الرئيسية / الردود على الشبهات / أسئلة يسألها المسلمون والرد المسيحي عليها 25

أسئلة يسألها المسلمون والرد المسيحي عليها 25

أسئلة يسألها المسلمون والرد المسيحي عليها 25

لمـاذا الصـليـب بالـذات؟
لمـاذا الصـليـب بالـذات؟

أسئلة يسألها المسلمون والرد المسيحي عليها 25

60 – لمـاذا الصـليـب بالـذات؟

لماذا اختار السيد المسيح أن يموت مصلوباً؟

لماذا لم يمت السيد المسيح بالحرق؟

لماذا لم يمت بالغرق؟

لماذا لم يمت بطعنة الحربة؟

لماذا لم يمت بالخنق أو الشنق؟

لماذا لم يمت مذبوحاً بالسيف؟

لماذا الصليب؟؟

إن الصليب عمق يتعلق بمفاهيم ومعان في خطة الله لخلاص الإنسان. فمعلمنا بولس الرسول يقول “إن كلمة الصليب عند الهالكين جهالة، وأما عندنا نحن المخلصين فهي قوة الله” (1كو 1: 18). لذلك لم يكن الصليب مجرد وسيلة للإعدام…

 

إذن ماذا يكون الصليب؟

الصليب روحياً: الصليب يدخل في أعماق الإنسان وفكره وأبعاد عمل الروح القدس في داخله. فقد كان الصليب بالنسبة للقديسين هو موضوع عناق قوي في علاقتهم بالله. وهو موضوع تأمل وممارسة حياة يومية. هو قوة الله للخلاص. فللصليب معان تدخل إلى أعماق النفس بقوة الروح القدس حتى ولو لم يدرك الإنسان تلك المعاني. الصليب هو قوة وغلبة وانتصار وحياة بالنسبة لنا. فلماذا إذاً؟

لماذا مات المسيح مصلوباً؟

  1. بالصليب صار هو الكاهن والذبيحة:

لم يكن السيد المسيح هو مجرد ذبيحة قدمت عن حياة العالم؛ لكنه كان هو الكاهن وهو الذبيحة في آن واحد. فإذا كان قد تم ذبحه على الأرض مثلاً؛ سيكون في هذا الوضع ذبيحة وليس كاهناً. ولكن على الصليب وهو يرفع يديه ككاهن وهو في نفس الوقت الذبيح المعلق. فالناظر إليه يراه ككاهن يصليب وفي نفس الوقت يراه ذبيحاً ويقول “فصحنا أيضاً المسيح قد ذبح لأجلنا” (1كو 5: 7). وهو يشفع في البشرية أثناء تقديمه لذاته كذبيحة. لذلك رآه يوحنا الحبيب في سفر الرؤيا مثل “خروف قائم كأنه مذبوح” (رؤ 5: 6).

– الجرح الداخلي أعمق: كان لا بد أن يكون السيد المسيح قائماً؛ فلا يمكنه أن يكون ملقياً أثناء ممارسته لعمله كرئيس للكهنة. لذلك فإن عملية الذبح كان داخلية (بالرغم من وجود جراحات مثل آثار المسامير وإكليل الشوك) لكن الجرح الأساسي كان داخلياً. وهنا تظهر نقطة عميقة في محبة الله، وهي تتمثل في شخص السيد المسيح أنه مذبوح في داخله كما يقول بولس الرسول “في أحشاء يسوع المسيح” (في 1: 8) فالذبح الداخلي أصعب بكثير من الذبح الخارجي وفي هذا يقول الشاعر:

وظلم ذو القربى أشد مضاضة                                 على النفس من وقع الحسام المهند

فوقع السيف الحاد أخف من ظلم ذوي القرابة. ويقول الكتاب المقدس في هذا المعنى “ما هذه الجروح في يديك؟! هي التي جرحت بها في بيت أحبائي” (زك 13: 6).

– النزيف الداخلي: إن السياط التي جلد بها السيد المسيح كانت مصنوعة من سيور البقر وفي أطرافها عظم أو معدن، لذلك فقد مزقت الشرايين المحيطة بالقفص الصدري وأحدثت نزيفاً داخلياً. فلما ضربه الجندي بالحربة كان الدم عندئذ يملاً القفص الصدري فسال الهيموجلوبين الأحمر (كرات الدم الحمراء) بلون الدم ثم البلازما الشفافة ثم السوائل الخاصة بالأوديما (أي الارتشاح المائي). هذه التي عبر عنها ببساطة القديس يوحنا أنه بعدما طعن في جنبه بالحربة “خرج دم وماء” (يو 19: 34). وقد رأى القديس يوحنا مركبات الدم مفصولة لأن السيد المسيح كان قد أسلم الروح في الساعة التاسعة وعندما طعنه الجندي قرب الغروب كان قد مضى حوالي ساعتين على موته.

– مات ذبيحاً: اهتم القديس يوحنا أن يذكر واقعة خروج الدم والماء لكي يؤكد أن السيد المسيح مات ذبيحاً، ويقول “الذي عاين شهد وشهادته حق” (يو 19: 35). كانت رقبة السيد المسيح سليمة نسبياً والصدر سليم نسبياً بحسب الظاهر خارجه، بينما كان النزيف حاد من الداخل. في الخارج كانت تظهر آثار ضربات السياط، بالإضافة إلى الجروح التي كانت في اليدين والقدمين، وقد أحدثت نزيفاً خارجياً لكنه محدود. فالمصلوب كان يمكن أن يبقى معلقاً على الصليب ويتعذب وقد لا يموت إلا بعد ثلاثة أيام. ولكن كان يهم القديس يوحنا الإنجيلي جداً أن يؤكد أن السيد المسيح هو خروف الفصح الذي ذبح لأجلنا، لذلك أكد خروج الدم والماء من جنبه لك نعرف أنه ذبح.

– سبب الهبوط في القلب: لقد نتج عن النزيف الداخلي الحاد الذي تعرض له السيد المسيح نقص كبير في كمية الدم الباقية في الدورة الدموية، لذلك احتاج القلب أن يعمل بسرعة لتعويض الدم المفقود. ولكي يعمل بسرعة، كان القلب نفسه كعضلة، يحتاج لكمية أكبر من الدم. ولكن الشرايين التاجية التي تغذي القلب لم يكن في إمكانها أن تقوم بهذا الدور لقلة كمية الدم الواصل إليها نتيجة للنزيف. وإذا كانت سرعة ضربات القلب في الإنسان الطبيعي هي سبعين نبضة في الدقيقة؛ ففي حالات النزيف ترتفع إلى 140 نبضة. وكل هذا يجهد عضلة القلب فتصل إلى مرحلة من الهبوط الحاد جداً في الجزء الأيمن منها ويؤدي ذلك إلى الوفاة.

– صرخة الانتصار: “كان السيد المسيح يقترب من هذه اللحظة الأخيرة؛ وهنا وفي آخر لحظة صرخ بصوت عظيم وقال “يا أبتاه؛ في يديك أستودع روحي” (لو 23: 46). وقد كانت هذه الصرخة هي صرخة انتصار. لأنه لأول مرة منذ سقوط أبينا آدم من الفردوس يستطيع أحد أن يخاطب الله ويقول له “في يديك أستودع روحي” فكل من مات لم يستطع أن يستودع روحه في يدي الآب بل كان ابليس يقبض على تلك النفوس. وإذ صرخ السيد المسيح بصوت عظيم رغم حالة الإعياء الشديدة التي كان يعاني منها إنما أراد بذلك أن يلفت النظر إلى عبارة الانتصار هذه. وهذه هي أول مرة – منذ سقطة آدم – يضع ذو طبيعة بشرية روحه في يدي الآب.

صار السيد المسيح هو القنطرة أو الجسر الذي يعبر عليه المفديون من الجحيم إلى الفردوس وإلى ملكوته. وقد خاب أمل الشيطان في هذه اللحظة لأنه رأى أمامه قوة الذي انتصر بالصليب.

وفي قداس للقديس يوحنا ذهبي الفم يقول: “عندما انحدرت إلى الموت أيها الحياة الذي لا يموت حينئذ أمت الجحيم ببرق لاهوتك. وعندما أقمت الأموات من تحت الثرى صرخ نحوك القوات السمائيون أيها المسيح الإله معطي الحياة المجد لك”. فقد أبرق السيد المسيح حينما سلم روحه في يدي الآب. وبتعبير آخر: أصبح كالبرق وأفزع كل مملكة الشيطان. أخفى السيد المسيح لاهوته عن الشيطان وكان يقول “نفسي حزينة جداً حتى الموت” (مر 14: 34). كان يجاهد ويأتي ملاك ليقويه في الصلاة من أجل إخفاء لاهوته عن الشيطان ولكن في اللحظة التي أسلم فيها روحه على الصليب، أي عندما غادرت روحه الإنسانية الجسد، في الحال أبرق بمجد لاهوته، لذلك يقول “إذ جرد الرياسات والسلاطين أشهرهم جهاراً ظافراً بهم فيه (في الصليب)” (كو 2: 15). فقد تحول الموقف تماماً وكأن الشيطان يقيم حفلاً أو وليمة وأحضر معه كل بوابات الجحيم وكل قوات الظلمة لتحيط بمنطقة الجلجثة فوقف أمامه من “خرج غالباً ولكي يغلب” (رؤ 6: 2) ففزعت من أمامه كل هذه القوات حينما أبصرت مجد لاهوته.

  1. بالصليب كان هو الميت القائم

كان لا بد أن يكون المسيح هو الذبيحة التي ذبحت وهي تصلي؛ أي وهي قائمة. فبعدما مات وسلم الروح على الصليب كان المشهد في غاية العجب؛ أنه ميت وقائم في نفس الوقت؛ ذلك لأن المعلق على الصليب تحمله رجلاه. لذلك عندما جاءوا ليكسروا ساقي السيد المسيح وجدوه قد أسلم الروح فلم يكسروهما فهو واقف على قدميه فعلاً. وقد سلم الروح وهو واقف، وهذه إشارة إلى أنه في أثناء موته هو القائم الحي. ليس معنى هذا أنه لم يمت حقاً لكن هذا إشارة إلى أن “فيه كانت الحياة” (يو 1: 4). فهو قد أسلم الروح لكن قوة الحياة كائنة فيه. وحتى وهو قائم من الأموات كان محتفظاً بالجراحات لكي نراه مذبوحاً وهو قائم. أي أنه وهو مذبوح هو قائم، وهو قائم هو مذبوح. كما ورد أيضاً في سفر الرؤيا أنه “خروف قائم كأنه مذبوح” (رؤ 5: 6). فلا يمكن إذاً أن يحرق أو يموت غريقاً لأن هذه المعاني لن تتفق في هذه الميتات.

 

  1. بالصليب صالح الأرضين مع السمائيين

هل السيد المسيح يمثل الله في وسط البشر أم يمثل البشر أمام الله؟ بالطبع هو الأمران معاً في وقت واحد. هو ابن الله وهو ابن الإنسان في نفس الوقت. بدون التجسد كان السيد المسيح سيبقى ابناً لله، والبشر هو أبناء الإنسان. ولكنه في تجسده وحد البنوة لله مع البنوة للإنسان، إذ صار هو نفسه ابناً لله وابناً للإنسان في آن واحد. وأراد أن يجعل هناك صلة بين الله والبشر. متى تصل الصلة إلى ذروة هدفها؟

تصل الصلة بين الأرض والسماء إلى ذروتها على الصليب. فإن كان السيد المسيح هو ابن الله الوحيد قد صار بالميلاد ابناً للإنسان لكنه لم يصل بالميلاد وحده إلى عمل علاقة بني الله والبشر… فهو يريد أن يصالح الله مع البشر. فليس هناك شركة بين الله والإنسان إلا بيسوع المسيح وهو معلق على الصليب. فهو الله الظاهر في الجسد، وهو باكورة البشرية في حضرة الآب السماوي، والسلم الواصل بين السماء والأرض.

عندما ننظر إلى السيد المسيح على الصليب نقول هذا هو الطريق المؤدي إلى السماء وهو نفسه يقول “أنا هو الطريق والحق والحياة” (يو 14: 6). كل إنسان ينظر إلى ناحية الصليب لا بد أن ينظر ناحية السماء “وكما رفع موسى الحية في البرية هكذا ينبغي أن يرفع ابن الإنسان” (يو 3: 14)، فلا بد أن الناظر إليه ينظر إلى الأعلى. هو معلق بين السماء والأرض. فحينما نراه نرى فيه الله الظاهر في الجسد ونرى حب الله المعلن للبشرية. وفي نفس الوقت حينما يراه الآب من السماء يرى فيه الطاع الكاملة ورائحة الرضى والسرور التي اشتمها وقت المساء على الجلجثة. إذاً هو نقطة لقاء بين نظرنا نحن ونظر الآب السماوي. فالآب ينظر إليه، فإذا نظر كل منا إلى السيد المسيح فسوف يلتقي بالآب. بتعبير آخر إذا كنت واقفاً بجوار الصليب والآب ينظر من السماء إلى الصليب فسيراك أنت تحته، وإذا أنت نظرت إلى الرب يسوع سترى الآب الذي يتقبل الذبيحة.

  1. الصلب والأنا المبذولة

علامة الصليب تشير إلى الأنا المبذولة أو الطاعة الكاملة. فإذا أردنا إلغاء أي خط نضع خطأ متعارضاً مع الخط المراد إلغائه. فالصليب في حد ذاته يعلن حياة التسليم الكامل لله. كما أن السيد المسيح في مظهره على الصليب كان واقفاً وأما في الحقيقة فقد كان كل جزء من جسده مقيداً لا يستطيع أن يتحرك. معنى هذا أن السيد المسيح يريد أن يقول لنا إنه لا بد من “صلب الجسد مع الأهواء والشهوات” ونقول “مع المسيح صلبت فأحيا لا أنا، بل المسيح يحيا فيّ” (غلا 2: 20).

تسمرت على الصليب كل أهواء الجسد ومشيئته الخاصة. لم تكن للسيد المسيح طبعاً رغبات خاطئة، حاشا، لكن كانت له رغبات طبيعية مثل الأكل والشرب والراحة. فقد جاع عندما صام مثلاً. ورغبات الجسد هذه غير خاطئة في حد ذاتها. لكن كانت مشيئة الآب السماوي بالنسبة للسيد المسيح هي أن تبطل هذه الرغبات، فكانت الطاعة الكاملة هو الجواب. لذلك عندما أتى الشيطان ليجربه وهو جائع، قال له “قل أن تصير هذه الحجارة خبزاً” أجابه السيد المسيح “ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكل كلمة تخرج من فم الله” (مت 4: 3-4). فكما ان الجسد يقتاب بالخبز، فمن الجانب الآخر ستتعطل الروح بسبب إتمام رغبات الجسد حتى لو كانت هذه الرغبات غير خاطئة. فليصلب الجسد إذاً لكي تنفذ المشيئة الإلهية. وأيضاً وهو على الصليب قيل له “إن كنت ابن الله فانزل عن الصليب” (مت 27: 40) فلماذا هذا التعب ولماذا هذه الآلام المريعة؟ ولكن السيد المسيح لن يطيع الجسد طالما يتعارض هذا مع مشيئة الآب السماوي. وبذلك يكون مفهوم عبارة “لتكن لا إرادتي بل إرادتك” (لو 22: 42) هو: لتكن لا رغبات الجسد في أن يرتاح أو أن يتحرر من الآلام الجسدية أو النفسية، بل لتكن مشيئة الآب في إتمام الفداء.

تعرض السيد المسيح لآلام نفسية مريرة بجوار الآلام الجسدية. تمثلت هذه الآلام النفسية في الآلام التي عاناها السيد المسيح نتيجة لخيانة يهوذا (فهو إحساس مر أن يهوذا تلميذه يقبله ويسلمه لأعدائه بهذه الصورة). وأيضاً في تعبيرات الناس الذين أتى لأجل خلاصهم ويقم لهم حبه، فتكون هذه هي مكافأته. إحساس مر لا يعبر عنه. كما أن كونه موضوعاً في وضع الملعون والمصاب والمضروب من الله ويحمل كل خطايا البشرية لكي يقدم ثمن عصيان الإنسان وتمرده، كأس مملوءة بالمر.

كان من الطبيعي أن النفس والجسد يشعران أنهما أمام اجتياز كأس مريرة جداً لا بد أن يشربها إلى نهايتها. فيقول للآب “لتكن لا إرادتي” (لو 22: 42). وليس المقصود بالإرادة هنا الإرادية المسؤولة عن اتخاذ القرار، لأن القرار هو قرار الثالوث القدوس بإتمام الخلاص الذي أتى المسيح لأجله، إنما المقصود بها هو الرغبة الطبيعية أو الاحتياج الطبيعي الناشئ عن حمل السيد المسيح لطبيعة بشرية حقيقة من خصائصها الشعور بالألم وبالحزن وبالمعاناة. وهكذا فإن السيد المسيح في معاناته الرهيبة يريد أن يقول للآب: “لن يكون قراري مبنياً على ما في هذه الخصائص البشرية من تعب وألم وحزن، لكنه مبني على ما في رغبتي الكاملة في ارضائك وفي تخليص الذي أحببتهم للمنتهى. فهو الذي قيل عنه “أحب خاصته الذين في العالم، أحبهم إلى المنتهى” (يو 13: 1).

5 – بالصليب تمت النبوات

كان الصليب ضرورة لأن فيه تمت النبوات. إذ يقول داود النبي في المزمور “ثقبوا يدي ورجلي” (مز 22: 16) “يقسمون ثيابي بينهم، وعلى لباسي يقترعون” (مز 22: 18) “وفي عطشي يسقونني خلاً” (مز 69: 21)… وكل هذه النبوات كيف تتمي إلا إذا صلب؟ أو مثلاً عندما قال “كما رفع موسى الحية في البرية هكذا ينبغي أن يرفع ابن الإنسان” (يو 3: 14). فالمسيح حمل خطايانا التي ترمز إلى الشر (الحية) فصعد على الصليب وسمر الخطية على الصليب ثم نزل هو وترك الخطية معلقة على الصليب. فلذلك نصلي في قطع الساعة السادسة قائلين “مزق صل خطايانا أيها المسيح إلهنا”. ويقول “إذ محا الصك الذي علينا في الفرائض الذي كان ضداً لنا وقد رفعه من الوسط مسمراً إياه بالصليب” (كو 2: 14). فقد سمر الخطية على الصليب والحية المعلقة ترمز إلى حمله خطايا العالم كله. فلا بد أن تكون الذبيحة مرفوعة لأعلى لتتم النبوات. وكما شق موسى النبي البحر الأحمر بضرب عصاه ثم ضربه ثانية بعلامة الصليب، وأرجعه ثانية، فغرق فرعون الذي يرمز للشيطان. هكذا كان الصليب هو وسيلة الغلبة على مملكة ابليس.

  1. بالصليب ملك على خشبة

قيل عن السيد المسيح المخلص “الرب قد ملك على خشبة” (مز 95: 10) (في صلاة الساعة السادسة بالأجبية) فلا بد أن تكون أداة موته التي يملك من خلالها على قلوب البشر هي خشبة. ولأنه قال “مملكتي ليس من هذا العالم” (يو 18: 36) لذلك كان لا بد أن تعلق الخشبة مرفوعة إلى فوق. ويقول “جعلوا فوق رأيه علته مكتوبة هذا هو يسوع ملك اليهود” (مت 27: 37). لذلك كان الصليب هو عرشه باعتراف الوالي نفسه الذي كتب: “يسوع الناصري ملك اليهود). (يو 19: 19) وقد كتبت بثلاث لغات؛ اللاتينية واليونانية والعبرية، بمعنى أن العالم كله قد اعترف رسمياً أن هذا هو ملك اليهود. ولكن تعلق علته فوق رأسه وهو جالس على عرشه كان لا بد أن يموت مصلوباً لأنه هذه الأمور لن تتوفر إذا مات مثلاً مذبوحاً أو محروقاً أو غريقاً.

 

 

ما هو سبب الصلب؟

سبب الصلب هو أنه هو ملك اليهود لأن عرشه هو الصليب فملكه هو سبب موته، وسبب موته هو ملكه. أي أن كونه ملكاً كان هو السبب في أنهم حكموا عليه بالموت. ولكن كيف مَلَك؟ مَلَك بالموت.

  1. الصليب أعطى فرصة ثلاث ساعات لإتمام العمل

لا توجد وسيلة موت تستغرق ثلاث ساعات. فإذا وضعوا شخصاً في النار سيموت خلال خمس دقائق. وكذلك الموت بالغرق، وكذلك الشنق (فعند إزاحة الشيء الذي يقف عليه المحكوم عليه بالإعدام يصير معلقاً من رقبته فيحدث انفصال للنخاع الشوكي في ثانية واحدة وبعد دقيقتي يسلم الروح). ولكن السيد المسيح كان يموت طوال الساعات الثلاثة وقد حدثت أمور هامة وضخمة جداً في هذه الساعات الثلاثة وهي:

أولاً: تذكر آدم

صلب السيد المسيح في اليوم السادس وفي الساعة السادسة ليذكرنا بآدم الذي خلق في اليوم السادس.

ثانياً: خروف الفصح

تمت عملية الصلب ما بين الساعة السادسة والساعة التاسعة وكان ميعاد ذبح خروف الفصح حسب ناموس موسى “بين العشاءين” (عد 9: 3).

ثالثاً: شمس البر

“ومن الساعة السادسة كان ظلمة على كل الأرض إلى الساعة التاسعة” (مت 27: 45) لأن الشمس قد أخفت شعاعها. وعلى المستوى الروحي يقول “ولكم أيها المتقون اسمي، تشرق شمس البر والشفاء في أجنحتها” (مل 4: 2). وبالطبع لا توجد شمس لها أجنحة لكن السيد المسيح وهو معلق على الصليب كان الأجنحة، وهي الذراعين المبسوطتين، التي تقول “يا أبتاه اغفر لهم” (لو 23: 34) وهذا هو الشفاء الذي في أجنحتها. الشمس أخفت شعاعها لتعلن أن شمس البر هو المعلق على الصليب لأنه لا يصح وجود الشمس في وجود شمس البر الحقيقي.

رابعاً: كلمات السيد المسيح على الصليب

قول السيد المسيح للص “اليوم تكون معي في الفردوس” (لو 23: 43) وما وراء هذه العبارة من إعلان عن فتح الفردوس. وقوله “يا أبتاه اغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون” (لو 23: 34) وما وراء هذه العبارة من مشاعر الحب والغفران لمخلص العالم. وأيضاً “أنا عطشان” (يو 19: 28) لكي يتم المكتوب. و “قد أكمل” (يو 19: 30) وما تحمله هذه العبارة من تأكيد على إتمام الفداء والنبوات المختصة به. وقوله للعذراء أمه “يا امرأة هو ذا ابنك” (يو 19: 26) ويسلمها ليوحنا لكي نعرف أن السيدة العذراء أصبحت أماً روحية لجميع القديسين، والشفيعة المؤتمنة للكنيسة كلها في شخص يوحنا الحبيب، كما نفهم أن العذراء هي العروس والهيكل والسماء الثانية.

خامساً: لقطات من الأبدية

المشهد الأول

في خلال الساعات الثلاث على الصليب تكلم السيد المسيح كلمات كثيرة منها أنه قال للص اليمين “اليوم تكون معي في الفردوس” (لو 23: 43). في بداية الأمر كان اللص اليمين غاضباً جداً ومتفقاً مع اللص الآخر في تعيير السيد المسيح. ولكن بمرور الوقت بدأ يتحول من التذمر إلى التوبة. وكان لا بد أن تكتمل هذه الصورة الجميلة التي رسمها السيد المسيح على الجلجثة. اللص اليمين كان خاطئاً تائباً ذهب إلى الفردوس، وأما اللص الشمال فكان خاطئاً لم يتب وذهب إلى الجحيم. كان المشهد كأنه لوحة فنية مكتملة على الجلجثة: نرى يسوع – ملك البر، مخلص العالم الذي اشترك معنا وحسب بين البشر وهو الله الكلمة – يقف عن يمينه كل الذين طلبوا الغفران ونالوه، وعن يساره كل الذين رفضوا التوبة أبدياً. في يوم استعلان ملكوت الله سنرى نفس مشهد الجلجثة عندما قال “متى جاء ابن الإنسان في مجده وجميع الملائكة القديسين معه؛ فحينئذ يجلس على كرسي مجده. ويجتمع أمامه جميع الشعوب؛ فيميز بعضهم من بعض كما يميز الراعي الخراف من الجداء. فيقيم الخراف عن يمينه والجداء عن اليسار” (مت 25: 31-33). هذا المشهد كان مجرد لقطة من الأبدية فنرى منظر المجيء الثاني أثناء إتمام الفداء على الصليب.

يقول القداس الإلهي [فيما نحن نصنع ذكر آلامه المقدس وقيامته من الأموات وصعوده إلى السماوات وظهوره الثاني المخوف المملوء مجدأ…] من هذه العبارة نعرف أن الكنيسة لا تفصل بين احداث الخلاص وأحداث المجيء الثاني والأبدية لأن كل هذا هو عمل الله الفادي. مثلما قيل عن مجيء إيليا النبي قبل مجيء السيد المسيح وهكذا نرى ما دونته الأسفار المقدسة وهي تشرح ارتباط نبوات المجيء الأول بنبوات المجيء الثاني وهكذا كتب القديس متى “سأله تلاميذه قائلين فلماذا يقول الكتبة إن إيليا ينبغي أن يأتي أولاً. فأجاب يسوع وقال لهم إن إيليا يأتي أولاً ويرد كل شيء. ولكني أقول لكم إن إيليا قد جاء ولم يعرفوه بل عملوا به كل ما أرادوا” (مت 17: 10-12). وفي سفر ملاخي يقول “هأنذا أرسل إليكم إيليا النبي قبل مجيء يوم الرب، اليوم العظيم المخوف” (مل 4: 5). لذلك كلما قابل الكتبة والفريسيون التلاميذ كانوا يقولون لهم إن إيليا لم يأت فليس هذا إذاً هو المسيح. فعندما رأى التلاميذ إيليا على جبل التجلي تذكروا كلام الكتبة والفريسيين وسألوا السيد المسيح لماذا يقول الكتبة والفريسيون “إن إيليا ينبغي أن يأتي أولاً” فأجابهم يجب أن تفهموا الكتب. فالنبوة مزدوجة فحينما قال “يتقدم أمامه بروح إيليا وقوته ليرد قلوب الآباء إلى الأبناء والعصاة إلى فكر الأبرار لكي يهيئ للرب شعباً مستعداً” (لو 1: 17) كان المقصود هو يوحنا المعمدان، وقد قال السيد المسيح بفمه الطاهر “إن إيليا قد جاء… حينئذ فهم التلاميذ أنه قال لهم عن يوحنا المعمدان” (مت 17: 12، 13)، إذاً النبوة عن مجيئه الأول ولكنها سوف تتحقق أيضاً حرفياً في مجيئه الثاني.

وفي سفر ملاخي ربط أيضاً المجيء الأول بالمجيء الثاني إذ قال “فهو ذا يأتي اليوم المتقد كالتنور، وكل المستكبرين وكل فاعلي الشر يكونون قشاً. ويحرقهم اليوم الآتي، قال رب الجنود، فلا يُبقى لهم أصلاً ولا فرعاً (مل 4: 1).

المشهد الثاني

وهو لوحة أخرى جميلة رسمتها العناية الإلهية أثناء أحداث الصلب: عندما خرج بيلاطس البنطي الحاكم الروماني ليقف في المنتصف والسيد المسيح من جهة، وباراباس من الجهة الأخرى… وراء هذا المشهد معنى رهيب، فليس هو وليد الصدفة. فبيلاطس يعتبر مجرد رمز للعدل لأنه يمثل الحكم في الامبراطورية الرومانية وهو يقف في المنتصف، وملك البر السيد المسيح آدم الثاني يقف من ناحية، وباراباس المجرم والعاتي في الشر الذي يمثل آدم العتيق يقف من الناحية الأخرى. في قصة الخلاص لا بد أن يموت أحدهما، إذ كان لا بد من الاختيار بين الاثنين. طلب الشعب أن يطلق باراباس ولكن ما رواء الأحداث في قصة الخلاص هو أنه كان لا بد أن يحكم على الرب بالموت لكي يفلت الأثيم الفاجر (الذي يمثل الإنسان الخاطئ) من الهلاك الأبدي.

جلسة محاكمة السيد المسيح كانت عجيبة جداً، فهي أعجب محاكمة في تاريخ البشرية كلها. هل حدث في التاريخ كله أن القاضي يحكم في نفس الجلسة على الشخص بالبراءة والإعدام في نفس الوقت؟ وبعدما حكم بالإعدام “غسل يديه قدام الجمع قائلاً إني بريء من دم هذا البار” (مت 27: 24). لو قدر لأحد أن تنكشف عن عينيه ورأى الذين في الجحيم أو جهنم الأبدية، سيجد بيلاطس ما زال يغسل يديه. ويداه ملآنة دماء ولن تطهر إلى الأبد لأن هذه الجريمة لا يغسلها ماء؛ بل تغسلها التوبة أو التراجع عن الشر. وكأن القاضي نطق الحكم [حكمت المحكمة ببراءة فلان وإعدامه صلباً!]… فالسيد المسيح بريء من جهة بره الشخصي، ويحسب خاطئاً لأن الآب وضع عليه اثم جميعنا، حسبما مكتوب “جعل الذي لم يعرف خطية، خطية لأجلنا، لنصير نحن بر الله فيه” (2كو 5: 21).

المشهد الثالث

في سفر الأعمال عندما يتكلم عن حلول الروح القدس في يوم الخمسين يقول على فم يوئيل النبي: “أسكب روحي على كل بشر، فيتنبأ بنوكم وبناتكم، ويحلم شيوخكم أحلاماً، ويرى شبابكم رؤى. وعلى العبيد أيضاً وعلى الإماء أسكب روحي في تلك الأيام. وأعطي عجائب في السماء والأرض؛ دماً وناراً وأعمدة دخان. تتحول الشمس إلى ظلمة، والقمر إلى دم قبل أن يجيء يوم الرب العظيم المخوف” (يؤ 2: 28-31). وهنا يربط بين أحداث يوم الخمسين وأحداث نهاية العالم. فعبارة تتحول الشمس إلى ظلمة والقمر إلى دم قبل أن يجيء يوم الرب العظيم والشهير، المقصود بها هنا هو المجيء الثاني. لكن على الصليب أظلمت الشمس أيضاً… إذن ارتبط مشهد الجلجثة بمشهد نهاية العالم. فلولا مراحم الله لانتهى العالم يوم صلب المسيح لأنه كيف تتجاسر البشرية أن تصلب ابن الله الوحيد. لكننا نقول في المزمور “هذا هو اليوم الذي صنعه الرب، نبتهج ونفرح به” (مز 118: 24) وهو يوم الرب العظيم المخوف عندما تكلم السيد المسيح عن نهاية العالم قال “تظلم الشمس، والقمر لا يعطي ضوؤه، والنجوم تسقط من السماء” (مت 24: 29) فموضوع “تتحول الشمس إلى ظلمة والقمر إلى دم قبل أن يجيء يوم الرب العظيم المخوف. ويكون أن كل من يدعو باسم الرب ينجو” (يؤ 2: 31-32) إشارة إلى المجيء الثاني أيضاً.

كل هذا الربط بين الأحداث والنبوات لا يمكن حدوثه إلا بصلب السيد المسيح ثلاث ساعات، لكي تتم كل هذ الأحداث وهو معلق على الصليب.

 

  1. الصليب شجرة الحياة

يقول القديس مار أفرام السرياني: “مبارك هو ذلك النجار الذي صنع بصليبه قنطرة لعبور المفديين”. السيد المسيح اختار عدداً كبيراً من تلاميذه من الصيادين، لكن مهنته هو لم تكن صيد السمك، بل كانت له وظيفتان (وهذا تعبير مجازي)؛ وظيفة مارسها قبل الفداء (نجار)، والثانية ظهر بهيئته فيها وكأنه هو العامل في هذا المجال بعد القيامة (بستاني).

الوظيفة الأولى التي مارسها هو وظيفته كنجار. فهو النجار الذي عمل من الشجرة صليباً لكي يفدي البشرية. كانت الشجرة هي سبب سقوط البشرية فكان لا بد أن يستخدم نفس الأداة التي سقطت بها البشرية ليتمم بها الفداء فيكون الصليب هو شجرة الحياة التي لا يموت الآكلون منها من المؤمنين. وكأنه لا يوجد شيء في الطبيعة يستطيع أن يقف أمام حكمة الله وتدبيره؛ فالحية أيضاً التي كانت السبب في سقوط البشرية علقها موسى في البرية لتكون وسيلة لبعد الناس عن الشر والتخلص من الخطية. ويقول القديس مار افرام السرياني: “كما أخفى الشيطان نفسه داخل الحية لكي يُسقط الإنسان هكذا أخفى السيد المسيح لاهوته عن الشيطان بالناسوت” لأنه حجب مجده بالناسوتية “ركب على كروب وطار… وجعل الظلمة ستره” (مز 18: 10، 11).

عندما عُلق السيد المسيح على الصليب كان مثل الشجرة والثمرة معلقة فيها. فإذا نظر ابليس إلى الشجرة ووجد أن الثمرة شهية للأكل وجيدة للنظر، التهم تلك الثمرة وإذ ابتلع الموت ما هو ضده ابتُلع الموت من الحياة كما كتب بولس الرسول “لكي يبيد بالموت ذاك الذي له سلطان الموت؛ أي ابليس” (عب 2: 14). أراد الرب يسوع أن يذكر ابليس بما فعله في الإنسان وأراد أن يسقيه من نفس الكأس الذي ملأه وجرعه لغيره. لذلك يقول القديس بولس الرسول عن نعمة الخلاص “التي أجزلها لنا بكل حكمة وفطنة” (أف 1: 8). ولم يؤذ أحد إنما كان يأتي عليه كل الأذى، وهو يحرر البشر من سلطان الموت والخطية. وهذه هي حكمة الله العجيبة، فالشيطان ليس له حجة لأنه هو المعتدي فعندما قبض عليه متلبساً بجريمته كان لا بد أن يدان. لذلك كان موت السيد المسيح على الصليب هو أحد مراحل دينونة الشر والخطية. “لأنه ما كان الناموس عاجزاً عنه، فيما كان ضعيفاً بالجسد. فالله إذ أرسل ابنه في شبه جسد الخطية ولأجل الخطية دان الخطية في الجسد” (رو 8: 3). فأدين الشيطان على الصليب والخلاصة أنه كان لا بد للسيد المسيح أن يعمل نجاراً لكي نعرف أنه صانع الفداء على الصليب ولهذا كان لا بد أن يموت على خشبة.

  1. الصليب فتح باب الفردوس

اختار السيد المسيح أن يكون قبره في بستان، واختار أن يظهر لمريم المجدلية في البستان. وحينما رأته مريم المجدلية التي تمثل البشرية “ظنت تلك أنه البستاني” (يو 20: 15). وإذ ظهر لها في هذه الهيئة أراد بذلك أن يذكرها بالجنة وحادثة سقوط البشرية ليفهمها أن الصليب فتح الفردوس، لذلك قصد أن يكون لقاؤه معها في بستان. في البستان الأول ظهر ابليس لحواء في صورة الحية ولكن الذي قابل المجدلية هو السيد المسيح المخلص آدم الجديد لكي يقول لها “إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم” (يو 20: 17) وليبشرها أنه كما أن الله هو أباه بالطبيعة فسوف يصير لنا أباً بالتبني. فالذي يكلمها هو ابليس الذي كلم حواء في الجنة لكنه كلمة الله الآب الذي يبشرها بالحياة الجديدة التي “كانت عند الآب وأظهرت لنا” (1يو 1: 2).

  1. الصليب محا اللعنة

ورد في سفر التثنية “المعلق ملعون من الله” (تث 21: 23) لذلك أصر اليهود على أن يموت السيد المسيح صلباً، لكي يثبتوا عليه اللعنة بحسب الناموس ولا يجرؤ أحد ان يقول إنه بار أو قديس لأن الناموس يقول “إن المعلق ملعون من الله”. مع أن الله وضع هذه الآية في الناموس لكي يُعلق الله الكلمة على الصليب يرفع لعنة الخطية، لذلك أكمل أشعياء النبي المعنى قائلاً “لكن أحزاننا حملها، وأوجاعنا تحملها. ونحن حسبناه مصاباً مضروباً من الله ومذلولاً. وهو مجروح لأجل معاصينا؛ مسحوق لأجل آثامنا؛ تأديب سلامنا عليه وبحبره شفينا” (أش 53: 4-5). اعتقدوا أنه ملعون لكنه حمل لعنة خطايا آخرين وحمل خطايا كثيرين وشفع في المذنبين حاملاً آثامهم. لذلك لا ينبغي أن تؤخذ آية واحدة بدون النظر إلى ما يكمل المعنى من آيات أخرى في الكتاب.

محا السيد المسيح لعنة الخطية بقيامته من الأموات كما قال معلمنا بولس الرسول “وتعين ابن الله بقوة من جهة روح القداسة بالقيامة من الأموات” (رو 1: 4). لذلك يقول أيضاً “الذي أسلم من أجل خطايانا وأقيم لأجل تبريرنا” (رو 4: 25). وأكد أهمية الصليب كوسيلة لرفع اللعنة عن المفديين، فقال إن “المسيح افتدانا من لعنة الناموس، إذ صار لعنة لأجلنا. لأنه مكتوب: ملعون كل من علق على خشبة. لتصير بركة إبراهيم للأمم في المسيح يسوع، لننال بالإيمان موعد الروح” (غلا 3: 13، 14).

 

  1. الصليب والعرش الإلهي

الصليب كعلامة له أربع فروع أو اجنحة ويرمز للعرش الإلهي الذي حوله الأربعة الأحياء غير المتجسدين. والعرش السماوي ليس عرشاً مادياً لكنه عرش روحي وهو يتصل بالصليب بالرقم أربعة. فالرقم أربعة واضح في العرش السماوي وفي الصليب جداً. الصليب يرمز إلى انتشار الخلاص في العالم كله. لأن به كان الخلاص من مشارق الأرض إلى مغاربها ومن الشمال إلى الجنوب. كما أن الأربعة الأحياء التي حول العرش ترمز للخلاص. فصورة الإنسان ترمز للتجسد، وصورة العجل ترمز للذبيحة أو الصلب، وصورة الأسد ترمز للقيامة والقوة لأن المسيح بقيامته من الأموات أعلن سلطانه الإلهي على الموت. لأنه هو ملك الملوك ورب الأرباب. وصورة النسر ترمز للصعود لأن النسر يحلق في السماء. فالأحياء الأربعة ترمز لتجسد الكلمة وصلبه وقيامته وصعوده.

ولكي ينتشر الإنجيل في العالم كله؛ انتشر من خلال أربع بشائر: متى ولوقا ومرقص ويوحنا. وهذا الترتيب هو ترتيب الأربعة الأحياء الحاملين للعرش الإلهي. فهذا هو الترتيب اللاهوتي للبشائر الأربعة. لم يكن عدد الأناجيل ثلاثة أو خمسة ولكنها كانت أربعة ولم يكن هذا بمحض الصدفة إنما كان نتيجة لارتباط الأناجيل بفكرة الصليب وبفكرة العرش أيضاً الذي حوله الأحياء الأربعة.

يتكلم إنجيل متى عن السيد المسيح ابن داود أو ابن الإنسان وذكر لقب ابن الإنسان 33 مرة في إنجيل متى، لذلك يرمز إليه بالإنسان. أما إنجيل لوقا فيتكلم عن السيد المسيح الخادم عن عمله في تقديم نفسه كذبيحة لذلك اهتم جداً بأحداث الختان في اليوم الثامن والذهاب للهيكل لتقديم الذبيحة (فرخي الحمام) وذهابهم للهيكل أيضاً في اليوم الأربعين. ففي إنجيل لوقا نجد معاني كثيرة تشير إلى الذبيحة لذلك يرمز إليه بالعجل. وإنجيل مرقص من بدايته يتكلم عن الصوت الصارخ في البرية ثم عن معجزاته وقوته لذلك يرمز إليه بالأسد. أما إنجيل يوحنا فيتكلم عن لاهوت السيد المسيح والإلهيات لذلك يرمز إليه بالنسر المحلق في السماويات. لذلك فإن الأربع بشائر تشير إلى عمل الله في خلاص البشرية وخبر انتشاره في العالم كله.

فلكي تتحقق كل الرموز الخاص بالفداء وكل المعاني الروحية، كان لا بد للسيد المسيح أن يموت مصلوباً وليس بأي ميتة. حتى أن السيد المسيح تكفن بالطيب قبل موته لكي يكون ميتاً وهو حي، وحياً وهو ميت. وهكذا مات قائماً لكي نرى القيامة في الصليب ونرى الصليب في القيامة.

الأحياء الأربعة ومراحل الفداء

رأي حزقيال النبي مركبة الشاروبيم ورأى كل من الأحياء الأربعة له أربع وجوه. ونحن أيضاً ينبغي أن نرى في كل حدث من أحداث الخلاص باقي الأحداث. فعندما ننظر للتجسد نرى فيه الفداء: فقد ولد السيد المسيح في مزود في وسط الغنم والبقر والعجول لكي نعرف أنه منذ ميلاده هو ذبيحة وقد جاء ليذبح. كما لا يمكن فصل التجسد عن الصليب أو القيامة. التركيز على الصليب وحده ربما يقود إلى الشك لذلك قال السيد المسيح لتلاميذه “كلكم تشكون فيّ هذه الليلة” (مر 14: 27). فالذي ينظر إلى الصليب بدون القيامة يتشكك. لذلك قال لهم إن ابن الإنسان “يسلم إلى الأمم… ويجلدونه ويقتلونه وفي اليوم الثالث يقوم” (لو 18: 32، 33). كان لا بد أن يؤكد لهم القيامة كما قال لبطرس “طلبت من أجلك لكي لا يفنى إيمانك” (لو 22: 32). لذلك كل واحد من الأحياء الأربعة له أربع وجوه فعندما ننظر بروح الرؤيا النبوية نرى مع حزقيال الثلاثة وجوه الأخرى (الأسد والعجل والنسر). أي أننا عندما نتأمل في ميلاده نتأمل ضمناً في صلبه وقيامته وصعوده للسماء.

كانت مريم المجدلية تريد القيامة بدون الصعود فرفض السيد المسيح هذه الرغبة لتتذكر قوله للتلاميذ “خير لكم أن أنطلق لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزي” (يو 16: 7)… وكأنه يقول كيف يمكنكم أن تولدوا ولادة جديدة وتصيروا أولاداً لله وتغتسلوا من خطاياكم؟ كيف تصيرون أعضاء في جسدي وتتناولون من جسدي ودمي؟ وكيف تكونون هياكل لله؟

هذا هو عمل الروح القدس في الكنيسة، والروح القدس لن يأتي إلا بعد الصعود. كان لا بد أن يصعد السيد المسيح إلى السماء بعد أن تمم الفداء لأن بركات الفداء لن تصل إليهم إلا بالصعود إلى السماء. كان لا بد أن يذهب إلى المقادس العلوية لكي يخدم كرئيس كهنة، وهناك أمام الله الآب يشفع فينا من أجل غفران خطايانا. ومنذ القديم كان صعود الذبيحة يعني أنها قبلت، لذلك كان ينبغي للصعيدة أن تصعد. إذا رفضنا صعوده نكون مثل من يقدم الصعيدة للآب السماوي، وعندما يمد الآب يده ليقبلها، يريد مقدمها أن يستردها ثانية.

مريم المجدلية كانت تفكر بهذه الطريقة: فرحتها بالقيامة جعلتها تريد أن تمسك بالسيد المسيح. فقال لها “لا تلمسيني لأني لم أصعد بعد إلى أبي. ولكن اذهبي إلى اخوتي وقولي لهم إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم” (يو 20: 17) هذا شرط استمرار العلاقات بيننا. بالطبع كان قوله لها “لا تلمسيني” بمثابة صفعة على وجهها. ففي أول لقاء عندما ظهر لها في البستان بعد قيامته من الأموات أمسكت قدميه وسجدت له، لكن قوله لها “لا تلمسيني” هنا معناه أنه لا يريدها أن تمسك به. وعند الرجوع إلى المعنى اليوناني للفظة “لا تلمسيني” نجد أنها تعني بداية اللمس للإمساك بالشيء وليس مجرد اللمس فقط.

رؤيا حزقيال ورؤيا يوحنا

رأى حزقيال النبي الأحياء الأربعة بأربعة وجوه وأما يوحنا فقد رآها بوجه واحد. وليس معنى هذا أن رؤيا حزقيال النبي كان أوضح من رؤيا يوحنا، لأن يوحنا رأي أكثر مما رآه حزقيال مع أن المنظر الذي رآه حزقيال كان منظراً رهيباً جداً: البكرات والنار والمركبة النارية الشاروبيمية. لكن عندما رأي يوحنا الرؤيا كان قد تم التجسد والصلب والقيامة والصعود، فدخلت هذه الأمور في مجال الزمن وأصبح التجسد في وقت والصلب في وقت ثان والقيامة في وقت ثالث والصعود في وقت رابع، وأصبحت أحداثاً متتالية كل حدث منها له معالمه البارزة التي تحدده. فلم تحدث القيامة في يوم الصلب ولم يحدث الصلب في يوم الميلاد ولم يحدث الصعود في يوم القيامة. لذلك كان لا بد أن يكون بين الصعود والقيامة أربعون يوماً لأنه إذا حدث الصعود في يوم القيامة لن نفهم ما معنى القيامة ومعنى الصعود. وكان يمكن أن يحدث مزج بين المعنيين. القيامة حدث مستقل بذاته دون أن ينفصل عن الصعود والصلب والميلاد، أي أنه لا يمتزج ويذوب في أحداث أخرى، لكن بدون انفصال، أي أن له ملامحه المحددة القائمة بذاتها. ولهذا رأي يوحنا وجه واحد لكل من الأحياء الأربعة. أما حزقيال النبي فقد رأى أربعة وجوه للواحد منهم: لأن الأحداث لم تكن قد تمت بعد؛ فيراها حزقيال بروح النبوة كأحداث متلازمة يكمل بها الأربعة معاً عملية الفداء.

رأي حزقيال النبي الأحياء الأربعة من بعيد، لذلك رأي لكل منها أربعة وجوه، لكن يوحنا عندما نظر عن قرب، رأي وجهاً واحداُ فقط. فعندما وصف يوحنا العرش الإلهي أبرز تمايز أحداث التجسد والصلب والقيامة والصعود، وهي أحداث عايشها يوحنا الإنجيلي في مراحلها المتمايزة، لكن حزقيال الذي رأي من بعيد كان الأحداث تتراكم مع بعضها في نظره وتلاشت الفوارق الزمنية بينها لأنه يراها بروح النبوة وليس كأحداث حدثت فعلاً. ولتقريب المعنى نورد المثال التالي: إذا نظرنا إلى أي شيء من بعيد نرى له وجوهاً كثيرة، لكن إذا وضعناه أمام أعيننا لن نرى سوى الوجه المقابل لنا فقط.

والمجد لله إلى الأبد.

آمين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.