الرئيسية / آبائيات / الخطاب اللاهوتي الرابع – في الابن الكلمة 2 – غريغوريوس النزينزي

الخطاب اللاهوتي الرابع – في الابن الكلمة 2 – غريغوريوس النزينزي

الرابع – في الابن الكلمة 2 –

الخطاب اللاهوتي الرابع - في الابن الكلمة 2 - غريغوريوس النزينزي
الرابع – في الابن الكلمة 2 –

الرابع – في الابن الكلمة 2 –

1 – من بعد ما زعزعنا، بقوة الروح، مداورات حججك وتلافيفها، زعزعة كافية، ذللنا الصعوبات والاعتراضات التي استخرجها من الكتابة الإلهية أولئك الذين يدنسون الكلمة ويحرفون معنى النصوص ويجردونها من روحها، لكي يجتذبوا الجموع إليهم ويموهوا طريق الحقيقة، ونحن مقتنعون أننا فعلنا ذلك، لذوي النوايا الصالحة، في غير غموض ولا لبس: وجهنا إلى الألوهة ما كان من الألفاظ أشد سمواً وأكثر جدارة بالله، وما كان منها أشد وضاعة وأكثر بشرية وجهناه إلى من كان لأجلنا آدم[1] الجديد والإله المتألم بسبب آثامنا. ولكننا لم نعالج كل قضية معالجة تفصيلية لانطلاقنا في الكلام. وإنك لتطلب كل قضية معالجة تفصيلية لانطلاقنا في الكلام. وإنك لتطلب أنت أيضاً حلولاً موجزة لهذه القضية خشية أن تنجر في متاهات الضلال، فإليك منا مسلسلاً لهذه الصعوبات في ترقيم يساعد الذاكرة.

2– هنالك أولاً نص يكثرون من تداوله وهو أن “الرب خلقني أولى طرقه قبل أعماله منذ البدء”[2]. فكيف وبم نقابله؟ لن نشكو سليمان. لن نطرح مقاله بسبب ما انتهى إله من عثار[3]. هل نقول بأن هذا الكلام لا يعني الحكمة في ذاتها، تلك التي كالعلم والفطنة[4] يثبت بها كل شيء؟ وكثيراً ما تشخص الكتابة الإلهية الأشياء حتى الجامدة منها، مثلاً: “البحر قال”[5] كذا وكذا؛ و “الغمر قال[6]: ليست[7] عندي”؛ و”السماوات تحدق بمجد الله”[8]؛ وكذلك يؤمر السيف[9] تسأل الجبال عن سبب وثبها[10]. ليس لنا في هذا ما نقوله، وإن رأي فيه بعض من سبقنا[11] رداً قوياً. وليكن أن المقصود بالكلام هو المخلص نفسه، الحكمة الحقيقية[12]. ولنبحر معاً في الأمر بعض التبحر، فمن من الكائنات بغير علة؟ الألوهة. ولا أحد يستطيع أن يبين أن لله علة، فقد تصبح تلك العلة شيئاً أقدم من الله. وما علة الطبيعة البشرية التي اتخذها الله من أجلنا. لا شك في أن العلة هي خلاصنا. وأي شيء آخر تكون؟ وإذ كنا نجد هنا بوضوح “خلق”[13] و”يلدني”[14] فالكلام بسيط ولا غموض فيه. ما نجده مع العلة نرده إلى الطبيعة البشرية، وما نجده بسيطاً وبغير علة نرده إلى الألوهة. أوليس التعبير “خلق” مرافقاً للعلة؟ لقد قال: “خلقني أولى طرقه قبل أعماله”[15]، والحال أن “أعمال يديه حق وحكم”[16]، وبها كانت له مسحة اللاهوت. تلك مسحة الإنسانية، بخلاف قوله “يلدني”، فذلك بغير علة، وإلا فقدم لي شيئاً يكون شرطاً لذلك. وهكذا فما الذي يمنع أن تكون الحكمة مخلوقة في ولادتها الأرضية، ومولودة في ولادتها الأولى والأبعد عن الإدراك؟

3 – من ذلك أنه دعي “عبداً”[17] يبرر كثيرين[18]، وأنه عظيم بالنسبة إليه أن يكون ابن الله”[19]. لقد أخضع للجسد والولادة ولما لنا من ميول في سبيل تحريرنا، أخضع لكل ما أعتق به المقيدين بقيود الخطيئة. وأي شيء أعظم لحقارة الإنسان من أن يختلط بالله، ومن أن يصبح بهذا الاختلاط إلهاً، ويصبح هكذا “مفتقداً بفقده المشرق من العلاء”[20] بحيث أن “المولود المقدس يدعى ابن العلي”[21] ويوهب “اسماً يفوق كل اسم”؟[22] وهل يكون هذا الاسم إلا الله؟ أضف إلى ذلك: “لكي تجثو كل ركبة”[23] أمام من “أخلى ذاته”[24] لأجلنا، ومن جمع ما بين “الصورة”[25] الإلهية و”صورة العبد”[26]؛ و”فليعلم يقيناً جميع آل إسرائيل أن الله جعله رباً ومسيحاً”[27] وهذه الأمور جرت بفعل من وُلد، وبعطف ما وَلَد.

4 – وما هو الثاني من نصوصهم العظمى والدامغة؟ ها هو ذا: “لا بد أن يملك حتى[28]” كذا؛ و “أن تقبله السماء إلى أزمنة الإصلاح”[29]، وأن يجلس عن اليمين إلى أن يسيطر على أعدائه[30]. وماذا يكون بعد ذلك؟ أيكون انتهاء ملكه أو يطرد من السماوات؟ ومن الذي ينهيه، أو لأي سبب؟ يا لك من مفسر جريء، ومن عدو لملكه لدود! وأنت تعلم أن ليس لملكه انقضاء[31]. ومرجع عثارك إلى كونك تجهل أن الكلمة “حتى: لا تحد الزمن المستقبل حداً مطلقاً، بل تدل على ما يكون إلى زمن ما، ولا تنفي ما يكون بعد ذلك الزمن. أو كيف تفهم النص التالي، ونحن لا نذكر سواه: “ها أنا معكم إلى منتهى الدهر”[32]؟ هل يعني ذلك أنه لن يكون معهم بعد ذلك؟ ولأي سبب؟

وليس ذلك فحسب، بل يضاف إليه أنك لا تميز المعاني. يقال من جهة أنه يملك، أنه كلي القدرة، وإنه ملك من يريد ومن لا يريد، ومن جهة أخرى إنه يعمل فينا الخضوع وأنه يجعلنا تحت سلطته الملكية نحن الذين اخترنا بإرادتنا أن يكون ملكاً علينا. وهكذا ففي المعنى الأول ليس لمملكته انقضاء، وفي المعنى الثاني أي انقضاء يكون لها؟ إنه يأخذنا تحت يده عندما نكون ناجين. وهل من حاجة إلى أن نخضع من هم خاضعون؟ ثم إنه ينهض، بعد هذا الإخضاع، فيدين الأرض[33]، ويميز الناجي من الهالك[34]. وبعد هذا الإخضاع “يقوم في جماعة الله”[35] أي في جماعة المختارين مميزاً ومحدداً ما يستحق كل واحد من الكرامة و”المنزل”[36].

5 – إلى ذلك كله أضف الخضوع الذي تخضع به الابن للآب[37]. ماذا تريد بقولك إنه غير خاضع[38]، هل من ضرورة لأن يخضع لله من هو الله؟ إنك تتحدث عنه كما تتحدث عن لص أو عن عدو لله. ألا أنظر فيما يلي: كما أنه دعي “لعنة”[39] لأجلي، هو الذي يكشف عني اللعنة، و”خطيئة”[40]، هو “الذي يرفع خطيئة العالم”[41]، وكما أنه أصبح آدم الجديد في مكان القديم[42]، فهو يحتمل عصياني لكونه رأس الجسد كله[43]. وهكذا فحين أكون غير خاضع وعاصياً بنكراني الله وبأهوائي، يكون المسيح أيضاً غير خاضع فيّ. ولكن “متى أخضع له كل شيء”[44] – وسيخضع له بمعرفة الله والتحول – سيقوم هو بالخضوع النهائي فيقدمني لله ناعماً بالخلاص. وخضوع المسيح يكون، على ما أقول، في إتمام مشيئة الآب. الابن يُخضع كل شيء للآب، والآب يخضعه للابن: الواحد بفعله، والآخر بعطفه، كما ذكرنا ذلك آنفاً. وهكذا فالمخضع يقدم لله ما أخضع له[45] ويجعلنا من خاصته.

ويبدو لي أن القول نفسه يقال عن النص: “إلهي إلهي، أصغ إلي، لماذا تركتني؟”[46] إنه لم يُترك، لم يتركه أبوه، ولا تركته ألوهته، كما ظن البعض[47]، وكأنها تفارق من يتألم لخوفها من الموت – ومن الذي أكرهه على الولادة الأرضية أولاً، أو على الارتفاع على الصليب؟ – ولكنه ينطق بلساننا، كما سبق لي القول. كنا قبلاً متروكين ومزدرين[48]، وأما الآن فنحن مقربون ومخلصون بآلام من لا يتألم، لقد أخذ خطأنا وحمل إثمنا، على حد ما جاء في سياق المزمور[49]، ومن الواضح أن المزمور 21 يتعلق بالمسيح.

6 – وإلى هذا يرجع النص الذي يقول إنه تعلم الطاعة بما تألم به[50]، وكذلك صراخه، ودموعه، وتضرعه، والاستجابة له، وتقواه[51]: لقد قام بهذا الدور وحبك هذه الأمور حبكاً عجيباً من أجلنا. وهو، في كونه كلمة، لم يكن مطيعاً ولا عاصياً. هاتان اللفظتان تقالان فيمن هم تحت سلطة آخر ومن هم في الرتبة الثانية، فإن أطاعوا كانوا صالحين، وإن عصوا استحقوا العقاب. أما في شأن “صورة عبد”[52] فهو يتنازل إلى مستوى إخوته في العبودية ومستوى العبيد، فيأخذ صورة غريبة عنه، ويحملني في ذاته مع كل ما لي، حتى يُذيب فيه ما فيّ من شر كما تذيب النار الشمع، أو الشمس ضباب الأرض، وحتى اشترك بهذا الاختلاط، فيما هو له. ولهذا فهو يعلي شأن الطاعة بأعماله، ويخبرها بآلامه. إنه لا يكتفي بالاستعداد الداخلي، كما لا يكفينا ذلك إذا لم نقرنه بالعمل، لأن العمل تعبير عن الاستعداد الداخلي. وقد لا يكون أقل شأناً التفكير في أنه أراد، في محبته للبشر، أن يقف على حقيقة ما نعانيه في الطاعة، وأن يقيس كل شيء بمقياس آلامه، وهكذا يستطيع أن يدرك فيما يعانيه هو، ما نعانيه نحن، كم يطلب منا من جهد، كما غفر لنا، وما قياس ضعفنا بالنسبة إلى آلامه. وإذا كان النور الذي يخترق الحجب ويضيء في ظلمة[53] هذه الحياة قد تعاورته الظلمات الأخرى[54] – أعني “الشرير”[55] و”المجرب”[56]، فلشد ما تكون مساورة الظلمات لمن هم ظلمة[57]، ومن هم على أشد ما يكون الضعف. وهل من عجب في أن يصمد هو أمام هذه جميعها صموداً لا عثار فيه، وفي أن نعثر نحن، هذا في رأي من يعالجون الموضوع معالجة قويمة. وإلى المستفسرين أضيف أمراً آخر يردني في النص: “لأنه إذ كان قد تألم وابتلي فهو قادر على أن يغيث المبتلين”[58]، فمرجعه إلى الفكرة نفسها. و”سيكون الله كلاً في الكل”[59] عندما يرد كل شيء[60]: لا الآب وحده، بل الابن أيضاً وقد احتواه الآب احتواء كاملاً فكان فيه كالشعلة انتزعت من السعير المتأجج حيناً ثم ضمت إليه – ولا يسئن استعمال هذا التعبير من كانوا على مذهب سابيليوس[61] – إنه الله كله، عندما نخرج من التعددية التي نحن عليها الآن، والتي أوقعتنا فيها الاضطرابات والأهواء، فصرنا لا نحمل[62] فينا شيئاً من الله، أو لا نحمل منه إلا الشيء اليسير، إننا سنكون إذ ذاك أمثال الله[63]، قادرين على الاتساع له وحمله كاملاً ودون سواه. هذا هو الكمال الذي نسعى إليه، والبرهان على ذلك يقدمه لنا بولس نفسه. فما يقوله هنا في الله بغير تحديد، يحصره هناك في المسيح بغير لبس. ماذا يقول؟ “حيث ليس يوناني ولا يهودي، ولا ختان ولا قلف، ولا أعجمي ولا إسكوتي، ولا عبد ولا حر[64]، بل المسيح هو كل شيء وفي الجميع.

7 – أورد ثالثاً “الأعظم”[65] ورابعاً “إلهي وإلهكم”[66]. لو قبل “أعظم” ولم يقل “مساو” لربما كان لهم في ذلك بعض الشيء، ولكن عندما نجد هذا وذاك بوضوح ماذا يقول أولئك الكرام؟ أي قوة يجدون في ذلك؟ كيف يستطيعون التوفيق بين المفارقات؟ وإنه لمن المستحيلات أن يكون الشيء الواحد أعظم من ذاته ومساوياً لذاته، أليس من الثابت أن “الأعظم” للعلة، وأن “المساوي” للطبيعة؟ وهذا ما نعترف به في غير عسر. وقد يتصدى أحد لكلامنا ويقول بأن الصدور عن مثل هذه العلة ليس أقل عظمة من أن يكون بلا علة. فالابن يشترك هكذا في مجد من لا مبدأ له، ويضيف إلى ذلك الولادة، وهي في نظر العاقلين أمر خطير وجليل. أما القول بأن الآب أعظم من الابن من حيث هو إنسان فذلك أمر لا يقبل الريب، ولا يدعو إلى الاهتمام: وأي عجب في أن يكون الله أعظم من إنسان؟ هذا ما نقوله للذين تستهويهم الكلمة “أعظم”.

8 – وإلى ذلك[67] فبقوله “إله” لا يعني إله الكلمة، بل إله من يُرى: وكيف يكون الله إله من هو الله بالمعنى الحقيقي؟ وكذلك بقوله “أب” لا يعني أبا من يُرى[68] بل يعني أبا الكلمة، والدلالة مزدوجة، وهكذا فأحد اللفظين يناسب الاثنين بالمعنى الحقيقي، والآخر بالمعنى المجازي، بخلاف ما يكون ذلك بالنسبة إلينا. فالله هو إلهنا بالمعنى الحقيقي، وأبونا بالمعنى المجازي. والأمر الذي يضلل الهراطقة هو أنهم يزاوجون الأسماء، فيما تكون الأسماء متبادلة بسبب الاختلاط. وهو ذا البرهان: عندما تكون الطبائع في ذهننا متمايزة تكون الأسماء كذلك وفي الوقت نفسه متمايزة. اسمع ما يقوله بولس: “ليعطيكم إله ربنا يسوع المسيح أبو المجد…”[69]. فهو إله المسيح وأبو المجد، وإن كان الاثنان كلاهما واحداً، لا في الطبيعة، بل في الاتحاد. هل من شيء أقرب إلى الفهم؟

9 – وليقل خامساً بأنه يتقبل الحياة[70]، أو الشهادة[71]، أو ميراث الأمم[72] أو السلطان على كل بشر[73]، أو المجد[74]، أو التلاميذ[75]، أو كل ما يقال إنه يتقبله، ذلك كله من شأن الطبيعة البشرية. ولن يكون في غير محله إذا نسبته إلى الله، إذ لا يكون فيه اكتساباً، بل يكون معه منذ البدء، وعن طبيعة لا عن موهبة.

10 – وليجعل سادساً أن “الابن لا يقدر أن يعمل من نفسه شيئاً إلا ما يرى الآب يعمله”[76]. إيضاح ذلك: إن الفعلين “يقدر” أو “لا يقدر” لا يقالان بالمعنى الواحد، وإن لهما عدة دلالات. فقد يستعصي شيء حيناً أو يستعصي بالنسبة إلى شيء آخر، وهكذا فلا يقدر الطفل على الصراع، أو لا يقدر جرو الكلب على النظر، أو على مهارشة أحد الكلاب، ولا شك في أن هذاك سيصارع يوماً، وأن هذا سيرى وسيهارش هذا الكلب ولا تكون له القدرة على مهارشة ذاك الكلب الآخر. وكثيراً ما يكون الأمر كما ورد في الآية: “لا يمكن أن تخفى مدينة مبنية على جبل”[77]، فقد تخفى تلك المدينة إذا نهض أمامها جبل أعلى منها. وقد يكون الأمر من غير المألوف: “هل يستطيع بنو العرس أن يصوموا ما دام العروس معهم”[78] سواء كان العروس منظوراً جسدياً – فليس زمان حضوره زمان ترح، بل زمان فرح – أو كان الكلمة وقد أدركناه روحياً – وفيم يصوم جسدياً أولئك الذين طهرهم الكلمة؟ وقد يكون الأمر للتمنع كما ورد في الآية: “ولم يستطع أن يصنع هناك شيئاً من القوات لعدم إيمان”[79] مستقبليه. وهكذا فإذ كان الشفاء يقتضي شرطين هما إيمان المعالجين وقدرة المعالج، كان من غير الممكن وجود الواحد دون الآخر. ولا أدري هل كان من المعقول أن يكون الشفاء لمن تصميهم آلام عدم الإيمان. ولدينا في المعنى ذاته أيضاً: “لا يقدر العالم أن يبغضكم”[80] و “كيف تقدرون أن تتكلموا بالصالحات وأنتم أشرار؟”[81] وهكذا فكيف يكون أحد هذه الأمور غير ممكن لو لم يكن ذلك عن عدم الإرادة؟ وهنالك في الكلام أمر آخر لا يخرج من هذا النطاق، وهو ما يستحيل على الطبيعة ويكون ممكناً لدى الله إذا أراده، من ذلك أن الإنسان الواحد لا يستطيع أن يولد مرة ثانية[82]، وأن ثقب الإبرة لا يمكن أن يتسع لدخول الجمل[83]. هل يكون شيء من ذلك مستحيلاً لو شاءه الله؟

11 – وفضلاً عن ذلك لدينا أمور مستحيلة وغير مقبولة على الإطلاق، كتلك التي نحن آخذون في معالجتها الآن. فكما نقول إنه من المستحيل أن يكون الله شريراً أو أن لا يكون موجوداً – وحصول ذلك في الله دليل عجز لا دليل قدرة – أو نقول بوجود العدم، أو أن اثنين واثنين تساوي أربعة وعشر، كذلك يكون من المستحيل ومن غير المقبول أن يعمل الابن شيئاً لا يعمله الآب. فكل ما للآب هو للابن[84]، وبعكس ذلك فما للابن هو للآب. ما من شيء شخصي، لأن كل شيء مشترك، فالكينونة نفسها مشتركة، والكرامة واحدة، وإن تلقى الابن كينونته من الآب. وبهذا المعنى قيل أيضاً: “أنا أحيا بالآب”[85]، لا أن قوام حياته وكينونته بالآب، بل لكونه يصدر عن الآب في غير زمن وعن غير علة. ومع ذلك فهو يرى الآب يعمل – كيف؟ – فيعمل على مثاله[86]. هل يكون ذلك كما يفعل أولئك الذين يرسمون الرسوم ويخطون الحروف، ولا يجدون لهم طريقاً إلى الحقيقة بغير هذه الوسيلة، فينظرون إلى المثال ويقتفونه اقتفاءً وتقليداً؟ كيف تكون الحكمة بحاجة إلى من يعلمها؟ أولا تعلم شيئاً بغير تعليم؟ وكيف يعمل الآب أو كيف عمل؟ هل صنع عالماً غير هذا العالم، وهل سيصنع عالماً مستقبلياً، وهل صنع الابن ذاك وسيصنع هذا ناظراً إليهما وناسجاً عليهما؟ وعلى هذا المنوال يكون هنالك أربعة عوالم: اثنان من صنع الآب، واثنان من صنع الابن. يا للحماقة! الابن يطهر من البرص[87]، وينقذ من الشياطين[88] ومن الأمراض[89]، ويبعث الموتى[90]، ويمشي على البحر[91]، ويعمل كل ما عمله: ففيم ومتى صنع الآب هذه الأمور قبله؟ أليس من الواضح أن الآب ينشئ مثلاً لمثل هذه الأعمال والابن يحققها، لا تحقيق عبد أو جاهل، بل تحقيق مهارة وسلطان، وبكلام أدق، تحقيق الآب. هكذا أفهم معنى النص: “مهما يعمله الآب فهذا يعمله الابن أيضاً على مثاله[92]. لا بتشابه الأمور المعمولة بل بالتساوي في كرامة السلطة والقدرة. وهذا ما يجب قوله أيضاً في النص: إن أبي حتى الآن يعمل وأنا أيضاً أعمل”[93]. وليس ذلك محصوراً في العمل، بل هو أيضاً تدبير الأشياء المعمولة والحفاظ عليها، كما يتضح ذلك من النصوص: “الصانع ملائكته أرواحاً”[94]، و”المؤسس الأرض على قواعدها”[95]. لقد صنع هذا على ثبات وأقعد على صمود، وكذلك “شعب طرقاً للصواعق”[96]، و”يخلق الريح”[97]: لقد أُقرت علة هذه الأمور إقراراً ثابتاً وامتد عملها إلى الآن.

12 – وليقل سابعاً إن الابن نزل من السماء لا ليعمل مشيئته بل مشيئة من أرسله[98]. لو لم تصدر هذه الأقوال عن الذي نزل هو نفسه، لكنا رأينا فيها أثراً للإنسان، لا الإنسان الذي نجده في المخلص – إذ إن إرادته لا تخالف إرادة الله، فهي كلها تأتي من الله [99]– بل الإنسان البشري، إذ إن الإرادة البشرية لا تتفق دائماً والإرادة الإلهية، وهي كثيراً ما تخالفها وتقاومها. على هذا فهمنا النص: “يا أبت إن كان يستطاع فلتعبر عني هذه الكأس، لكن ليس كمشيئتي”[100] بل فلتكن مشيئتك هي الغالبة – إذ إنه من غير المعقول أن يجهل هل الأمر مستطاع أم لا، أو أن يقرع إرادة بإرادة. ولكن بما أن هذا الكلام[101] يصدر عمن أخذ طبعتنا – لأنه هو الذي نزل – لا عما أخذ – فإليك جوابنا: هذا الكلام لا يدل على أن للابن إرادة خاصة، إلى جانب إرادة الآب، بل يدل بعكس ذلك على أن شيئاً من ذلك لم يكن، وهكذا فمرجع المعنى إلى ما يلي: “لا لأعمل مشيئتي”[102] إذ أن مشيئتي غير منفصلة عن مشيئتك، فهي مشتركة فيما بيني وبينك، وكما أن لنا لاهوتاً واحداً، كذلك لنا إرادة واحدة. وهكذا فكثير من مثل هذه التعبيرات ذو دلالة مشتركة لا إيجاباً بل سلباً، مثلاً: “إن الله لا يعطي الروح بمقدار”[103]، فإن الله لا يعطيه بمقدار، وما يعطيه لا قياس له: الله لا يقيسه الله[104]. وكذلك: “لا معصية لي ولا خطيئة”[105]، فهذا الكلام لايدل على ما كان بل على ما لم يكن. وكذلك: “لسنا لأجل برنا نلقي تضرعاتنا”[106] إذ إننا لم نفعلها. وهذا الأمر واضح أيضاً فيما يلي: لقد قال “ما مشيئة الآب؟” هي أن كل من يرى الابن ويؤمن به يخلص ويحظى بالقيامة الأخيرة، أي الحياة الأبدية. هل هذه الإرادة هي إرادة الآب بمعزل عن الابن؟ هل يبشر الابن بالإنجيل ويؤمن الناس به عن غير إرادة منه؟ من يستطيع أن يقول هذا القول؟ وقد ورد أيضاً النص “الكلمة التي تسمعونها ليست للابن بل للآب”[107]، وهو نص كسابقه قيمة ودلالة. وكيف يمكن للشيء المشترك أن يكون خاصاً فينفرد به الواحد دون الآخر؟ إني لا أرى إمكان الوفاق بين الأمرين، وإن أمعنت في التحديق إنعام النظر، وأظن ألا أحد غيري يرى ذلك. فإن تفهمت الإرادة على هذا الوجه نهجت نهجاً قويماً وضمن نطاق التقوى. هذا هو رأيي وراي كل إنسان عاقل.

13 – وثامناً لهم النص: “…. أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك والذي أرسلته يسوع المسيح”[108]، والنص: “لا صالح إلا الله وحده”[109]. يبدو لي أن هذا الكلام يحمل حلاً سهلاً ووافياً. فإنك حصرت التعبير “الحقيقي وحدك” في الآب، فأني تجعل الحقيقة ذاتها؟[110] وهكذا فإذا كنت تفهم على هذا الوجه ما يلي من النصوص: “الله الحكيم وحده”، أو “الذي له وحده الخلود ومسكنه نور لا يدنا منه”[111]، أو “فلملك الدهور لله الواحد الذي لا يموت ولا يرى”[112]، فالابن يتوارى لديك، محكوماً عليه بالموت، أو بالظلمة، أو بأن لا يكون حكيماً، ولا ملكاً، ولا غير منظور – وبكلمة أخرى – ولا الله، وعلى هذا محور كلامنا. كيف لا يفقد الصلاح مع ما فقده، والصلاح لله وحده. ورأيي في النص “أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك”[113] أنه قبل لإسقاط من يحملون اسم الله وليسوا بآلهة، ولو كان في التعبير “الحقيقي وحده” ما يستبعد الابن، ولو لم يكن الكلام على الألوهة المشتركة فيما بينهما، لما أضيف “والذي أرسلته يسوع المسيح”[114]. أما النص “لا صالح”[115]، ففيه جواب للمسيح على أحد علماء الناموس الذي أراد أن يجربه وقد شهد لما في إنسانيته من صلاح، فقال له: إن الله وحده كامل الصلاح، وقد يدعى الإنسان صالحاً كما في النص: “الإنسان الصالح من كنزه الصالح يخرج الصالحات”[116]، وفي النص: “سأدفع ملكك إل من هو خير منك”[117] – كلمة وجهها الله إلى شاول في شأن داود – وفي النص: “جد يا رب على ذوي الجودة”[118]، وفي سائر الأقوال المماثلة التي قيلت فيمن استحقوا بيننا المديح والذين سكب فيهم الصلاح الأول شيئاً من صلاحه. فإن كنا قد اقنعناك بذلك كان الأمر جيداً جداً، وإلا فبأي كلام تواجه الذين يعكسون القضية ويذهبون مع مبادئك فيقولون بأن الابن وحده هو الله؟ في أي النصوص؟ في قوله: “هذا هو إلهنا ولا يعتبر حذاءه آخر”[119]، وفيما يعيد ذلك: “وبعد ذلك تراءى على الأرض وتردد بين البشر”[120]، وألا يكون الكلام على الآب بل على الابن أمر واضح في القسم الثاني من الآية، لأنه هو الذي أقام بيننا في الجسد، وتردد على الأرض بين البشر. ولئن كان الانتصار في أن يقال ذلك على الآب، لا على من يدعونهم آلهة، فبئس الانتصار الذي قادتنا فيه الغيرة على الابن إلى إضاعة الآب! وأي انتصار أشد منه سوءاً وضرراً؟

14 – وتاسعاً سيقولون: “هو حي كل حين ليشفع فينا”[121]. أمر في الحقيقة حسن وروحي ومفيد للبشر. والفعل “شفع” لا يعني طلب الانتقام كما يفهمه عامة الناس – وهو في هذا المفهوم دليل انحدار – بل يعني التدخل[122] كوسيط[123]. وهكذا قبل إن الروح نفسه يشفع فينا[124]. “إن الله واحد والوسيط بين الله والناس واحد وهو الإنسان يسوع المسيح”[125]. فهو لا يزال يتدخل الآن كإنسان في سبيل خلاصي، إذ إنه لا يزال مع الجسد الذي اتخذه، إلى أن يصيرني إلهاً بحكم صيرورته إنساناً، مع أنه لم يعد معروفاً في هذا الجسد الذي حمل جميع أوهانه ما عدا الخطيئة. وكذلك الآية “لنا شفيع يسوع المسيح”[126]، لا بمعنى أنه يجثو لأجلنا أمام الآب، ويقع على قدميه كعبد. أبعد هذه الفكرة الحقيرة وغير اللائقة بالروح! فالآب لا يطلب ذلك والابن لا يلجأ إليه، وهل يجوز أن نتصور هذا الأمر عند الله؟ ولكن بما أنه تألم كإنسان فهو يقنعني بالصبر ككلمة ومشير. هذا ما يعنيه في نظري دوره كشفيع.

15 – وعاشراً لهم الجهل وأن لا أحد يعلم اليوم الأخير أو الساعة الأخيرة ولا الابن إلا الآب[127]. وكيف يجهل شيئاً من الكائنات من هو الحكمة[128] ومنشئ الدهور[129]، ومنهيها[130] ومجددها[131]، ومن هو نهاية[132] الموجودات، ومن يعرف ما في الله كما يعرف روح الإنسان ما فيه[133]. أي معرفة أكمل من هذه المعرفة؟ فكيف يعرف ما قبل الساعة معرفة دقيقة، وكيف تراه يعرف ما سيكون عن المنتهى ويجهل الساعة نفسها؟ إن ذلك أشبه بلغز، كما لو قال أحد أنه يعرف ما أمام الحائط معرفة جيدة ولكنه يجهل الحائط نفسه، أو إنه يعرف آخر النهار معرفة جيدة، ولكنه لا يعرف أول الليل: ومن الثابت في هذين الحالين أن معرفة الواحد تقتضي معرفة الآخر. أليس من الواضح لجميع الناس أنه يعرف كإله، وأنه بقوله “لا يعرف” يشير فيه إلى الإنسان، هذا إذا فصلنا المرئي عن الروحي؟ وقوله “الابن” هنا قول مطلق وخال من أي إشارة إلى من هو ابنه، وهذا ما يتيح لنا هذا التفسير، فننظر إلى الجهل نظرة استقامة، ونرجعه إلى الطبيعة الإنسانية لا إلى الطبيعة الإلهية.

16 – إذا كان لك في هذا الكلام كفاية توقفنا عنده، ولم يبق لأحد أن يطلب المزيد، وإلا فلدينا ما نقوله أيضاً وهو أن تكون معرفة الأشياء العظمى، وكل شيء من الأشياء الأخرى منسوبة إلى العلة الأولى، تجلة وإكراماً للذي وَلَد. فيبدو لي أننا لن نكون على موقف هزيل إذا جارينا أحد مفكري هذا العصر[134] وقرأنا كما يلي: الابن لا يعرف النهار أو الساعة على غير معرفة الآب لهما. والنتيجة، ما هي؟ بما أن للآب هذه المعرفة فهي للابن أيضاً، وهي من ثم بعيدة عن أن يعرفها أو بدركها أحد ما خلا الطبيعة الأولى.

بقي أن نعالج تلقيه الأوامر[135]، وحفظه للوصايا[136] وفعله ما يرضي الآب كل حين[137]، ثم إتمامه الذبيحة[138]، وارتفاعه[139]، وتعلمه الطاعة بما تألم به[140]، وكونه حبراً[141]، وتقدمته الذبيحة[142]، وكونه أُسلم[143]، وتقريبه التضرعات إلى القادر أن يخلصه من الموت[144]، ونزاعه[145]، وعرقه الدامي[146]، وصلاته[147]، وكل ما شابه ذلك، ما لم يكن واضحاً للجميع أن مثل هذه التعبيرات ترجع إلى الطبيعة المتألمة لا إلى الطبيعة التي لا تخضع للتحول، ولا يدركها ألم.

ما قلناه في صدد اعتراضاتهم من شأنه أن يفتح باباً ومنطلقاً للذين يرغبون في التقصي واستكمال البحث. ولكن قد يكون من المفيد أن نلحق ما أتينا عليه حتى الآن، بكلام يتحرى تسميات الابن، وهي كثيرة، ولها محل واسع في كثير من المواقف التأملية التي تتناول ذلك الابن. فلنبين معنى كل اسم، ونستجل ما فيه من قيمة سرية.

17 – علينا أن نقول أولاً: إن الألوهة لا تسمى باسم من الأسماء[148]. هذا أمر لا يثبته العقل فحسب، بل تحملنا على القول به شهادة أقدم العبرانيين وأوفرهم حكمة. إنهم وإن كان لديهم ألفاظ خاصة لتكريم الألوهة[149]، لم يرتضوا هذه الأحرف التي تكتب للدلالة على أي كائن غير الله، وعلى الله نفسه، لاعتقادهم أن الألوهة غير ذات علاقة – إلى هذا الحد! – بما لنا؛ وأنى، في نظرهم، للكلمة القابلة الانحلال أن تدل على الطبيعة التي لا تقبل الانحلال والتي تغاير طبيعتنا؟ لم يتمكن أحد من استنشاق الهواء كله، وجوهر الله لم يتمكن عقل من تصوره، ولم تتمكن لفظة من احتواء حقيقته احتواءً كاملاً، ولكننا نتخذ مما حواليه طريقاً إلى تخيله في ذاته، ونرسم لنا عنه صورة غامضة وضعيفة، صورة تختلف باختلاف عناصرها. إن أعظم اللاهوتيين، في نظرنا، ليس من اكتشف “الكل” – إذ إن السجن الذي نحن فيه لا يتسع “للكل” – بل من تفوق على غيره في التصور، ومن حقق في ذاته صورة الحقيقة أفضل من غيره، أو ظل تلك الحقيقة، أو ما لا أدري بأي أسم يجب أن نسميه.

18 – على كل حال، وبقدر فهمنا للأشياء، نرى أن اللفظتين “الكائن” و”الله” هما، نوعاً ما، اسمان للجوهر، وخصوصاً “الكائن”، وقد تسمى بها الله نفسه عندما خاطب موسى على الجبل[150]، وأمره عندما سأله ما اسمه، أن يقول للشعب: “الكائن أرسلني”[151]، وهي الاسم الذي نراه أقرب إلى الدلالة. أما اللفظة “الله” (ثيوس #) فهي، في نظر المحققين، من “ثيين #” (بمعنى ركض) أو “أيثن #” (بمعنى أحرق)[152]، لأنه في حركة دائمة، ولأنه يحرق ميولنا الفاسدة – ولهذا قيل “إنه نار آكلة”[153] – واللفظة على كل حال ذات دلالة نسبية لا مطلقة. وكذلك الاسم “رب” الذي قيل عنه إنه اسم الله أيضاً: “أنا الرب إلهك وهذا اسمي”[154]، و”اسمه الرب”[155]. أما نحن ففي تطلب طبيعة تكون للكائن في ذاته لا بالنسبة إلى غيره، و “أن يكون” هو في الحقيقة ميزة الله الخاصة، أي أن يكون كامل الكينونة، لا يسبقه في ذلك أحدٌ ولا يأتي بعد أحد، لأنه لم يكن ولن يكون المحدود أو المنقوص.

19 – أما التسميات الأخرى، فمنها ما يرجع بوضوح إلى القدرة، ومنها ما يرجع إلى التدبير، والتدبير مزدوج: ما هو لما فوق المادة، وما هو للمادي، وهكذا فهو من جهة “الكلي القدرة”[156]، و”الملك”، “ملك المجد”[157]، أو “ملك الدهور”[158]، أو “ملك القوات”[159]، أو “ملك الحبيب”[160]، أو “ملك الملوك”[161]، و”الرب”، “رب الصباؤوت”[162] – أي الجنود – أو “رب القوات”[163] أو “رب الأرباب”[164]: تلك هي أسماء القدرة. وهو من جهة أخرى “الله” “إله التخليص”[165]، أو “إله النقمات”[166]، أو “إله السلام”[167]، أو “إله البر”[168]، أو “إله إبراهيم واسحق ويعقوب”[169] وكل إسرائيل الروحي[170] ومن يرى الله[171]: تلك أسماء التدبير. وإذ كنا خاضعين لأمور ثلاثة: خوف العقاب، وترجي الخلاص والمجد، وممارسة الفضائل مصدر الخلاص والمجد، فإن اسم النقمات يبعث فينا الخوف، واسم الأمور الخلاصية يحملنا على الرجاء، واسم الفضائل يحلمنا على ممارستها. وهكذا فمن يحمل الله في ذاته[172] ببلوغه أحد هذه الأمور الثلاثة، يمضي بسرعة أشد في طريق الكمال وفي طريق ما تمنحه الفضائل من صلة القربى بالله.

تلك أسماء الألوهة بطريقة عامة. ولكن الاسم “الآب” هو الاسم الخص لمن لا مبدأ له. و”الابن” هو اسم المولود عن غير علة، و”الروح القدس” هو اسم من انبثق أو من ينبثق في غير ولادة.

ولننتقل الآن إلى الألفاظ التي تدل على الابن، فمن هنا كان انطلاق خطابنا[173].

20 – يبدو لي أنه يقال له “الابن” لأنه واحد مع الآب في الجوهر، وليس لهذا فقط بل لأنه يأتي منه أيضاً. ويقال له “الوحيد”[174] لا لأنه وحده أتى من واحد فقط، وبل لأن ذلك جرى بطريقة لا مثيل لها تختلف عما هو معهود للأجسام. ويقال له “كلمة”[175] لأنه بالنسبة إلى الآب كالكلمة بالنسبة إلى العقل، وليس لأن ولادته جرت بغير تحول فقط، بل للرباط الوثيق الذي يربطه بالآب ولما هو عليه من طاقة الكشف عنه[176]. وقد يمكن القول إنه كالتحديد بالنسبة إلى الشيء المحدد، إذ إنه يقال للتحديد أيضاً “لوغس” (أي الكلمة). وقد قال: “من عرف الابن” – والفعل “عرف” هنا بمعنى “رأى” – “فقد عرف الآب”[177]، والابن مَجْلّى موجز وواضح لطبيعة الآب. وكل مولود إنما هو تعريف صامت لمن ولده. ولا ضير في أن يقال إنه دعي “كلمة” لكونه مشرفاً على الموجودات. وأي شيء وجد بمعزل عن الكلمة؟[178] ويقال له “حكمة”[179] لكونه يعرف الأمور الإلهية والبشرية؛ وأنى لمن صنع الأشياء[180] أن يجهل حقيقة ما صنع؟ ويقال له “القدرة”[181] لكونه يحفظ الأشياء المصنوعة[182] ويمنحها القدرة على التلاحم. ويقال له “حقيقة”[183] لكونه واحداً لا متعدداً بطبيعته – والحقيقية واحدة أما الكذب فكثير الأشكال – ولكونه ختم الآب[184] الطاهر، وصورته[185] الخاليين من كل تمويه. ويقال له “صورة”[186] لكونه والآب جوهراً واحداً، ولأنه يأتي من الآب وأن الآب لا يأتي منه. ومن شأن الصورة أن تطابق صاحبها الذي يقال إنها أُخذت عنه، ولدينا هنا أكثر من ذلك: ففي غير هذا الذي نحن فيه تكون الصورة صورة جامدة لكائن متحرك، وهنا الصورة صورة حية وهي حيه وأكثر شبهاً به مما كان شيت يشبه آدم[187]، وما يشبه المولود من ولده، أياً كان. تلك هي طبيعة الأشياء البسيطة ألا يكون بينها تشابه جزئي. وهكذا فالصورة الكاملة تمثل الشيء كاملاً، وهي بالأحرى الشيء نفسه لا ما يشبهه. ويقال له “نور”[188] لكونه منارة للنفوس التي تتبرر كلمة وحياة، فإذا كان الجهل والخطيئة ظلمة، كانت المعرفة والحياة في الله نوراً. ويقال له “حياة” لكونه نوراً[189]، ولكونه قوام كل طبيعة عاقلة ومنسقها. “فإنّا به نحيا ونتحرك ونوجد”[190]، وذلك بفعل قوة نفخته المزدوجة ونفسه المزدوج[191]، فمنه تأتي الجميع نفحة الروح القدس المحيية، يتقبلها الذين يستطيعون احتواءها، وذلك بقدر ما “نفتح فم”[192] أذهاننا. ويقال له “بر”[193] لكونه يجازي على حسب الاستحقاق[194]، ولكونه يحاكم بالعدل من هم “تحت الناموس” ومن هم “تحت النعمة”[195]، وكذلك النفس والجسد بحيث تأمر هي ويخضع هو، وبحيث يخضع الأدنى للأعلى فلا يتاح للأدنى أن يثور على الأنبل والأشرف. ويقال له “القداسة”[196] لكونه الطهارة بحيث تتقبل الطهارة الطاهر[197]. ويقال له “فداء”[198] لكونه يحررنا، ونحن الذين كنا في الخطيئة، ولكنه يقدم نفسه فدية عنا تطهر الأرض. ويقال له “قيامة”[199] لكونه يجعلنا نطلق من ههنا[200]، ويعيدنا إلى الحياة[201] نحن الذين كنا أمواتاً من جراء تناولنا الثمرة المحرمة[202].

21 – هذه الأسماء هي أيضاً مشتركة بين ما كان في المسيح أرفع منا وما كان لأجلنا. وإليكم الآن أسماء محصورة فينا وموافقة لما اتخذ منا. إنه “إنسان”[203] لا لكي يكون بجسده في متناول من هم في الجسد وحسب – وهو إذا خلا من الجسد كان بطبيعته غير المدركة متعذر المنال – بل ليقدس هو بنفسه أيضاً الإنسان إذ صار كالخمير للعجين كله، فاتخذ في ذاته ما كان محكوماً عليه، لكي يحرر الكل من ربقة الحكم، وذلك عندما صار للجميع كل ما نحن عليه – ما عدا الخطيئة – جسداً ونفساً وروحاً، من حيث دخل الموت، فمن مجموع هذه العناصر كان إنساناً، إلهاً منظوراً، وفاقاً لما يدركه عقلنا. وهو “ابن الانسان”[204] بسبب آدم والعذراء معاً، وقد أتى منهما: من آدم على أنه الأب الأول، ومن العذراء لكونه خضع لناموس الأمومة لا لناموس الولادة. وهو “مسيح”[205] بسبب ألوهته: فالألوهة مسحة الإنسانية التي تقدسها لا بعملية المسح، كما هي الحال بالنسبة إلى سائر “المسحاء”[206]، بل بحضوره هو كاملاً وماسحاً. وبسبب هذا الحضور يسمى الذي يمسح “إنساناً” ويُجعل الممسوح إلهاً[207]. وهو “طريق”[208] من حيث إنه يقودنا هو بنفسه. وهو “باب”[209] من حيث إنه يدخلنا. وهو “راع”[210] من حيث إنه يجعل قطيعه في مكان خضر[211]، ويورده مياه الراحة[212]، ومن هناك يمضي أمام القطيع[213]، ويكف عنه الوحوش الضارية[214]، ويرد النعجة الشاردة[215]، ويتطلب المفقودة[216] ويضمد جراح الجريحة[217]، ويحفظ القوية[218]، ويجمع القطيع[219] إلى الحظيرة العلوية بأقوال حكمته الراعوية. وهو “شاة”[220] لأنه ذبح[221]. وهو “حمل”[222] لأنه كامل[223]. وهو “حَبْر”[224] لأنه يقرب الذبيحة[225]. وهو “ملكيصادق”[226] لأنه بغير أم[227] بالنظر إلى ما فوقنا، وبغير أب[228] بالنظر إلى ما نحن فيه، وبغير نسب[229] بالنظر إلى العلاء: قال: “أما مولده فمن يصفه؟”[230]. وهو كذلك لأنه “ملك شليم”[231] – أي ملك السلام[232] – إذا إنه “ملك البر”[233]، ولأنه ينال العشر[234] من الآباء الذين تغلبوا على قوات الشر[235].

تلك هي تسميات الابن. فامض ما بينها: بطريقة علوية، ما بين العلوية منها، وبطريقة رفيقة[236] ما بين الجسدية منها، أو بالحري فليكن كله بطريقة إلهية لكي تصير، وأنت صاعد من هنا، إلهاً بالذي نزل لأجلنا من العلاء. التزم هذا فوق كل شيء وقبل كل شيء فتكون بنجوة من الحيرة والتردد أمام ما هو من الأسماء أرفع أو أوضع. “يسوع المسيح أمس واليوم” جسدياً “هو هو ” روحياً وإلى الدهور[237]. آمين

 

[1] طالع 1كور 15: 45.

[2] أم 8.

[3] 1صم 11: 1-8.

[4] حك 7: 21، 8: 6.

[5] أي 28: 14.

[6] المرجع نفسه.

[7] أي الحكمة.

[8] مز 18: 1.

[9] زك 13: 7.

[10] مز 113: 4.

[11] إشارة إلى القديس باسيليوس في رده على Conter Eunom. II. 20. PG 29, 616-617.

[12] 1كور 1: 24.

[13] أم 8: 22.

[14] أم 8: 25.

[15] أم 8: 22.

[16] أم 110: 7.

[17] أش 49: 3، 5. في التقليد المسيحي أن في كلام أشعيا هذا إشارة إلى المسيح.

[18] أش 53: 11.

[19] أش 49: 6.

[20] لو 1: 78.

[21] لو 1: 32.

[22] فيل 2: 9.

[23] فيل 2: 10.

[24] فيل 2: 7.

[25] 2كور 4: 4؛ كول 1: 15.

[26] فيل 2: 7.

[27] أع 2: 36.

[28] 1كور 15: 25.

[29] أع 3: 21.

[30] مز 109: 1.

[31] لو 1: 33.

[32] متى 28: 20.

[33] مز 93: 2.

[34] طالع متى 25: 32.

[35] مز 81: 1.

[36] يو 14: 2.

[37] 1كو 15: 28.

[38] يقول القديس بولس في 1كور 15: 28 إنه متى أخضع لله كل شيء فحينئذ يخضع الابن نفسه، وهذا الكلام، في نظر الأفنوميين، دليل على أن المسيح غير خاضع الآن.

[39] غلا 3: 13.

[40] 2كور 5: 21.

[41] يو 1: 29.

[42] 1كور 15: 45.

[43] كول 1: 18.

[44] 1كور 15: 28.

[45] المرجع نفسه.

[46] مز 21: 1.

[47] يشير إيليا الكريتي إلى أن أوريجانس كان على هذا الرأي.

[48] طالع أش 53: 6.

[49] مز 21: 2-3.

[50] عب 5: 8.

[51] عب 5: 7.

[52] فيل 2: 7.

[53] يو 1: 5.

[54] طالع لو 22: 53.

[55] 1 يو 5: 18.

[56] متى 4: 3.

[57] أف 5: 8 أي نحن.

[58] عب 2: 18.

[59] 1كور 15: 28.

[60] أع 3: 21.

[61]  عاش سابيليوس في القرن الثالث وذهب إلى أن الأقانيم الثلاثة في الثالوث الأقدس لا شيء يميز أحدهم عن الآخر.

[62] 1كور 6: 20.

[63] 1يو 3: 2.

[64] غلا 3: 27؛ كول 3: 11.

[65] يو 14: 17.

[66] يو 20: 17.

[67] ينتقل غريغوريوس هنا إلى النص الثاني، أي “إلهي وإلهكم” (يو 20: 17).

[68] يو 20: 17. في هذا الكلام إشارة إلى القسم الثاني من الآية.

[69] أف 1: 17.

[70] يو 5: 26.

[71] يو 5: 27.

[72] مز 2: 8.

[73] يو 17: 2.

[74] رؤ 5: 12.

[75] يو 17: 6.

[76] يو 5: 19.

[77] متى 5: 14.

[78] متى 9: 15؛ مر 2: 19؛ لو 5: 34.

[79] مر 6: 5؛ متى 13: 58.

[80] يو 7: 7.

[81] متى 12: 34.

[82] يو 3: 4.

[83] متى 19: 24.

[84] يو 16: 15.

[85] يو 6: 58.

[86] يو 5: 19.

[87] متى 8: 3؛ مر 1: 40؛ لو 5: 13؛ 17: 14.

[88] مر 1: 34.

[89] متى 8: 16.

[90] متى 9: 25؛ مر 5: 42؛ لو 8: 55؛ 7: 14-15؛ يو 11: 44.

[91] متى 14: 25؛ مر 6: 28؛ يو 6: 19.

[92] يو 5: 19.

[93] يو 5: 17.

[94] مز 103: 4.

[95] مز 103: 5.

[96] أي 38: 25.

[97] عا 4: 13.

[98] يو 6: 38.

[99] هذه العبارة اعتمدها مجمع القسطنطينية الثالث (681) في اعلانه الأخير (16 أيلول 681)، وقد لقب غريغوريوس باللاهوتي. وهو في هذا القسم من خطابه يُظهر من البراعة اللاهوتية والدقة ما لا حد له، وذلك في معالجة سر التجسد وإبراز الإرادتين الإلهية والإنسانية في المسيح، وفي اهتمامه الدائم للوحدة في المسيح وفي احترامه لكمال الطبيعة البشرية فيه.

[100] متى 26: 39.

[101] أي النص الذي ورد في أول هذه الفقرة.

[102] يو 6: 38.

[103] يو 3: 34. القسم الأول من هذه الآية يُظهر الآب معطياً الروح ليسوع.

[104] إن الله لم يعط روحه ليسوع بمقدار، كما كان يعطيه للأنبياء، ولكن أعطاه إياه كاملاً.

[105] مز 58: 5.

[106] دا 9: 18.

[107] يو 14: 24.

[108] يو 17: 3.

[109] لو 18: 19.

[110] أي الابن، فقد قال يسوع: “أنا الحقيقة” (يو 14: 16).

[111] 1تيم 6: 16.

[112] 1تيم 1: 17.

[113] يو 17: 3.

[114] المصدر ذاته.

[115] لو 18: 19.

[116] متى 12: 35.

[117] 1صم 15: 28.

[118] مز 124: 4.

[119] با 3: 36.

[120] با 3: 38.

[121] عب 7: 25.

[122] 2كور 5: 20؛ أف 6: 20.

[123] طالع 1تيم 2: 5.

[124] روم 8: 26.

[125] 1تيم 2: 5.

[126] 1يو 2: 1.

[127] مر 13: 32.

[128] 1كور 1: 30.

[129] عب 1: 2.

[130] متى 28: 20.

[131] رؤ 21: 5.

[132] رؤ 1: 8؛ 22: 13.

[133] 1كور 2: 11.

[134] إشارة إلى باسيليوس.

[135] يو 10: 18.

[136] يو 15: 10.

[137] يو 8: 25.

[138] يو 19: 30.

[139] يو 9: 14.

[140] عب 5: 8.

[141] عب 6: 20.

[142] روم 4: 25.

[143] غلا 2: 40.

[144] عب 5: 7.

[145] لو 22: 44.

[146] نفس المرجع.

[147] لو 22: 43.

[148] كان أفنوموس بدعي أن “غير المولود” هو اسم الله.

[149] كان اليهود يتحاشون عن أن يلفظوا بالكلمة “يهوه” (وهي الاسم الذي تسمى به الله عندما ظهر لموسى: خر 3: 14)، فكانوا يستبدلون بها الكلمة “أدوناي” أي السيد والرب.

[150] خر 3: 14.

[151] نفس المرجع.

[152] يذهب العلماء اليوم إلى أن أصل هذه اللفظة غير معروف. طالع

  1. CHANTRAINE, Dixtionnaire etymologique de la langue grecque. II Paris. 1970. P 430

[153] تث 4: 24.

[154] أش 42: 8.

[155] عا 9: 6.

[156] خر 15: 3.

[157] مز 23: 10.

[158] 1تيم 6: 15.

[159] مز 57: 13.

[160] المرجع نفسه.

[161] 1تيم 6: 15.

[162] أش 1: 9؛ روم 9: 29.

[163] مز 23: 10.

[164] تث 10: 17.

[165] مز 67: 21.

[166] مز 93: 1.

[167] روم 15: 33.

[168] مز 4: 2.

[169] خر 3: 6.

[170] طالع غلا 6: 16.

[171] طالع تك 32: 30.

[172] طالع 1كور 6: 20.

[173] أعلن غريغوريوس في آخر الفقرة 16 من هذا الخطاب أنه سيعالج أسماء الابن ثم انساق في استطراد طويل ضمنه كلاماً على الألفاظ التي تدل على الله بوجه عام.

[174] يو 1: 18.

[175] يو 1: 1.

[176] متى 11: 27؛ لو 10: 22؛ يو 1: 18.

[177] يو 14: 9. وفي الأصل اليوناني “من رأني فقد رأى الآب أيضاً.

[178] كول 1: 17.

[179] 1كور 1: 30.

[180] كول: 1: 17.

[181] أف 5: 9.

[182] يو 1: 13.

[183] يو 14: 6.

[184] يو 6: 27.

[185] عب 1: 3.

[186] كول 1: 15.

[187] تك 4: 25.

[188] يو 8: 12؛ 9: 5.

[189] يو 8: 12؛ 9: 5.

[190] أع 17: 28.

[191] تك 2: 7، يو 10: 22 – إشارة إلى الحياة التي نفخها الله في آدم (تك 2: 7)، وإلى نفخة المسيح التي أعطى بها رسله الروح القدس (يو20: 22).

[192] مز 118: 131.

[193] 1كور 1: 30.

[194] متى 16: 27؛ روم 2: 6.

[195] روم 6: 14.

[196] 1كور 1: 30.

[197] طالع الخطاب 27: 3.

[198] 1كور 1: 30.

[199] يو 11: 25.

[200] يو 14: 40.

[201] طالع طو 13: 2؛ حك 16: 13؛ تث 32: 39؛ 1صم 2: 6.

[202] طالع تك 2: 17.

[203] يو 9: 11.

[204] متى 9: 6 إلخ.

[205] متى 1: 16.

[206] خر 30: 30؛ 1صم 10: 1 الخ. كان الملوك والأحبار قديماً يمسحون بالدهن.

[207] بكلام آخر: يدعى الله إنسانً ويدعى الإنسان إلهاً بسبب اتحاد الإنسانية والألوهة.

[208] يو 14: 6.

[209] يو 10: 9.

[210] يو 10: 11.

[211] مز 22: 2.

[212] المرجع نفسه.

[213] يو 10: 4.

[214] حز 34: 25.

[215] حز 34: 16.

[216] المرجع نفسه.

[217] المرجع نفسه.

[218] المرجع نفسه.

[219] طالع أس 40: 11.

[220] أش 53: 7.

[221] المرجع نفسه.

[222] أش 53: 7 ويو 1: 29.

[223] خر 12: 5.

[224] عب 6: 20.

[225] عب 8: 3.

[226] عب 6: 20و 7: 1.

[227] عب 7: 3.

[228] عب 7: 3.

[229] المرجع نفسه.

[230] أش 53: 8.

[231] عب 7: 1.

[232] عب 7: 2.

[233] المرجع نفسه.

[234] تك 14: 20 وعب 7: 2.

[235] تك 14: 20 وعب 7: 1.

[236] عب 5: 2.

[237] عب 13: 8.

 

الرابع

إقرأ أيضاً: