجماعة الطائرة، وموطن الرياح، وقسطاس الفصول، ومتنفس الأحياء، أو بالأحرى عامل اللحمة بين النفس والجسد، فيه تتكون الأجسام، وبوساطته يجري الكلام، وفيه ينتشر النور وتظهر المنورات، كما يظهر به شكل الأشياء الخارجي وينتقل إلى الأنظار. أَجِل لي نظرك أيضاً فيما تبقى، لأني لا أوافق على تحميل الهواء كل ما يحملونه من التأثير على الأشياء التي يحسبونها في نطاق سلطانه. ما الخزائن التي تحجز فيها الرياح؟[148] ما الخزائن التي يتجمع فيها الثلج؟[149] “من ولد نقط الندى”؟[150] على حد قول الكتاب، و “من بطن من خرج الجمد”؟[151] من ذا الذي “يحبس المياه في السحب”[152]، والذي يغلق تارة الغمام على العنصر المائع خاضعاً لكلمته[153] – يا للمعجز! – ويفيضه تارة أخرى على وجه الأرض كلها[154]، فيصبه في الوقت الموافق وبطريقة التوازن والتساوي، من غير أن يترك له مجالاً لطغيان لا يصد – إذ حسبه أنه طهر العالم في زمن نوح وهو لا ينسى عهده[155]، ولا يطيق الكذب، إلا أنه لا يحبس الماء حبساً كاملاً بحيث نعود إلى الاستنجاد بإيليا لإبعاد الجفاف؟[156] إذا “حبس السماء”[157]، يقول الكتاب، فمن يفتحها؟ وإذا “فتح كوى السماء”[158] فمن ذا يحتويها؟ من ذا يستطيع في الحالين تحمل التطرف من الذي يبعث المطر[159] إذا هو لم يزن كل شيء بميزان ولم يعابره بمقدار؟[160] أنى لك أن تناقشي في البروق والرعود أنت يا من دويه أرضي، ووميضه أوهى من أن يكون شرارة حقيقة؟ في أي أبخرة الأرض ترى مصادر الغيوم، أو لعلها من بعض تكثف الهواء، أو من ضغط الغيوم الرقيقة، أو من احتكاكها بعضها ببعض، فيكون لك من ضغطها البرق، ويكون لك من احتكاكها الرعد؟ أو أي هواء ضغط ولم يجد له منفذاً، فكان من ضغطه البروق، ومن احتكاكه الرعود؟ لئن جلت بفكرك في الهواء وفي كل ما يتعلق بالهواء فتحسس معي السماء نفسها والأشياء السماوية. وليكن لنا في مسيرتنا الإيمان فوق العقل دليلاً، هذا إذا كنت قد أدركت ضعفك فيما هو أقرب منك، وعرفت أن من شأن العقل أن يعرف ما هو فوقه، حتى لا يكون بجملته أرضياً أو متعلقاً بالأرض، فتكون والحالة هذه قد بلغت من الجهل درجة تجهل فيها أنك جاهل.

29 – من أعطى السماء حركتها الدائرية؟ من أقر الكواكب في أماكنها؟ أو بالأحرى وقبل ذلك، ما السماء وما الكواكب؟ هل تستطيع الإجابة أنت إنسان الأعالي، الذي لا يعرف ما بين قدميه، ولا يستطيع أن يقيس نفسه بمقياس، الذي يقوم بأبحاث وقحة في أمور تفوق طبيعته، ويقف ذاهلاً عاجزاً أمام ما لا قياس له؟ وليكن أنك تعرف للكواكب حركات دائرية ومسيرات، واقتراباً وابتعاداً، وشروقاً وغروباً، وإنك تعرف بعض الأقسام في منطقة البروج، وبعض دقائق الأمور، هذا وكل ما يحملك على التباهي بما لك من معرفة: فليس في ذلك امتلاك للحقيقة، إنه رصد لحركة لا غير، وهذا الرصد أثبته الاختبار الطويل، اجتمعت فيه ارصاد الكثيرين، ثم تخيل له تفسير سمي علماً، وهكذا فوجوه القمر يعرفها أكثر الناس ومرجع هذه المعرفة إلى الرصد النظري. أما أنت فإذا كنت من أصحاب المعرفة الواسعة في هذه الأمور وإذا كنت تسعى بحق في إثارة الإعجاب، فقل ما علة هذا النظام وهذه الحركة. من أتى الشمس أن تشع كالمنارة على جميع المسكونة، وأن تكون في جميع الأنظار كمدير فرقة علوية، يمحو نورها سائر الكواكب، ويحجبها أكثر مما يحجب بعضها البعض الآخر؟ والدليل على ذلك أن الكواكب إذا حاولت منافستها بالنور غمرتها بنور أشد إشراقاً والتماعاً، وغيبت طلوعها معها. إنها جميلة “كالعروس”، وسريعة “كالجبار”[161]، وعظيمة، وليس لي إلا أن أشيد بعظمتها مستعيناً بما قاله غيري فيها. إن لها سلطاناً شاملاً، فهي من الأقاصي إلى الأقاصي تغمر الجميع وليس من يتوارى عن حرها[162]، وهي تملأ العيون نوراً، وتملأ الأجسام حرارة؛ إنها تسخن ولا تحرق، لما في حرارتها من اعتدال، ولما في حركتها من نظام، وهكذا فهي حاضرة لدى جميع الكائنات لا تلم بواحد منها دون الآخر.

30 – وما قولك في هذا – إذا كنت قد تنبهت له – أن الشمس في العالم الحسي كالله في العالم العقلي، على حد قول قائل ليس من جماعتنا[163]. فهي تنير العين، وهو ينير العقل؛ هذه أجمل ما في العالم المنظور، وذاك أجمل ما في العالم المعقول. ولكن من أعطى الشمس حركتها الأولى؟ من ذا الذي يحركها في غير توقف، ويجعلها تدور دورتها الدائمة، هي التي في طبيعتها ثابتة وغير متحركة، هي التي لا يعروها كلل، والتي تحمل معها الحياة، وتنمي الأحياء، هي التي يتغنى بها الشعراء، عن جدارة، والتي لا يتوقف لها دفق ولا فيض إحسان؟ كيف يكون باعث النهار فوق الأرض، وباعث الليل تحت الأرض؟ أو لا أدري ما يجب أن أقوله عندما أنظر إلى الشمس، ما الزيادة والنقص في طول النهارات والليالي، ولكي أتكلم بأسلوب فيه بعض المفارقة أقول: ما هذه المساواة في اللامساواة؟ كيف يرجع إلى الشمي صنع الفصول وتقسيمها، تلك الفصول التي تقبل وتمضي في نظام، وتكون كالجوقة في حركة الاتحاد والانفصال، يشدها عاملا التجاذب والتوازن، وهي تتمازج شيئاً فشيئاً، ولتقاربها بعضها من بعض تنسل كالنهارات والليالي انسلالاً غير محسوس بحيث لا تؤذينا المفاجأة ولا يصدمنا الانقلاب غير المألوف؟ ولكن فلتكن لنا الشمس ما تكون! وأنت هل عرفت طبيعة القمر، ووجوهه، ومقياس ضوئه، ومراحل مسيرته؟ كيف تملك الشمس سلطان النهار، فيما يهيمن القمر على الليل؟ كيف يطلق القمر الوحوش فيما تُنهض الشمس الإنسان إلى عمله[164]، وكيف أن ارتفاعها وانحدارها يكونان لفائدتنا العظمى؟ هل وقفت على ما تشد به عقد الثريا، أو على النطق التي تطوق الجوزاء[165]، كمن يحصي عدد الكواكب وبدعو كلها بأسمائها[166]، وعرفت مجد كل واحد منها ونظام حركته لك أثق فيك عند تربط مصيرنا بها وتسلح الخليقة في وجه الخالق؟

31 – ما قولك. هل نقف بخطابنا عند هذا الحد مقتصرين على المادة والأشياء المنظورة؟ أم نتخطاها، لعلم هذا الخطاب[167] بأن خيمة موسى صورة[168] للعالم كله، أي “لما يُرى وما لا يرى”[169] فنجتاز الحجاب الأول[170]، وبعد التغلب على الشعور ننحني على المقدس[171] لكي ننظر[172]، ونرى الكائنات الروحية والتي فوق السماوية؟ إننا لن نستطيع رؤيتها بطريقة غير جسمية وإن كانت غير جسمية، إنها تدعى “ناراً” أو “ريحاً” أو هذه وتلك، فقد قيل إن الله “يصنع ملائكته أرواحاً وخدامه لهيب نار”[173]، ما لم يعن الفعل “يصنع” أن الله يحفظهم في الوجود بكلمته التي أوجدتهم، وما لم تعن التسميتان “ريح” و”نار” أن طبيعتهم روحانية وأنها من جهة ثانية تطهيرية، وإني لأعلم أن هذا الاسمين يوافقان الجوهر الأول[174]. ومهما يكن من أمر فلتكن هذه الطبيعة لدينا غير جسمية، أو ما هو الأقرب إلى ذلك! ترى كيف يعرونا الدوار من جراء هذا الكلام، وكيف لا نعرف إلى أي حد نستطيع التقدم، وكل ما نعرفه هو أن هنالك ملائكة[175]، ورؤساء ملائكة[176]، وعروشاً وقوات، ورئاسات، وسلاطين[177]، وشارقات، ورفعات، وقوات روحية أو أرواحاً[178]، طبائع صافية لا اختلاط فيها، لا تكاد تستطيع الميل أو الشر، أو الإتيان به، تحيط بالعلة الأولى في جوقة تمجيد وتسبيح، وكيف السبيل إلى الإشادة بهذه الكائنات التي تستمد من هنا الإشراق الكلي النقاوة الذي يبعث منها، أو التي يختلف إشارقها باختلاف طبيعتها ومرتبتها؟ لقد اصطنعها الجمال وكيفها في دقة وكمال بحيث أصبحت أنواراً أخرى، وأصبح بإمكانها أن تنير الآخرين بفيضها النوراني وتغمرهم به؛ وإذ كان هؤلاء الملائكة خداماً للإرادة الإلهية[179]، وأقوياء بقوتهم الذاتية فضلاً عن القوة التي تضاف إليها، فإنهم يطوفون في العالم، باذلين الخدمة في غير إبطاء، ومطيفين بالجميع لخدمة سريعة تمكنهم منها خفة طبيعتهم. هؤلاء في هذا القسم من الأرض، وأولئك في القسم الآخر، بعلم من الذي نظم وقسم، وبإشارة من الذي خلق العالم يوجهون كل شيء إلى الواحد الأحد. وهم يشيدون بالعظمة الإلهية، ويشاهدون المجد الأبدي أبدياً، وليس ذلك لكي يكون الله ممجداً – إذ لا يمكن أن يضاف شيء إلى الملء، إلى الذي يفيض بالخير على الآخرين – بل في سبيل أن تظل تلك الطبائع الأولى بعد الله في غمرة من النعم.

لئن أوتيت اللهجة الموافقة فالفضل والشكر للثالوث وللألوهة الواحدة في الثلاثة. وإن كان الكلام دون المنتظر والمرتقب، فالخطاب هذا قد نال الظفر أيضاً، إذ كان الرهان على أن طبيعة الأشياء الثانية نفسها تفوق عقلنا، فكيف بالطبيعة الأولى والواحدة، وإني لأتردد في قول: بالطبيعة التي فوق الجميع[180].

[1] اللاهوت في نظر الآباء هو علم الله في ذاته وحدة وثالوث.

[2] الخطاب 27: 7.

[3] متى 13: 5-6.

[4] إر 4: 3.

[5] المرجع نفسه، ومتى 13: 7.

[6] أش 28: 25.

[7] حك 13: 13.

[8] خر 19: 20؛ 24: 9-15.

[9] خر 24: 18.

[10] خر 24: 12.

[11] خر 19: 24؛ 24: 9.

[12] خر 24: 2؛ 9-10.

[13] خر 24: 1، 14.

[14] خر 19: 12.

[15] خر 19: 16-20.

[16] 2 تيم : 13.

[17] خر 19: 13.

[18] أخ 11: 33.

[19] متى 21: 41.

[20] إر 13: 23.

[21] ابط 5: 8.

[22] حب 1: 8.

[23] نش 2: 15.

[24] مز 79: 9-12.

[25] تك 7: 2، 3، 8.

[26] خر 31: 18.

[27] خر 33: 23

[28] خر 33: 22.

[29] يو 1: 14.

[30] اكور 10: 4.

[31] خر 26: 31-33؛ 36: 35-36.

[32] مز 8: 2.

[33] خر 33: 23.

[34] خر 33: 22-23.

[35] خر 7: 1.

[36] 2كور 12: 2-4.

[37] أفلاطون: تيماوس 28.

[38] فيل 4: 7.

[39] 1كور 2: 9.

[40] مز 8: 4.

[41] 1كور 15: 14.

[42] هذه الاتهامات بألفاظها كانت تصدر عن الهراطقة، وكان غريغوريوس وجماعة الأرثوذكسيين يخالفون في الرأي، ويقولون بأننا نستطيع معرفة وجود الله لا إنيته، ولهذا كان الهراطقة يتهمونهم بالكفر والإلحاد وبأنهم لا يؤمنون بالله.

[43] إن مثل القيثارة هذا من ابتكارات أفلاطون “فيدون 73)، وهو فيه يرتقي من وجود القيثارة إلى وجود مالكها، وفيما يرتقي غريغوريوس إلى وجود الصانع.

[44] مز 118: 131.

[45] 1كور 2: 10.

[46] كان الرواقيون يذهبون إلى أن طبيعة الله نسمة أو نار، أي أحد العناصر الدقيقة وهي في نظرهم مادة جسدية.

[47] إر 23: 24.

[48] حك 1: 7.

[49] هذا أمر مستحيل لأن الكتاب المقدس يقول إنه يملأ كل شيء.

[50] في هذا الكلام إشارة إلى ما ذهب إليه الرواقيون من تداخل الأجسام.

[51] 1تيم 4: 7.

[52] من هؤلاء أرسطو.

[53] عب 1: 4.

[54] عب 1: 14.

[55] 2تيم 3: 16.

[56] يو 10: 16.

[57] 1كور 2: 16.

[58] خر 3: 14.

[59] أي أكبر مما يحدها عندما تكون في جزء.

[60] متى 7: 20.

[61] يو 3: 19؛ اتسا 5: 4.

[62] دا 5: 12.

[63] عمد الخطيب إلى لفظة “الحسد” إشارة منه إلى كلام أفلاطون “إن الحسد لا محل له في مجلس الآلهة”.

[64] أش 1: 11.

[65] روم 11: 33.

[66] أي 38: 16.

[67] أش 14: 12.

[68] أي 15: 20.

[69] خر 10: 22.

[70] خر 14: 20.

[71] مز 17: 12.

[72] مرا 3: 34.

[73] يو 4: 24.

[74] تث 4: 24.

[75] يو 9: 5.

[76] يو 4: 16.

[77] أي 12: 13.

[78] مز 102: 17.

[79] أش 40: 13.

[80] يو 1: 1.

[81] يفسر الخطيب هذه الألفاظ تفسيراً رمزياً إذ أن الله في نظره لا جسم له. وكان الرواقيون يطلقون على الله أيضاً “الروح” و النار” ولكنهم كانوا يذهبون إلى أن الله كائن ذو جسد.

[82] يتلاقى في هذا الموضوع النزينزي وصاحب سفر الحكمة 13، 14، 15.

[83] الشيطان هنا بمعنى الكائن الأسطوري المتوسط بين الله والإنسان.

[84] روم 1: 23.

[85] أفلاطون: القوانين 10، 896أ – 897ج.

[86] 1كو 13: 12.

[87] حك 7: 26؛ عب 1: 3.

[88] تك 4: 26.

[89] تك 5: 26.

[90] تك 6: 8.

[91] تك 6: 13؛ 7: 19.

[92] تك 15: 6؛ روم 4: 3.

[93] تك 22: 2 وما يلي. يقول أن ذبيحة إبراهيم التي أراد أن يقدم فيها لله ابنه اسحق هي رمز لذبيحة المسيح على الصليب.

[94] تك 18: 1-2.

[95] تك 18: 6-8.

[96] تك 28: 12.

[97] تك 28: 18.

[98] هو المسيح حجر الزاوية.

[99] لو 4: 18؛ أع 10: 38.

[100] تك 28: 17.

[101] تك 32: 25-30.

[102] تك 32: 25.

[103] تك 32: 28.

[104] 3ملو 19: 11.

[105] 4ملو 2: 11.

[106] منوح هو أبو شمشون. قض 13: 22.

[107] لو 5: 8.

[108] متى 16: 17.

[109] متى 16: 17.

[110] متى 16: 19.

[111] أش 6: 1 وما يلي.

[112] إر 23: 18.

[113] 2كور 12: 2.

[114] 2كور 12: 4.

[115] 1كور 13: 9.

[116] 2كور 13: 3.

[117] 1كور 13: 12.

[118] يو 16: 12.

[119] يو 21: 25. وقد دعي هنا يوحنا الإنجيلي سابقاً للكلمة لأنه دعا إلى التبشير بالكلمة في مقدمة إنجيله.

[120] في هذا المقطع يتوارد الخطيب وأفلاطون (فيدون 66أ و83أ)، والتعبير “اقتناص الحقيقة” كثيراً ما يرد على لسان أفلاطون.

[121] 3ملو 3: 12.

[122] 3ملو 4: 29.

[123] 1كور 2: 10؛ روم 11: 33.

[124] جا 7: 25؛ 8: 17.

[125] روم 11: 33.

[126] روم 11: 33. وهذا الهتاف التعجبي يطلقه الخطيب مجاراة لبولس الرسول في المرجع الذي ذكرناه.

[127] روم 11: 33.

[128] مز 35: 7.

[129] مز 138: 6.

[130] مز 138: 13 يعني حشا الأم.

[131] يريد لبن الأم.

[132] أفلاطون: الوليمة 206، 207.

[133] ملاحظة طريفة من الخطيب وقد أغرق في التفصيل، وإن في هذا الاطناب ما يميز الفن البلاغي الذي كان شائعاً لذلك العهد.

[134] أي 38: 36. النص العبراني يختلف عن النص اليوناني في هذا الآية، فهو في العبرانية “من وضع الحكمة في الإعصار أم من أتى النوء الفهم”.

[135] أفقليذس: هو أبو علم الهندسة.

[136] بلميذس: هو أحد ملوك الإغريق الذين اشتركوا في حرب طروادة، اشتهر بتنظيم حركة الجيوش، كما اشتهر بلعب الشطرنج.

[137] فيدياس نحات شهير من عهد بريكليس، والباقون رسامون من القرنين الخامس والرابع قبل الميلاد.

[138] ذيذالس شخص أسطوري قيل إنه كان يبعث الحركة في التماثيل فتبدو كأنها حية، وهو باني اللابيرنت (اللافورنثس).

[139] هذه الفتاة هي أرياذني بنت مينوس ملك كريت، وقد أقام لها ذايذالس مرقصاً في مدينة كنوسيوس (إلياذة 18: 592)

[140] يقال أن ينابيع المياه الباردة كثيراً ما تكون إلى جانب ينابيع المياه الحارة.

[141] أي 38: 8-11.

[142] جا 1: 7.

[143] إر 5: 22.

[144] أي 26: 10.

[145] جا 1: 7.

[146] حز 31: 9.

[147] هنالك تقليد في الأفلاطونية الحديثة وفي المسيحية يتحدث عن “طيران النفس”. وطالع فيدر لأفلاطون: 248.

[148] مز 134: 7.

[149] أي 38: 22.

[150] أي 38: 28.

[151] أي 38: 29.

[152] أي 26: 8.

[153] سير 48: 3.

[154] أي 5: 10.

[155] تك 9: 12.

[156] 2ملو 18: 44.

[157] 1أخ 7: 13.

[158] ملا 3: 10.

[159] متى 5: 45.

[160] أي 28: 25.

[161] مز 18: 6.

[162] مز 18: 7.

[163] أفلاطون: الجمهورية 6: 508.

[164] مز 103: 23.

[165] أي 38: 31.

[166] مز 146: 4.

[167] يشخص غريغوريوس خطابه، وفي هذا إشارة إلى الأهمية التي يعلقها الكتاب المقدس على الكلمة.

[168] عب 9: 24.

[169] كول 1: 16.

[170] خر 26: 31.

[171] عب 9: 24.

[172] طالع يو 20: 11.

[173] مز 103: 4.

[174] الطبيعة الأولى: طالع الرقم 13 من هذا الخطاب.

[175] روم 8: 38، يهو 9، 1تسا 4: 16.

[176] دا 10: 13.

[177] كول 1: 16.

[178] رؤ 4: 5.

[179] عب 1: 14.

[180] يخشى الخطيب ان يفكر البعض في أن هنالك تسلسلاً وهرمية في الطبائع وألا تعتبر الطبيعة الإلهية فوقها جميعاً.

إقرأ أيضاً: